أفاقت لافندر من غيبوبتها ، كانت تشعر بالثُقل على قلبها الذي إنكسر ولا تزال جارحةٍ تنزف ، قلبها منصهر بصدماتٍ ظنت أنها تخطتها.. فتحت عيناها بخفة
رأت أن السقف أبيضًا وطويلًا ، موجهة لنظرها على الإضاءة ، كانت صفراء خافتة بجانبها...
أمسكت باللحاف في يدها لتراه حريري من الخارج ومن الداخل قطني أما لحافها في منزلها فكان قطني فقط...
حاولت لافندر استرجاع ذاكرتها، ماذا حصل؟
ماذا افعل هنا؟
تذكرت عندما كانت تتنفس بصعوبة وجسدها كان هشًا،
ونفسيتها كان الصمت كفيل لوصف دمارها عز هدوئها.!
تذكرت وأخيرًا، من ذاك الذي أغشى علي امامه؟
نزعت اللحاف عنها لينقطع فضولها على لباسها،
قماش حريري باللون الوردي، لمست شعرها لتراه مُجدلًا.. وعلى يدها شاشٌ أبيض
ماذا يحصل؟
عند وضعها لقدمها على الأرض لاحظت إرتدائها لجورب صوفي..
كان فضولها حول المكان يزداد، فلماذا الغرفة تتصف بسقفٍ طويل؟ أهذا قصر؟
نظرت عبرَ النافذة لترى أشجار من ما هب وطاب ولكن كانت الباحة أكبر، تُريد لافندر البحث في كُل جزء وزاوية.
خرجت من حجرتها بعد أن خف فضولها تجاهها، فقد اصبحت تتوق لاستشكاف ما خلف الباب
كانَ يقابلها ممر، مفرودٍ بسجاد مزغرف باللون الأحمر الخافت، وفي كل جانب كان هناك ضوء خفيف مُعلقًا على سطح الحائط.
لمست أناملها الحائط الحجري... كان ناعمًا.
لم يكن الممر بذلك الطول كان قصيرًا.
أشعر وكأنه صدرًا دافئًا يحتويني ، في بيتي لم أشعر بالدفئ هذا... كأنما اتآلف مع أحدهم..
كان يقابل وجهها سلم طويل ذو أحجار كبيرة وكان يُحيطه سياج حجري خفيف وناعم..
بينما تخطو بخطواتٍ بطيئة رفعت بصرها للسقف الطويل وتأملت أشكال الثُريا الناعمة، الكلاسيكية..
ألسنا في عام ٢٠٠٥؟..
كانت الجُدران كبيرة وحجرية، كان العديد من السلالم منها الطويل وهو الأساسي، ومنها سلالم قصيرة المسافة..
لم يكن لوحاتٌ مُعلقة... ما كان يتصف به القصر هو الحجر.
حائط حجري سلالم حجرية... ألا يوجد أبواب حجرية؟
وضعت لافندر أولَ خطوةٍ على السُلم وأسرعت في نزولها فتأملت بما فيه الكفاية.. الغُرف بالأسفل والمطبخ كان ذلك يثير فضولها.
عند مقدمة السُلم بالأسفل أذهبت برأسها يمينًا ويسارًا لتتعجب من كُبر المساحة.. قصرًا بالفعل.
كانت هُناك ثُريات طويلة موضوعة أرضًا ، وقطع أثرية من زمنٍ بعيد تُحيط كُل زاوية إما مُعلقة أو موضوعة داخل خزانة مكشوفة الظل بوجود إضاءة صفراء خافتة...
أشعر وكأني عُدت للقرن العشرين.
وجهت بصرها للساعة وكانت الواحدة والنصف ليلًا.
وفي الحجرة كان ضوء القمر له أثرًا في زواياها لهذا لم تتحير...
ذهبت للمطبخ، ففي مثل تلك الفخامة بالخارج الفخامة هنا لا يعلوها شيئُا!
