الليل كان يزحف ببطء على أفق نابولي، يلون السماء بظلال حبرية متقطعة بأنفاس البحر. على شرفة مرتفعة من طرازٍ كلاسيكي، وقف ليوناردو كمن يملك العالم، يطل على المدينة التي كانت، ولا تزال، عرشه غير المعلن. نسيم البحر يعبث بخصلات شعره الداكنة، بينما في يده كأس كريستالي من النبيذ الأحمر، يتأمل فيه وكأنه يقرأ أسرار الدماء قبل أن تُسفك.
لم يكن ليوناردو بحاجة لرفع صوته حتى يُسمع؛ كل من حوله كان يفهم لغة عينيه قبل كلماته. على الطاولة خلفه، خرائط، صور، وأوراق تحمل أسماء وأرقام، جميعها تشكل شبكة معقدة من الخطوط التي تتقاطع عند مركز واحد: اسم إيزابيل.
دخل أحد رجاله، شاب ضخم الجثة يرتدي بدلة سوداء ضيقة على جسده الممشوق، انحنى قليلًا ثم قال:
"الطرد من مدريد وصل قبل ساعة، وكل شيء كما طلبت."
التفت ليوناردو ببطء، ملامحه لم تتغير، لكنه وضع الكأس على الطاولة وكأنه يضع حجرًا أخيرًا في لوحة شطرنج طويلة.
"جيد… هذا يعني أن عرضنا لها سيصل قبل أن تصل هي إليّ."
ابتسم ابتسامة بالكاد تُرى، ابتسامة من يعرف أن الفريسة ستدخل القفص وهي تظن أنه مفتوح. ثم أشار بيده لرجل آخر كان يقف في الظل، قال له بصوتٍ منخفض:
"أخبرهم… أني مستعد للرقص."
تقدّم الرجل خطوة إلى الأمام، كان وجهه نصف مغطى بالظلام، لكنه هز رأسه موافقًا، وغادر بخطوات ثابتة.
عاد ليوناردو إلى شرفته، عينيه على الأفق حيث البحر يلتقي بالسماء، وهمس بصوت يكاد يكون موجهًا لنفسه:
"كل شيء يبدأ هنا… وكل شيء سينتهي هنا."
لم يكن يدرك أن تلك الليلة ستكون الشرارة التي ستجعل ظلاله تلتقي بظلالها، وأن ما يربطهما أعمق من مجرد عداوة أو صفقة… بل تاريخ لم يكتبه أحد بعد.
كانت سماء المدينة ملبدة بغيوم ثقيلة، كأنها تحمل سرًّا أسود لا يريد أن ينكشف. من على شرفة عالية تطل على الميناء، وقف ليوناردو، كتفاه العريضتان مشدودتان، ويداه خلف ظهره، يراقب الأضواء المتراقصة على صفحة الماء المضطربة.
لم يكن الرجل الذي يقف هناك مجرد زعيم مافيا عادي، بل كان تجسيدًا للقوة الهادئة، تلك التي لا تصرخ ولا تهدد، لكنها تحكم بقبضة من حديد.
صوت خطوات اقترب خلفه، حذر لكنه متوتر، ثم انحنى أحد رجاله وقال:
ـ "كل شيء جاهز كما أمرت، السفينة ستصل منتصف الليل... ومعها الشحنة."
لم يلتفت ليوناردو، بل أطلق ابتسامة بالكاد تُرى، ابتسامة تحمل أكثر مما تقول الكلمات.
ـ "منتصف الليل..." همس وكأنه يختبر وقع الكلمة، ثم أضاف ببرود: "أريد أن أعرف من سيكون في الميناء قبل أن ترسو السفينة... لا أريد مفاجآت."
كان يعلم أن الأيام القادمة لن تكون مثل ما مضى؛ هناك من بدأ يعبث بميزان القوى، من يتحدى اللعبة من الداخل.
أخذ نفسًا عميقًا من سيجارته، ثم نفث الدخان ببطء، وكأنه يرسم في الهواء صورة العدو الذي لا يزال مجهولًا بالنسبة له... أو ربما لم يعد مجهولًا تمامًا.
في زاوية عينيه، كان وميض ذكرى يعود: تقارير، أسماء، وصورة امرأة ذات نظرة متحدية... إيزابيل.
لم يكن قد التقاها من قبل، لكن خيوط اللعبة بدأت تجذبه نحوها رغماً عنه.
رفع عينيه إلى الأفق المعتم وقال بهدوء قاتل:
ـ "حان الوقت لأرى... إن كانت هذه المرأة حقًا تستحق أن تُذكر في عالمي."
🙃🙂😊
الميناء في تلك الليلة كان أشبه بوحش نائم، أنفاسه تأتي من هدير الأمواج، وعروقه من أضواء السفن التي تتحرك ببطء، كأنها تحترم صمته.
