العنوان:لوعة العشق
المقدمة:
هو العشق الممنوع… وهي النار الموقوتة،
وهو الدم الموعود… وهي الخطوة المرهونة.
رجلٌ تهابه القبائل وتنكسر أمام سلطته السيوف،
بين خبث العشيرة وجنون الدم،
وبين سلطان النفوذ وضعف الحلم،
وُلدت اللوعة… ولوعة العشق لا ترحم.
فهل سينتصر العشق على الخطر، أم سيغرق بين الدماء؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفصل الأول: الممنوع مرغوب
صوت طقطقة اقدام تملأ المكان رهبة مثل صوت إنذار يدوي عندما يأتي وقت العاصفة. بدلة داكنة، نظرات حادة، واقفاً أمام قاعة الشيوخ، وأعضاء العشيرة تراقبه،وهمسات طنين تصدر بين الحاضرين عن فخامته وهيبته.
أما هي فهي هناك تراقب من خلال عينيها الساحرتين، عيناها بحران صافيان يختزلان أسرار العمر في عمقهما. جالسة قرب أبيها سيد عشيرتها وحاميها.
تراقب صاحب السترة بعينين مندهشتان، محاولة أن تخفي نيران اعجابها كسر صغير ان خرج للعلن ستكون نهايتها على يديه.
رعشة خفيفة سرت على جلدها الرقيق،وقفت وقفة شموخ قد تمَ فرضها عليها منذ صغرها، كانت الأفكار تعصف بذهنها لأنها تعلم مجرد النظر اليه هو خطأ يهلكها وإن قلبها قد يخونها قبل عقلها.
كلاهما تبادلا النظرات خلسة عن بقية الرجال الحاضرين، مزيج من المشاعر دب في قلبيهما:
الفضول،الخوف، الانجذاب.
كانت تعلم منذ رؤية سترته ذات السواد الفاحم، ناعمة كالحرير، الأزرار ذات اللون الفضي تتلألأ ببريق تأسر له الأنفاس يخبر العالم انه ليس مجرد شخص عادي، بل ثراءً فاحشاً يجسد شخصية واقعية يصعب أن يحطم أرقامه اي احد.
همس قلبها وهو يخفق: ابتعدي، ابتعدي فور أن تضعي نفسك في التهلكة… عشيرتك.. عشيرتك لن تسامحك لمجرد التفكير فيه هل سمعتي؟
شعرت في تلك اللحظة أن كل شيء آخر أصبح بلا معنى،الا رغبتها في ذلك الشيء الممنوع عنها.
رفعَ راشد رأسه عاليا ناظرا إلى جهة إياس بعينين قاسيتين منزعج من قدوم الرجل لأنه يعلم أنه لا يأتي إلا عندما يتسبب أحد له بالمشكلات.
نطق راشد بصوت مضجر واضعا يداه يد فوق يد على عصاه :
— مالذي جاء بك الى عشيرتي اليوم، يا إياس؟
أومأ إياس ونبس بصوت عابس الوجه واقفاً امام سيد العشيرة:
— راشد اتيت اليوم بسبب مشكلة سببها لي احد رجالك، وهو أحد أعضاء عشيرتكم يدعىٰ هتان معروف بين الجميع انه ماكر وخبيث.
ثم أردف إياس منزعجا رافعاً صوتهُ الى مسامع الحضور:
— لقد تجاوز حدوده في عملي.. وسبب لي خسائر فادحة في شركتي.
راشد عقدَ حاجباه متفاجئاً نظر الى بقية الشيوخ بقربه ثم عاد بنظره إلى إياس
صوته أصبح أكثر حدة من قبل :
— هتان تجرأ أن يعرض مصالح ضيفي للخطر؟ سوف استمع اليك عن كل تفصيلة قام بها هتان , يا إياس.
لكن بعد كل هذا الحوار تقدم إياس خطوة واحدة نحو راشد صوته حاد كنصل سيف يرغب بقطع أعدائه.
