ألقيت التحية على الجميع بعد وصولي متأخرة . رجاءا لا تسيؤوا فهمي أنا لست اجتماعية إطلاقا، اكره الناس الاجتماعية التي تتحدث مع الجميع و كأنها تعرفهم منذ زمن . أنا انطوائية بعض الشيء لكنني أحرص على أن تبقى علاقاتي جيدة مع الجميع تحسبا لطوارئ قد تقع.
استغرقت الرحلة حوالي ساعتين ، عانيت جدا مع الحافلة المكتظة بالبشر كثيري الكلام ، لقد كانوا يتحدثون و يضحكون طول الطريق . يا إلهي هل يتناولون الراديو كإفطار ؟! لن أتفاجأ إن كانوا كذلك صدقا . عند ترجلنا شعرت كأنني نجوت من الجحيم . وجدنا رجلا في انتظارنا عرف نفسه بأنه المسؤول عن إرشاد الزوار .
عندما خطوت أولى خطواتي شعرت بشيء غريب ، تماما مثل قطعة حديدية تنجذب نحو مغناطيس. تجاهلت ذلك الاحساس و حاولت شغل نفسي بسؤال المسؤول حول الآثار المعروضة ، و حسنا هو لم يقصر من هذا الجانب ابدا .لقد بدا متحمسا وهو يروي لنا تاريخها . شعرت بالملل الشديد و اجتاحتني رغبة عارمة في سؤاله عن مدى صحة ما يقصه ، وفي النهاية ، خضعت لها :
_ عذرا عن المقاطعة سيدي لكن ، هل لي أن اسأل عن مصدر معلوماتك و قصصك ؟
_ إنها كتب التاريخ بالطبع آنستي، قرأت الكثير و الكثير منها . اكثر بكثير مما قرأت أنت طول حياتك.
سخريته مني كانت واضحة مما جعل بعض الاغبياء الذين معي يكتمون ضحكاتهم ، اعتقد انه استاء لأنني قاطعته، لكنني اعتذرت !! لقد بدا منتشيا و فخورا جدا بإنجازاته. استفزتني اجابته للغاية ، لذا فاجئته بسؤال آخر بعد أن ظن أنه قص لساني .
_ إذا أخبرني رجاءا عن مدى مصداقية كتب التاريخ التي قرأتها ؟ كيف تصدق حدثا تناقلته الألسنة لعقود او ربما لقرون ، لينتهي بها المطاف مجموعة حروف في كتاب ؟
كان تائها و مرتبكا و من الظاهر أنه لم يتوقع سؤالا كهذا بدأ يتلعثم و يتعرق ، و سرعان ما أراد أن يندفع بقول شيء لإنقاذ نفسه ، لكن تدخل رجل عجوز أوقفه . كان يبدو و كأنه ينحدر من عائلة نبيلة ، شعره و لحيته المشذبة بدقة اكتساهما البياض، بذلته البنية و عكازه الذهبي ، كل شيء فيه كان يصرخ بالاناقة و الثراء . لقد كان ذلك النوع من الناس الذين يملكون هالة واضحة يستحيل عدم ملاحظتها، هالته هادئة لكنها قوية تجبرك على احترام ذلك الشخص ، لكن ليس انا طبعا ، اتعامل مع من أريد بالطريقة التي أريد.
اقترب بهدوء و ثبات من حيث كنت أقف مع المسؤول الذي انحنى انحناءة بسيطة . و هنا قال الرجل العجوز :
_ يمكنك الانصراف ، سأتولى أمر الزوار من هنا.
انسحب المسؤول بهدوء و جعلتني هيئته أعتقد أنه كان يشكر الرجل في سره لتدخله. في حين التفت إلي هذا الأخير مادا يده .
_ أهلا آنستي ، أنا آيرون ، مالك هذا المتحف.
_ مرحبا بك سيد آيرون انا ميلين.