مشت بخطوات ثابتة وشبه راكضة إلى المطبخ فكان مفتوحًا يسهُل رؤيته بمجرد النزول من عن السُلم
الخزائن فاخرة، لم يسبق لي ورؤية ذلك امام نظر عيني
بدأت تلمس الرخامة وتتأمل صنبور المياه الذهبي والبياض الناصع للحوض المائي..
وجهت بعيونها إلى الثلاجة، كانت مُبهجة أو بالمعنى الحّرفي، صافية لا خدوش لها..
إلتفت جسدها بخفة متفحصة لكل تفصيلة صُنعت بالحُبِ والإبداع.
إعتارها الفضول كثيرًا حول خفايا هذا القصر، قصرًا قادمًا من خيالٍ كلاسيكي
شعرت بأنه هُناك حكايات مكبوتة بداخله هل هذا شعورًا صادق أم مُجرد وهم يتمناه قلبها؟
مشاعر مُريحة تغتال قفص صدري..هل كنت هنا ذات يوم أم سأكون؟
وكأني بطلة حكاية ما خلف هذا القصر...
تابعت سيرها خارج المطبخ مُتفحصة بعض ما فيه...كان ضخمًا ذو غُرفًا كثيرة.
في كل خطوةٍ كان الخيال يُداهم عقلها اللاواعي بقصصًا رومانسية شاعِرة بها وبقوة...خارجة عن إرادتها
ولكن كان قلبها يجذبه دون وعي منها..
هذا العقل الذي لطالما فكر فقط بغزو الشر وتحقيق العدل ما به يُفكر بحكايات رومانسية لا وجود لها بحاضرها؟...
- عند الساعة الثانية ليلًا -
بعدما تفحصت بعضًا من الغُرف الشبه فارغة.
عادت للأسفل، جلست على الكنبة واضعة أيديها بالقرب من فخديها.
تكلمت لافندر في نبرة هامسة
"أول غرفة عند صعود الدرج كانت تحتوي على ملابس رسمية لرجل واضح أنه في الثلاثين من عمره..
ليس مقاسًا كبيرًا ولا صغيرًا ولكنه صُنع خصيصًا عند خياطٍ ما..."
فضول أخذ فكرها بعيدًا عن الواقع المُر التي تمنت نسيانه، وَهي تفكر وتُحلل ما لم تتوقع التفكير فيه البارحة..
سُرعان ما قاطع فكرها كُتلةٍ من الفضول داخلها.
المكتبة... بهذا القصر الكبير بالتأكيد يوجد مكتبة
صححت وضعيتها بالوقوف رافعة عينيها للجهة اليُمنى تُفكر.
كل هذه الغرف التي تفحصتها لا يوجد مكتبة بينهم!
ولكن من الممكن أن تكون المكتبة بالأعلى ذات بابًا كبيرًا ومميزًا.
سبقت قدمها اليمنى قدمها اليسرى بالخطو للأمام ومن ثم توقفت، وجهت رأسها للوراء لترى الباب المُطرز والمرسوم بالورود والأغصان، ورودًا ذات لون أبيض تُرى بالعين من بعيد، أحدها صغير والآخر واضح...
كان بالأعلى حجارة منحوتة بدقة تُزين أعلى هذا الباب الكبير..
مشت بإتجاه الباب الذي كان في زاوية فارغة لوحدة، زاوية تُميزها تلك التطاريز، كان الباب خشبي فاخر باللون البيج الناعم
أمسكت بالمقبض الرفيع بكِلتا يديها دافِعة لهذا الباب بحذرٍ شديد.
كانت تُريد توثيق هذه اللحظة بالبُطئ والإستمتاع بعيناها بالرغم من أنه لا تعلم ما خلفه ولكن بابًا مُميزًا وكبيرًا بالتأكيد مكتبة..
لا شعوريًا دُهشت لرؤيتها تلك الرفوف المليئة بالكُتب، وتلك الرفوف المُنظمة كأنه لم يدخلها بشرًا يومًا...
