بعد دقائق من رحيل دريك
سكنت الغرفة بعد خروجه، لكن العاصفة الحقيقية كانت قد بدأت في الداخل… في أعماقنا.
جلست وحدي على الدرج الحجري المؤدي للطابق السفلي.
أنفاسي ثقيلة، يديّ ترتجفان، وقلبي يقرع كطبول حرب.
هل يمكن أن أكون الخائن… دون أن أدري؟
أغمضت عينيّ.
بدأت ذكريات مشوشة تتسرب إلى رأسي، كأنّ جدارًا داخليًا بدأ يتشقق…
صوت صرير باب معدني…
رجل يرتدي قناعًا أسود يهمس في أذني:
"حين تسمعين كلمة الظل... سيتوقف قلبك عن المقاومة."
صرخة… ثم عتمة.
فتحت عينيّ، وقد بللت جبهتي بالعرق.
كارمن كانت تراقبني بصمت من خلف الباب.
قالت:
"لقد عاد لك ذلك الحلم، أليس كذلك؟"
هززت رأسي:
"لم يعد حلمًا، كارمن… بل ذاكرة."
في غرفة الاجتماعات، دارت نظرات متوترة بيني وبين كريس.
كان واضحًا أنه لا يثق بي… ولا ألومه.
قال فجأة، كأنما انفجر:
"نحتاج لاختبار الجميع. لا يمكننا المضي قدمًا ونحن لا نعرف من نكون بعد الآن!"
كارمن اعترضت:
"لسنا قطع شطرنج، كريس! نحن عائلة!"
ضحك كريس ساخرًا:
"عائلة؟ منذ متى والعائلات تزرع جواسيس في قلبها؟!"
همست وأنا أنهض:
"لا حاجة لاختبار… سأذهب."
صاح كريس:
"إلى أين؟!"
"إلى من زرع الإجابة في رأسي منذ البداية."
اتجهت إلى الحي المهجور، حيث بدأت قصتي مع المنظمة…
حيث تم اختطافي لأول مرة قبل ثلاث سنوات.
الشارع نفسه… الرائحة نفسها… وحتى ذلك الجدار الرمادي، ما زال يحمل آثار دمي.
لم أكن وحدي.
دريك كان بانتظاري، واقفًا كتمثال ظل في زقاق خلفي، يراقبني من بعيد.
قال من دون أن ألتفت:
"كنت أعلم أنك ستعودين."
"أريد الحقيقة."
اقترب بخطوات بطيئة، ثم سلمني جهازًا صغيرًا.
"اضغطي هنا… وستتذكّرين كل شيء."
ترددت.
هل أنا مستعدة لمعرفة من كنت؟
هل أتحمل أن تكون الحقيقة… أنا؟
نظرت له بعينين دامعتين وسألت:
"وإن لم أعجبني ما أراه؟"
ابتسم كعادته، بلا دفء:
"الحقيقة لا تنتظر إعجابك."
ضغطت الزر.
لم تمرّ سوى ثوانٍ… حتى انهالت الصور في رأسي كسيل جارف.
أنا، في غرفة مظلمة، مربوطة، أنزف.
رجل ذو وجه مشوش، يقول لي:
"ستكونين واحدة منّا، سواء أردتِ أو لا."
ثم… أنا أطلق النار على رجل يرتدي نفس سترة المقاومة… وأضحك.
صرخت.
سقطت على الأرض، يداي ترتجفان، والدنيا تدور.
كان دريك ينظر إليّ… بصمت.
همست:
"أنا… قتلت أحدهم."
قال بهدوء:
"نعم. في مهمة لم تعرفي أنها مهمتك."
سألته وأنا أزحف بعيدًا عنه:
"لماذا؟ لماذا اخترتموني؟"
اقترب أكثر، عاقدًا حاجبيه.
"لأنك كنتِ الأذكى، والأقوى، والأكثر يأسًا. واليأس يا عزيزتي… يخلق أوفى الجنود."
بعد تفعيل الذاكرة
لم أعد أشعر بقدميّ.
كأن الأرض من تحت جسدي أصبحت بلا ملامح، وكأن روحي أُغرقت في بحرٍ من رماد الذكريات.
