[ لندن – ضواحي المدينة، الساعة 03:17 صباحًا]
المطر لم يتوقف منذ وصولنا.
كأن السماء في هذه المدينة تتذكّر كل دمٍ سُفك فيها، وتحاول محوه عبثًا.
المياه تتسلل من تحت معاطفنا، من بين أصابعنا، كما تتسلل الحقيقة من أفواه الكاذبين.
أوقفت السيارة عند الرصيف الثالث خلف محطة مترو مهجورة. كريس، بجانبي، يعدّ الأسلحة بصمت.
كارمن في الخلف، تحمل خرائط رقمية وتدقق في الرموز المتكررة.
أما أنا… فكنت أتنفّس شهيقًا بطيئًا، وكأنني أحاول تذكير نفسي أنني لا زلت بشرًا.
همست:
"نحن نبحث عن شبح... في مدينة تمتلئ بالأشباح."
كريس رمقني بنظرة سريعة:
"بل نبحث عن ذكرى... قبل أن تتحوّل إلى سكين."
في الزقاق الخلفي، خلف متجر مغلق منذ سنوات، دخلنا إلى قبو سرّي يُفتح ببصمة مُعدّلة مسبقًا.
كان هناك في انتظارنا رجل في الأربعين من عمره، نحيف، يحمل ندبة على وجنته، ويرتدي معطفًا طويلًا بلون الفحم.
قال بصوت منخفض:
"راين. عميل Ares Node. أُرسلت لأرشدكم."
كارمن لم تتكلّم، لكن عينيها ثبتتا عليه مباشرة… كأنها تبحث عن أي علامة خيانة.
أما كريس، فقد رفع حاجبه ببرود:
"لم نتلقَّ تأكيدًا على هذا اللقاء."
راين سلّم علينا دون أن يطلب ثقة أحد.
قال وهو يشير إلى شاشة مثبتة على الحائط:
"الشخص الذي تبحثين عنه يا إيزابيل… تم رصده في منطقة الحزام الأسود."
سألته:
"الحزام الأسود؟"
أجاب:
"مكان غير موجود في خرائط المدينة… قاعدة اختبار ميدانية أنشأتها Vanta تحت أنقاض مبانٍ محطمة من الحرب. شقيقك يُحتجز هناك، كجزء من المرحلة النهائية من البرمجة."
عرض راين على الشاشة مقطعًا مصورًا من كاميرا حرارية.
رأيت فيه شبحًا يتحرك بمهارة عبر شبكة أنفاق، يحمل سلاحًا، وعيناه تلمعان بشكل غير طبيعي.
ثم ظهر مشهد ثابت:
S-19 – الاسم الرمزي لشقيقي.
الرقم محفور على رقبته، بوضوح، مثل وشم.
جسده بدا أقوى مما أذكر، عينيه باردتين، كأنه لم يعد ذاك الطفل الذي كنت أُجفف دموعه.
بل مخلوق أُعيد تشكيله.
راين قال:
"إنه نشط حاليًا… يتلقى أوامر تجريبية من Zero مباشرة."
كريس تمتم:
"يعني أنهم بدأوا تفعيله… وهو الآن لا يدرك من هو."
قلتُ بصوت منخفض، ويدي تقبض على الطاولة:
"لكنّه لا يزال أخي… وسأعيده، أو أموت وأنا أحاول."
راين بدأ يعرض خريطة معقدة ثلاثية الأبعاد.
قال:
"لدخول الحزام الأسود، عليكم المرور عبر ثلاث نقاط مراقبة: الأولى بيولوجية، الثانية عصبية، والثالثة نفسية."
كارمن استغربت:
"نقطة مراقبة نفسية؟"
أجاب:
"هي غرفة مصممة لقراءة اللاوعي. فقط من يتوافق تفكيره مع نظام Vanta يُسمح له بالدخول… أي أنهم يختبرون نواياك، وخلفية ماضيك."
صمت الجميع للحظة.
ثم قلت:
"يعني فقط من يحمل الألم الكافي… يدخل."
غادرنا القبو بعد تأمين الأقنعة والهوية الجينية المزورة.
في طريقنا إلى نقطة الانطلاق، سأل كريس راين:
"لماذا تساعدنا حقًا؟"
أجاب ببساطة:
"لأنني كنت واحدًا منهم… وكانت لدي أخت أيضًا، لم أستطع إنقاذها."
كارمن رمقته بنظرة طويلة، لكنها لم تقل شيئًا.
أما أنا، فكنت أحمل سؤالًا مختلفًا…
ليس: كيف سننقذه؟
بل: هل يمكن إنقاذ من تم إعادة ولادته ليقتل؟
[الحزام الأسود – لندن، الساعة 05:41 صباحًا]
كنّا أمام أحد الأنفاق القديمة التي تُمثل الحدود الأولى لمنطقة تُدعى بين أروقة الظلام بـ"الحزام الأسود".
المدخل مخفي خلف جدارٍ زائف من الطوب، لا يكتشفه إلا من يعرف كيف يُصغي…
لصوت الصمت نفسه.
أشعل راين مصباحًا خاصًا مزوّدًا بتقنية كشف الأشعة المتداخلة.
ظهر الرمز: دائرة يتقاطع فيها سهمان، كتب تحته بلغة مقلوبة:
"Nullum Verbum"
"لا كلمات بعد الآن".
همست:
"أهذا تحذير؟"
أجاب:
"أو وعد… حسب نواياك."
كريس أخرج قرص تخزين معدّلاً، وقال:
"إن نجحنا، سنكون أول من يخترق هذا النسيج منذ أنشئ."
[المنطقة الأولى: اختبار البصمة البيولوجية]
دخلنا عبر بوابة معدنية قديمة تتحكم بها أجهزة استشعار تُحلل التعرّق، نبض القلب، ومركّب البروتينات في اللعاب.
وقفنا واحدًا تلو الآخر أمامها، وأطلقت كل آلة صوت طنينٍ باهت.