بأعين لامعة مُحدقة بتلك الرفوف بشغف راغبة في قراءة تلك الكتب على الرفوف واحدًا تلو الآخر بعيدًا عن صُخب العالم الخارجي وصراعاته..
رفوفًا كثيرة وعوامِد كبيرة كل كلمات راوي وكاتب في هذا العالم هُنا لا أبالغ...
بعد وقوفًا طال بالدهشة من جمال هذا المظهر تابعت بخطوات بطيئة لا تُريد تفويت أيًا كان من التطاريز الكثيرة على أسطُح تلك المكتبة.
- عند الساعة الثانية والعشر -
بعد تفحصها لرفوف المكتبة أخذت خمس كُتب بعناوين مختلفة، لطالما تمنى قلبها هذه اللحظة مُريدًا لهذا الهدوء الشبه دائم...
لم تكن تريد الخروج والقراءة بالخارج، فهي مؤمنة بفكرة أن المكتبة لها لمستها السحرية التي لا مثيل لها..الهدوء
جلست بين عامودين مُنفصلان عن بعضهما لتبدأ بالقراءة لأول كتاب يحتوي على عنوان
"دوامة"
من غلافها كانت قصة خيالية لم تحدُث واقعًا..
ومن بداية تلك الرواية كانت تتحدث عن شعورًا لا نهاية له وإن شعرت بإنتهائه فأنت مُخطئ...
رفعت لافندر رأسها للأمام بعد قرائتها لتلك الصفحة الأولى، شعرت أنه هُناك رابطًا غير مباشر بحياتها..
- عند الساعة الثالثة والنصف -
كانت في مُنتصف تلك الرواية ففي كل صفحة كانت تُفكر بمدى عُمق الفكرة والمشاعر للشخصيات بداخلها...
قلبت عيناها بخفة وفركتها بطرف أناملها بلُطف..
عدلت جلستها مُريحة لظهرها على الرف الأخير، وبالتأكيد تُريد إكمال القصة حتى الغوص بالأعماق اللانهائية..
قاطعَ أنامل يديها في قلب الصفحة صوت خطوات بطيئة...
إستقام جسدها بسرعة وعادت لواقعها، لم تُفكر قط..من الممكن أن يكون فخًا من عدو ما....
تحركت ببطئ بإتجاه الصوت معتمدة على سمعها.
صوتٌ كالجليد الصلب لا يظهر أي نعومة فيه.
"إستيقظتي..لافندر بيرو"
إلتفت جسدها ببطئ، لكن كعادتها ظنت أنها ستشعر بالرغبة في الهجوم ولكن كانت هالته غير شريرة كالبقية
ردت لافندر بصوت شبه متقطع بعد صمت طال
"مرحبًا...أأنت من أُغشى علي أمامك؟"
أخذ بخطوات ثابتة نحوها ويديه في جيوب بنطاله الرياضي...إلى أن اصبح امامها مباشرة
عمّ الصمت وكأنه ضيقًا يكبر..
نظر لعيناها بثقة دون تلبكًا منه.
"نعم"
كان الهواء حوله يصبح ثقيلًا دون شعورٍ مني...هناك ما أُريد كرهه فيه ولكن لا استطيع...
عينان ناعسة سوداء وملامح ثابتة لا كرهًا بها ولا حبًا..
ظلت لافندر تنظر لعيناه... إني لمُحاولة في فهمه وفهم شعوري ذاك...
تراجعت لافندر بخطوةٍ بخفة حذرًا منها... لا أعلم من هو!
حكَ خده بينما يحرك بنظره أرضًا ومن ثُم قال
"لكن لست فقط شخصًا أُغشي عليكِ أمامي... أنا رئيس منظمتك"
تجمدت لافندر وعقلها يفرز اسئلة لا نهاية لها...كيف له والكشف عن هويته التي أخفاها طوال سنوات وجوده أمامي
هذا غير إعتيادي أبدًا...