جثوت على ركبتيّ وسط الخراب القديم… وأنا أتنفس ببطء، كمن يخاف أن يستنشق نفسه السابقة.
اقترب دريك بخطوات هادئة، لا تصدر منها سوى صدى يشبه صرير باب مخلوع.
قال:
"الجزء الأصعب ليس ما تذكرتِه، بل ما ستفعلينه به."
نظرت إليه… قلبي مزيج من القرف، والرغبة في الفهم، والضعف الذي كرهته دومًا.
سألته بصوت خافت:
"هل كنتَ تعرف طوال الوقت؟"
ردّ دون أن يرمش:
"كنت أعرف من اللحظة التي نظرت فيها في عينيك… أنك لن تبقي كما أرادوك."
"اسمعني جيدًا، دريك… أنا لم أختر أن أكون أداة، لم أختر أن أخون، أو أن أقتل…"
قاطعني بنبرة هادئة لكنها صارمة:
"بل اخترتِ أن تعيشي، وهذا كافٍ في نظرهم لتُستخدمي."
"وهل استخدمتني أنت أيضًا؟!"
"أنا… أعدت لكِ ما سرقوه. لا أكثر."
أردت أن أصرخ في وجهه، أن أركض، أن أحرق كل من جعلني دمية بيد كائنات لا ترى في الناس سوى أوراق لعب.
لكنني لم أفعل.
وقفت ببطء، ووجهت نظري نحو مبنى رمادي متهالك في الجهة الأخرى من الحي.
همست:
"هناك بدأ كل شيء، أليس كذلك؟"
أومأ.
"الطابق السفلي. الغرفة رقم 13."
[الغرفة رقم 13]
دخلنا المبنى معًا. كانت رائحته مثل قبرٍ مغلقٍ منذ سنوات.
الغبار على الجدران، آثار دم قديم، ومرآة صغيرة مكسورة في الزاوية.
اقتربتُ من المرآة.
انعكاسي… بدا غريبًا، كأنه ليس لي.
اقترب دريك من لوحة كهربائية على الحائط، ضغط زرًا سرّيًا، فانفتح بابٌ خلف الجدار.
الغرفة 13.
كل شيء فيها صامت، لكن الجدران كانت تنطق.
كرسيّ تعذيب معدني، كاميرا معلّقة في الزاوية، وجهاز صغير ما زال يومض كقلبٍ يحتضر.
قلت:
"هنا علّقوا ذاكرتي… وهنا سأستعيدها بالكامل."
دريك مدّ لي قارئ بيانات.
"القرص الذي زرعوه فيكِ، احتفظ بنسخة."
ضغطت الزر، وظهرت مقاطع متتالية على الشاشة الصغيرة…
كنت هناك، أضحك بصوت خافت بينما أوقع أحد عناصر المقاومة في فخ، أضربه بقسوة… ثم أطلق عليه النار.
كانت نظراتي باردة، بلا رحمة.
لكن أكثر ما أرعبني… لم يكن العنف. بل الجملة التي قلتها بعدها:
"الوفاء لا يكون إلا للظل… ومن أراد النور، فليحترق."
سقط القارئ من يدي.
نظرت لدريك، وجهه جامد، لكنه قال:
"لم تكوني أنتِ حينها… بل برمجوك على الطاعة."
صرخت:
"لكنني من ضغط الزناد! كانت يداي… كانت كلماتي!"
اقترب، وضع يده على كتفي:
"ومن اختار الآن أن يعود ليكفّر عن كل شيء؟"
نظرت إليه، للمرة الأولى دون كراهية.
دريك لم يكن منقذي، ولم يكن خصمي.
كان… مرآتي السوداء.
قال أخيرًا:
"المنظمة لم تنتهِ بعد. بل هي تستعد للمرحلة التالية… وسيكون دوركِ محوريًا."
سألته:
"لماذا أنا؟"
ابتسم أخيرًا، بمرارة:
"لأنك الوحيدة التي تتقن أن تكون ظلًا… ثم تتحول إلى نار."
كان الصمت ثقيلاً، كأن الجدران تحبس أنفاسها معنا.