حين جاء دوري، لم أتحرّك.
قلبي… لم يكن ثابتًا.
شعرت به يطرق صدري بقوة.
اقترب راين همسًا:
"لا تفكّري في مَن أنتِ… فكّري في ما صنعتْه منكِ الأيام. النظام يبحث عن الألم، لا الشفقة."
أغلقتُ عينيّ، وتنفّست…
مرّتْ ثوانٍ طويلة…
ثم سمعت "نغمة القبول".
الآلة ابتلعت عيّنتي، وفتحت الباب.
أنا… مررت.
[المنطقة الثانية: الماسح العصبي]
في الغرفة الثانية، كانت الآلات أعقد.
كل شخص منا جلس على كرسي يتّصل بمجسات دقيقة تراقب إشارات الدماغ.
خلال أقل من دقيقة، انغمرنا في ضوء أزرق باهت.
جهاز العرض أمامي أظهر ذكريات…
❖ أول جثة سقطت بيدي.
❖ أول كذبة قُلتها لأحمي من أحب.
❖ ذلك اليوم الذي لم أعد أميز فيه بين العدالة والانتقام.
الماكينة تسألني بدون صوت:
"هل أنتِ نادمة؟"
أجبتها بداخل عقلي:
"لا."
ففتحت البوابة الثانية.
كريس خرج بعدي، يبتسم رغم تردده.
كارمن خرجت دون أي تعبير.
أما راين… تأخّر.
بضع ثوانٍ زائدة جعلتني ألتفت.
كان يحدّق في السقف، عينيه تدمعان بلا صوت، قبل أن تنهض الآلة وتقبله.
همست كارمن:
"لا أحد ينجو من ذاكرته."
[المنطقة الثالثة: الاختبار النفسي]
هذه كانت الأصعب.
غرفة رمادية، بلا ضوء تقريبًا، بلا جدران واضحة.
جلسنا على مقاعد خشبية مقابل مرايا سوداء.
ظهر وجه أمامي…
لم يكن وجهي.
كان وجه شقيقي.
لكنه لم يكن هو… كان نسخة مشوّهة، يتحدّث بصوتي، يضحك بسخريتي، ويقول:
"قتلتيني قبل أن يقتلونني… ظننتِ أنكِ تحمينني، لكنكِ فقط… أردتِ البقاء."
صرخت:
"هذا ليس حقيقيًا!"
ضحك وقال:
"كل ما فيكِ… حقيقي بما يكفي ليقتلك من الداخل."
غرزت أظافري في يدي… حتى نزفت.
ثم قلت:
"أنا لا أخاف من صورتي… بل من أن أعيشها مرة أخرى."
وهنا… اختفت المرآة.
وانفتح الممر الأخير.
الممر الأخير كان مضاءً بخفوت.
جدرانه من مادة سوداء تمتص الضوء، حتى لا ينعكس أي ظل.
في نهايته… بوابة حديدية كبيرة كتب عليها:
"من هنا… يبدأ الانكسار."
كريس قال بهدوء:
"هل لاحظتِ؟ لم نطلق رصاصة واحدة… ومع ذلك، نحن نرتجف كأننا خضنا حربًا."
أجبته:
"لأنهم يعرفون أن المعركة الحقيقية… تكون داخلك."
كارمن مرّت بجانبي، تمسك سلاحها بإحكام، وتهمس:
"إذا اضطررتِ لقتله… لا تترددي. الموت أرحم من أن تتركيه عبدًا في أجسادهم."
نظرت إليها بحدة، لكنني لم أُجب.
لأني أعرف أنها… محقّة.
[قلب الحزام الأسود – الغرفة 13B]
فتح الباب ببطء… لا صرير، لا إنذار… كأن المكان ذاته يرحّب بي، أو يبتلعني.
كان الضوء خافتًا، والهواء محمّلًا برائحة الحديد والذكريات المحروقة.
وسط الغرفة، كان هو…
واقفًا، في ظهره لنا، يرتدي زيًّا أسود بلا شارات، شعره أقصر مما أذكر، كتفاه أعرض، لكنني كنت أعرفه.
جسدي يعرفه.
قلبي يعرفه.
هو… أخي.
همست:
"أليكس…"
لم يتحرك.
أعدت بصوت أعلى:
"أليكس! أنا إيزابيل… أنا هنا!"
استدار ببطء.
وجهه لا يحمل أي انفعال، عيناه زجاجيتان كأنهما لا تنتميان لهذا العالم.
لكنّ شفتيه تحرّكتا.
قال بصوتٍ لا يشبهه:
"الهدف المحدّد تم تحديده. بدء التنفيذ."
لم أكن أتوقّع أن يهاجم… لكنّه فعل.
اندفع نحوي بسرعة قاتلة، يده ممدودة بخنجر مدمج في المعصم.
تراجعت، بالكاد تفاديته، وصرخت:
"أليكس! لا تفعل هذا، أنا… أختك!"
ركلني بوحشية على الكتف، فارتطمت بالحائط.
كريس اندفع ليطلق النار، لكنني صرخت:
"لا تطلق!"
نظر إليّ مشدوهًا، ثم أسقط سلاحه دون أن يضغط الزناد.
كارمن كانت أقل رحمة.
رفعت مسدسها، وجهته نحو رأسه، وهمست:
"إيزابيل… آخر فرصة!"
صرخت:
"لا!"
قفزت بينهما.
نظرت إلى أليكس مباشرة، عينيّ في عينيه، على بعد أنفاس.
قلت بهدوء:
"هل تتذكر تلك الليلة؟ يوم اختبأنا تحت الطاولة عندما سقطت قنابل الغاز؟
كنت تمسك بيدي، وتقول إنك لن تدعهم يأخذوني… أتتذكر؟"
لا إجابة.
تابعت، ودموعي تكاد تختنق في حلقي:
"كنتَ تخاف من الظلام… فغنيتُ لك أغنيتك المفضلة… 'لا تخف، سأكون الضوء إن اختفى كل ضوء.'
