لا أصدق أنك أخبرت والديّ، إنك لا تريد الزواج الآن لأني أسبب المشاكل؟" تحدثت ڤايا باستياءٍ واضح، ذراعاها معقودتان باستعدادٍ لبدء شجار كبير.
تنهد إيثان، ومرر يده في شعره بعصبية "ليس هذا ما قلته تحديدًا"
ربما كان سيوضح أكثر، لو بدت ڤايا مهتمة حقًا.
لكن ملامحها لم تعكس سوى السخرية والعدائية المعتادة.
إيثان بطبيعته وواقعه لا يهتم سوى بالكلمات المنطوقة، والإشارات الواضحة.
لذا كان جاهلًا تمامًا بما اختبأ خلف نظرة ڤايا المتعالية وما خبأته من تلهفٍ شديد لكلمة واحدة.
واحدة فقط، قد تنتشلها من شعور ثقيل تراكم في قلبها طوال السنوات التي قضياها معًا.
وهو شيء أيقنت ڤايا أنها لن تحصل عليه.
شخرت بسخرية ظاهرة، ثم أرخت ذراعيها باستسلام.
"إن كنت تريدني أن أنتقل للعيش هنا معك، كان عليك طلب هذا فقط."
"ماذا؟" تحدث إيثان بنفور، بينما ينكمش وجهه باشمئزاز.
"من سيريد أن يعيش مع فوضويةٍ..."
أثبطت نظرات ڤايا كلماته، فوجدها قد تقطعت من ذاتها.
كانت نظرة لم يرها منها قبل.
وبدون أن تقول شيئًا، اقتربت ڤايا منه بعقدة كبيرة بين حاجبيها، ثم تسلقت جسده مع وسادة متمتمة بغضب:
"سأقتلك حتمًا، أيها الأحمق."
ثبتت الوسادة على وجهه، وكاد إيثان أن يفقد أنفاسه.
لكن الأمر لم يستمر طويلًا؛
تفوق إيثان بسهولة، وأصبح فوقها، مثبتًا ذراعيها أعلى رأسها بقبضة واحدة.
ابتسم إيثان بمكر واستفز ڤايا أكثر.
"ابتعد!" صاحت ڤايا، ثم وجهت ركلة عنيفة في بطنه.
صرخ إيثان وهو يغطي بطنه بينما يتلوى من الألم "أنتِ!"
كانت صرخته عالية كفاية لتُرضي جزءًا من كبرياء ڤايا المجروح.
"هذا ما تستحقه" نطقت بعد أن تحرر جسدها، ثم سارت بعيدًا لحيث غرفتها من غير أن تلتفت.
كانت تعلم أن إيثان لن يعود للانتقام. سيختار أن يتجاهلها، كما يفعل دائمًا.
دخلت غرفتها، وقررت أن تشغل يديها وأفكارها بترتيب ملابسها وأغراضها.
"العشاء" نادى إيثان من الخارج بعد مرور بعض الوقت.
تنهدت ڤايا، وقد وجدت أن أعمال الترتيب المملة لم تجدِ نفعًا بتشتيت أفكارها كما توقعت.
طوت آخر قميص بين يديها لتضعه داخل الخزانة.
ثم نهضت وذهبت لحيث ينتظرها.
كان إيثان جالسًا حول طاولة الطعام بالفعل.
جلست ثم التقطت ڤايا العيدان، وشرعت بتناول طعامها بصمت.
تسترق بعض النظرات اليائسة، عندما لا يكون إيثان منتبهًا.
لم يكن الصمت صديقًا مراعيًا لڤايا.
فعندما يهدأ ما حولها، تبدأ الأصوات بالتعالي من داخلها؛
صخبٌ عالٍ إلى حدٍّ توشك فيه خلايا دماغها أن تتلف.
أكان سيحبها حقًا لو كانت مجرد فتاة لطيفة وهادئة، كما تقول والدتها دائمًا؟
تتوالى الشكوك، والكثير منها.
كانت أقسى من أن تتجرأ على البوح بها عاليًا.
فظلت حيث هي لتأكلها من الداخل...
خُذلت مرارًا، حتى ضاق بها الرجاء.
لم تجد صدرًا يُؤويها، ولا دفئًا يطفئ ذعرها.
فآثرت ما لا يَسأل، ما لا يُعاتب، ما يكتفي بها كما هي…
متعبة، صامتة، ناقصة.
دراجتها، حريتها المطلقة؛ حيث لا أحكام..
تحدثت أخيرًا، قاطعة الصمت المرهق: "متى ستعيدُها لي؟"
حدق إيثان فيها لبضع ثوان، وكأنه يفكر برد مناسب، دون أن يثير شجارًا في هذه الساعة المتأخرة من الليل.
"أريدك في الشركة أكثر" تحدث إيثان، والتقط بعيدانه قطعة لحم بعيدًا عن نظراتها الحارقة وعبوسها الشديد.
"أكثر؟ من الثامنة للسادسة مثلًا؟ هل تريد أن تقتلني؟"
أطلق إيثان زفيرًا بضجر ثم تحدث: "أولًا، لن تموتي... ثانيًا، لا بأس بأقل.. الأهم أن تلتزمي بعض المهام الثابتة."
