انقطعت الأصوات من حولي ، و تحولت الهمسات الى صرخات عالية صمت آذاني فأغلقتها بعنف، لم يخرجني من حالتي إلا يد السيد آيرون التي كانت تهز كتفي.
_ آنسة ميلين، ميلين، مابك؟ أجيبيني.
نظرت إليه بتعب و قطرات العرق تلمع على جبيني.
_ آسفة سيدي ما الذي كنت تقوله؟
_ سألت ما إذا كنت بخير أو لا ، شحب لونك و تعرق جبينك فجأة . اقلقتني.
_ اوه ، آسفة الأمر فقط أن دواري اشتد فجأة .
قلت تزامنا مع إلقائي نظرة على ساعة يدي:
_ علي الذهاب الآن لقد انتهت المدة التى حددها الاستاذ ، شكرا على إرشادي سيدي أنا ممتنة لك.
لم انتظر دقيقة واحدة ، كان همي الوحيد أن أغادر القاعة ثم المتحف حتى تختفي الأصوات، و احساس ان مجموعة من الأيادي تلتف حول ساقي لتسحبني و تعيدني.
صعدت الحافلة و جلست في أكثر الأماكن إزعاجا ، احتجت الى تلك الضوضاء العالية كي تخفي أصوات الصرخات. كلما ابتعدنا عن المتحف كلما خفت حتى اختفت تماما . لكن الاحساس بالذنب و كأنني فعلت شيئا خاطئا رافقني طول الطريق . عدت الى منزلي و اول شيء فعلته هو النوم .
.
.
.
فتحت عيناي ، و تعرفت على مكاني على الفور . إنه ذلك الحلم مجددا و نفس المرآة. اقتربت منها ووضعت يدي على انعكاسي فإذا به يتحول إلى انعكاس نار مشتعلة متشكلة على هيئة إنسان . طالبني بصوت عميق هادئ كالمعتاد:
_ اقتربي .
فاقتربت، كنت مشدوهة، شعرت كأنه واقع أكثر من كونه حلما . وضعت يدي على يد ذلك الكيان و ارحت جبيني على خاصته و اغمضت عيناي للحظات . سمعته يهمس لي :
_ اسرعي ... نحن نحتاجك .
امسك معصمي الأيمن تزامنا مع جملته و شعرت بحرارة تلفه و انسحب بعد انهائها .
استيقظت فزعة من فراشي و نظرت نحو يدي ، تخيلوا ماذا وجدت ...لقد كان وشم تنين ملتف حول معصمي.
شعرت بالاضطراب، الكثير من الاشياء الغريبة صارت تحدث معي و هذا الوشم أكبرها . حسمت أمري... سوف أعود للمتحف ، مهما كان ما يحدث معي ، فتلك المرآة لها دور كبير فيه .
خرجت من المنزل و استقلت سيارة أجرة ، أعطيت العنوان للسائق " متحف أوراوا " . بسبب الامطار الغزيرة استغرقت الرحلة ثلاث ساعات عوض اثنتين.
وصلت عند منتصف الليل، بمجرد ترجلي رفعت رأسي للسماء ، أردت رؤية القمر و النجوم ، دائما ما استمد طاقتي منها ، لكن لم أستطع رؤية أي شيء، ظننت أن الغيوم اخفتها بسبب الطقس ، لكن يبدو أن الأمر كان أكبر من ذلك.
اقتربت من باب المتحف ، و مرة أخرى، شعرت بالانجذاب،وضعت يدي عليه ، ليس و كأنني اتوقع أن يكون مفتوحا ، لكن ... فتح ! لم استخدم قوة كبيرة في دفعه حتى ! هذا دليل آخر على عدم أهلية موظفيك سيد آيرون .
كان الظلام دامسا مع غياب ضوء القمر ، لكن يبدو أن أقدامي تعلم بالفعل أين يجب عليها أن تذهب . وصلت إلى قاعة الآثار الاسطورية . قلبي بدأ ينبض بسرعة ، و تبا ، هذه الاحداث ستسبب حتما خروج شخصيتي الالف المحبة للاستكشاف و المغامرة.
كنت ارتدي قميصا ذا أكمام طويلة و شعرت بحرارة شديدة حول معصمي ، رفعت كمي ، وجدت الوشم مضيء بلون احمر قاتم ، أعدت نظري إلى المرآة و حتما سأفقد عقلي ، كان انعكاسي يتحرك باضطراب ثم فجأة ...اختفى تماما .لتظهر بضع خطوط حمراء و كأن أحدهم يرسمها من الجهة الأخرى، كانت كلمات لم أستطع قراءتها ، لغة قديمة ربما .
و ببطء اقتربت من المرآة ، لم أكن أعي ما أفعله ، لذا وضعت يدي اليمنى عليها . و...... غاصت بالداخل . لم أكن أملك وقتا كافيا للتفكير أو الصدمة أو حتى الخوف ،لأن في لحظة ما ، لا أعرف هل تم سحبي من يدي أو دفعي من ظهري ، كل ما أعرفه أنني خضعت لتلك القوة و أغمضت عيناي بشدة أثناء عبوري من خلال المرآة ، و صقطت أرضا.
كان بإمكاني أن استشعر تغير المكان حولي ، أن اشم رائحة العشب الرطب المختلطة برائحة التربة التي استلقي عليها و رائحة فتيل شموع أحرق . كما أدركت تماما أنني محاطة بعدة أشخاص ، أحدهم يملك حضورا طاغيا و مألوفا.
_ كنا بإنتظارك يا... سليلة التنين .
هذه كانت الجملة الوحيدة التي تسنى لي سماعها قبل أن افقد الوعي .
ساحرة الشفق