— راشد!! هذه المرة لن اقبل وعودك!! اريد القصاص بيدي.
تبدلت معالم الحضور بين غاضب وبين خائف وبينهم من هم متجمدين خوفاً مما قد يحدث.
تعلو على ملامح راشد إبتسامة باردة على ثغره قال ساخرا:
— أتجرأ يا إياس أن تطلب القصاص مني نا؟
واعتقد انك تعرف وضع عشيرتي؟ الدم لدينا ليس عبثاً!!
تقدم إياس أكثر نحو راشد والشرر يتطاير من بين عينيه :
— أعرفك جيدًا يا راشد... وأعرف أنك لن تؤذي من هم من أنسابكم. لكن هتان تجاوز كل خطوطي الحمراء، ضرب في رزقي وشرفي. وإن لم تأخذ بحقي ... فسوف أخذه بنفسي.
قهقهه راشد قهقهه ساخره:
— أتراك تهددني في عقر داري يا إياس؟ وتطالب بالقصاص أمام رجالي وكبار
عشيرتي؟
لوح بعصاه إلى الأعلى ثم ضربها في الأسفل حتى ارتج المجلس ومن به من شدة الضربة:
— انتَ تعرفني جيداً…. ولن أخضع لمطالبك.. ولكني ايضًا لا أنسى حق ضيوفي هل فهمت؟
سكت لحظة ثم أردف قائلا بملامح صارمة:
— هتان من دمي… ودمي لا يراق بيد غريب.. وإن كان لك حق تاخذه،بطريقتي لا بطريقتك!!
نطق إياس منزعجا لكن تعلو على ملامحه الهدوء:
— سأنتظرك أذن يا راشد ولكن أعلم يا راشد، إن لم تأتي لي بالقصاص كما قلت فلن يبقىٰ فلن يبقى بيننا سوىٰ الدم.
عم السكينة على أجواء القاعة بعد الاشتباك الحاد الذي حدث جلس راشد على كرسيهِ يحدق في إياس بعينين لا يرفُ لهما جفن، أما الحضور قد اكتفوا بالنظر الى بعضهم البعض.
وإياس توقف عن الكلام لأنه أدرك أن المجلس انتهىٰ وأن ما حدث قد حدث بالفعل فأدار نفسه نحو الباب معلناً انهُ ينوي الخروج، خطوات أقدامه ثابتة صوت ذهنهِ يهدد بالوعيد لكن قبل أن يبلغ العتبة خطاه وقبل أن تفتح أنامله مقبض الخروج. مستديراً نحو راشد، نطق سائلاً:
— تلك الفتاة بجانبك من تكون؟ انها الفتاة الوحيدة هنا بيننا نحن الرجال؟
كل من في القاعة رفعت صوت شهقاتهم خائفين من ملاحظته لها.همس أحدهم لنفسه:
— سيكون هالكاً لا محالة.
اطالَ راشدّ النظر وتأخر في الرد على سؤال إياس… كمثل شخص ينظف حلقة من شرارة نار تتلف حلقة، أجاب إياس مقتضباً:
— انها ابنتي ووريثتي الوحيدة من بعدي وسيدة عشيرة آل جذام. وإن من يمس ابنتي حرفًا فقط فهو يمسنا ككيان واحد،هي من دمي ولحمي ووعاهدتُ نفسي،أن من يقترب منها بغير إذن سأجعله عبرة للقبائل كلها، ولا يسمح لها بترك العشيرة إلا عندما أكون راضياً.
ارتسمت على شفتي إياس ابتسامة خافتة، أقرب للغموض منها للجرأة، وقال بصوت منخفض لكنه اخترق الصمت:
— جميل… الآن عرفت.
واستدار خارجًا من القاعة، يترك وراءه دخانًا من التوتر لا ينطفئ.
أما ليان… فقد وقفت ساكنة، قلبها يحترق بسؤال واحد لم تجرؤ حتى على التفكير فيه بصوت مسموع:
لماذا… شعرت للحظة أنه لم يسأل عبثًا؟
أوريليا