أتذكر؟"
عيناه بدأت تومض للحظة.
رعشة خفيفة في عضلات وجهه.
همست:
"أليكس، لا تجعلهم يأخذونك الآن… أنا هنا، وأعدك أنني لن أتركك."
من خلفي، كان راين يراقب بعينين لا ترمشان.
ثم فجأة، سحب جهازًا صغيرًا بحجم راحة اليد، ضغط زرًا، وأطلق نبضة صوتية غير مسموعة.
أليكس ارتعش فجأة…
صرخ، سقط على ركبتيه، يده على رأسه.
عيناه اتسعتا، قلبه ينبض بعنف.
صرخ:
"مَن… أنا؟"
ركضت نحوه، أمسكت به، عانقته كما كنت أفعل حين كنّا أطفالًا.
همس وهو يرتجف:
"هم… زرعوا أشياء في رأسي، أصواتًا… أحلامًا ليست لي."
قلت:
"لن تسمعها مجددًا. أنا معك… سأخرجك من هذا الجحيم."
راين قال فجأة:
"لدينا ثلاث دقائق قبل استدعاء فرق الاستعادة. يجب المغادرة فورًا!"
كريس راقب الممر الخلفي، صرخ:
"تحركوا الآن! لديّ إشارات اقتراب! ليسوا من Vanta فقط… بل طرف ثالث مجهول!"
كارمن أمسكت بساعدي وسحبتني:
"إيزابيل! إمّا أن نخرج الآن… أو نُدفَن جميعًا هنا!"
نظرت إلى أليكس…
جسده بالكاد يتحرك، لكن وعيه عاد تدريجيًا.
نظراته تصرخ: "لا أريد البقاء هنا."
لكن عقلي… صرخ: "ماذا لو كان فخًا؟ ماذا لو لم يعد كما كان؟ ماذا لو…؟"
لكنني لم أتركه.
ضممته إلى صدري، قلت بحزم:
"إذا عدتُ بدونك… فلن أكون أنا."
هربنا عبر الأنفاق الجانبية التي دلّنا عليها راين.
خلفنا، أصوات الانفجارات بدأت تهز الجدران.
وهم يقتربون.
حين وصلنا للنفق الخارجي، التفت كريس إليّ، صرخ وسط هدير الانفجار:
"هل أنتِ مستعدة الآن… أن تقاتلي من أجل هذا العالم؟ أو تسقطي معه؟!"
نظرت إلى أليكس… ثم إلى الأمام.
قلت:
"أنا لا أسقط… بل أُسقِط."
وانطلقنا إلى العدم.
[ مخبأ مؤقت – غرب لندن، الساعة 04:27 فجرًا]
الأنفاس متقطعة.
العرق، الدم، والبارود اختلطوا في هوائنا.
وصلنا إلى ملجأ آمن مؤقت داخل محطة قطار مهجورة، بعيدة عن كل الخرائط الرسمية… أو هذا ما قاله راين على الأقل.
أليكس فاقد للوعي.
يبدو كجسد بلا روح، لكنّ وجهه… أكثر سلامًا مما كان عليه داخل الحزام.
كريس ينظف أسلحته في صمت.
كارمن تجلس بعيدًا، تراقب أليكس كما تراقب قنبلة موقوتة.
أما راين، فكان يفتح شاشة هولوجرام سرّية ويكتب تقارير لا أحد يحق له قراءتها.
جلستُ بجانب أليكس، أمسك بيده المتشنجة، وهمست:
"أنا هنا، عدْ إليَّ… لا تتركني مع ماضينا وحده."
كارمن قطعت الصمت فجأة:
"هل تعتقدين أن من خرج من هناك… هو نفسه الذي دخل قبل سنوات؟"
رفعت بصري إليها.
نبرتها كانت محايدة، لكن عيناها… كانتا ممتلئتين بكلمات لم تُقال.
أجبتها:
"ربما لا… وربما لا أكون أنا نفسها أيضًا. لكنّ الدم لا يُمحى بجراحة في الدماغ."
كارمن قالت بحدة:
"أنا لا أخاف من الدماء، إيزابيل… بل من الأمل الكاذب. رأيت وجوهًا كثيرة تشبه شقيقك… تنظر إليك، تبتسم… ثم تذبحك بعد لحظة."
سكتتُ للحظة، ثم قلت:
"وهل ستذبحينه إن نظَر إليك؟"
نظرت نحوي مباشرة، ثم تمتمت:
"سأفعل ما لن تفعليه أنتِ… لأحميك."
كريس التفت فجأة وقال:
"من الأفضل أن نُحدد مواقعنا الآن. لا أعتقد أن هذا المكان سيبقى آمنًا أكثر من ساعتين."
راين أغلق شاشته بهدوء، لكنني رأيت وميضًا غريبًا فيها… رسم بياني يشير إلى موجات عقلية.
سألته:
"هل تراقب أليكس؟"
قال ببرود:
"أراقب الجهاز العصبي لأي احتمال قاتل. هذا ليس شقيقكِ الآن، بل ناقل تجريبي لمشروع مات منذ سنوات… وفُتح قبره منذ أيام."
تقدّمت منه ووقفت على بُعد أنفاس.
قلت بهدوء:
"إن حاولت قتله دون إذني… سأدفنك حيًّا، بين ملفاتك السرية."
لم يرتبك.
فقط ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
"هذا التهديد… يؤكّد أنه لا يزال هناك من يشعر."
فجأة… أليكس ارتجف.
صرخ صرخة مفاجئة جعلتنا ننتفض جميعًا.
الدم بدأ ينزف من أذنه اليمنى، ويده ترفرف بشكل لا إرادي.
كريس صاح:
"ما هذا؟ هل هو هجوم داخلي؟!"
راين قفز وسحب جهازه المحمول، وضعه على عنق أليكس، صرخ:
"إنهم فعّلوا البنية الاحتياطية! إنه يتلقى أوامر من بُعد!"
