شرارة شوق

شرارة شوق

23 0

الفصل الثاني: شرارة شوق

بعد الحدث الذي صار في القاعة غادر الجميع وبقي راشد وليان فقط،كان راشد يحدق في ملامح ابنته منزعجاً بسبب استفسار إياس عنها تحدث إليها بتعبير مخيب للآمال:

— انتِ اياكِ ان تحتكِ بالرجال الذين يأتون اليّ هنا وهناك، أنا آتي بكِ هنا معي لغرض أن تتعلمي أمور القيادة وما يفعله أبناء الشيوخ أفهمتيّ؟

والا لوكان الأمر بيدي كنت ارغب ان احبسكِ داخل غرفة منزلنا حتى تأتي قسمتكِ المناسبة.

كونكِ وريثة لايعني اصبح لديكِ الحرية الكاملة تحكمي في قلبكِ جيداً والا ستلقين نفس مصير نساء عشيرتنا،حتى لو كنتِ أبنتي الوحيدة!

أجابت ليان والدها بتلعثم وهي تبتلع ريقها:

— ابي… أعني آسفة سيدي، أنا… أنا لم أفعل شيء أنا حتى لم اقاطع حديثكم أو اتدخل في المشكلة كنتُ هادئة اراقب من بعيد… ما ذنبي… أعني ما ذنبي أن لاحظني؟

أجابها راشد بصوت عالي صارخاً في وجهها:

— خطأكِ الوحيد انكِ امرأة ولا نقاش في هذا عودي الان للمنزل لا أحتاجك، أيضا علي أن أنتظر عودة هتان الأحمق.

ابتلعت ليان رمقها وأغلقت عينيها حبساً للدموع التي تلألأت من شدة الكلام.ضاغطة أسنانها على شفتيها قبل ان تستدير للخروج قالت بصوت مبحوح:

— آمرك سيدي.

كانت ليان تسير عبر ممرات القاعة ناوية الخروج عبر بابها الرئيسي لكي تعود لمنزلها والى غرفتها التي لطالما ترتمي إليها عندما تكون في أشد حزنها فهي حضنها الدافئ، بسبب ماتتلقاه من كلام من عشيرتها وباقي شيوخ العشائر وهي تمشي ذهنها مشغول بالأفكار، حتى وصلت اخيراً إلى مقبض الباب ضغطت اناملها حول المقبض وفتحتهُ ببطء ثم استدارت وخرجت.

في الجهة الأخرى الذي كان يقترب من قاعة الشيوخ، كانَ هتان يمشي وعلىٰ محياه ابتسامة فخر كأنه لم يقم بأي مصيبة من قبل، كانت قدماه تخطانّ بخفة كما لو أنه يسير على سطح غيمة لا أرض صلبة،غير مبالي بالهمسات من حوله التي تناقلتها الأفواه.

— أهذا هو هتان من قبيلة جذام؟ الذي كان سبب كارثة الحديث اليوم في القاعة؟

كيف يمشي وكأنه لم يفعل شيء؟ بل أين كان فالشيخ راشد يبحث عنه وينتظره.

لكنه لم يبالي بأي من هذه الأقوال بالنسبة له فهو لم يفعل أي مصيبة بل كان يسير مرتاح البال، يلقي الابتسامات المتصنعة هنا وهناك… ويلوح بيديه لتحية من مروا بجانبه وممن من هم يعرفونه.

ويداه معقودتان خلف ظهره بثقة ووقار وكأنه يملك هذا المكان وسيده،نظراته تفيض مكراً وسوادً كأن المصيبة التي أحدثها سابقًا مجرد لعبة يتسلىٰ بها أثناء ضجره كطفل صغير لا عقاب له.

لمحة وقتية صغيرة ومضت أثناء وصوله باب قاعة المشايخ، وإذ به يلمح سوادإ طويلاً تحركه نسمات الهواء باريحية، لاملامح لهذا السواد سوى جسد انثوي من يمعن النظر فيه ويتطاول حدوده فحتفه الوحيد هو الموت لامحالَ لا، لم يوقف هذا السواد لكي يلقي تحيته المعتادة، علا ثغره ابتسامة جانبية ماكرة لقد عرف هويتها فهي ليان ابنت الشيخ راشد سيد عشيرتهم.