على الشرفة العالية، ظل ليوناردو واقفًا، عيناه لا تتركان الميناء. لم يكن ينظر إلى سفينة بعينها، لكنه كان يرى ما وراءها؛ يرى الخطر قبل أن يصل، والخيانة قبل أن تولد.
منذ أسابيع، توالت التقارير من رجاله عن تحركات غامضة، أسماء جديدة تتردد في السوق السوداء، وشخصيات مجهولة تحاول الاقتراب من شبكته. كان معظمهم يُسحقون قبل أن يصبحوا تهديدًا، لكن هذه المرة، الأمر مختلف.
كان الاسم الذي يتردد غريبًا على عالمه: إيزابيل.
لم يعرف بعد إن كانت مجرد بيادق في لعبة أكبر، أم أنها هي التي تحرك القطع. لكن ما يعرفه جيدًا، أن أي شخص يدخل هذا العالم بلا إذنه... يخرج منه بلا حياة.
صوت المطر بدأ يطرق سقف الشرفة، ومعه جاء ماركو، ذراعه اليمنى، رجل قصير القامة لكن قسوته تفوق قامة أي شخص.
ـ "سيدي، وردت أنباء أن هناك عملية في الحي الشرقي الليلة... نفس المنطقة التي فقدنا فيها اثنين من رجالنا الأسبوع الماضي."
ألقى ليوناردو نظرة جانبية، وكأنه يقرأ في عيني ماركو أكثر مما يسمع في كلماته.
ـ "ومن يقود العملية؟"
ـ "لا نعرف بعد، لكن... هناك إشاعات تقول إنها هي."
أطفأ ليوناردو سيجارته، وسحقها تحت حذائه ببطء، ثم قال:
ـ "اتركوها تتحرك كما تشاء... أريد أن أرى لأي مدى تظن أنها تستطيع اللعب بالنار."
في الطرف الآخر من المدينة، كان المشهد مختلفًا.
الحي الشرقي، حيث الأزقة الضيقة التي تفوح منها رائحة الأمطار الممزوجة بالصدأ، وحيث الضوء البرتقالي الخافت لمصابيح الشوارع بالكاد يكشف الملامح. هناك كانت إيزابيل تتحرك بخطوات ثابتة، مرتدية معطفًا أسود طويلًا يخفي جسدها النحيل.
لم تكن وحدها، بل خلفها رجلان من فريقها: آرون، بملامحه الحادة وعيونه التي تفحص كل زاوية، ومايكل، الأكثر هدوءًا لكنه لا يقل خطورة.
ـ "تذكري، الهدف الليلة هو الاستيلاء على المستودع، لا قتال غير ضروري." قال آرون بصوت منخفض.
ابتسمت إيزابيل ابتسامة قصيرة وهي تتفحص الخريطة الإلكترونية على جهاز صغير بيدها:
ـ "أنا لا أحب القتال غير الضروري... لكنك تعرف أن الضروري يأتي دائمًا من تلقاء نفسه."
كانت تعرف أن هذه العملية ليست مجرد استيلاء على مستودع؛ كانت خطوة محسوبة لإرسال رسالة. المستودع ملك لرجل واحد... ليوناردو.
الساعة كانت تقترب من منتصف الليل، والمطر يشتد.
في الميناء، جلس ليوناردو داخل مكتبه الزجاجي المطل على البحر، يراقب شاشات المراقبة التي تنقل له كل زاوية من الحي الشرقي.
في إحداها، ظهرت صورة امرأة تتحرك بخفة وسط الظلال. لم يكن وجهها واضحًا، لكن طريقة سيرها، ثقتها، جعلت قلبه يلتقط الإشارة قبل عقله.
ـ "هي..." همس.
رفع نظره إلى ماركو وأمره:
ـ "اتصل برجلينا في الحي... أخبرهم ألا يتدخلوا. أريد أن أرى إلى أين ستأخذها هذه الجرأة."
في المستودع، كانت إيزابيل وفريقها قد اخترقوا البوابة الخلفية بصمت، متجاوزين الحراس القلائل.
لكن ما لم تكن تعلمه أن المكان كان مجهزًا بكاميرات مخفية، وكل حركة منها تُرسل مباشرة إلى عين الرجل الذي تجرأت على سرقته.
بينما كانت تتفحص الحاويات، وجدت صندوقًا صغيرًا مميزًا عن البقية، مغلقًا بقفل معدني ثقيل.
ـ "هذا ما نريده." قالت وهي تركع لتفحصه.
آرون نظر حوله بتوتر:
ـ "لدينا دقيقتان قبل أن يعود الحراس إلى جولتهم، علينا الإسراع."
ابتسمت وهي تخرج أداة صغيرة من جيبها، وبحركة خبيرة فتحت القفل. داخل الصندوق، كان هناك ملف أسود، عليه ختم ذهبي محفور بحرف L.