ركضت نحوه، وضعت يدي على صدره، صرخت:
"لا! أليكس، أنت أقوى منهم! أنت لست سلاحًا!"
كارمن وجهت سلاحها إليه، عيناها لا ترمش، لكن يدها… ترتجف.
قالت بصوت خافت:
"لا تجبريني، إيزابيل… رجاءً."
لكن أليكس… فجأة…
فتح عينيه.
كانت ضبابية… ثم تماسكت.
قال بصوت واهن:
"إيزا…"
انحنيت نحوه بسرعة.
قال ببطء، كأنه يلفظ الحروف من كهف:
"أنا… أراهم… من الداخل. أصواتهم… ليست حقيقية… أنتِ… كنتِ تغنين… في الظلام… صح؟"
عانقته، قلت:
"نعم، كنت أغني لأني أخاف معكِ أقل."
كريس نظر إلينا بدهشة.
أما كارمن… فخفضت سلاحها ببطء.
وهمست:
"يا إلهي… لقد عاد حقًا."
راين ضغط أزرارًا بسرعة على شاشته.
تمتم:
"هذا مستحيل… النبض العقلي تغيّر… لكنه لا يتطابق مع النموذج الأصلي."
كريس سأل:
"ماذا تعني؟"
راين نظر إلينا ببطء، ثم قال:
"ما خرج من هناك… ليس نسخة من أليكس فقط. بل حامل بيانات."
سألت:
"أي بيانات؟"
أجاب:
"مخطط Vanta القادم… والاسم الرمزي للمرحلة التالية: MEMENTO.
والمفتاح… الآن في رأس أخيك."
[نفس المخبأ المؤقت – لندن، بعد دقائق من استيقاظ أليكس]
الجميع كان يُحدّق بأليكس وكأنه مخلوق خرج لتوّه من سرداب الأسرار…
كأنه طفل، رجل، سلاح، وشاهد قبر… في جسد واحد.
كان يتصبب عرقًا، يتنفس بصعوبة، لكن عيناه… عينا أليكس.
الصبي الذي كان يركض خلفي عندما نسرق الخبز من الساحة الخلفية للملجأ.
راين اقترب منه بخطى حذرة، يده خلف ظهره، حيث يُخفي جهازًا كهرومغناطيسيًا قد يوقف دماغه بلحظة واحدة.
أوقفته بيدي، همست:
"اقترب خطوة أخرى وسأكسر جهازك قبل أن تلمس الزر."
راين لم يتراجع.
قال:
"أنتِ لا تفهمين… هذا ليس مجرد صبي مفقود. هذا هو الملف الحي. عقل مخزن بأكثر من 13 طبقة من التشفير، وصوته الآن قد يكون إشارة لبداية الهجوم الأول."
كريس تدخل:
"بهدوء يا راين… أنت تعرف أن أي محاولة لاستخراج البيانات بالقوة قد تدمّره."
كارمن، التي ظلت صامتة لفترة طويلة، تقدّمت وقالت بجفاف:
"ماذا إن لم يكن الهجوم الأول؟ ماذا لو كان هو نفسه أول سلاح هجومي؟"
بينما كانوا يتجادلون، كنت أراقب أليكس.
عيناه تراقبان شيئًا غير مرئي في سقف الغرفة، شفتيه تتحركان بهمسات شبه غير مفهومة.
اقتربت منه، همست:
"ماذا ترى، أليكس؟"
قال بهدوء:
"النار… تتلوّن بالأزرق… ثم تتجمّد… ثم تُعيد كل شيء إلى البداية."
وضعت يدي على جبهته… ساخنة، لكنها ليست من الحمى.
بل من تيار عقلي لا ينقطع.
ثم… ظهرت خطوط زرقاء باهتة على عنقه.
رموز رقمية تتحرك تحت جلده، كأن جسده أصبح شاشة عرض.
راين قال بذهول:
"هذه… أنماط الاتصال الدماغي من جيل (Vanta-13)."
كريس قال:
"ما يعني أنه تم تحميل مشروع Memento فيه بالفعل."
سألتهم بحدة:
"ما هو هذا المشروع؟"
كارمن همست، للمرة الأولى بنبرة مرتبكة:
"مشروع يعيد بناء الماضي… باستخدام دماغ الإنسان كخريطة. يدمّر الذاكرة القديمة، ثم يعيد نسجها بأوامر جديدة.
ليس مجرد غسيل دماغ… بل خلق ذاكرة بديلة بالكامل."
قال راين بجمود:
"الحل الوحيد الآن… فتح رأسه واستخراج النواة المشفرة قبل أن تُفعّل ذاتيًا."
أمسكت بكتفه، دافعت عنه كأنني أنزع شبحًا عن شقيق حي.
صرخت:
"لن أسمح لك بلمسه!"
قال:
"إن لم نفعل، قد يستيقظ غدًا ويقتلنا جميعًا."
فجأة… أليكس شهق، وصدره ارتجف.
ثم قال بصوت واضح هذه المرة:
"أعرف… ما في رأسي. ويمكنني… أن أفتح الباب… لكن فقط إن ثقتِ بي."
نظرت إليه… ثم إلى راين… ثم إلى كريس.
قلت:
"أخبرنا، أليكس. ما الباب؟"
قال بصوت باهت:
"قبل أن يُطفئوني… أُدخلوني إلى مكان اسمه النواة الرمادية. هناك، سجّلوا كل مَن خضع للتعديل، كل من زُرع داخله برنامج كامن… حتى أنتِ، إيزابيل."
صمت رهيب.
سألته وأنا أرتجف:
"أنا؟ ماذا تعني؟"
قال:
"أنتِ… لستِ بريئة كما تظنين.
هناك ليلة… سُحبت فيها من الملجأ، و… لم تعودي كما كنتِ."
كريس شهق.
كارمن أغمضت عينيها.
أما راين… فابتسم.
قال:
"الآن بدأت الأمور تُكشف… أخيرًا."
ثم… صوت إلكتروني غريب اخترق أجواء الغرفة.