أوقفت تشغيل الجهاز، ووضعت رأسي بين كفيّ.
الصور، الأصوات، الأوامر التي لم أكن أعلم أنني نفّذتها… كلها عادت لتجثو فوق صدري كحجر.
قال دريك:
"إن لم تحرقي هذا المكان، سيظل يسكنك."
نظرت إليه، ثم إلى الحائط الذي كانت تُزرع فيه الأوامر.
سحبت قداحتي، واقتربت من الحواف المغبرة…
رششت البنزين من القارورة القديمة في الزاوية، وأشعلت أول نار.
لهيب صامت، لا يصرخ، لكنه يأكل ببطء.
وقفت أشاهد ألسنة النار تتراقص في الغرفة، وقلبي ينبض بإيقاعها.
قال دريك:
"أتعلمين لماذا لم يُعثر عليكِ أبدًا أثناء اختفائك؟"
همست:
"لأنهم جعلوني أختفي حتى عن نفسي."
"بالضبط. لقد حذفوا كل نسخة منكِ، وصنعوا واحدة جديدة."
نظرت إلى ألسنة اللهب، وقلت بجمود:
"لكنني الآن أستعيدها. شيئًا فشيئًا."
سألني:
"وماذا ستفعلين بكل هذا الألم؟"
قلت:
"سأجعله سلاحًا… لكن هذه المرة لن أكون أداة أحد."
خرجنا من المبنى المحترق دون التفاتة.
في الخارج، الليل كان أبرد من المعتاد، لكن داخلي… نار لا تهدأ.
سألته:
"كيف نبدأ؟"
قال:
"ثلاثة فروع أساسية تتحكم في شبكة المنظمة… المال، البيانات، والوجوه المزيفة."
أجبته:
"سأضرب أولهم حيث لا يتوقعون."
أعطاني دريك حافظة رقمية سوداء، محفورة بعلامة الكود:
"هذه بوابة الولوج إلى فرع التمويل، يُدعى بـ ‘اليد الرابعة’. المقر في فيينا."
همست:
"وهل لديهم ماضٍ معي أيضًا؟"
ابتسم دريك ابتسامة جانبية:
"أكثر مما تتخيلين… فقد كنتِ يوماً ‘وجههم الجميل’ في أوروبا الشرقية."
عدت إلى المخبأ، ووجدت كريس واقفًا عند المدخل، سلاحه بيده، وجهه متجهم.
كارمن كانت تنظر من نافذة صغيرة بقلق لا تخفيه.
قال كريس حين رآني:
"لم نتلقَ إشارة منك، كدنا نعتقد أنك…"
قاطعته:
"أنني خنتكم؟ لا تلُم نفسك، كنت سأظن الأمر ذاته لو كنت مكانك."
سألتهما، بجدية:
"هل ما زلتما تثقان بي؟ بعد كل شيء؟"
كارمن أومأت ببطء، بعينين مبللتين:
"لقد اخترنا أن نقاتل معك، لا خلفك."
أما كريس، فقال بهدوء أكثر من العادة:
"لكن لو اكتشفتِ أنكِ ستعودين يوماً للجانب الآخر… أخبريني قبل أن أضطر لقتلك."
ابتسمت.
"أعدك… سأقتلك أنا أولاً."
في تلك الليلة، لم أنم.
فتحت الحافظة التي سلّمني إياها دريك، وبدأت أرسم خريطة الانتقام.
كل ضربة ستعيد لي شيئًا فقدته…
وكل رصاصة سأطلقها، ستكون باسم إيزابيل الحقيقية.
الثلج كان يتساقط كأن المدينة تغتسل من ذنوبها، لكني أعلم جيدًا…
فيينا لا تتطهّر، إنها تبتسم لكل جريمة ببذلة فاخرة وربطة عنق مشنوقة على مهل.
كارمن إلى جانبي، تمسك لوحة بيانات رقمية.
كريس خلفنا يراقب مداخل المبنى عبر كاميرات حرارية.
أمامنا، مبنى زجاجي رمادي يُدعى "مركز فالكو"، المقرّ السري لفرع التمويل في المنظمة، المعروف باسم اليد الرابعة.