في مكان آخر، على الشاشة أمام ليوناردو، ظهر المشهد بوضوح.
ـ "أخذت الطُعم..." قال بابتسامة باردة.
كان ليوناردو واقفاً أمام نافذة مكتبه الزجاجية الشاهقة، يطل على المدينة التي بدت تحت الأضواء الليلية كلوحة فوضوية من النار والذهب. في يده كأس كريستالي نصف ممتلئ بشراب داكن، وفي عينيه بريق رجل يعرف أنه يمسك بخيوط لعبة أكبر من أن يفهمها الآخرون.
تحركت شفاهه بابتسامة بطيئة، تلك الابتسامة التي لا يعرف أحد إن كانت تعني الترحيب أو الوعيد. خلفه، على الطاولة الخشبية الواسعة، كانت الملفات مبعثرة بطريقة تبدو عشوائية، لكنها في الحقيقة مرتبة بعناية مهووسة. كل ورقة هناك تحمل جزءاً من خطة، وكل صورة تحمل وجهاً لشخص إما أنه أداة… أو ضحية.
خطوات ثقيلة اخترقت صمت الغرفة، ودخل الحارس الشخصي المعروف بلقب "راميرز". رجل ضخم، كتفاه أعرض من باب المكتب تقريباً، وصوته كالرعد المكبوت. قال وهو يضع ملفاً أسود أمام ليوناردو:
"هذه آخر التحركات من جهة المنظمة. يبدو أنهم بدأوا يحشدون فرقهم في الميناء الشرقي."
لم يلتفت ليوناردو فوراً، بل أخذ رشفة طويلة من كأسه قبل أن يضعه ببطء على الطاولة، كما لو كان يزن الكلمات التي سيقولها.
"الميناء الشرقي… إذاً، هم يعتقدون أنني سأذهب إليهم. ذكي، لكنهم نسوا أني لا أذهب لأي مكان… بل أجعل كل الأماكن تأتي إليّ."
جلس في مقعده الجلدي العريض، وأخذ الملف بيده. قلب الصفحات ببطء، وكل صورة كانت تحرك شيئاً في رأسه؛ ملامح رجال مسلحين، خرائط مختومة، وشبكات اتصال. لكن أكثر صورة توقف عندها كانت لامرأة…
امرأة ذات شعر داكن ينسدل على كتفيها، وعينين كأنهما تحملان قصصاً لا يعرفها أحد. كانت إيزابيل، تلك التي لم تكن مجرد اسم على لائحة أعدائه. هو يعرفها… يعرف قوتها، ويعرف أن اقترابها من قلب الصراع لن يكون صدفة.
أغلق الملف فجأة، وأسند ظهره إلى المقعد، ثم قال بصوت منخفض أشبه بالهمس:
"إيزابيل… إذاً، اللعبة بدأت حقاً."
لكن ما لم يكن يقوله هو أن اللعبة لم تكن مجرد معركة بين منظمة وأخرى… بل كانت تتعلق أيضاً بتلك المسافة الخفية بين الرغبة والعداء.
في هذه اللحظة، كان عقله يرسم سيناريوهات كثيرة؛ كيف ستظهر، كيف ستتحرك، كيف ستحاول السيطرة على فريقها… وكيف، بطريقة ما، سينتهي الأمر بها في دائرته الخاصة، سواء أرادت ذلك أم لا.
صوت الهاتف الأرضي قطع أفكاره. التقطه ببطء، وعيناه لا تفارقان صورة إيزابيل في الملف. جاءه الصوت على الطرف الآخر سريعاً، متوتراً:
"سيدي، هناك تحركات غير اعتيادية قرب الميناء… لكن الأمر الغريب أن بعض رجال المنظمة بدأوا بالانسحاب فجأة، وكأنهم يتلقون أوامر من جهة أخرى."
رفع ليوناردو حاجبه، وكأن قطع الشطرنج بدأت تتحرك بطريقة غير مألوفة.
"أبقِ عينيك مفتوحتين. أريد كل شيء… كل همسة، كل ظل، كل رصاصة غير مطلوبة. وفوق كل ذلك… إذا ظهرت إيزابيل، فأنت تعرف ما يجب فعله."
أغلق الهاتف وأشعل سيجاراً، يراقب الدخان وهو يتصاعد ببطء نحو سقف الغرفة. كانت رائحة التبغ تلتصق بالهواء، وتنساب كما تنساب أفكاره نحو الاحتمالات.
في الخارج، كانت المدينة تتنفس على إيقاع الصفقات السرية والرصاص المكتوم. وفي مكان آخر، كانت إيزابيل تستعد لخطوتها الأولى… غير مدركة أن رجلاً مثل ليوناردو لا يكتفي بمراقبة أعدائه من بعيد… بل يعرف دائماً متى يتقدم ليكسر القواعد.