خرج من أليكس نفسه، كأن صدره هو مُكبّر صوت سرّي.
قال الصوت:
"الوحدة S-19: تم تجاوز البروتوكول.
البدء في تنفيذ مرحلة Memento – الإصدار صفر.
تم تحديد الهدف الأساسي:
Isabelle Knox."
[ نفس المخبأ – بعد دقيقة واحدة من تفعيل الرسالة]
صمت.
جمد الهواء.
وكأن كل جزيء في الغرفة توقّف ليلتفت إليّ وحدي.
"Isabelle Knox: الهدف الأساسي."
لم تكن مجرد جملة.
كانت انفجارًا داخليًا مزّق كل ما كنت أعتقد أنني أعرفه عن نفسي.
أليكس تراجع إلى الحائط، يلهث، كأن الصوت لم يخرج منه، بل اخترقه.
كريس لم يتحرك.
كارمن كانت الوحيدة التي مدّت يدها نحو سلاحها ببطء… لا بدافع الخوف، بل كإجراءٍ احترازي تجاه المجهول… نحوي.
أما راين، فابتسم.
ليس بسخرية… بل براحة مفاجئة.
قال ببرود:
"كنتُ أشك منذ البداية…"
نظرت إليه بحدّة:
"أشك في ماذا؟ قُلها، راين!"
اقترب خطوة.
عيناه باردة.
"أنكِ واحدة منا… أو بالأحرى، واحدة منهم.
لا أحد ينجو من مراكز Vanta سليمة… إلا إن كان مشروعًا غير مكتمل."
شعرت بحرارة خلف عينيّ.
كأن وميضًا خفيًا اشتعل في أعماقي.
ثم… ذكريات. أو شظايا منها.
■ غرفة رمادية.
■ صوت رتيب يقول: "كرّري: أنا مجرد صوت."
■ ثم صراخ… صوتي؟ لا. صوت فتاة أخرى، تُجرّ من معصمها، تنظر إليّ وتصرخ: "إيزابيل! لا تسمحي لهم بتغييرك!"
حاولت التكلّم… لكن لساني ثقيل.
كأن جدارًا داخل رأسي أُعيد فتحه.
صرخت:
"ما هذا… من تكون هذه… الفتاة؟!"
راين أخرج جهازًا صغيرًا، ضغط زرًّا وقال:
"أجري الآن فحصًا لطبقة الذاكرة العميقة… أي انحراف سيؤكد أنّكِ حاملة نواة رمزية."
كارمن صاحَت:
"توقّف! ليس الآن! لا نعرف التأثير."
لكن الوقت فات.
الجهاز أطلق نبضة خافتة، و… سقطت.
فتحتُ عيني، لكني لم أكن في الغرفة.
كنت في ممرٍّ ضيق، جدرانه من معدن داكن، كأنني داخل كبسولة.
هناك، على الطرف الآخر، تقف فتاة بظهرها إليّ… شعرها البني ينسدل، بثوب رمادي رث.
همست:
"مَن أنتِ؟"
استدارت.
فانصدمت.
أنا.
كانت… نسخة أصغر مني.
بعينين مرهقتين… وعلامة صغيرة خلف أذنها، لم أنتبه لها من قبل.
قالت بهدوء:
"أنا الحقيقة التي دفنتِها."
أجبتها:
"ما الذي فعلوه بي؟"
ابتسمت تلك النسخة، وقالت:
"أخذوا خوفك، وجعلوه سلاحًا… ثم نسختكِ الحقيقية."
ثم اختفت.
استيقظتُ وأنا ألهث، كأنني خرجت من أعماق البحر.
كارمن فوقي، تمسك وجهي.
قالت بقلق نادر:
"إيزابيل… هل ترينني؟"
أجبتها:
"نعم… أراكِ… وأرى أكثر."
وقفتُ ببطء، جسدي يرتجف… لكن روحي لا.
نظرت إلى راين.
قلت:
"نعم… كنتُ جزءًا من مشروع.
لكنهم فشلوا."
سأل:
"لماذا؟"
قلت:
"لأني أحببت أخي أكثر من الخوف.
لأن كارمن، رغم كل شيء، حمت ظهري.
لأن كريس… كان يبتسم عندما أقول نكتة سخيفة.
لأنني… لم أكن وحدي."
نظرت إلى أليكس.
قلت له:
"هل تعرف طريقك إلى النواة الرمادية؟"
أومأ.
فقلت:
"إذا كنا أهدافًا… فليكن.
لكنّهم نسوا أن بعض الأهداف… تتحوّل إلى رماة."
ثم نظرت إلى الفريق، وقلت بصوت قوي:
"نحن ذاهبون إلى النواة.
وإن لم نعد… ليعلموا أنهم زرعوا شبحًا لا يُدفن."
[منشأة مهجورة قرب نهر التايمز – 03:09 فجرًا]
السماء مظلمة، لكن الهواء مشبع بالكهرباء.
أمامنا منشأة خرسانية ضخمة، نصفها مدفون تحت الأرض، بلا نوافذ… بلا أي منفذ معروف.
النظام الأمني خامد على السطح، لكنه في العمق… حي، يراقب.
أليكس وقف أمام الباب الرئيسي، يحدّق فيه كأنه يسترجع خريطة محفورة في روحه.
قال:
"إنها ليست بوابة… إنها اختبار. تفتح نفسها فقط لمن نُقش اسمه داخلها."
كريس نظر إليه، ثم قال:
"جميل… ومَن يُدعونا؟ الشيطان؟"
أجبت:
"أعتقد أن الشيطان… مات هنا منذ زمن. نحن نواجه ما خلّفه فقط."
وضع أليكس يده على ماسح باهت.
لحظة صمت… ثم فتح الباب نفسه بصوت عميق وكأن الهيكل يزفر زفرة عمره عقود.
الداخل كان صامتًا كقبر.
أرضية معدنية، جدران مضادة للموجات، وسقف مرتفع لا يُرى… فقط أنوار حمراء تومض ببطء.