قلت:
"من الخارج، يبدو كمصرف... لكن داخله مقبرة رقمية لكل من فضّل أن يُسجَّل كأرقام بدلًا من أن يعيش."
همست كارمن:
"تعتقدين أنهم سيعرفون وجهك؟"
نظرتُ إلى الزجاج العاكس، ثم قلت ببرود:
"لو كانوا سيعرفونني... لما كنت واقفة هنا."
دخلنا المبنى في زيّ رسمي، مزيف بدقة من كودات اختراق نظمها دريك لنا سلفًا.
عند المدخل، موظف الأمن مرر أعيننا عبر جهاز المسح…
ثم قال مبتسمًا:
"مرحبًا بالسيدة فالنتينا، قسم التحليل المالي."
ابتسمت له بلطف قاتل:
"أشكرك."
لم يكن يعلم أن "فالنتينا" دفنت منذ ثلاث سنوات… برصاصتي.
كريس ضغط على أذنه وهمس في أجهزتنا:
"أنظمة الأمان الداخلية ستتوقف لمدة ثلاث دقائق فقط… ثم يعود كل شيء للعمل."
كارمن قالت:
"يكفي أن نجد غرفة التحكم ونزرع الفيروس."
دخلنا الممرّ، وعند الباب الأخير أخرجت جهاز التشفير.
لكن حين فُتح الباب…
وجدت نفسي وجهاً لوجه مع ألكسندر دي سالفي.
نفس النظرة… نفس الشفاه الماكرة… الرجل الذي كان يبتسم لي وأنا أوقع له العقود المزيفة التي سرقت ملايين لصالح المنظمة.
قال وهو يصفّق:
"إيزابيل… أو يجب أن أقول: العميلة S-13."
كارمن شهقت، وأنا رفعت سلاحي بسرعة.
لكنه لم يبدُ خائفًا.
"أوه، لا تقلقي… أنا لست هنا لأطلق النار عليك. بل لأرى إن كنتِ جئتِ لتطلبي الغفران."
قلت وأنا أقترب منه ببطء:
"ألكسندر، إن كنت تنتظر الغفران… فأنت أكثر سذاجة مما اعتقدت."
ضحك، وابتعد عن الطاولة:
"الغفران؟ لا. لكني كنت أعلم أن الماضي سيجذبك عاجلاً أم آجلاً. واليد الرابعة… لا تنسى من أنشأ نظامها الأول."
كارمن همست:
"ماذا؟ أنتِ من برمجت النظام؟!"
نظرت إليها، ثم لألكسندر:
"كنت أداة… أداة تنفّذ دون أن تسأل."
قال ألكسندر، وهو يدير الشاشة أمامه:
"إلى أن أصبح لك عقل… وصار الخطر يتنفس من أنفاسك."
سألته بحدة:
"لماذا تركتني أعيش؟ في المنشأة، في الغرفة 13؟"
نظر إليّ بعينين ميتتين تقريبًا، ثم أجاب:
"لأن الظل لا يقتل… بل يُطيل الألم."
قبل أن أضغط الزناد، قال:
"قبل أن تقتلي من تظنينه خصمك، خذي هذه."
ورمى لي شريحة ذاكرة.
قال وهو يبتعد:
"إن فتحتها، ستدركين أن اليد الرابعة لم تكن سوى إصبع واحد… من يدٍ أكبر… أنتِ من صنعها."
وقفت مكانها، بين خيارين:
1. تقتل ألكسندر، وتُنهي دائرة من الماضي.
2. أو تفتح الشريحة… وتبدأ بحرب جديدة لا تعرف نهايتها.
فتحت الشريحة.
وما رأيته…
كان اسمي.
توقيعي.
أوامري.
وأوامر أخرى… موجهة مني شخصيًا إلى فريق تنفيذ اغتيال في "باريس" قبل ثلاث سنوات.
وكان المستهدف…
أحد أقرباء كارمن.
[الطابق 11 – مركز الأرشفة، فيينا]
كان كل شيء صامتًا… حتى الهواء توقّف عن الدوران، وكأن الشاشة التي أمامي ابتلعت الأوكسجين، وكتمت أنفاسي.
كارمن واقفة خلفي، تراقب البيانات المعروضة ببطء.