تحت الأضواء الخافتة التي تتراقص على جدران الممر الطويل، كان صدى خطواته ينساب ببطء، ثقيلًا، وكأن كل خطوة تحمل معها رسالة تهديد غير منطوقة. ليوناردو، ببدلته السوداء التي حاكت جسده كوشاح من الظلام، كان يمشي وكأنه سيد المكان، لا يهمه شيء سوى الهدف الذي جاء من أجله. عيناه الحادتان، أشبه بشفرات مسنونة، مسحتا أرجاء الممر قبل أن تثبت على الباب المعدني الكبير في نهايته.
مدّ يده، أصابعه الطويلة والمغطاة بقفازات جلدية سوداء قبضت على مقبض الباب، ودفعه ببطء، ليصدر صريرًا كأن المكان نفسه يتألم من دخوله. كان الداخل غرفة واسعة، ممتلئة بأجهزة حاسوب وأضواء شاشات متوهجة، وفي وسطها طاولة طويلة تحيط بها كراسي فاخرة، يجلس عليها رجال بوجوه متوترة.
صمت الجميع عند دخوله، كأن الهواء نفسه توقف عن الحركة. كان في نظرهم مزيجًا من الخطر والهيبة، رجل لا يمكن التنبؤ بخطوته التالية. ابتسم ابتسامة جانبية باردة، ثم قال بصوت عميق كأنما يصدر من أعماق الأرض:
"أعتقد أنكم كنتم بانتظاري."
ارتجف أحدهم، محاولًا أن يبدو ثابتًا وهو يرد:
"كنا… نعم، كنا نناقش الأمر قبل وصولك."
تقدم ليوناردو ببطء، ووضع كفه على الطاولة، مائلًا بجسده للأمام حتى أصبحت عيناه على مستوى الرجل الذي تحدث. كانت المسافة بينهما قصيرة بما يكفي ليشعر الآخر بحرارة أنفاسه، لكن برودتها كانت كأنها تأتي من شتاء لا ينتهي.
"لا أناقش، أنا أقرر."
ساد الصمت مجددًا، قبل أن يجلس على رأس الطاولة، متكئًا للخلف، وبدأ يراقب الوجوه واحدًا تلو الآخر. كل منهم كان يحاول تجنب نظراته، لكن عينيه كانتا كالمغناطيس، تجبرك على النظر رغمًا عنك.
في زاوية الغرفة، كانت شاشة تعرض صورًا من كاميرات مراقبة في أرجاء المدينة. لمح صورة لسيارة سوداء تسير بسرعة في أحد الأحياء المهجورة. ملامح عينيه تغيرت، وبدت شرارة اهتمام واضحة، قبل أن يطلب تكبير الصورة.
ظهر في الصورة وجه مألوف بالنسبة له… إيزابيل. كانت خلف المقود، عيناها مركزتان إلى الأمام، ووجهها يحمل مزيجًا من التركيز والجرأة. ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة، لكنها كانت ابتسامة لها معنى خفي، ابتسامة صياد يعرف فريسته جيدًا.
"حسنًا… يبدو أن الأمور ستصبح مثيرة أكثر."
أدار رأسه نحو رجاله، وأصدر أوامر مختصرة:
"راقبوها… لكن لا تقتربوا كثيرًا. أريد أن أراها وهي تظن أنها تتحكم باللعبة."
في تلك اللحظة، لم يكن أحد منهم يدرك أن هذا اللقاء البعيد كان بداية لخيوط معقدة ستتشابك بينهما، خيوط من الدماء والتحالفات المؤقتة والرهانات على أرواح الآخرين.
وبينما كان ليوناردو يخطط في الخفاء، كانت إيزابيل، في مكان آخر من المدينة، تجلس في مؤخرة سيارة مصفحة مع فريقها. يدها تمسك خريطة إلكترونية، وصوتها يقطع الصمت وهي تقول:
"علينا أن نتحرك الآن… إذا تأخرنا دقيقة واحدة، سيسبقوننا."
أحد رجالاتها، ذو لحية خفيفة وعينين لا تعرفان الخوف، ردّ بثقة:
"إلى أين نحن متجهون؟"
ابتسمت وهي تغلق الخريطة:
"إلى قلب المنظمة… وسأكون أنا من يمسك بزمام القيادة هذه المرة."
كان الطريق أمامهم مليئًا بالمخاطر، لكن في أعماقها، كانت تعرف أن المواجهة مع ليوناردو قادمة لا محالة… وأنها قد تكون إما بداية النهاية، أو بداية قصة مختلفة تمامًا.