كارمن تمتمت:
"مرّة أخيرة… إن شعر أحدكم أن العودة خيار، فليغادر الآن."
نظرت إليها وقلت:
"لا عودة بعد هذه النقطة، أليس كذلك؟"
قالت:
"كُنّا نظن أننا نكافح مشروعًا خارجيًا… لكننا الآن نقاتل فكرة داخلنا."
المكان الأول الذي دخلناه كان أشبه بغرفة إسمنتية فارغة، لكن في منتصفها… مرآة واحدة، كبيرة، عتيقة، مغبّشة من الجانبين.
عندما نظرت فيها… لم أرَ نفسي.
بل رأيت فتاة صغيرة، بوجهٍ متسخ، تمسك بمفكرة عليها كلمة واحدة:
"نسيان."
همست كارمن:
"أليكس… هل هذه هلوسة؟"
قال بصوتٍ خافت:
"هذه الغرفة تُعيد تشفير الذاكرة الأصلية… ما يُعرض ليس وهْمًا، بل نسخة مطمورة من ماضيك."
ثم صرخ فجأة:
"لا تنظري كثيرًا! المرآة تتغذى على التأمل!"
أدرت وجهي فورًا.
قلبي كان ينبض في أذنيّ.
كريس قال:
"ما الذي نواجهه بحق الجحيم؟"
راين أجاب بهدوء غريب:
"ذاكرتك… حين تُستخدم كسلاح."
في المستوى الثاني، دخلنا غرفة مملوءة بمجسّمات بشرية شفافة… مئات منها.
كل واحدة تحمل رمزًا خاصًا: تواريخ، أسماء، رموز تشفير.
أليكس قال:
"هنا يحتفظون بمن خضعوا للمشروع. هذه ليست مجرّد ملفات… هذه نسخ حيّة من عقول الأشخاص الذين تم تعديلهم."
اقتربتُ من واحدة.
رأيت الرمز المكتوب:
"IS-009 – Isabelle Knox – حالة: غير مكتملة – خطأ في التكرار 7."
تراجعتُ خطوة.
كارمن أمسكت بيدي.
قالت بهمس:
"أنتِ كنتِ واحدة منهم… لكنّك خرجتِ ناقصة."
قلت:
"وربما لهذا بقي لديّ قلب."
ثم… وصلنا إلى قلب المنشأة.
غرفة بيضاوية محاطة بجدران متحرّكة، تتوسطها كابينة دائرية، تتوهّج بالضوء الأزرق.
أليكس قال:
"هنا… وُلد المشروع. وهنا… يجب أن يموت."
كريس سأل:
"هل نُفجّر المكان؟"
راين قال:
"إن فجّرته دون تحميل البيانات، ستُفتح نسخة بديلة في منشأة أخرى. الحل؟ فتح الذاكرة الأساسية… ثم تدميرها من الداخل."
سألت:
"ومن يفتحها؟"
أليكس نظر إليّ.
قال:
"أنتِ الوحيدة التي تحمل المفتاح من الداخل… إيزابيل، أنتِ النواة."
تقدّمت نحو الكابينة.
خطوت بداخله… الضوء خافت.
ثم ظهر أمامي شيء واحد فقط:
زرّ أحمر، وملاحظة مكتوبة:
"حين تضغطين… لن تعودي كما كنتِ."
صوت أليكس في الجهاز:
"هل أنتِ مستعدة؟"
أجبت:
"لقد رحلت منذ زمن بعيد… أنا فقط أعود لأُنهي ما بقي."
وضغطت الزر.
[ النواة الرمادية – داخل وحدة التفعيل]
الضوء أزرق… يتوهّج كقلب ينبض بعد قرون من السكون.
عندما ضغطت الزر، لم أشعر بالألم أولًا… بل بالوضوح.
كأن كل شيء غامض بدا لي فجأة واضحًا بشكل مؤلم.
■ أنا داخل رأسي… لكنني لا أتحكّم.
■ أرى غرفًا بلا نوافذ، مليئة بي… نسخ من وجهي.
■ إحداها تضحك، الأخرى تبكي، والثالثة ترتدي زيًّا عسكريًا ودم على وجهها.
ثم يظهر صوت.
ليس صوتي.
ولا صوت أليكس.
بل صوت ذكوري رخيم، مألوف، يقول:
> "مرحبًا بك، نواة رقم 009. تمّ التفعيل الكامل. تذكّري:
أن تكوني إنسانة، خيار… أن تكوني أداة، قدر."
صرخت:
"لست أداة! أنا من قرّرت العودة!"
فردّ الصوت بابتسامة خفية:
"إذًا دعينا نرى… كم من روحكِ تبقّى."
[ محيط المنشأة – على بعد 2 كلم]
طائرة بدون طيار مزودة بنظام تمويه ضوئي تخترق الأفق.
داخلها، فريق من مقاتلي Vanta بقيادة العميل كاليغو – رجل لا وجه له، فقط قناع أبيض وبدلة سوداء.
يقول عبر الاتصال:
"تم تحديد موقع اختراق النواة الرمادية. أربع إشارات عصبية بشرية داخل الموقع… وواحدة غير مصنّفة.
الأوامر: الاسترجاع أو الإبادة."
صوت القيادة يرد:
"أولويتك: النواة.
إيزابيل نوكس لم يكن يُفترض أن تعود. احرص على أن لا تخرج مجددًا."
كاليغو يبتسم خلف القناع.
يقول:
"القدر… لديه أسلوبه في القصاص."
أركض.
في متاهةٍ مصنوعة من ذكرياتي، أصوات من طفولتي، خطوات على أرضٍ من زجاج.
أرى أبي… لكن وجهه محجوب.
أرى أمي… وهي تبكي، تمسح دمًا عن وجهي.
ثم… غرفة مظلمة.
رجل يرتدي معطفًا طبيًا.
يقول لي وأنا أرتجف:
"فقط خذي الحقنة، وستصبحين أقوى من الخوف."