وجهها لم يتحرّك، ملامحها انكمشت في صدمة بلا صوت، لكنني شعرت بها… شعرت بجسدها يتيبّس، وكأن الحقيقة صفعتها.
سألتني بصوت مبحوح:
"هذا… اسم أخي… لماذا؟"
أردت أن أنفي، أردت أن أقول إنهم زوروا التوقيع، إن أحدًا انتحل اسمي…
لكن كل شيء كان دقيقًا.
التاريخ، المكان، الأمر التنفيذي، رمز الدخول الشخصي الخاص بي حين كنت تحت سيطرة المنظمة.
همست:
"كارمن… لم أكن نفسي حينها."
قالت، وعيناها تلمعان بالدمع:
"لكنك كنتِ أنتِ من قتل أخي، إيزابيل. سواء كنتِ تذكرين أم لا… أنتِ من أرسلت ذلك الرصاص إلى صدره."
تقدّمت خطوة، حاولت أن أشرح، أن أمسك بيدها، لكنها تراجعت كأن لمستي تحرق.
صرخت:
"لماذا لم تقولي شيئًا؟! لماذا لم تعترفي من البداية؟!"
قلت بألم:
"لأني لم أكن أعرف! أقسم أنني… نسيت. أو بالأحرى، محوا كل شيء."
لكنها كانت تنظر إليّ كمن يرى شبحًا.
قالت ببطء، وكأن الكلمات تؤلمها أكثر من السكوت:
"وأنا… صدّقتك، دافعت عنك. كنت أراك أختًا."
جفّ حلقي، والندم ينهش ضلوعي.
"أنا لستِ عدوكِ، كارمن. أنا ضحيتهم أيضًا."
ردّت، بدم بارد كالجليد:
"بل أنتِ ماضيّ، والماضي لا يُشفى… فقط يُدفن."
كريس دخل الغرفة في لحظة حرجة، يحمل بيده جهاز التشويش.
"وجدونا! نظام الأمان عاد للعمل، وفرق التدخّل قادمة."
لكن أحدًا منا لم يتحرّك.
كارمن، ما زالت واقفة أمامي… عيناها لا تفارقني.
كريس حدّق بيننا، وفهم على الفور.
سأل بهدوء:
"ماذا حدث؟"
أجابت كارمن، دون أن تلتفت إليه:
"إيزابيل قتلت أخي. بأوامرٍ وقّعت عليها بيدها.
قال كريس بصدمة:
"متى؟ كيف؟"
أجبت بسرعة:
"حين كنت تحت تأثيرهم… لم أكن أنا. لم أكن واعية."
لكن كريس لم يقل شيئًا… فقط وقف بيننا، كأنما يحاول منع انفجار.
قال أخيرًا:
"نحن الآن في منتصف الجحيم… إمّا أن نكمل، أو نحترق هنا."
كارمن نظرت إليّ نظرة طويلة… ثم أخرجت جهاز التخزين من وحدة التحكم، ورمت به في حقيبتها.
"المهمة لم تنتهِ بعد."
سألتها، مترددة:
"يعني… تثقين بي؟"
قالت ببرود:
"لا. لكني أثق بأن هناك من هم أسوأ منك… وسأبدأ بهم أولاً."
ثم خرجت.
أما أنا، فقد بقيت في الغرفة لحظات أخرى، أحدّق في اسمي على الشاشة.
تلك الأحرف الأربعة لم تكن تعني شيئًا منذ سنوات…
لكنها الآن، كانت تحمل كلّ الذنب.
في طريق الخروج، همس لي كريس وهو بجانبي:
"ربما لن تسامحك كارمن… لكن هذا لا يعني أنك لا تستحقين فرصة للغفران."
همست:
"الغفران؟ لم أعد أريده… أريد العدالة فقط."
نظر إليّ مطولاً، ثم قال:
"العدالة لا تأتي مجانًا… وأحيانًا يكون ثمنها، قلبك."
[ مخرج الطوارئ – مبنى اليد الرابعة، فيينا]
نلهث خلف بعضنا في ممرات ضيقة، أقدامنا تصدر صدىً خافتًا بين جدران من الخرسانة، كأنّ المبنى نفسه يتآمر علينا.