كان الليل يزحف على المدينة كوشاح أسود مثقل بالأسرار، والأنوار الخافتة تتساقط من نوافذ الأبنية كقطرات ذهب تائهة. في أحد الطوابق العليا لفندق فاخر، كان ليوناردو يقف أمام جدار زجاجي يمتد من الأرض حتى السقف، يطل على مشهد العاصمة المترامية. سيجارته تحترق ببطء بين أصابعه، والدخان يتصاعد في دوامات تتلاشى قبل أن تبلغ السقف، كما لو كان يتلاعب بوقت خصومه قبل أن يسحقهم.
كان جسده يميل قليلًا إلى الأمام، كمن يراقب صيدًا بعيدًا. نظراته لم تكن مجرد مراقبة… كانت عملية مسح دقيقة، وكأن عينيه تلتقطان تفاصيل لا يمكن أن يلحظها أحد غيره: سيارة سوداء توقفت في الزاوية، ظل رجل يراقب من خلف عمود إنارة، انعكاس طفيف في مرآة متجر مغلق.
انفتح باب الجناح خلفه بصوت خافت، ودخل أحد رجاله، ماركو، بخطوات محسوبة.
ـ "كل شيء جاهز، سيدي."
أجاب ليوناردو دون أن يلتفت: "وماذا عن الحفلة الصغيرة التي دُعينا إليها الليلة؟"
ـ "المضيف لا يعرف حتى أننا سنكون هناك."
ابتسم ليوناردو ابتسامة مائلة، كأنها نصف سخرية ونصف وعد بالخراب. "جيد… أحب المفاجآت."
جلس على أريكة جلدية سوداء، وبدأ يقلب في ملف سميك وضعه ماركو على الطاولة. صور، أسماء، أرقام حسابات، خرائط. كان اسم واحد يتكرر في عدة صفحات: إيزابيل.
ظل يقرأ بهدوء، لكن ملامحه كانت تتصلب تدريجيًا. تلك المرأة، كما يبدو، لم تكن مجرد عضو في فريق استخبارات خاص… بل كانت الآن أقرب إلى عاصفة تتجمع على حدود إمبراطوريته.
ـ "هل نتابع المراقبة المعتادة؟" سأل ماركو.
أجاب ليوناردو وهو يضع الملف جانبًا: "لا… نغير القواعد. أريدها أن تعرف أننا نراها. أريد أن تشعر بالضغط قبل أن نقترب منها."
ـ "لكن هذا قد يدفعها للهجوم أولًا."
ـ "تمامًا." قالها وكأنها أجمل فكرة في العالم.
في مكان آخر من المدينة، كانت إيزابيل تستعد لليلة مختلفة. غرفة التدريب في المقر المؤقت ضجت بأصوات الطلقات الوهمية وارتطام الأقدام بالأرضية. كانت تتحرك بين أعضاء فريقها بتركيز، تعطي الأوامر، تصلح الأخطاء، وتعيد صياغة الخطة مرارًا. لكن خلف ذلك الوجه الحازم، كان هناك إدراك عميق بأن الصدام مع منظمة ليوناردو لم يعد مسألة إذا، بل متى.
توقفت فجأة عندما دخلت كلارا، المسؤولة عن الاستخبارات الإلكترونية، وهي تحمل جهازًا لوحيًا.
ـ "لدينا مشكلة."
رفعت إيزابيل حاجبها: "قولي."
ـ "لقد اخترقوا شبكة الاتصالات الاحتياطية… وتركوا رسالة."
ـ "رسالة؟"
مدّت لها الجهاز، وظهر على الشاشة مقطع فيديو قصير: ليوناردو، جالس على مكتبه، ينظر مباشرة إلى الكاميرا، ويقول بابتسامة هادئة: "أراك قريبًا… قائدة."
لم تشعر إيزابيل بالصدمة، بل بشيء أقرب إلى الحذر الممزوج بالفضول. لماذا يختار أن يكشف نفسه الآن؟ لماذا هذه النبرة التي تحمل في طياتها تهديدًا… ودعوة في آن واحد؟
اقتربت من الطاولة، وضغطت على الخريطة الرقمية التي عرضتها كلارا. نقاط حمراء صغيرة ظهرت في محيط مناطق عملهم… كانت كلها مواقع مراقبة جديدة.
ـ "إنه يضيق الخناق." قالت كلارا.
ـ "بل يدعونا للرقص." ردت إيزابيل وهي ترتدي معطفها الجلدي، ثم أضافت بنبرة قاسية: "لكننا سنقود الرقصة هذه المرة."
في تلك الليلة، كان قمر نصف مكتمل يطل من بين الغيوم، والمدينة تستعد لنومها… لكن في شوارعها الخلفية، كانت الخطة الأولى من حرب الظلال تُكتب بحروف لا تُرى.
كان الليل قد تمدد على أرجاء المدينة مثل عباءة ثقيلة تخفي تحتها أسرارًا مظلمة، والأضواء المتقطعة للميناء ترسم خطوطًا باهتة على سطح المياه التي تتلاعب بها الرياح.