أتراجع.
أصرخ:
"هذه ليست ذاكرتي! هذه ذاكرة صُنعت لي!"
تظهر نسختي الباكية.
تقول:
"بل اخترتها… لأنكِ أردتِ أن تكوني خالية من الضعف."
كارمن تراقب الرادار اليدوي.
"لدينا حركة… مركبة هجومية تقترب من الجنوب الشرقي. ليست من وحدات الشرطة أو الأمن البريطاني. Vanta وصلت."
كريس يلعن:
"اللعنة! إيزابيل لا تزال بالداخل! وراين يحاول تحميل نسخة الذاكرة الكاملة!"
راين لا يرفع عينيه عن الشاشة.
يقول:
"خمس دقائق وسأحصل على كل شيء… ولكن إن دخلوا قبل ذلك؟ سينهار كل النظام."
كارمن تصرخ:
"لا نملك خمس دقائق!"
ثم تضغط زرّ الاتصال الداخلي:
"إيزابيل… إن كنت تسمعينني، فلتنهضي. الآن."
النار تبدأ.
الغرف تسقط الواحدة تلو الأخرى، تشتعل الذاكرة، وتتلاشى بعض النسخ.
لكن واحدة تبقى واقفة.
إيزابيل ترتدي الأسود.
بلا خوف.
تقول لي:
"لن تحرقي المشروع… إن لم تحرقي نفسك أولًا."
أجيبها:
"إذن احترقي معي."
أغلق عينيّ…
وأصرخ.
ضوء أزرق يتفجر من قلب المنشأة.
صراخ إلكتروني يتردّد في الجدران.
راين يصرخ:
"النظام يعيد تشغيل نفسه! إنها تقوم بحذف البيانات يدويًا من الداخل!"
كارمن تشد قبضتها على المسدس:
"الطائرة على وشك الوصول.
إمّا نخرجها الآن… أو نخسرها للأبد."
كريس يقول:
"أنا داخل. سأخرجها بنفسي."
يركض نحو النواة.
في الداخل… الضوء يهدأ.
الباب يُفتح.
إيزابيل تخرج منه، ملابسها محترقة جزئيًا، الدم يسيل من أنفها، لكن عيناها ثابتتان.
تقول:
"المشروع مات."
ثم تسقط على الأرض.
وفي السماء… تُفتح أبواب طائرة Vanta.
[النواة الرمادية – بعد الانفجار مباشرة]
الضوء الأزرق تلاشى، لكن رماده ما زال في الهواء.
إيزابيل ممددة على الأرض، وعيونها نصف مغلقة.
كريس انحنى فوقها بسرعة، نزع سترته ووضعها تحت رأسها.
همس:
"ما الذي فعلتهِ بحق الجحيم؟!"
همست بصوت خافت:
"انتهيت… من البداية."
راين يصرخ من خلف الجدار الزجاجي:
"لدينا أقل من دقيقة قبل أن تكتشف Vanta أنّ البيانات حُذفت. حينها… سيفقدون السيطرة، ويتحرّكون بطريقة غير عقلانية."
كارمن تقف عند المدخل، تسحب بندقيتها وتحمّلها.
قالت بحدة:
"تحرّكوا. الطائرة نزلت على السطح الجنوبي.
لدينا خياران: نخرج أحياء… أو نموت مع الأسماء القديمة."
تحمل كريس إيزابيل على كتفه، وتقدم عبر ممرات مضاءة فقط بمصابيح الطوارئ.
صوت تنفّسها يثقل أكثر فأكثر.
راين يفتح الأبواب بنظام طارئ.
"هذه المنشأة لا تملك مخارج عادية… الطريق الوحيد للخروج هو عبر جدار الأرشيف."
كارمن صاحت:
"هل تقصد الممر المحفور بين وحدات التجريب؟! إنه مليء بالبقايا…"
أجاب راين:
"جدرانه تحتوي أسماء كل من خضعوا للتجارب… وربما أكاذيبنا كلها."
الممر مظلم، ضيق، وجدرانه من الحديد الصدئ، محفور عليها آلاف الأسماء.
كل اسم محفور بأداة خشنة… بعضها مخدوش، بعضها مغطى بالدم.
إيزابيل تمتمت وهي نصف واعية:
"لقد رأيتُ هذا الممر… في أحلامي."
كريس قال:
"أظن أنه كان كابوسًا يتكرّر… لكنه حقيقي."
راين توقف فجأة، وحدّق بالجدار.
همس:
"اسمي هنا."
كارمن نظرت، وقالت:
"اسمي أنا أيضًا… يبدو أن أحدًا سبقنا إلى الجنون."
فجأة، صفارات حمراء تملأ المكان.
صوت آلي يردّد:
"تم التعرف على اختراق داخلي… فرق الاجتياح تنزل الآن."
كارمن تجهّز سلاحها، تقول:
"سيقطعون علينا الطريق قبل الوصول للبوابة… علينا أن نُشغلهم."
راين قال:
"دقيقة… استشعار حراري قادم من المدخل الغربي…"
ثم… توقف.
"إنه… هو."
من الظلال، ظهر كاليغو.
بذلة سوداء مشدودة، قناع أبيض بلا تعابير، وسلاح غريب أشبه بخنجر طويل يلمع بنبض أزرق.
قال بصوت مشوّه:
"إيزابيل نوكس… النواة التي اختارت الانشقاق. جئتِ تبحثين عن الحقيقة… وجدتِ أن اسمك محفور بجانب خيانتك."
كارمن تقدّمت وأطلقت عليه رصاصة مباشرة.
لكنها لم تخترق الدرع الشفاف حوله.
كاليغو رفع يده… ضغط زرًا في معصمه…
فانفجر جزء من الممر خلفهم، تاركًا إيزابيل وكريس وراين محاصرين معه.
قال:
"سأجعلها تنظر في وجهي قبل أن تموت… أو تتذكّر."