أعطى كاليكس ظهره للافندر فكان شعورًا في داخل عواصم قلبه.. لا يُريد رؤيتها مُلبكة كأنها كنزًا توعد في حمايته..
لافندر متجمدة في مكانها غارقة مع أفكارها واسئلتها..
إلتفت كاليكس بعدما كان بينهم عشرَ خطوات..
إنحنى رأسه محاولًا إستوعاب ما هي فيه...!
ذهب تاركًا إياها بعد إستوعباه لحالتها.
ضربَ صميم قلبه رغبة في إعطائها كل المساحة التي تريدها.
"عند الساعة الثالثة وأربعين دقيقة"
ظهر صوتًا خافتًا من باب المكتبة عند فتحه لها أخرجت رأسها من ذلك الباب ومن ثم جسدها مُتفحصة ما حولها بعفوية..وكأنها تنتظر ظهوره عكس ما توقعه عقلها..
أتى في بالها رغبة بالتوجه نحو غرفة الإستقبال، بالتأكيد هو هناك..
بعدما بادرت بخطواتها البطيئة مبتعدة عن المكتبة بأسرها رأته جالسًا حاني لظهره وكأنه صخرة ساكنة لا يهزها أي شيء... ما باله!
تقربت شيئًا فشيئًا وكان الخجل يكبر بداخلها إلى أن أصبحت قريبة منه بخطوات قليلة...
إلتفت جسده اتجاهها بعد ملاحظة سمعه لخطوات خفيفه وبطيئة..
ربَتَ على الكنب بجانبه بيده اليُمنى، ومن ثم غير مكانه لكنب آخر لإفساح المجال لها
تقدمت لافندر بخطوات ثابتة وواثقة... بداخلي لا أسمح بإظهار شعوري المُتوتر أمامه...!
جلست بآداب وبأنثوية على طرف الكنب بعيدًا عن الكنب الآخر الذي يجلس عليه...
بادر بحديثة المباشر والغير متوقع..
"أعلم عن مدى تسائلك، لماذا كشفت عن هويتي أمامك.."
نظرت له لافندر بإستغراب ثم حركت برأسها.
أخذ أنفاسه بعمق ليلفظ بنبرة حزينة تفيض بقلبه وبلمعة عيناه.
" كان أبيكي هو شخصًا مهمًا حماني ووجهني، من بين كل الأُناس الذين طعنوا في ظهري كان هو مختلفًا"
ملئ جسر عين لافندر بالدموع... كادت أن تفيض، كان ثاني أعز ما أملك وما أُحب أبي...!
إلتقى بؤبؤ عيناها المُدمع بعيناه الفائضة بالعاطفة... كان شعور مكبوت لا شعوري منها كانت عيناها واثقة بنظراتها ولكن... إدمعت.
أكمل كلامه بعدما وجه نظره أرضًا..
"لا أرمي لموضوع يجرحك.. أنا هُنا لأُشعرك بما لم يشعر به والدك حينها....فشلت بحمايته وتأخرت..شعرت بقمة الجبُن من نفسي وأنا هنا لأحميكِ تعويضًا وإرادةٌ مني"
عمَ الصمت لثواني معدودة
تكلمت بصوت مبحوح ودموعها تنزل بهدوء، نظرت له بعينيها بتحدّي وقالت بثقة
"سيد كاليكس راين.. كلماتك هذه ليس تعويضًا لي، بل محاولة لإطفاء نار الندم فيك. انت تحاول اصلاح شعورك بالجبن لا مداواة جراحي...مع كامل احترامي سيدي الرئيس ولكن انا من سيعوض ابي في قبره..ليس انت، يُغرس بكلامك المُكر لا الصدق"
كلامه كان كصاعقة لم يرغبها قلبها، وكأن ماضيها يخاطبها أنه لا يُريد التغيير...
شهقَت ونظرَت لكف يدها الراجف بخيبة أمل... غلبني الشعور على الرغم من قوتي!....
L o y a l a