كانت تخرج من باب القاعة لم تلمحه لكنه لاحظها.ادار وجهه ناحية الباب لكي يدخل فاتح مقبضه بواسطة أنامله الخشنة.

تقدمت خطواته الرنانة ببطئ امام راشد الذي يجلس على كرسي متصلباً حاد الطباع، رفعَ صوته كرعدّ يضرب الارض، كسوط يتدلىٰ بالسنة النار يحرق ألاشجار:

— هتان هل تعلم لماذا استدعيتك؟

قهقه هتان بضحكة تفوح منها رائحة المكر والخداع جلس مقابله بكل ثقة:

— أعلم يا شيخي العزيز… لكن من فضلك دعني اوضح الامور لك اولاً، قبل ان تحكم عليّ كما فعلوا.

رمقه راشد بنظره حادة مُشيراً بيده آذناً له بالحديث.

— الصفقة…. تنفس هو الصعداء مكملاً كلامه…

لم تكن سوى تجارة مالية مربحة من دون علم أياس كان كل شيء يسير بشكل جيد حتى قام احد الموظفين الذي لم نستطع رشوته لاغلاق فمه بسبب اخلاصه ووفائه الكامل الى أياس فمابلبيد حيلة حتى اكتشف أياس كل صفقاتي التي اقوم بها ب أسم شركته…

هكذا تأثرت شركته بسبب الخسائر والسمعة لانني كنت اقوم بها تحت رعاية اسم وسمعة شركته.

المال الوفير الذي وصلت له نعم غير مشروع…

انا أعترف بهذا، لكن لوعرف أياس بكامل الصفقات لكان مطلبه منك هو اعدامي شنقاً حتى الموت ولن يطفئ نيرأن قلبه. انت تعلم هذا ولهذا السبب لم أكن موجود عندما اتى مطالبا للقصاص في المجلس… لانه لو رأني حتما سيقتلني.

ضرب راشد عصاه بالارض فأصدرت صوت رعيد أُرتج في الارجاء.

— وهل تظنني سأظل أحميك من خطاياك يا هتان ؟ أياس لا يطلب إلا حقه، والقصاص شرع لا يرحم كيف سأقف أمامه وأقنعه أن ما فعلته يستحق الغفران لا الدم؟

رفع هتان رأسه متفاخراً عاقد ساقً فوق ساق بتعالي:

لأنك تعرف، يا شيخ ... إن خسرنا هذه الصفقة، نخسر نفوذنا. وأنا، مهما أخطأت، كنت أحاول أن أجعل اسمنا أقوى إن قتلتني بيد أياس ستخسرني ... وربما تخسر أكثر مما تظن.

سكت راشد، أنفاسه ثقيلة قلبه يتأرجح بين أمرين أن يقيم العدل ويعطي أياس القصاص، أو أن يراوغ، كما اعتاد الشيوخ أن يفعلوا حين تكون الكفة مثقلة بالمصالح.

ضاقت عينا راشد وهو يحدق في هتان:

- أنت لست سوى شاب متهور تظن أن المال سيحميك. لكن المال لا يوقف سيف أياس القصاص عنده دین... دم مقابل دم.

ابتسم هتان بسخرية، وأرخى جسده للخلف كأنه يجلس في مجلس مرح لا في محكمة موت:

— وماذا لو أعطيته شيئاً أثمن من الدم؟

ارتفع حاجبا راشد:

— أثمن؟ مثل ماذا؟

نهض هتان من مكانه واقترب بهدوء صوب الشيخ هامساً في اذنهِ اليمنى:

— أياس يريد حقه… والحق ليس دائماً بالسيف. الصفقة التي عقدتها، رغم قذارتها، تدر ذهباً يكفي ليغطي خسائره عشر مرات. إن أقنعته بأن يأخذ نصيبه، سيصمت. وأنت تعرفه، يا شيخ… الكبرياء عنده لا ينكسر، لكن الذهب… الذهب جرح.