كريس أخرج سكينه، تقدّم ليواجهه، لكن كاليغو أوقفه بحركة واحدة.
قال له:
"أنت تابع… لا تحقّق أكثر من أن تموت من أجل غيرك."
ثم نظر إلى إيزابيل، التي بدأت تنهض بصعوبة، تمسح الدم من فمها.
قالت:
"أتظن أن قناعك يحميك من الندم؟"
أجاب:
"الندم ليس مسموحًا لنا… نحن نُخلق فقط لنُنفّذ."
إيزابيل تقدّمت نحوه، عارية اليدين.
قال كريس:
"إيزابيل، توقفي!"
لكنها قالت بهدوء:
"اسمع… أعرف من أنت. أعرف صوتك. كنت هناك، حين صرختَ باسمي وأنا أُسحب.
أنت كنت أحد الذين ساعدوا في برمجتي… لكنك لم تكن مجرد منفّذ. كنت… أخي الثالث."
كاليغو ارتبك لجزء من الثانية.
قال:
"أكاذيب… أكاذيب تم نسجها في وهمكِ."
إيزابيل نظرت إليه بثبات:
"قل اسمي الحقيقي… وإن قلتَه دون أن ترتجف… سأستسلم."
صمت.
ثم همس:
"...صوفيا."
إيزابيل ابتسمت بألم:
"كنت أعلم."
ثم رفعت سلاحها الخفي… وأطلقت النار على جهاز التحكّم في معصمه.
الدّرع سقط.
كريس اندفع، طعنه في خاصرته… وسقط كاليغو، بلا مقاومة.
كارمن فتحت الثغرة المؤقتة في الجدار الخلفي.
راين سحب إيزابيل.
صوت فوقهم:
"Vanta للقائد: الوِحدة 7 أُبيدت، كاليغو سقط.
انسحاب طارئ."
خرجوا إلى الفجر الباهت.
إيزابيل، تمتمت:
"هذا اسمي… صوفيا.
لكنه ليس أنا الآن."
[ نقطة إخلاء مؤقتة – نفق مهجور تحت المدينة]
الهدوء ثقيل.
الجميع صامت.
كريس يلفّ جروح إيزابيل بضمادة متوفّرة.
كارمن تراقب الطريق الخلفي.
راين ينزف من كتفه، لكنه لا يتوقف عن فحص الجهاز.
"النظام لا يزال ينهار… لكني حمّلت شيئًا. ليس الذاكرة فقط، بل شيء أعمق… أشبه بملفّ غير مرئي كان يُخفي نفسه داخل النظام كفيروس ذكي."
إيزابيل تمتمت:
"ملف مخفي؟"
قال:
"نعم… اسمه رمزي: N.O.M.I.N.A.L."
كارمن جلست قربه، وهمست:
"ما هو هذا الشيء؟"
راين ضغط عدة مفاتيح، ثم عرض على الشاشة خريطة معقّدة مرتبطة بعشرات الأفرع والمنشآت، كلها تقود إلى اسم واحد:
A.T.H.E.N.A.
إيزابيل شهقت.
"أثينا؟!"
كريس قال:
"ظننت أن Vanta هم الأصل."
راين هزّ رأسه:
"هم مجرد ذراع. ATHENA هي الدماغ. مشروع فوق الحكومات، فوق الجيوش، فوق كل ما نعرفه.
المشروع الأصلي كان يحمل اسم:
العدو المثالي – خلق تهديد يمكن السيطرة عليه."
كارمن قالت:
"تقصد… أنهم خلقوا الإرهاب، ليبيعوا الأمان؟!"
راين قال:
"وكل مَن تم تدريبهم في منشآت Vanta… تم ترميزهم ليكونوا جنود احتياط… آلات قتل صامتة يُمكن تفعيلها يومًا."
ثم نظر إلى إيزابيل:
"ومنهم… أنتِ."
سكتت للحظات، ثم قالت:
"هل ما زال لديّ رمز تفعيل؟"
راين قال بهدوء:
"أعتقد… أنه تم حذفه. أنتِ الآن خارج الشبكة."
أجابت:
"إذن هذه أول مرة أكون فيها… حرة."
وقفت، رغم الألم.
قالت:
"لكنني لا أريد فقط النجاة.
أريد الحقيقة. أريد أن نصل إلى أثينا… ونفضح كل شيء."
كريس ابتسم:
"ها نحن نعود إلى الجنون من الباب الأمامي."
كارمن قالت:
"إذا كنّا داخل مشروع يُعيد تشكيل العالم…
فلنحطّمه من الداخل."
راين فجّر مفاجأة.
قال:
"انتظروا… هناك تسجيل صوتي قديم… يعود لسبع سنوات. مأخوذ من غرفة الاختبار الأصلية.
شغّلته، وسمعت هذا."
شغّل المقطع.
"اسمك سيكون إيزابيل.
مهمتك؟ الاقتراب من الشخص ذي الاسم الرمزي L.V.F.
وحين يحين الوقت… أطلقي الرصاصة.
لا تسألي لماذا. فقط تذكّري: هذا ليس حبًّا، هذا تدريب."
صوت الرجل في التسجيل كان واضحًا…
وباردًا.
إيزابيل همست:
"ليوناردو… فيريرا."
الجميع ينظر إلى بعضه.
كارمن:
"هل كان… كل هذا مصممًا للوصول إليه؟"
كريس:
"هل نُفّذ فينا سيناريو… أم كتبناه بأيدينا؟"
إيزابيل وقفت بثبات.
قالت:
"لا أعلم. لكنني أعرف شيئًا واحدًا…
إذا كنتُ حقًا قُدّرت لأقتل ليوناردو…
فلن أفعلها إلا إن اختارني قلبه… لا كخيانة، بل كاختبار للروح."
ثم التفتت وقالت:
"الفصل القادم يبدأ الآن.
نحن لا نُحارب عدوًا فقط… بل نصنع مستقبلًا جديدًا من تحت الرماد."
______________________________________
إنتهى الفصل
Rit_al 💋