كارمن تتقدّم بصمت، خطواتها ثابتة، لكنها لا تلتفت.
كريس يتابع تحرّك الحراس من خلال الخريطة الحرارية على جهازه المحمول، وأنا… أراقب ظلالهم على الحائط، وأراقب ظلّي، كأنني أبحث عن خيانة أخرى قد تكون كامنة فيه.
صوت في أذني من دريك عبر الاتصال المشفر:
"الطريق أمامكم مغلق، لكن البوابة الخلفية تُفتح لـ 90 ثانية فقط، كل ربع ساعة. تحرّكوا الآن."
أجبت:
"هل نثق بك هذه المرة؟"
ضحك، بصوت أجوف:
"الثقة؟ لا يا إيزابيل… لكني أعرف جيدًا أنكم لا تملكون خيارًا آخر."
كنا على بُعد خمسين مترًا من المخرج، حين دوّى صوت إنذار داخلي… تلته صفارات ترددها الجدران كأصداء كارثة قادمة.
كريس صرخ:
"كاشف حرارة! لقد رصدونا!"
كارمن سحبت سلاحها بسرعة، صعدت إلى الحاجز المعدني، وأطلقت ثلاث طلقات سريعة باتجاه الكاميرا العلوية.
انطفأ الضوء الأحمر، لكن الضرر كان قد وقع.
من الجهة الأخرى للممر… ظهرت ستة عناصر مدججين بالسلاح.
قال كريس:
"الآن عرفنا لماذا يسمّونها اليد الرابعة… لأنها تضرب دون تحذير."
رددت ببرود:
"فلنقطعها إذًا."
لم نكن نملك الوقت لنحسب الاحتمالات.
أطلقت رصاصة في الرأس لأقرب حارس، وتسللنا خلف ساتر أسمنتي.
كارمن كانت تصوّب بحرفية بارعة، عيناها جامدتان.
أما كريس، ففجّر عبوة تشويش ألقتها يده في الممر المقابل، حوّلت الرؤية إلى سحابة دخان رمادية.
همست لكارمن:
"عندما ينتهي هذا، سنكمل الحديث…"
قالت وهي تطلق النار دون أن تنظر إليّ:
"إن بقي شيءٌ لنقوله."
ركضنا عبر الباب الخلفي الحديدي الذي فُتح بفضل اختراق دريك.
بمجرد أن عبرنا، سمعت آليّة الإغلاق تُفعّل خلفنا…
لكن أحد الحراس تمكّن من اللحاق بنا.
كان ضخم البنية، أمسك بكارمن من الخلف، وحاول خنقها.
صرختُ، وأطلقت النار، لكن الرصاصة كادت تصيبها.
هي من أنهت الموقف، بطعنة خنجرٍ إلى عنقه… دفعت جسده بعيدًا، ثم جلست تلهث، والدماء تغطي يدها.
نظرت إليّ، عيناها زجاجيتان.
قالت بصوت منخفض:
"أنا لا أكرهك، إيزابيل… لكنني لا أستطيع أن أحبّك بعد الآن."
في السيارة التي استقللناها من نقطة الهروب، كان الصمت قاتلًا.
كريس يقود، وأنا في المقعد الخلفي، وكارمن إلى جانبه، تنظر من النافذة وكأن العالم خلفها لم يعد يعني شيئًا.
قلت أخيرًا:
"ما بيننا… مات؟"
ردّت بصوت هادئ، لكنه ينزف:
"ما بيننا احترق… مثل كل شيء آخر في هذه الحرب."
كريس قال:
"أحيانًا، ليس علينا أن ننتظر الغفران… بل أن نبدأ بالقتال حتى ولو كرهنا من نقاتل بجانبه."
نظرت إليه… لم يكن يحاول رأب الصدع، بل يحاول فقط أن يمنعنا من التمزّق ونحن لا نزال بحاجة لبعضنا.
وصلنا إلى نقطة الاختباء الجديدة، على أطراف المدينة.