_ اعذريني آنسة ميلين ، كنت قد استمعت الى جزء من حديثك مع السيد جيمس ، و اعتراني الفضول كي اسمع إجابتك . لذا اسمحيلي آنستي أن أسألك، ما رأيك انت في مدى مصداقية كتب التاريخ؟
_ رأيي سيد آيرون ، أن كتب التاريخ كاذبة ، تقف بصف المنتصر حتى و إن كان ظالما، تجعل من ضحايا القصة أشرارها، و من مجريميها أبطالا تنظم فيهم الأشعار و تصور الجرائم على أنها انتصارات ضد قوى الشر . التاريخ يكتبه المنتصر فيمحوالحقائق و يجمل القتل . و بالمناسبة سيدي أنا لم اقصد سابقا أن احشر موظفك في الزاوية ، لكن ذلك الموقف جعلني أشك في أهلية موظفيك و قدرتهم في الإجابة على مثل هذه الأسئلة البديهية.
و تبا لي ، لقد تهورت بتحدثي عن هذه النقطة ، ما شأنك انت بأهلية موظفيه يا فتاة !
حمدا لله أنه لم يبدو عليه أي انزعاج أو تبرم ، بل اجابني بكل هدوء .
_ آنستي، إن العاملين في هذا المجال يجب عليهم تصديق كتب التاريخ لا التشكيك بها ، هذا ما تعلموه في مسيرتهم. و بالنسبة لأهلية موظفيني فلن يرتقي الجميع لمستوى معاييرك ،يكفي انه يجيد عمله .
كان بقية الطلبة قد تفرقوا بعد أن أعلن الاستاذ أن لهم حرية التجول في المتحف مع مراعاة القوانين ، و ستكون نقطة الالتقاء بعد ساعتين عند الحافلة.
_ اذا هل لديك أسئلة أخرى آنستي، انا مستعد للإجابة عنها .
_ أجل من فضلك ، عل يوجد هنا قسم للآثار الاسطورية ؟
_ بالتأكيد، اتبعيني .
كنت أسير خلفه و مررنا عبر ممر طويل مزين بلوحات قديمة ،
عند اقترابنا من نهايته أشتد الاحساس بالجذب و كأن شيئا ما كان يسحبني، شعرت ببعض الدوار ، شعرت بنفحات تداعب خصلات شعري و همسات خافتة بدت بعيدة جدا فأشفقت عليها الرياح و حملتها لمسامعي ، حاولت التركيز معها ، و صدمت ، لقد كانت همسات أصوات جماعية تحثني على الإسراع. هززت رأسي بعنف حتى تخف الأصوات ظننتها هلوسات نتيجة الدوار الذي شعرت به . لاحظ حركتي السيد آيرون فالتف ناحيتي بقلق و سألني :
_ هل أنت بخير آنسة ميلين ؟ تبدين شاحبة .
_ اوه لا ، انا بخير شكرا لسؤالك سيدي ، فقط دوار بسيط و سيخف .
_ حسنا إذا .
تابعنا طريقنا حتى وصلنا إلى باب خشبي كبير ، و اشتدت أصوات الهمس . دخلنا الى قاعة كبيرة كانت مقسمة لثلاثة أجزاء.
_ هنا آنستي ، تفضلي ، هنا القسم الأول و هو قسم الاسلحة الاسطورية ، جميعها وجدت بمواقع قديمة في اليونان يمكن أن تكون حقيقية او مزيفة ولكن مايبقى ثابتا هو قيمتها التاريخية . و هنا في الوسط قسم الكنوز و الأحجار الكريمة ، من القصص التي تروى عن الخاتم الذهبي للملك ثيسيوس الاسطوري أنه كان وسيلة هذا الأخير لأثبات نسبه لابن الإله بوسيدون الذي يحكم البحار و يقال انه من ابتكر الخيول .
و هذا القسم الأخير هو قسم المرايا الاسطورية.
استمر السيد آيرون في شرحه حول المرايا الموضوعة في القسم الثالث ، ما إن حولت نظري إليها حتى انقطع تفكيري عن الواقع و انحبست انفاسي ...... إنها نفس المرآة التي أراها في حلمي .
ساحرة الشفق