إيزابيل، بملامحها الصلبة ونظرتها التي صارت أكثر حدة، كانت تجلس في قلب مقرهم المؤقت، على طاولة حديدية تتوسط غرفة ضيقة تحيط بها خرائط وأوراق استخباراتية وصور لأهداف المنظمة.
صوت الباب المعدني انفتح ببطء، ودخل أحد أفراد فريقها، جيمس، وهو يلهث وكأنه ركض طوال الطريق.
"لقد تحركوا… المنظمة أرسلت شحنة جديدة، لكن هذه المرة ليست أسلحة… بل شيء أكبر."
إيزابيل رفعت حاجبها، ونبرة الشك تتخلل صوتها:
"أكبر؟ ما هو بالضبط؟"
جيمس ابتلع ريقه: "سموم بيولوجية… إذا وصلت إلى وجهتها، المدينة ستنهار."
لم يكن أمامها ترف الوقت، لكنها لم تفقد رباطة جأشها، بل انحنت نحو الطاولة وأشارت إلى الخريطة:
"أريد كل المسارات المحتملة. سنقطعهم قبل أن يتنفسوا."
وفي تلك اللحظة، دخل ليوناردو.
لكن هذه المرة، لم يكن حضوره مثل السابق، لم يكن مجرد رجل يقف في الظل. كان يقترب، ببطء، حتى صار خلفها مباشرة.
لم يلمسها، لكنه جعلها تشعر بوجوده بكل ذرة في جسدها.
"أنتِ تلعبين لعبة خطيرة، إيزابيل."
لم تلتفت إليه، لكنها ردت:
"وأنت تعرف أنني لا أختار إلا الألعاب التي تستحق المخاطرة."
ابتسم نصف ابتسامة، وكأنه يستمتع بسماعها تتحدى، قبل أن يقول:
"إذا أردتِ الفوز على المنظمة، عليكِ أن تلعبي وفق قواعدهم… أو تكسرينها تمامًا."
عيناه كانتا تتفحصانها، ليس فقط كقائدة، بل كامرأة قادرة على إشعال النار في أي طاولة تجلس عليها.
إيزابيل شعرت أن المسافة بينهما تتقلص بطريقة لم تخطط لها.
لكنها كانت ذكية بما يكفي لتعرف أن الاقتراب من ليوناردو ليس مجرد انزلاق عاطفي… بل خطوة داخل حقل ألغام.
وبينما كان التوتر بينهما يشتعل في الصمت، رنّ الهاتف الأرضي بصوت حاد، قاطعًا اللحظة.
أمسكت السماعة، وعيناها على ليوناردو، وكأنها تتحدى الزمن نفسه ألا يبعده عنها.
الصوت على الطرف الآخر كان متقطعًا:
"إيزابيل… وقعنا في كمين… إنهم يعرفون أننا قادمون!"
في لحظة، تغيّرت ملامحها من الصلابة إلى الاستنفار الكامل، لتقفز من مكانها، وتلقي نظرة خاطفة على ليوناردو، وكأنها تقول له بلا كلمات: "إما أن تكون معي… أو ضدي."
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، والمدينة تستسلم تدريجيًا لظلام يبتلع الأزقة الضيقة والشوارع الخالية إلا من أصوات السيارات البعيدة وصفير الرياح الباردة. في المقر المؤقت للفريق، كان الجو مشحونًا، أشبه ببرميل بارود على وشك الانفجار.
إيزابيل جلست على طرف الطاولة الخشبية الكبيرة، وذراعاها متشابكتان، نظراتها تتنقل بين الخرائط المبعثرة وتقارير العمليات الأخيرة. لم تكن كلمات ليوناردو تخرج من رأسها، ذلك الصوت العميق المليء بالثقة الذي تحداها أمام الجميع في الجزء السابق، وكأنه أراد اختبار صلابتها.
أمامها، وقف ليوناردو، يضع مسدسه على الطاولة ثم يفتح حقيبة صغيرة أخرج منها جهاز اتصال مشفر. قال ببرود:
— "لدينا نافذة زمنية لا تتجاوز ثلاث ساعات قبل أن تتحرك المنظمة نحو هدفنا القادم."
رفعت حاجبها بحدة:
— "وأين كان فريقك عندما فشلنا في صدهم الليلة الماضية؟"
ابتسم ابتسامة جانبية، تلك الابتسامة التي تحمل استفزازًا مقصودًا:
— "كانوا يحمون ظهرك، لكنك كنتِ مشغولة بتوجيه أوامر غير مدروسة."
ضربت الطاولة بيدها، فاهتزت الأوراق. صمت المكان للحظة، قبل أن يتقدم أحد رجالها محاولًا تهدئة الوضع، لكن ليوناردو أشار له بالتوقف.