ضرب راشد بكفه على مسند المقعد بعنف:

— أتجرؤ أن تساومني على شرع الله؟ أتريد أن أجعل القصاص ديناراً ودرهماً؟!

لم يرف لهتان جفن، بل زاد مكره وضوحاً:

— لا أساوم، بل أعرض عليك مخرجاً. إن نفّذت القصاص عليّ، تضعف عشيرتك وتخسر نفوذك. وإن راوغت… ربحتَني وربحتَ الذهب. اختر أي طريق يضمن بقاءك شيخاً فوق الجميع.

غاص راشد في صمت طويل، عيناه كأنهما تحترقان بنار مكبوتة. في داخله يدور في صراع:

كرامة الشرع والقصاص من جهة، ومصلحة العشيرة وثقلها من جهة أخرى. وأخيراً رفع رأسه وقال ببطء:

— سأحادث أياس… لكن إن قبل بالمال فذاك شأنه. وإن رفض… فلن أحميك بعد اليوم يا هتان.

ارتسمت على ثغر هتان ابتسامة نصرٍ خبيثة، وهو يطأطئ رأسه باحترامٍ زائف:

— هذا كل ما أطلبه، يا شيخ.

لم يكد هتان ينهض من مجلسه حتى عقد حاجبيه مصطنعاً الاهتمام، وقال بنبرةٍ ماكرة:

— بالمناسبة، يا شيخ… وأنا داخل القاعة، رأيت ابنتك ليان خارجة مسرعة.

تجمدت ملامح راشد، وانتصب في جلسته:

— وما شأنك أنتَ بابنتي؟

ابتسم هتان ابتسامة جانبية، ورفع يده كأنه يبرئ نفسه:

— لا شأن لي… لكن من الغريب أن أجدها وحدها عند أبواب المشيخة، بلا حرس ولا رقيب. في وقتٍ كهذا، والأنظار كلها عليك، أي همسة عنها قد تتحول إلى شائعة… والشائعة عند العشائر يا شيخ، قد تذبح.

ضاق صدر راشد، وعروقه برزت على جبينه:

— أُحذرك يا هتان… ذكْر اسمها أمامي خط أحمر.

هزّ هتان رأسه ببطء، وابتسم ابتسامة باردة:

— أنا فقط أنبّهك… لأن الأعين لا ترحم. أنت تعرف أياس، فضوله قاتل، وهو لم يسأل عنها في القاعة عبثاً.

ساد الصمت لحظة، قبل أن يطرق هتان بقدمه على الأرض بخفة، ويختم كلامه:

— إن أردتَ مني أن أُغلق فمي… فلا تجعل ابنتك تثير فضول الرجال.

احمرّت عيناه كأن الدم صعد لجبينه، وضرب كفّه على الطاولة حتى ارتجّت أركان القاعة. صوته انطلق كالرعد:

— إسمعني جيداً يا هتان… ابنتي ليست موضوعاً للنقاش، ولا ميداناً لسموم لسانك!

شرفي خط أحمر، ومن يقترب منه كأنه اقترب من عنقي أنا شخصياً.

اقترب بجسده إلى الأمام، نظرته كالسيف المسلول:

— ليان قد تكون امرأة في عينيك، لكنها عندي رمز الدم الذي يجري في كل رجال هذه العشيرة. كلمة واحدة عنها بغير حق… تجعل رأسك أقصر من لحيتك.

ثم شهق نفساً ثقيلاً، وأردف ببطء كأنه يسحق الحروف بين أسنانه:

— جئتني لتدافع عن صفقاتك النجسة؟ فافعل. لكن تجرؤك على ذكر ابنتي أمامي… هو جرم أعظم.

ضحَكَ هتان ضحكة سريعة، تسللت منها محاولة تطييب الجو وكأنها ورقة تُرمى أمام نار مشتعلة:

— يا شيخ راشد، لا تغضب… أنا مجرد رجل يُحاول أن يحافظ على مصلحته ومصلحة عشيرتنا. الكلام عن ليان؟ مجرد مبالغة، ومَن في المجلس يبالغ دائماً.