الملف الذي استخرجناه من مركز الأرشفة أصبح الآن في أيدينا، ويكشف عن شيء مرعب:
اليد الرابعة… كانت مجرد ذراع لبرنامج أكبر اسمه: “Vanta Protocol”
برنامج يتحكم في العقول، يشكّل خلايا نائمة…
تمامًا مثلما فعلوا بي.
[ مخبأ مؤقت – فيينا، في الليلة نفسها]
داخل قبو صغير تحت أحد الأحياء الصناعية، جلسنا حول طاولة صدئة يتوسّطها قرص البيانات المستخرج من "اليد الرابعة".
الهدوء ثقيل، كأنّ الحروف الرقمية على الشاشة تخشى أن تُنطق.
كريس يتنقل بين الملفات، يداه تتحركان بخفّة محترف… لكنه يلعن تحت أنفاسه بين كل سطر وآخر.
كارمن، ممدّدة على الكنبة الحديدية، تصغي بصمت.
وأنا... جالسة أمام الشاشة، أقرأ الاسم مجددًا:
"Vanta Protocol" – بروتوكول فنتا.
كريس قال:
"هذا ليس مجرد مشروع تحكم... هذا نظام تجنيد على المدى البعيد."
سألته:
"تجنيد؟"
أجاب:
"هم يختارون أشخاصًا من طفولتهم. يتابعونهم، يراقبونهم، يزرعون بذور الألم... ثم يتدخلون عند اللحظة المناسبة."
نظرت إليه:
"وكيف؟"
قال بهدوء:
"عبر ما يسمونه: مبادئ الظل السبعة… كل مبدأ يُنقش في العقل عبر الصدمات، حتى يُعاد تشكيل الهوية بالكامل."
كارمن همست من بعيد:
"كنتِ رقم 13، أليس كذلك؟"
أومأت برأسي.
أضاف كريس:
"وهم يملكون على الأقل 24 حالة أخرى… آخرهم ظهر قبل أربعة أشهر فقط في لندن. رمزُه S-19…"
صمت.
ثم تابع بصوت منخفض:
"وهو… شقيقكِ يا إيزابيل."
الدم تجمّد في عروقي.
شقيقي؟
ذلك الطفل الذي كنت أظنه قُتل في الحريق؟
ذلك الفتى ذو العينين الفضوليتين، الذي اختفى ولم يُعثر عليه أبدًا؟
همست:
"أنت متأكد؟"
قال كريس:
"الحمض النووي مطابق بنسبة 99.97%... الاسم مشفّر، لكن الصور الحرارية والمقاطع المسربة تؤكد."
كارمن نظرت إليّ، للمرّة الأولى بعينين مختلفتين… فيها شيء من الشفقة، شيء من الإدراك.
نهضت واقفة.
قلت:
"سأسافر إلى لندن."
كارمن سألت:
"لإنقاذه؟"
قلت:
"لا أعلم إن كان يمكن إنقاذه أصلاً… لكن إن لم أفعل، فربما أكون الوحيدة التي ستقتله لاحقًا."
كريس قال:
"لدينا خيط آخر… مشروع موازٍ باسم Ares Node."
نظرت إليه:
"ما علاقته بفنتا؟"
قال ببطء:
"Ares ليس تابعًا لهم… بل خصمهم. شبكة سرية تقاتل مشروع فنتا من الداخل… وربما نحتاجهم أكثر مما نظن."
رنّ جهاز الاتصال المشفّر.
اسم المتصل: L. F.
ليوناردو فيريرا.
تجمد الهواء.
نظرت إلى الشاشة، وضغطت الزر.
ظهر صوته، باردًا، متماسكًا، عميقًا:
"إيزابيل… علمتُ أنكم زعزعتم اليد الرابعة."
أجبته بحذر:
"وهل أتى ذلك على هواك؟"
ضحك بخفة.
"بعض الشياطين… يجب أن تُترَك في قعر الجحيم، لا في خزائن البنوك."
صمت، ثم قال بجديّة:
"نحتاج أن نلتقي."
سألته:
"أثق بك؟"
قال:
"لا. لكني أملك معلومات… عن فنتا، وعن من كانوا أعلى من رأسك… بكثير."
أغلقت الخطّ، نظرت إلى الفريق، ثم قلت:
"نحن ذاهبون إلى لندن...