— "دعيه،" قالت إيزابيل وهي تتنفس ببطء، "أريد أن أسمع كل ما لديه."
اقترب منها خطوة بخطوة، حتى صار بينهما أقل من متر، وصوته ينخفض وكأنه يزرع كلماته في أعماقها:
— "القائد لا يصرخ ليثبت نفسه، القائد يجعل الجميع يتبعه حتى وهو صامت."
كانت تلك الجملة كخنجر بارد اخترق قلبها، لكنها لم تتراجع. رفعت رأسها وقالت بثقة لم يعتدها حتى فريقها منها:
— "إذن راقبني، وسترى كيف تُقاد الحروب."
تبادل الحاضرون النظرات، بعضهم مصدوم من تحديها، وبعضهم متحمس لرؤية ما ستفعله.
فتحت إيزابيل الخريطة على الطاولة، وأشارت إلى ثلاثة مواقع رئيسية: مستودع للأسلحة، نقطة تهريب، ومقر فرعي للمنظمة.
— "سنضربهم في أماكنهم الثلاثة في وقت واحد."
اعترض أحد رجاله:
— "هذا انتحار، قوتنا مشتتة—"
قاطعه ليوناردو بابتسامة ساخرة:
— "ربما، لكن إن نجحت... ستحطمين عمودهم الفقري."
لم تترك له فرصة لإنهاء كلامه، وأمرت الفريق بالاستعداد. وبينما كان الجميع يتحرك بسرعة، توقفت أمام ليوناردو وهمست:
— "لن أترك لك فرصة لقيادة هذه الحرب، أنا من سيكتب نهايتها."
ابتسم بخبث:
— "أنا هنا لأرى إن كان لديكِ ما يكفي لتفعلين ذلك... وربما لأدفعكِ للهاوية إن لزم الأمر."
بعد ساعة، كانت السماء تمطر بخفة، والبرد يلسع الوجوه. وصلت إيزابيل مع نصف فريقها إلى محيط المستودع، بينما تولى ليوناردو وفريقه ضرب نقطة التهريب. أجهزة الاتصال تبث أصوات متقطعة، والأجواء مشحونة بخليط من القلق والإثارة.
تسللت مع رجليها الرئيسيين، ماركو وسيمون، عبر الأزقة المظلمة. عند اقترابهم من المستودع، لاحظت وجود حراس أكثر من المتوقع. همست عبر اللاسلكي:
— "غيروا الخطة، نضرب من السقف."
تسلقت سلمًا معدنيًا قديمًا، والهواء المبلل يثقل أنفاسها. من الأعلى، رأت الحراس يدورون بنمط محدد، فابتسمت. أخرجت سكينها الصغيرة، وأشارت لماركو بالنزول خلف أحدهم. الهجوم كان صامتًا، وحاسمًا.
لكن فجأة، انطلقت صافرة إنذار حادة. تبادل الفريق النظرات، ثم بدأ الرصاص يمطر من كل اتجاه.
صرخ ماركو:
— "لقد كشفونا!"
في خضم الفوضى، اخترقت سيارة سوداء البوابة، وخرج منها ليوناردو بنفسه، يطلق النار بدقة قاتلة.
— "ظننتكِ قائدة، لا جندية في ورطة."
— "وظننتكِ تعرف أنني لا أطلب المساعدة."
— "لم أفعل هذا لأجلك، بل لأجل المهمة."
لكنها عرفت أن الأمر أعمق من ذلك. ربما لم يدرك هو نفسه السبب، لكن عيناه كانتا تحملان مزيجًا من الغضب والحماية في الوقت نفسه.
معًا، حاصرا العدو في الداخل، قبل أن يفجر ماركو الشحنة الصغيرة في مخزن الأسلحة، لينفجر المستودع بدوي هائل أضاء سماء الليل.
بين ألسنة اللهب، وقفت إيزابيل وليوناردو يلتقطان أنفاسهما، وعيونهما تتلاقى وسط الصمت، وكأن الحرب بينهما تحولت للحظة إلى تحالف غامض.
كانت الساعة تشير إلى ما بعد منتصف الليل حين وصلت الشاحنة السوداء التي تقلّ إيزابيل وفريقها إلى ضواحي المدينة الساحلية، حيث كانت الأنوار الخافتة لمرسى السفن تبدو مثل نقاط جمر تتوهج في الظلام. الهواء مشبع برائحة الملح والحديد، وصوت ارتطام الأمواج بالرصيف يصنع إيقاعًا ثقيلًا كنبض قلب على وشك الانفجار.
راين كان يراقب الحاسوب اللوحي في يده، عينيه تتنقلان بين خرائط حرارية وإشارات لاسلكية متقطعة.
قال بصوت منخفض:
"إشارات المنظمة هنا… قوية. يبدو أن لديهم نقطة تجمع تحت أحد المخازن."