لم ترد ڤايا، وكان هناك صمت طويل آخر. لكنها أومأت في النهاية مع "حسنًا" خافتة.
حسنًا؟ فقط؟ كان هذا غريبًا لإيثان، لكنه لم يعلّق، تاركًا الصمت يعود ليغطي أمسيتهما.
. . .
استيقظت ڤايا في اليوم التالي، بأقل ما يمكن من الطاقة.
هي ليست متحمسة، لا شيء يدعو لذلك على أي حال.
لم تُدارِ عبوسها حتى وهي تستقل السيارة مع إيثان.
وعندما وصلا أخيرًا، أرشدها إيثان لقسم التسويق، وهي تعرف لمَ اختار هذا القسم بالذات قبل أن يخبرها حتى.
"ڤايا، أنا متحمس للعمل معك!" صديقهما الوحيد المشترك، فيلكس.
المشع كالعادة.
ابتسمت ڤايا لا إراديًا وهي تلاحظ ابتسامته اللطيفة: "أنا سعيدة برؤيتك، لكن لا أستطيع قول المثل للعمل كما تعرف."
ضحك فيلكس بينما يصافحها بحرارة.
نظر إيثان بينهما ببعض الطمأنينة.
فيلكس عكس ڤايا تمامًا، وكان يأمل أن يبعث تواجده بعض التوازن لها.
دقق ساعته، كعادة اكتسبها مع تراكم المهام في جدوله المزدحم.
"ڤايا،" تحدث، ليحدق فيه كلاهما.
همهمت ڤايا مع نظراتها البريئة تلك، والتي لا تناسب شخصيتها حتمًا.
"لدي بعض الاجتماعات المهمة خارج الشركة اليوم، وفيلكس سيرشدك جيدًا، لذا لا تسببي المشاكل."
ارتفع أحد طرفي شفتي ڤايا بابتسامة ملتوية ونطقت بمكر: "وعلى ماذا سأحصل نهاية اليوم؟"
تنهد إيثان، ودقق ساعته مجددًا: "ابقَي هادئة فقط."
دحرجت ڤايا عينيها، وعبوس صغير حلَّ ابتسامتها الصغيرة، تمتمت بـ"ممل" وأدارت ظهرها، لتدخل لمكتب التسويق.
حدق فيلكس بإيثان من طرف عينيه متذمرًا: "يعني، بجدية؟"
"ماذا؟" رد إيثان محتارًا، ما خطب نظرة الازدراء هذه؟
"لقد كانت تغازلك!" وبخه، بصوتٍ أشبه بالهمس لكن إيثان أخرج صوتًا أشبه بالضحكة الصغيرة، غير حقيقية مع ذلك: "إنها تسخر فقط، هذه طبيعتها."
زم فيلكس شفتيه وهز رأسه بغير رضا: "يمكنك أن تكون أخرق أحيانًا يا رئيس."
شد على حزمة الملفات التي كان يحبسها بين ذراعه وجذعه وتركه ليلحق بڤايا.
إيثان كذلك، لم يظل هناك كثيرًا.
رجل مثله، لم يملك رفاهية التفكير المفرط، لذا غالبًا ما كانت تمر جمل مثل هذه خاطفة في رأسه، ولا تستقر كثيرًا.
سرعان ما يجد ذاته غارقًا بمهامه واجتماعاته التي لا تنتهي.
دفنت المشاعر الطفيفة تحت كومة كبيرة من البيانات التي يجب أن تُعالج والعروض التي يجب الموافقة عليها أو رفضها بغضون نهاية اليوم.
. . .
كانت الأيام تمر، تمضي بطريقة اعتادها إيثان، ما بين أشغال المكاتب والواجبات المستمرة.
لكنها بطريقة ما كانت متوقفة عند ڤايا.
كانت الأيام تضاف لعمرها رقمًا وتسحب من روحها حياةً.
كان المكتب صاخبًا، لكنه بدا كأنّه بعيدٌ عن ڤايا.
كان صاخبًا بطريقة تثير حواسها بطريقة خاطئة.
جلست إلى الطاولة ذاتها، الحاسوب أمامها، لكن الصفحة البيضاء على الشاشة ظلت كذلك.
تحركت أصابعها قليلًا، ثم توقفت.
الضوء الاصطناعي في المكان خانق، والسقف منخفض كأنّه يضغط على رأسها.
جدران زجاجية، باردة، لا خصوصية، لا هواء.
كل شيء من حولها كان صاخبًا، إلا هي...
كانت هادئة بطريقة لم تتوقعها حتى هي من نفسها.
مرّ إيثان أمامها. لم يلتفت.
لم يكن مشغولًا،
فقط... لم يعد يراها.
خرج نفس طويل من شفتيها، كان أشبه بشهقة.
حدقت في الصفحة البيضاء أمامها، مملة، غير ملفتة للنظر.
هذا هو. كان هذا ما يعني وجودها لإيثان.
وللمرّة الأولى، شعرت أنّها تعبت.
ليس من الحب، بل من المحاولة لأن تكون مرئية له،
من كونها الوحيدة التي تُحب.
.
.
992 كلمة
Nuviel