لكن قبل ذلك، سأقابل الرجل الذي علّمني أن أكون ظلًا… كي أعلم منه كيف أصير نارًا."
[مدينة نيس، جنوب فرنسا – قصر قديم على سفح البحر]
السماء تمطر بغزارة، لكن صوت المطر لا يطغى على نبضي المتسارع.
وصلتُ إلى العنوان الذي أرسله لي ليوناردو.
قصر حجري عتيق، محاط بأشجار زيتون قديمة وحديقة مُهمَلة، كأن من فيه لا يعترف بالحياة، ولا بالموت… فقط بالانتظار.
كارمن رفضت الحضور.
كريس أصرّ على المراقبة من بعيد.
أما أنا… فأردت أن أواجهه وحدي.
فتحت الخادمة الباب، دون أن تسأل اسمي.
قادتني عبر ممرات معتمة إلى غرفة ذات نوافذ مفتوحة على البحر، وهناك…
كان ليوناردو فيريرا جالسًا على كرسي جلدي قديم، يسكب كأسًا من النبيذ، يرتدي الأسود كعادته، وعيناه كأنهما تحملان عمرًا من الخراب.
رفع نظره نحوي.
قال:
"لم أتوقّع أن تأتي وحدك."
أجبته بجمود:
"ولم أتوقّع أن تبقى حيًا حتى الآن."
ضحك، بصوت يشبه احتراق الخشب:
"أنا لا أُقتل بسهولة. تعلمت ذلك منذ زمن طويل."
جلست أمامه.
قلت:
"لماذا طلبت اللقاء؟"
ردّ وهو يدوّر كأسه:
"لأخبرك أنّك لم تخرجي من اللعبة… بل صرتِ قطعة مركزية فيها."
أخرج مظروفًا بنيّ اللون، ودفعه إليّ.
قال:
"هذا ليس مجرد ملف عن فنتا… بل عن من صنعوها."
فتحت الظرف.
داخلَه كانت صورًا لأشخاص في أعلى هرم السلطة العالمية.
سياسيون، رجال أعمال، قادة وحدات استخبارات.
قال لي:
"فنتا ليست منظمة… إنها فكرة. وكل من تراهم هنا… هم من قرّر أن يجعل من البشر أدوات تجريبية للطاعة."
سألته:
"وأنت؟ أين كنت من كل هذا؟"
قال بهدوء قاتل:
"كنت أحد أوّل الداعمين. ثم… قرروا التخلص منّي حين رفضت قتل الأطفال."
أغلقت الملف، نظرت إليه بحدة.
"لماذا تساعدني الآن؟"
قال:
"لأنني أحتاجك."
"كحليفة؟ أم كدرع بشري؟"
"كشخص يعرف جحيمهم من الداخل. إن سقطتِ… فلن يجرؤ أحد بعدك."
نهض واقفًا، اقترب خطوة، وحدّق في عينيّ.
قال:
"سأعطيك كل ما أعرفه عن الشبكة… مقابل أن نحارب سويًا. لا تحت رايتي… بل ضد عدو مشترك."
سألته:
"ومن العدو حقًا؟"
أجاب، بصوت منخفض:
"الذي لا يظهر في أي صورة… ولا يُذكر في أي ملف… لكنه من وقّع على خلقك."
صمتّ.
ثم سألته:
"اسمه؟"
قال دون أن يرمش:
"اسمه الرمزي: Zero."
عدتُ إلى السيارة، المطر لا يزال يتساقط، لكن رأسي يمور بالأسئلة.
كريس سألني:
"كيف كان اللقاء؟"
قلت:
"ليست الحرب القادمة بيننا وبين منظمة… بل بيننا وبين فكرة."
كارمن سألت من الخلف
"هل سنقاتل معه؟"
أجبت:
"سنقاتل من خلاله… لا لأجله. لكن الطريق الآن واضح: لندن."
كريس سأل:
"وما الذي سنواجهه هناك؟"
همست، وأنا أحدق في اسم Zero على الشاشة:
"سنواجه الظل الأول… الأب الحقيقي لهذا الجحيم."
______________________________________
إنتهى الفصل
Rit_al 💋