كارمن أخرجت مسدسها من النوع الكاتم للصوت، وهي تمسح بنظرها المكان.
"إن كان هذا فخًا، فسنكون نحن الطُعم الذي يلتهم الطُعم."
إيزابيل لم ترد. كانت عيناها مركّزتين على البقعة البعيدة في نهاية المرسى، حيث يلمع ضوء واحد ثابت فوق مخزن ضخم بلون الصدأ. قلبها يدقّ أسرع من المعتاد، ليس فقط بسبب احتمالية الاصطدام بالمنظمة، ولكن لأنها تعرف أن هذا قد يكون المكان الذي يظهر فيه ليوناردو.
كريس كسر الصمت:
"أتساءل فقط… إذا كان ليوناردو فعلًا هنا، فهل سيأتي ليقاتلنا أم ليحميهم؟"
ابتسمت إيزابيل ابتسامة باردة، وقالت:
"هذا ما سنعرفه قريبًا. لكن تذكروا… لا أحد يطلق النار عليه إلا إذا بدأ هو أولًا."
خطواتهم كانت صامتة على أرضية المرسى، رغم أن الريح كانت تعصف بشدة، تدفع شعر إيزابيل إلى الخلف وتكشف ملامحها المشدودة. وعندما اقتربوا من المخزن، بدأوا يسمعون أصواتًا… أوامر قصيرة، صرير معادن، ورائحة نفط قوية تختلط برائحة البحر.
راين أشار إلى باب جانبي نصف مفتوح:
"هناك. الدخول من هذا الجانب سيكون أسهل."
كارمن قالت وهي تتفقد الرصيف:
"أو ربما هو الباب الذي ينتظرون أن ندخل منه."
إيزابيل قررت بسرعة:
"ندخل. لكن على تشكيل ثلاثي. أنا في الأمام، راين يغطي اليمين، كارمن تغطي اليسار. كريس سيكون احتياط خلفنا."
لم يجرؤ أحد على الاعتراض.
…
داخل المخزن، كانت الإضاءة شبه معدومة إلا من مصابيح فلورية متباعدة، تومض أحيانًا كما لو كانت تتنفس ببطء. على جانبي المكان، كانت صناديق شحن ضخمة مكدسة، بعضها يحمل أختامًا بالإنجليزية والروسية. وسط الممر الرئيسي، كانت هناك طاولة معدنية طويلة، عليها خرائط وأجهزة اتصال، لكن ما شدّ انتباه إيزابيل هو تلك العلامة المحفورة على أحد الصناديق:
A.T.H.E.N.A.
أصابعها انقبضت على مقبض مسدسها، والهواء من حولها بدا أثقل. كانت على وشك أن تعطي إشارة التفتيش عندما…
صوت بارد، واضح، خرج من الظلال:
"تأخرتِ… إيزابيل."
تجمّد جسدها في مكانه، وعينيها تتسعان.
من بين الظلام، ظهر رجل طويل القامة، يرتدي معطفًا أسود طويلًا، وقناع نصف وجه معدني يعكس الضوء الخافت. خطوته كانت ثابتة، وكأنه يعرف أن كل الأنظار مُسخرة له.
كريس رفع سلاحه فورًا، لكن إيزابيل رفعت يدها لتوقفه. قلبها يعرف ذلك الصوت حتى وإن حاولت ذاكرتها إنكاره.
"ليوناردو…" همست.
أزال القناع ببطء، لتظهر ملامح وجهه الحادة، وعيناه الرماديتان اللتان لا تحملان سوى عمق لا نهاية له.
قال بصوت منخفض لكنه يقطر بالسلطة:
"لم أتوقع أن نلتقي هنا… بعد كل تلك السنوات."
راين تمتم:
"يا إلهي… إنه حقيقي."
ليوناردو تقدم خطوة، نظر إلى الفريق كله، ثم عاد بعينيه إلى إيزابيل.
"هل جئتِ لتنفيذ ما خُلقتِ من أجله؟"
الدم يغلي في عروقها. كلمات التسجيل القديم تتردّد في رأسها: "حين يحين الوقت… أطلقي الرصاصة."
لكنها قالت بصوت ثابت:
"جئت لأحرق اللعبة كلها… أنت وأثينا معهم."
ابتسامة خفيفة ظهرت على زاوية شفتيه، لكنها لم تكن ابتسامة فرح، بل ابتسامة رجل يرى في خصمه شيئًا يستحق الاحترام… وربما الخوف.
"إذًا… سنرى من سيحرق من أولًا."
في تلك اللحظة، دوّى انفجار عنيف في الجهة الخلفية من المخزن، واندفع عشرات الرجال المسلحين من الممرات الجانبية.
المعركة بدأت.
______________________________________
إنتهى الفصل
رأيكم في التعليقات؟!
Rit_al 💋