مرر كفه على لحيته بتكلف، وأضاف بصوت متهكم:

— إن أردت إغلاق هذا الباب فليس لدي مانع، وسوف ادفع ثمن ما ينبغي إن اقتضى الأمر. المال يزيل الألسنة، يا شيخ.

رمقَه راشد بنظرة جافة كالمِبْرد، لم يتأثر بالضحك أو التهريج:

— إن مالك يُطَهِّرُ معصيتك فذاك شأنك مع نفسك، لكن لا تجعلني أسمع أن امرأة من نسائي أُمسيَتْ لعبة بين فُكِّيك وخداعك.

اقترب راشد خطوة واحدة حتى بدا كمن يهمس بحكم الإعدام:

— أما أنتبَهت فاعلم: إن تجرأتْ كلمة ثانية عن ليان. سأجعل منك عبرةً لكل من ظن أن الشرف سلعة.

تبدل ملامح هتان لوهلة، وحاول أن يعيد ابتسامته المرنة على وجهه، لكن التلوين في عينيه بدا أخف:

— طيّب يا شيخ… طيّب. لن أفتح فمي عن الفتاة مرة أخرى. سأصلّح ما فعله بقدر الإمكان. لكن دعني أُذكّرك: إن أفشتَ أنت عن أمرٍ ما، فالمعركة لن تكون لمجرد مال.

راشد لم يرفّ له جفن، وكلماته كانت سكيناً تلفظها المحن:

— احذر أن تُعلّمنا السقوط في دروسك يا هتان. اذهب الآن، نظم أمورك، وادفع ما يلزم إياس إن أردت الحياة. وإياك أن تعود هنا بطعم الاستهتار.

ملاحظات سردية لما تناوله الفصل من مواضيع مهمه غايتها ليست الغوص في تفاصيل حياة الشخصيات وإنما معلومات ترفيهية ليست مملة يتعلمها الاخرون عن ثقافتنا وقوانينه العراقية.

القصاص:

القصاص عند العشائر العراقية هو عُرف اجتماعي قديم، يقوم على فكرة ردّ الفعل بمثله أو التعويض عنه. فإذا أضرّ أحد أفراد العشيرة بشخص من خارجها، يحق للمجني عليه أن يطالب بالقصاص، إما دم بدم، أو مال بمال، أو بما يسمّى عندهم "الفصل" الذي يُدفع كتعويض يحفظ الكرامة ويمنع الثأر. القصاص هنا ليس قانونًا مكتوبًا، بل اتفاق جماعي يُديره الشيخ ووجهاء القوم في مجلس عشائري.

اما العقوبة:

فهي مفهوم قانوني رسمي مرتبط بالدولة. من يخطئ أو يرتكب جريمة لا يُحاسب وفق أعراف أهله أو عشيرته، بل وفق ما تقرره القوانين المكتوبة. والعقوبة تُنزلها المحكمة باسم المجتمع كله، وقد تكون سجنًا أو غرامة أو إعدامًا، والهدف منها ليس فقط إرضاء المتضرر بل أيضًا حماية الناس وردع الآخرين.

وفقًا لقانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل:

المادة 453 (خيانة الأمانة): كل من أؤتمن على مال مملوك للغير أو عهد به إليه ثم استعمله بسوء قصد لنفسه أو لغيره، يُعاقب بالحبس أو بالغرامة.

المادة 456 (الاحتيال): كل من توصل بطرق احتيالية أو باتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة إلى الاستيلاء على مال الغير أو نقله، يُعاقب بالحبس.

وعليه، فإن قيام موظف بإبرام صفقات غير مشروعة خلف علم صاحب الشركة، وما ترتب عليها من خسائر، يُعد جريمة يعاقب عليها القانون، إضافةً إلى إلزامه بالتعويض عن الضرر.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لوعة العشق

المؤلف أوريليا
2025/09/10 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة