2/خيوط لا تتقاطع

2/خيوط لا تتقاطع

16 0

لا أحب هذا النوع من النظرات التي تلوك الفضول وتلوكك معه.

خرجت من المحكمة ببطء، أسمع خطواتي أكثر مما أسمع الهمسات من حولي.

السماء كانت ملبدة، والهواء بارد على غير عادته.

نظرتُ إلى الواجهة الزجاجية، انعكاسي بدا هشًّا... كأنني لم أعد أمتلك ملامحي كاملة. مجرد بقايا شخص نجا من شيء لم يفهمه بعد.

كنت سأفتح باب سيارة الأجرة حين سمعت صوت والدي.

_"إيلوين..."

استدرتُ، رأيته يركض نحوي بخطوتين. رجل في الخمسين، لكنه بدا أكبر اليوم. عيناه البنيتان كانتا متعبتين. دائما ما تعتذران لي .

_"هل أنت بخير؟" سألني، واضعًا يده على كتفي.

أومأت.

_"كل شيء سيكون على ما يرام، لا تقلقي. المهم أنكِ خرجتِ من هذه الكارثة. عودي للبيت، ارتاحي، ولا تفكري كثيرًا..."

ضحكت بسخرية داخل رأسي.

_"لا تفكّري"؟ لو أن الأمر بهذه السهولة.

لكن، قبل أن أرد عليه، جاء صوت آخر.

بارد، مستقيم، بنبرة لا تسمح بالجدال.

_"بل عليها أن تفكر، وبشدة أيضًا."

التفت. أمي.

نظراتها كانت حادة، تقف بأناقتها المعتادة، بذلة رمادية، كعب عالٍ، وتلك الحقيبة التي لا تضعها أبدًا أرضًا — كأنها سلاح.

_"ما حدث اليوم لن يُنسى بسهولة. عليكِ أن تدركي أن نظرة الناس لعائلتنا تغيّرت."

قالتها وهي تحدق بي، ثم أضافت بتهكم:

_"السمعة، إيلوين. السمعة لا تُسترد بسهولة ."

لم أرد. فقط قلت:

_"سأعود للمنزل."

ركبت السيارة، وتركتهم يقفان هناك — هو بعينيه القلقتين، وهي بعينيها الغاضبتين.

حين دخلتُ، استقبلني صمت خالص.

البيت كما تركته. خالٍ من الحياة. ستائر نصف مغلقة، ورائحة خفيفة من عطر االفانيليا  رائحتي المفضلة .

خلعت معطفي، ألقَيت مفاتيحي على الطاولة، ووقفت وسط الغرفة.

_"إذًا، ها قد عدنا."

قلت ذلك وأنا أحدّث نفسي، كما أفعل دائمًا.

_" لازلت أحمد الله على هذه الوحدة. "

انطلقت نحو المطبخ.

كل شيء كان مغطى بطبقة من الغبار الخفيف.

_"نحتاج لترتيب... والكثير من المبيضات."

ارتديت قفازاتي، بدأت بتنظيف الطاولة، الخزائن، الأرضية، حتى شعرت بظهري يؤلمني.

_"رائع، أمضيت أسبوعًا في زنزانة لأعود وأمضي مساءي في تنظيف الأرض."

توجهت بعدها للحمام.

فتحت الماء الساخن، تركته ينساب طويلًا.

الماء كان الشيء الوحيد الذي يشعرني أنني لا أزال حية.

أغمضت عيني، وتركت رأسي تحت الدش.

_"قتل؟... أنا؟ كيف يُعقل؟ لماذا لا أستطيع تذكر شيء؟ ولماذا شعرت للحظة أنني... فعلاً كتبت تلك الرسائل؟

والأهم من هذا كله من أين علي أن أبدأ لأفهم ما جرى بالضبط!."

فتحت عيني، أغلقت الماء، لفيت جسدي بمنشفة، وسرت إلى المطبخ.

_"ما الذي أطبخه للعشاء؟ البيض؟ البيض لا يخيب. أو ربما لا. أريد شيئًا دافئًا أكثر... شوربة؟ إنها تذكرني بجدتي

في الحقيقة اشتقت إليها، صحيح أنها حازمة لكنها أكثر لينا من إبنتها "

ابتسمت

فتحت الثلاجة، عبثت قليلاً، ثم وضعت الماء على النار.

في الحقيقة البيض المسلوق يبقى الخيار الأفضل والسهل دائما.

لكن قبل أن أبدأ بطبخي الفاخر، أخذت الهاتف واتصلت بها.

_"هايلين..."

ذلك كان اسم أختي.

_"إيلوين؟" جاء صوتها، خافتًا بعض الشيء.

_"من غيري سيتصل بك في هذا التوقيت؟"

ثم أضفت:

عداي أنا وخطيبك الأبله. "

قالت بانزعاج:

_" لم تنعتينه بالأبله. "

أجبتها:

_" أبله لأنه ورط نفسه مع عائلتنا،وأبله لأنه ارتبط بك."

_"كيف حالك؟" سألت، وكأنها لا تعرف.

_"بخير. "

ردت:

_"أعرف هذه ال بخير جيدا.. لا بد أن رأسك يكاد ينفجر من التفكير. "

دلكت جبيني بأصابعي وقلت:

_" قليلا. "

سألتني:

_" إيلوين.. مالذي جرى بالضبط. "

أجبت:

_" لا أعلم يا هايلين، صدقيني لا أعلم. "

اتكأت على المنضدة وسألتها:

_" هايلين سأسألك سؤالا غريبا. "

قالت:

_" تعرفين أنني أحب الاستماع إليك بالرغم من غرابة الأمور التي تقولينها أحيانا."

قلبت عيناي من كلامها ثم قلت بجدية:

_" ماذا فعلت يوم أمس."

صمت على الجهة الأخرى

ثم قالت:

_" هذا سؤال غريب حقا... كالعادة اتصلت بك عند العاشرة وكنتِ في العمل، أخبرتني أنه لديك عمل كثير وأنك ستعودين متأخرة لمنزلك. "

سألتها مجددا:

_" ألم تلاحظي أي أمر غريب بشأني هذه الفترة؟. "

فكرت قليلا ثم ردت:

_" بصراحة لاحظت أنك لا تتصلين بي كثيرا مثلما تفعلين عادة حتى أنني أرسلت لك رسالة أعاتبك فيها ..ألم تقرأيها؟."

نظرت إلى الماء وهو يغلي ثم قلت:

_" لا."

تنهدت وقالت:

_" أعتقد أنك بدأت تملين من أختك الصغيرة."

تحركت أضيف البيض إلى الماء

قلت:

_" بصراحة لا أذكر شيئا. "

جاءني صوتها متعجبا:

_" ماذا تقصدين بأنك لا تذكرين شيئا؟. "

لم أرد

لتتنهد هي وتقول:

_" لا بد أنكِ مرهقة، عليكِ أن ترتاحي وإن لزم الأمر لا تذهبي للعمل غدا. "

رددت:

_" كلا، علي أن أذهب، هناك ما علي معرفته. "

قالت:

_" كما تشائين، سأتركك الآن علي التحضير لامتحانات الاسبوع القادم، بدأت أتعب من الآن.. دروس الطب صعبة!. "

قلت:

_" ليست صعبة، بل عجلات عقلك صدئة تشتغل فقط عند رؤية "لوكاس".

أبعدت الهاتف عن أذني لأنني توقعت صراخها:

_"  إيلوين!. "

ابتسمت وقبل أن أنطق أغلقت الخط في وجهي مما جعلني أضحك بخفة

إنني أعشق إزعاجها.

نظرتُ إلى قِدر الماء الذي بدأ يغلي لتزول ابتسامتي فورا وأعود إلى هواجيسي.

_" يبدو أن الليلة ستكون ثقيلة علي. "

قشّرت البيضة الأولى، ثم الثانية... الثالثة كانت أكثر عنادًا، لكنني ربحت المعركة. وضعت البيض الثلاثة في الصحن الأبيض الصغير، أضفت رشّة من الملح، ووقفت لحظة أحدق فيها بالنتيجة.

"ممتاز، سلقتها جيدا هذه المرة"

وضعت الصحن على الطاولة، أخرجت شريحة خبز، قطّعتها نصفين، وجلست.

أكلت بصمت... لا صوت سوى قرمشة خفيفة تصدر عن الخبز اليابس، وصوت تنفسي الذي يبدو عاليًا جدًا حين أكون وحدي.

وحين أنهيت، غسلت الصحن، والسكين... لا أحب ترك أي شيء في المغسلة، فوضى الأطباق تشبه الفوضى الذهنية، وكلاهما يزعجني.

توجهت لغرفتي.

مشّطت شعري بخطوات هادئة.

بدّلت ملابسي إلى بيجاما رمادية قطنية، وغسلت أسناني.

رذاذ النعناع منحني شعورًا مؤقتًا بالنظافة الذهنية... كأنني أستطيع محو القلق بالماء ومعجون الأسنان.

تمدّدت على السرير، وضعت الوسادة تحت ذراعي، وأمسكت الهاتف.

حدّقت في شاشته المطفأة قليلًا، ثم شغّلته.

_"ربما هناك شيء... أي شيء."

ذهبت أولاً إلى سجل المكالمات. لا شيء مثير. كل الأرقام معروفة، كلها رسمية أو عائلية.

ثم إلى المعرض... آخر صورة التقطتها كانت مع عائلتي.

كنت أضع رأسي على كتف أبي، وأمي تقف مستقيمة كأنها تلتقط صورة رسمية لجواز سفر، بينما هايلين تبتسم بعينين شبه مغلقتين لأن إيثان ألقى نكتة ساذجة كعادته. كنت في الثامنة عشرة. "

تأملت الصورة طويلًا.

"لو لم تحدث تلك الحادثة... ربما كان سيتغيّر كل شيء. ربما لم أكن لأخرج من المنزل ..."

أغلقت المعرض.

فتّشت في الرسائل... لا جديد. ولا قديم مثير للاهتمام أيضًا.

لست  من النوع الذي يفتح هاتفه كثيرًا ومع ذلك هايلين لا تتوقف عن ارسال مقاطع الفيديو لي مع انها تعلم جيدا انني لن اشاهد ايا منها.

وأخيرًا... دخلت تطبيق الواتساب.

سجل المحادثات كان مملًا.

حتى... توقّفت عيناي على رقم غريب. ما من صورة أو اسم.

فتحت المحادثة.

رسالة واحدة فقط.

جلستُ فجأة.

_"عامل التوصيل أخذ كعكة الفراولة إلى لابوبو."

قرأت الجملة أكثر من مرة.

الرسالة مرسَلة يوم السادس من يونيو.

اليوم هو الحادي والعشرون.

خمسة عشر يومًا وأنا أمتلك هذه الرسالة، كما أنني قرأتها ولم أرد.

_"من هذا؟ ما هذه الجملة؟... كعكة الفراولة؟... لابوبو؟"

وضعت الهاتف على صدري، ظهري لا يزال مستقيمًا على السرير، وبدأت أسمع صوت دقات قلبي.

لابوبو...

مهلا!  أليست لابوبو اسم الدمية القبيحة التي أحدثت ضجة!

أعتقد أن الصحفي دانيال قد قدم صدقا صحفيا عندها

قد يفيدني في شيء

مع انني اكره التعامل معه لكنني مضطرة.

نهضت من مكاني واتجهت إلى الدرج لآخذ منوما، أعرف أن التفكير سينهش جمجتي الليلة

هذا ليس حلا لكن لابأس هذه المرة فقط.

استلقيتُ في السرير، أخذت المنوّم وشربت رشفة ماء. ضبطت المنبه على السابعة. بقيت لحظات أحدّق في السقف، أفكر في اليوم التالي، في المكتب، في الملفات المعلّقة، في العيون التي تنتظرني.

أغمضتُ عيني.

النوم لم يتأخر كثيرًا... أو ربما تأخر، لا أعلم.

فتحت عيني على صوت المنبه

_"أحتاج إلى تغيير رنة المنبه المزعجة هذه!. "

أوقفته ثم سحبت الغطاء عني بكسل، اتجهت للحمّام. رشّ الماء البارد أعاد لي جزءًا من الوعي. وقفت أمام المرآة، جففت وجهي، وربطت شعري كعادتي...

ارتديت ملابس العمل. بسيطة، نظيفة، رمادية تمامًا مثل شعوري هذا اليوم

وبقية العام.

خرجت من الشقة، أغلقت الباب خلفي، وبدأت أنزل الدرجات.

الصوت المألوف سبقني.

_"تبا لكم جميعًا... دخانكم يخنقني أكثر من سعال رئتي!"

إنها تيانا، العجوز التي تعيش في الطابق الأرضي. تجلس بجانب باب الشقة، تسعل وتلعن العالم بذات النفس.

مررت بجانبها وأخرجت ورقة نقدية، ناولتها لها.

_"خذي، اشتري بها طعامًا يملأ معدتك المجعدة بدل تلك السجائر. صوت سعالك يجعلني أعتقد أن سكرات الموت قررت زيارتك ."

نظرت إليّ بعينين تلمعان بخبث، وقالت:

_"مع إنك وقحة... إلا إنك كريمة."

ابتسمت لا إراديا فهذه العجوز تعجبني، لئيمة ولكن حقيقية

في وسط هذا العالم المزيف.

توقفت عند الباب الخارجي. لمحت الشارع، السيارات، الصباح الرمادي... وفكرت فجأة:

_"سيارتي."

تجمدت.

أين سيارتي؟

نظرت يمينًا ويسارًا،  عقدت حاجباي لأنني لم أنتبه لوجودها عندما عدت الى شقتي البارحة

كيف يعقل أن أنسى أمرا كهذا!

أبسبب تفكيري المفرط!.

جاء صوت تيانا مجددًا، الآن من خلفي:

_"ما بالك واقفة يافتاة؟"

التفتُّ إليها:

_"هل رأيتِ سيارتي؟"

قلبت عينيها بملل وقالت:

_"أنتِ أخبرتيني بنفسك. الشرطة حجزتها بسبب مخالفة مرور. قلتِ لي هذا قبل أسبوعين!"

حدّقت فيها، أبحث عن أثر مزاح.

لم يكن هناك أي أثر.

_"أنا في الثمانين لدي بطن مجعد وذاكرة قوية،وأنت في العشرين وذاكرتكأضعف من ذاكرة جيفري قبل موته."

تغيرت ملامحها الى الغضب عندما ذكرت زوجها الميت فبدأت بشتمه للمرة الألف.

تنهدتُ.

ودّعت تيانا بإشارة بيدي، واتجهت نحو الموقف.

المباني المتشابهة. الشقق القديمة. القمامة التي لم تُجمع. الشارع إنني أمشي لأول مرة في طريق أعرفه ولكنني لا أعرفه..

_"كيف أنسى شيئًا مثل سيارتي؟"

_"منذ متى وأنا بهذا الشكل؟"

وصلت إلى الموقف، وقفت بصمت. الناس يرمقونني.

نفس النظرات .

جاءت الحافلة، صعدت، دفعت الأجرة، وجلست قرب النافذة.

المباني تمرّ، وأنا أحدّق فيها كأنني أبحث عن شيء يشبهني فيها.

ربع ساعة مرت.

ثم وصلت.

مكان عملي... اللافتة، المدخل، الروتين الممل. نظرات الزملاء لم تتغير.

واحدة منهم تبتسم بتعاطف، 

آخر يتصنّع التجاهل لكنه يراقبني من خلف نظارته.

البقية؟ يتهامسون حول ما حدث وينهشهم الفضول

سحقا لهؤلاء الناس، متى يتعلمون أن لا يحكموا و ألا يحشروا أنوفهم في مالا يعنيهم.

لكنني مشيت بثقة.

هذه أرضي، مهما قالوا.

جلستُ على الكرسي الجلدي الذي يئن تحت وزني الخفيف، كما لو أنه يرفض الترحيب بي بعد غياب. سحبتُ لوحة المفاتيح، وضغطت على زر التشغيل في الحاسوب، ووجهي انعكس على شاشته

_"لنبدأ البحث عن شيء ما الآن."

قلتُها بصوت بالكاد يُسمع، وأنا أنقر أولى نقراتي البائسة.

_"كيف حالكِ، إيلوين؟"

صوت أنثوي هادئ، مألوف، لا يزعجني. لم ألتفت. لا حاجة بي لذلك. مايرا، الوحيدة التي لم تحمل نظرة شفقة أو اتهام في عينيها، بل ذلك النوع الغريب من الحذر المختلط بالاحترام.

_"بخير."

نبرة باردة.

اقتربت بخطوة، كأنها تنتظر مني أن أقول شيئًا آخر.

_"كنت أظن أنكِ لن تأتي."

قلتُ، دون أن أرفع نظري عن الشاشة:

_"لمَ ذلك؟"

وقبل أن تُكمل، جاءني ذلك الصوت المزعج الذي يليق بشخصه تمامًا.

_"هاي، وين!"

أغمضتُ عيني برهة... تنفّست.

ثم التفتُّ بنصف وجه:

_ "إيلوين."

ضحك، كأن شيئًا مضحكًا حدث فعلاً، ثم قال:

_"مزاجكِ متعكّر جدًا."

_"والأفضل أن تتجنّبني."

ثلاث نقرات على طاولة مكتبي، إيقاع مألوف.

نظرت إلى يميني. جوري.

تنهدت.. بربك!.

_"ظننتكِ ستبقين في غرفتكِ حتى ينسى الناس ما حدث. مع ذلك... هذا متوقع من ابنة ليونا."

ليونا. أمي.

تركتُ الفأرة، عقدتُ ذراعيّ.

نظرتُ إليها، ثم سألت بهدوء:

_"أأزعجكِ حضوري إلى هذا الحد؟"

رفعت حاجبيها باستفزاز مفضوح.

_"لمَ قد أنزعج من حضور شخص تهشّم كبرياؤه؟"

قلتُ، مائلة برأسي قليلًا، نبرة أخف مما يلزم:

_"ماذا؟"

_"لا أظن أن دخول السجن كان تجربة سهلة... خاصة بسبب تهمة قتل."

ابتسمت. أخيرًا، شيء يوقظني.

_"لا أمانع دخوله مجددًا بسبب جريمة قتل حقيقية الآن."

رفعتُ حاجبي، ابتسامة خفيفة على شفتي، فيها شيء من الخبث.

مايرا تأفّفت. نظرتها تلك...

ثم تمتمت، بنبرة تحمل اشمئزازًا أكثر من القلق:

_"عزباء متعجرفة."

أجبتها، دون أن أنظر إليها:

_"شكرًا... أحبّ المدح، خاصتكِ تحديدًا."

ضحكت مايرا، ضحكة صغيرة لكنها حقيقية.

حتى دانيال لم يتمالك نفسه.

أما جوري، فكان لها رأي آخر.

بعثرت الأوراق أمامي.

_"أيتها الـ..."

صمتت.

رفعتُ رأسي نحوها، نظرت في عينيها، ثم قلت بابتسامة أكثر استفزازًا:

_"أتحدّاكِ أن تُكمليها."

و... في تلك اللحظة، دخل المدير.

رجل في الخمسين، في عمر والدي، وصديقه.

مرّ من جانبي دون كلمة، لكن عينه التقت بعيني، ونبرته جاءت صارمة:

_"إيلوين... إلى مكتبي بعد دقائق."

أومأت.

وقفت جوري دون كلمة. خيط من الغضب يشدّ كتفيها.

أما أنا، فقد أعدت ترتيب الأوراق أمامي بهدوء مستفز ونهضت من مكاني.

طرقت الباب بخفة مرتين.

_"ادخلي."

دفعت الباب ببطء ودخلت.

المكتب فسيح، تملأه رائحة الخشب المعتّق. على الجدار لوحة زيتية لمدينة قديمة، والكتب مصطفة بعناية على رف طويل خلف المكتب. كل شيء فيه منظم أكثر من اللازم، كأن الهواء نفسه يخشى أن يعكر هذا التوازن.

جلس خلف المكتب رجل في منتصف الخمسينات، بشعر رمادي مرتب، ونظرة حادة رغم ملامحه الهادئة. كان اسمه إيلدر كراوس، مدير القسم الذي أعمل فيه، وصديق قديم لوالدي.

_"تفضلي بالجلوس."

جلست، وضعت يدي على ركبتي.

نظر إليّ لبضع ثوانٍ، ثم قال بنبرة متزنة:

_"كيف حالك، إيلوين؟"

أجبته دون تردد:

_"بخير."

رد بخفة، وكأنّه لا يصدقني:

_"بخير إذًا..."

أسند مرفقيه على الطاولة، وتشابكت أصابعه فوق الملفات المفتوحة أمامه.

_"دعينا ندخل في صلب الموضوع... ما الذي حدث بالضبط؟"

رفعت بصري إليه، ونطقت بما لا يزال يتكرر داخلي منذ أيّام:

_"لا أعلم."

هز رأسه بتأنٍ، كما لو أنه كان يتوقع هذه الإجابة.

_"أنا أعرف والدك، إيلوين. وأعرف عائلتك جيدًا. كان رجلاً محبوبًا... لكنه لم يكن يخلو من الأعداء." تنهد ثم أضاف:

_"ربما، فقط ربما، هناك من أراد توريطك. أن تلوث سمعتك لتصيب والدك. هناك الكثير ممن لم يغفروا له نجاحه."

نظرت إلى النقطة التي تلتقي فيها أطراف سجادته القديمة.

_"سأبدأ بالبحث. عليّ أن أفهم ما حدث."

رفع حاجبه، وقال:

_"ابدئي بالجريمة أولًا. من هناك تبدأ الخيوط."

سكت للحظة، ثم استقام في جلسته، فتح أحد الأدراج، وأخرج منه ظرفًا أبيض.

_"سأمنحك إجازة. لشهر."

رفعت بصري إليه، فابتسمت بخفة وقلت:

_ "أنت تفعل هذا لتتجنب كلام الناس، أليس كذلك؟"

تنهد، ونظر من النافذة: "أجل... الجرائد الأخرى قد أصدرت تقارير عنكِ،أنت صحفية ذات صيت رغم أنك لازلت في بداية مسيرتك

لكنهم ينسون بسرعة. وستعودين، بعد أن تكتشفي من فعل هذا بك. أعرفك جيدًا، وهذا ما ستفعلينه."

أومأت، وأنا أتمسك بابتسامتي الصغيرة.

"سآخذ الإجازة."

نهضت من مكاني، حملت حقيبتي، وقبل أن أغادر قال بنبرة جدية:

_"إيلوين... إن احتجتِ شيئًا، أنا هنا."

اكتفيت بإيماءة، ثم خرجت.

عدت إلى مكتبي بهدوء، خطواتي لا تصدر صوتًا على الأرضية الناعمة.

رفعت مايرا رأسها فور رؤيتي:

_"ماذا هناك؟"

جلست على طرف الكرسي، وقلت:

"أعطاني إجازة لشهر."

ارتسمت على وجهها ملامح حزن خفيف، لكنها حاولت أن تخفيه بابتسامة صغيرة.

_"هذا جيد، سيكون أفضل لكِ. استريحي قليلًا."

أومأت.

وبينما كنت أضع أشيائي في الحقيبة، تذكرت فجأة شيئًا.

_"دانيال؟"

كان يلتهم شطيرة ببطء في الزاوية، رفع حاجبه.

_"تقريرك عن دمية لابوبو... الذي كتبته أريده"

"آه تلك الدمية، نعم. كتبت نسخة منه وقمت بنشرها. ستجدينها في موقعنا."

_" هل لديك أي معلومات اضافية لم تقم بنشرها؟. أعرف أنك تجمع الكثير تنشر الساذج وتحتفظ بالأهم. "

رمش بعينيه ثم سأل:

_" هذا..كيف؟."

قلت:

_" أرسلهم لي على الواتساب. "

تنهد ثم لوّح لي بإصبعه:

"جاهزة في دقيقتين."

أومأت... ثم خرجت.

نزلت إلى الشارع ولم أفكر كثيرا إلى أين علي أن أذهب لذا...

سرت بخطوات سريعة نحو أكثر الأماكن راحة بالنسبة لي.

لانني كنت أحتاج إلى شيء هادئ…

لا، ليس الهدوء المعتاد

كنت أحتاج إلى الهدوء القادر على قمع ضجيجي.

إلى ذاك النوع من الصمت الذي لا يُشعرني بأنني وحدي، بل يُشعرني أنني موجودة.

أخذت سيارة أجرة، بعد خمس وأربعين دقيقة وصلت.

وجدت نفسي أمام واجهة زجاجية كُتب عليها بخطّ أنيق:

“Conservatoire des arts de Montréal”

معهد مونتريال للفنون.

لم يكن مبنى فخمًا... بل بسيط، رماديّ الجدران، محاط بأشجار نحيلة فقدت أوراقها ، لكنها لا تزال واقفة. كأنها تحرس المكان.

دفعت الباب ودخلت.

الداخل دافئ… دافئ بطريقة لا علاقة لها بالتدفئة.

هواء المعهد مختلف.

يمتزج فيه خشب الأرضية القديمة، ورائحة الورق والطلاء، مع خيط خفيّ من عطر زهر الزيزفون – الرائحة التي يستخدمها أحدهم هنا بانتظام.

مونتريال مدينة الفن. يقولون إن البرد يقتل الحياة… لكن هنا، الشتاء يمنحك صمتًا كافيًا لتسمع صوت نفسك.

مررت عبر الرواق الأول – حيث تُعرض لوحات الطلبة في إطار خشبي بسيط.

ثم توجهت إلى اليسار، إلى القسم الموسيقي.

كانت الجدران سميكة، تحتفظ بالصوت داخله... وربما تحبس شيئًا من الحنين أيضًا.

دخلت القاعة الصغيرة في الزاوية. غرفتي المفضّلة.

رفعت الغطاء عن القيثار الأبيض الذي أخفيه هنا.

يدي امتدت إليه كما لو أنني كنت أبحث عنه منذ ألف عام.

جلستُ، وضعت الآلة على ركبتي، ومرّرت أناملي على أوتارها.

صوت القيثار... ليس مجرد موسيقى.

هو التفسير الوحيد لكوني ما زلت أحتمل كل شيء.

عندما كنت صغيرة، كان هناك جدار أصفر، وسقف منخفض، وصوت بكاءي الذي لا يجيبه أحد.

أمي لم تكن قاسية، فقط مشغولة جدًا لتلاحظني.

كنت الطفلة الأولى. الأولى في كل شيء… إلا الأولوية.

تركتني مع خادمة لم تكن تعرف ما تفعله. كانت تتركني أبكي… وأبكي… حتى أسكت.

لكن، ما لا يعرفه الناس، أن الطفل حين لا يُهدَّأ، لا يتعلم الصبر… بل يتعلم البلادة.

في علم النفس يسمونه "التثبيط العاطفي".

حين تُتجاهل مشاعر الطفل، يُطفئ دماغه الإشارات التي تقول له: "أنت مهم."

يتوقف عن البكاء لا لأنه بخير… بل لأنه لم يعد يرى فائدة في الشعور.

ذلك ما حدث لي.

ومع الوقت، أصبحت "جيدة في التحمّل".

بلا شكوى، بلا دموع، بلا حماس زائد ولا انهيارات.

حتى جاء ذلك اليوم… وسمعتُ القيثار من شقة الجهة المقابلة.

كنت في السادسة، أذكر كل تفصيلة… كان عزفًا حنونًا كأنه يناديني بالاسم.

أراقب من النافذة وأتعجب كيف لذلك اللحن أن يبعث لي الهدوء

منذ تلك اللحظة، أردت أن أصبح عازفة.

لكن أمي؟

قالت إن العزف مضيعة للوقت، وإن الصحافة تليق بابنة ليونا فايل.

فنحن لا نملك ترف اللهو.

نحن ننجح، ونربح، ونصمت.

فصمتُّ.

لكني عدتُ إلى هنا… إلى هذا المكان. دون علمها أو علم أحد.

أذكر أول مرة جئت فيها إلى هذا المكان بعد توظيفي فورا

لم أكن مستعدة لأتخلى عن الشيء الوحيد الذي جعلني أشعر بأنني لست فارغة...

أحيانًا أقول لنفسي إنني لا أُبالي برأيها… لكن الحقيقة؟

جزء مني يرى أن كل ما أحبه، تافه في عيون الآخرين.

ولهذا، احتفظت بالسر بيني… وبين شخصٍ واحد فقط.

رنّ وترٌ خاطئ فقطعني عن أفكاري.

رفعت رأسي لأجد رجلاً كبيرا في السن يقف في المدخل، يديه خلف ظهره، ببدلته الكحلية القديمة وربطة عنقه الحمراء التي يرتديها دومًا.

الآن كلارك، أستاذ الموسيقى، الرجل الذي علّمني كيف أهدأ من جديد.

اقترب بهدوء، جلس على الكرسي المجاور، وقال:

_"كنت أعلم أنك ستأتين."

نظرتُ إلى القيثار وقلت:

_"المكان الوحيد الذي أهرب إليه مني."

_"عزفك هادئ هذه المرة ولكن بنغمات مبعثرة شكلت لحنا تائها ..تفرطين في التفكير؟"

تنهدت:

"ربما لأنني داخليًّا فوضى… أكثر من غرفة هايلين في أسبوع امتحانات."

ابتسم بلطفه المعتاد، وقال:

_"سمعت عمّا حدث، إيلوين."

لم أجب.

هو يعرفني. يعرف أنني لا أتكلم عن مشاعري بسهولة.

بل، الحقيقة؟ أنا لا أملك مشاعر واضحة أصلاً.

سألني بعد لحظة:

_"هل تشعرين بشيء؟"

أجبت دون تفكير:

_"لا."

_"لا شيء؟"

"لا غضب، لا حزن، لا خوف. فقط… تيه.

كأنني فقدت اللغة التي يُفترض أن أشرح بها ما بداخلي."

سكت، ثم قال:

_" هذا ما يحدث حين تتعلمين كتم الألم باكرًا... تنسين كيف تصرخين."

صمت

ثم أضاف:

_" ماتعلمته من هذه الحياة أن مرور الوقت كفيل للشفاء.. لكن لا أحد يخبرك أنه أحيانا لا يبقى منك شيء يمكن شفاؤه. "

نظرت إليه، ثم إلى القيثار مجددًا.

_"لكنني ما زلتُ أعزف، أليس كذلك؟"

قلت.

_"ولهذا أنتِ بخير أكثر مما تعتقدين."

ادخلت المفتاح في الباب بهدوء.

كل شيء ساكن… كما تركته.

أغلقت خلفي، خلعَت معطفي الرمادي، علّقته في مكانه، وسحبت خصلات شعري للخلف بإرهاق لا علاقة له بالتعب الجسدي.

علي ترتيب أفكاري وبدأ عملية التحقيق هذه.

لدي شعور أن هذا سيطول.

دخلت الحمّام، فتحت الماء الساخن، تركته ينساب على ظهري حتى فقدت الإحساس بالجلد تقريبًا.

رائحة الصابون الخفيف، صوت الماء... وحدها هذه اللحظات تمنحني شعورًا خادعًا بالنظافة، كأنني أغسل الغموض من عقلي.

خرجت، جففت جسدي، وارتديت ملابس واسعة بلون الكراميل.

مشيت نحو غرفتي، سحبت حاسوبي المحمول من تحت الطاولة، جلست القرفصاء على السرير، وأضأت الشاشة.

_"علي فهم تفاصيل الجريمة."

فتحت متصفح البحث، وكتبت :

_"قضية إيمريك بوشيه ."

هذا هو اسم الرجل الذي ذكر في المحكمة.

ظهر أول رابط…

_"تقرير صادر عن شركة تحقيقات خاصة: سيليكس انتل."

ضغطت.

الواجهة سوداء، والحروف بيضاء باردة.

بدأت القراءة.

الفقرة الأولى أزعجتني على الفور:

> "الصحفية إيلوين فايل المعروفة بطباعها الحادة مشتبه بها في جريمة قتل...".

قهقهت. قهقهة قصيرة… ساخرة.

"طباعي الحادة؟ حقًا؟ مالفائدة من هذا التفصيل!."

سحبت الهواء من بين أسناني.

تابعت.

التقرير بدأ يعدد التفاصيل التقنية:

> "في يوم 6 يوليو، تم العثور على السيد إيمريك بوشيه، 58 عامًا، جثة هامدة في مكتبه بالطابق الثالث من مبنى إداري مهجور تابع لشركة سينكرافت.

سبب الوفاة: اختناق بكيس بلاستيكي، لم يُظهر الفحص الجنائي وجود أي مقاومة أو خدوش. الجثة كانت جالسة، واليدين على الركبتين. الشاشة المقابلة كانت تعرض فيديو متوقفًا عند الدقيقة 2:13 صباحًا."

تأملت الرقم.

"2:13… التوقيت الذي بدأت فيه الكاميرات بالتوقف عن التسجيل."

الفقرة التالية:

> "التحقيق لم يجد أي آثار اقتحام أو كسر. الكاميرات الأمنية تعرّضت لتعطيل رقمي دقيق جدًا، استمر من 2:13 حتى 3:22 صباحًا، ولم يُرصد دخول أو خروج أي شخص في ذلك الإطار الزمني."

أغمضت عيني للحظة.

كنت هناك… أو هكذا يقولون.

> "العنصر المقلق في القضية: عُثر على آثار جزئية لبصمات تُطابق الصحفية فايل على سطح الكيس البلاستيكي، إلا أنها لم تكن واضحة بما يكفي لتحديد كيفية انتقالها. لم يُعرف ما إذا كانت قد لمسته أثناء الحادثة أو قبلها. لم تُعثر على آثار حمض نووي، كما لم تُسجّل أي علامات مقاومة على جسد الضحية."

_"بصماتي غير واضحة على الكيس..هكذا إذن."

تابعت القراءة، صمتٌ طويل وأنا أقرأ.

> "تم تبرئة إيلوين فايل لعدم كفاية الأدلة. النيابة رأت أن الدافع مفقود، والتسجيلات غائبة،  غياب علاقة بين الجاني والضحية اضافة الى شهادة الرجل الذي اقتحم المحكمة والتسجيل الذي أظهر تواجد ظل رجل مثلم في الوقت الذي تعطلت فيه الكاميرات مدعيا انه حصل على التسجيل بطريقة ما. تم حفظ القضية، لكن لم تُغلق. لا تزال تحت بند: تحقيق ضد مجهول."

تراجعت برأسي إلى الخلف وأسندته للجدار.

_"إذًا، ما زلت "غير مذنبة"... لكنني لست بريئة تماما، ثم ما قصة ذلك الرجل الغامض!."

_" هناك شيء غير منطقي تماما يحدث. "

إيمريك بوشيه.

الاسم وحده كان كافيًا ليوقظ شيئًا في داخلي…أيعقل أنه كان لي به علاقة خلال هذه الفترة التي فقدتها من ذاكرتي.

إنني الآن متيقنة لنسياني لفترة ولكن كم مدتها؟.

بدأت أفكر في طريقة أعرف بها منذ متى وأنا في هذه الحالة، أحتاج شيء ما كان معي طيلة الوقت..

أغلقت التقرير.

رفعت الحاسوب ووضعته على الطاولة.

جلست في الظلام، بظهر مستقيم، وكتفيّ متشنجين.

"بصماتي على الكيس... الكاميرات تعطّلت بدقة، الفيديو على الشاشة توقف عند لحظة ما… كل شيء يبدو متعمدًا… وكأن أحدهم كان يحوك قصة، وأنا كنت الخيط الذي يسهل قطعه."

تنفست.

أعدت سحب الحاسوب إلى حجري.

لم أكن أنوي فتحه مجددًا، لكن شيء ما ظل يهمس في رأسي… فكرة صغيرة، لكنها ملحّة.

عادة، بعد انتهائي من أي تقرير أو جلسة كتابة، أفتح حسابي البنكي، لست من النوع المهووس بالمال ولكن لاجراء الحسابات، دفع الايجار، مساعدة هايلين ورسوم المعهد.

لا أعرف متى بدأت هذه العادة. لكنها أصبحت طقسًا صغيرًا… روتينًا .

فتحت نافذة المتصفح، وكتبت العنوان. أدخلت كلمة المرور، ثم رمز التحقق… كل شيء كالمعتاد.

لكن الموقع توقف للحظة، ثم ظهرت لي نافذة جانبية صغيرة:

> "مرحبًا بك مجددًا، آخر تسجيل دخول: 21 مايو، الساعة 11:41 مساءً."

حدّقت في العبارة.

ثم عدت أقرأها.

21 مايو؟

نظري انتقل تلقائيًا إلى زاوية الشاشة…

اليوم هو 22 يونيو.

انعقد حاجباي.

أغلقت النافذة، فتحت سجل النظام.

حاسوبي يسجل الدخول والخروج تلقائيًا.

قائمة الأنشطة، الملفات المفتوحة، الجلسات الأخيرة…

كله يتوقف عند نهاية يوم 21 مايو.

ولم يُسجل أي نشاط جديد — حتى اليوم.

اتسعت عيناي، تحركت يدي لأرى ما قمت به يوم العشرين من مايو، وكان تقريرا كتبته عن جريمة انتحار كنت أحقق فيها وقد كتبت هنا أنني أشك أنها جريمة قتل.

بعثرت شعري وبقيت أراقب بعينين حائرتين

أنا… لم أستخدم هذا الجهاز طوال شهر كامل؟

لم أدخل بريدي، لم أفتح ملفًا، لم أكتب حتى سطرًا واحدًا… لا سجل، لا أثر.

كيف؟

أين كنت؟

ما الذي فعلته بين 22 مايو… و20 يونيو؟

كل شيء في رأسي بدا مشوشًا، كأنني أعاني من ارتجاج داخلي.

كل يوم كنت أستيقظ وأقوم بأشياء — أليس كذلك؟

لكن لا… أنا لا أتذكر أي صباح. لا أتذكر شيئًا واضحًا بعد الحادي والعشرين من مايو.

أغمضت عيني، زفرْتُ من أعماقي.

ثم فتحتها ببطء، ونظرت إلى الشاشة مجددًا.

"لقد فُقد مني شهرٌ كامل..."

نهضت من السرير، أحسست بشيء يتململ في داخلي… الرغبة في الإمساك بالخيوط. لا يمكنني ترك رأسي يسبح في فراغ الذكريات المفقودة أكثر من هذا.

تقدّمت نحو زاوية الغرفة، حيث تقف سبورة بيضاء صغيرة بجانب مكتبة كتبي المزدحمة. مرّرت كفّي على سطحها البارد، وقلت بصوت منخفض:

_"لنبدأ من البداية."

سحبت حاسوبي مجددًا، ثم الطابعة الصغيرة التي كنت أستخدمها في التحقيقات المصورة، وصلتُها وبدأت أبحث عن صور أدركت أنني سأحتاجها:

صورة إيمريك بوشيه… كانت ملفّة من التقرير الرسمي.

لقطة شاشة من الفيديو الذي ظهر في المحكمة، ويظهر فيه ظل رجل ملثم في الثانية 2:13.

صورة سيارتي، مأخوذة من هاتفي.

لقطة شاشة لرسالة "كعكة الفراولة" من الرقم الغريب.

كم أكره الفراولة.

صورة دمية "لابوبو" الغريبة، التي ذكرت في الرسالة.

وأخيرًا، صورة الرجل الذي قيل إنه انتحر، والذي كنت أحقق في قضيته ليلة 21 مايو.

كل صورة خرجت من الطابعة، كنت أمسكها بأطراف أصابعي كأنها قطعة من لغز هشّ، ثم أعلّقها على السبورة بدبوس صغير. صفّ أفقي من الصور، وورقة ملاحظات صفراء تحت كل واحدة.

تحت صورة "إيمريك":

"ضحية الجريمة التي اتُّهِمتُ بها. لا علاقة مسبقة معروفة."

تحت صورة الظل الملثم:

"ظهر بالتزامن مع تعطل الكاميرات. لا يُعرف من هو."

تحت صورة السيارة:

"تم حجزها خلال الفترة المفقودة. لا أتذكر متى أو لماذا."

تحت الرسالة:

"أُرسلت يوم 6 يونيو. نكتشف الآن أنني لم أكن بوعيي منذ 22 مايو."

تحت صورة الدمية:

"ما علاقة الدمية بكعكة الفراولة؟.

وتحت صورة المنتحر:

"آخر تحقيق رسمي لي قبل اختفائي العقلي."

وقفت أراجع السبورة. حاولت تتبع الخيوط، أحدق في كل صورة، كل كلمة كتبتها.

أخذت هاتفي بعد أن انتهيت من تعليق الصور والملاحظات لأنني تذكرت ما طلبته من دانيال.

رسالة من دانيال.

"تقرير لابوبو، حسب طلبكِ. عليك شكري كثيرًا " مع إيموجي مغرور

قلبتُ عيني بملل وأنا أفتح المرفق.

ملف PDF، موسوم بتسمية خرقاء كعادته:

Weird_Toy_Case_File_XFINAL_REAL_one.pdf

ضغطت عليه.

الصفحة الأولى، بخط منمق:

> "تحليل أولي لظاهرة لابوبو: خلفية أسطورية، إشارات ثقافية، وحالات اختفاء."

تجميع شخصي من دانيال ريف.

سري– غير منشور.

رفعت حاجبي.

الصفحات التالية بدأت بسرد غريب… لا يشبه أبداً ما كنت أتوقعه من دمية قماشية مبتسمة.

> "دمية لابوبو" هي واحدة من مئات الدمى المجهولة التي ظهرت على فترات متقطعة في أوروبا الشرقية بين عامي 1997 و2001، وغالبًا ما كانت تصنع يدويًا وتُباع في الأسواق الشعبية دون ماركة أو ختم تجاري.

لكنّ الغريب أن النمط نفسه — دمية بصوف رمادي، وجه مشوه، وخياطة بارزة حول الفم — ظهر في ثلاث جرائم اختفاء لأطفال في بولندا، رومانيا، والمجر، وكان يُترك في مكان الحادث كـ"تذكار".

في 2003، أصدرت الشرطة الرومانية تحذيرًا عامًا ضد نوعية هذه الدمى، وطلبت من الأهالي عدم شرائها. بعد ذلك اختفت تمامًا من الأسواق…

حتى عام 2017، حين تم العثور على واحدة من هذه الدمى داخل شقة مهجورة في مرسيليا، مع كتابة على الحائط تقول:

"من وجدني… اختير."

الدمية التي تباع الآن مطابقة بنسبة 96% لتلك الدمى القديمة، مع بعض الاختلاف في الخيوط واللون الباهت — وهذا يعني إما أنها من نفس الدفعة، أو أحدهم أعاد صناعتها من نموذج محفوظ.

في نهاية التقرير، أرفق دانيال ملحوظة:

> "لم أرسل هذا التقرير لأحد من قبل. جمعت كل شيء على مدى 4 سنوات… لأني كنت أشك أن الدمية ليست مجرد لعبة، بل جزء من طقس أو رسالة أو شيفرة."

أوقفت القراءة.

وجهها القماشي، وابتسامتها الخيطية المائلة. ظننتها مزحة… شيئًا عبثيًا بلا معنى. مجرد دمية قبيحة يتسابقون لشراءها بأثمان باهظة من أجل التفاخر. لكن… لماذا ظهرت في رسالتي؟

عدت للملف… أنزلت الصفحة الأخيرة.

> "ملاحظة شخصية: أنا لا أصدق الخرافات، لكن هذه الدمية تُشعرني بعدم ارتياح كلما قرأت عنها. شيء ما في طريقة ظهورها… يجعلني أعتقد أن الأمر أكبر من مجرد 'دمية ملعونة'.

— دانيال."

سندت رأسي على كفيّ.

كل شيء… يتحول من غامض، إلى غريب، إلى شيء آخر لم أعد أملك اسمًا له.

عدت إلى الحاسوب وفتحت التقرير عن جريمة الانتحار الأخيرة التي كنت أبحث فيها...

فتحت الملف

اتسعت عيناي

الملف فارغ!.

رنّ الهاتف، قطعت رنّته تيار أفكاري المتشابكة. نظرت إلى الشاشة…

_"هايلين."

زفرت، ثم سحبت الهاتف ووضعتُه على أذني دون أن أغيّر ملامحي.

_"مرحبًا، هايلين."

_"احزري من تم تأجيل امتحاناته؟. "

قلت بنبرة بدت اغير مكترثة:

_" تأجيل وليس الغاء، في كل الحالات عليك أن تدرسي. "

تنهدت بانزعاج وقالت:

_" ألا تجيدين سوى احباطي؟.. المهم كيف حالك؟."

أجبت:

_" بخير. أخذت اجازة. "

قالت:

_" دعيني أحزر!  ستظهرين كونان الذي بداخلك وتبحثين في ماحدث. "

لم أرد

أضافت:

_" وهل فهمتِ شيئًا إلى الآن؟"

صمتّ لحظة، ثم هززت رأسي رغم أنها لا تراني.

_"لا. لا شيء واضح. كل شيء غريب… وغير منطقي."

سكتت.

الصمت على الطرف الآخر بدأ يطول.

_"هايلين؟" سألت.

_"مم…" بدت مترددة، ثم قالت:

_"أحد أصدقاء والدي سيقيم خطوبة لابنته غدا، والدتي… أصرت على حضورنا."

_"وأنا ما شأني؟"

_"قالت تحديدًا إنها لا تريد إعطاء الناس فرصة للثرثرة. عليكِ الحضور."

وقبل أن أتمكن من الرد، سمعت صوتًا أمي يخترق المكالمة:

_"هل هذه إيلوين؟"

ثم التقطت السيدة لونا الهاتف من يد هايلين.

_"إيلوين، ستكونين هناك. لا أعذار."

_"أوه، هل هذا تهديد أم طلب رسمي؟" قلت ببرود.

_"كفى تصرفات مراهقين، أنت ناضجة الآن. لا وقت لهذا الغرور."

قهقهت، قهقهة قصيرة، ساخرة.

_"أنت تعلمين أنني لا أتراجع عن كلامي ."

_"وأنا لن أكرّر كلامي، فقط نفّذي. صديق والدك صاحب شركة تسويق، تحضر الكثير من الشخصيات المهمة."

هنا…

توقف عقلي للحظة.

شركة تسويق؟

الاسم بدأ يلمع داخلي كشرارة… تسويق!

ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهي.

_"حسنًا، سأحضر."

أعرف أنها الآن… تبتسم بانتصار.

_"أخيرًا، لربما تنتهي فترة عزوبتك."

_"لا تفكّري حتى في هذا."

_"إيلوين، أنتِ في السابعة والعشرين."

_"لا زلت مراهقة."

_"توقفي عن فعل هذا"

_" فعل ماذا سيدة لونا؟. "

عادت هايلين تنتزع الهاتف وتحدثت بسرعة حتى كاد نفسها ينقطع:

_"حسنًا، نلتقي أمام منزلنا مساء الغد. تصبحين على خير، أختي ."

_"وأنتِ بخير."

أغلقت الخط.

وضعت الهاتف أمامي، ثم رفعت يدي إلى ذقني، أسندت رأسي بإصبعي السبابة والإبهام، نظري غارق في السقف.

خرجت من غرفتي بخطوات بطيئة واتجهت نحو المطبخ. لم أكن جائعة حقًا، لكنني شعرت أن جسدي يحتاج شيئًا دافئًا... أو ربما أردت أن أملأ هذا الصمت الثقيل بشيء ما كضجيج المطبخ.

وضعت الماء على النار، قطّعت بعض الخضار، وبدأت بإعداد حساء خفيف. حركة السكين، صوت الغليان، والبخار المتصاعد… كل شيء بدا مألوفًا ومهدّئًا بطريقة مزيفة.

بينما كنت أحرّك الحساء بكسل، خطرت لي فكرة:

_"غدًا، عليّ الذهاب إلى مركز الشرطة. أحتاج أن أعرف ما حدث مع سيارتي… من قدم الشكوى؟ ولماذا؟"

سكبت الحساء في وعاء، جلست على الطاولة، أكلت ببطء دون أن أتذوق فعليًا.

ثم قمت وغسلت الأطباق، وأعدت ترتيب كل شيء كما كان.

أردت أن أنام، لكن النعاس زارني متأخرا جدا..

الشمس كانت لا تزال تختبئ خلف سحب رمادية حين خرجت من العمارة.

أوقفت سيارة أجرة، أعطيت السائق العنوان، وجلست في المقعد الخلفي بصمت، أراقب الشوارع تمرّ كما لو أنني غريبة عنها.

وصلت إلى مركز الشرطة. المبنى باهت الطلاء، لافتته المعدنية تعاني من الصدأ. تنفست، ثم دخلت.

في الداخل، استقبلني هواء بارد وهدوء ثقيل.

اقتربت من مكتب الاستعلامات، حيث كانت تجلس امرأة أربعينية بزي الشرطة، تقرأ ملفًا بملل ظاهر.

قلت:

_"صباح الخير… أتيت بخصوص سيارة تم حجزها باسمي."

رفعت نظرها إليّ، مسحتني بنظرة سريعة، ثم سألت:

_"الاسم؟"

_"إيلوين فايل."

بدأت تبحث على الحاسوب. لحظات من الصمت، ثم قالت:

_"أجل. سيارتك حُجزت يوم 27 مايو، بعد أن صدمتِ أحدهم وتقدّم بشكوى."

رفعت حاجباي باندهاش:

_"أنا… صدمت أحدًا؟"

رفعت حاجبها وقالت بنبرة شبه ساخرة:

_"بلى، وتم استدعاؤك، وقدمتِ أقوالك بنفسك."

ثم أضافت:

_"عجيب أنك لا تذكرين شيئًا من ذلك."

بلعت ريقي وابتسمت لا أدري لم بالضبط، يبدو أنه علي أن أعتاد على هذه المفاجآت.

_"من الشخص الذي قدّم الشكوى؟"

نقرت على لوحة المفاتيح، ثم قرأت:

_"روبرت كيلمان."

هذا الاسم… لا يوقظ شيئًا في ذاكرتي.

_"هل يمكنني… استعادة السيارة؟"

سألتها.

_"إن سحب الشكوى، نعم."

ثم نظرت إليّ مجددًا:

_"هل تريدين رقم هاتفه؟"

هززت رأسي.

كتبت شيئًا بسرعة، ثم ناولتني ورقة صغيرة:

_"هذا رقمه. لكنه لا يحب الرد على أرقام غريبة، أنصحك بإرسال رسالة قبل أن تتصلي."

أخذت الورقة وقلت:

_" يبدو أنك تعرفينه. "

حدقت بي ثم قالت:

_" إنه رجل بغيض لنقل أن بيننا دينا. "

نهضت من مكاني وقلت:

_"شكرا. "

خرجت من مركز الشرطة . فتحت الورقة الصغيرة بين يدي، نظرت إلى الرقم، ترددت… ثم وضعتها في حقيبتي.

ليس الآن.

ما زالت كل هذه التفاصيل ثقيلة على رأسي. سيارتي؟ الرجل الذي لا أتذكره؟ كل شيء يُسحب من تحت قدميّ ببطء… وأنا أحتاج لحظة لأتنفس.

استقللت سيارة أجرة وعدت إلى شقتي. عقارب الساعة لم تكن رحيمة، المساء يقترب… وعليّ الاستعداد لحضور الحفلة التي لم أرغب بها أصلًا.

دخلت غرفتي بخطوات ثابتة. لا أعلم متى تعلمت أن أبدو متماسكة حتى عندما لا أكون كذلك. ربما كانت الحياة هي من فرضت عليّ ذلك… أو ربما أنا من قررت ألا أبدو ضعيفة أبدًا.

أخذت حمامًا ، ثم وقفت أمام خزانة ملابسي أتأملها كأنني أختار سلاحًا لمعركة . لا أملك شيئًا صاخبًا، ولا أحتاج. لست بحاجة لألوان فاقعة حتى يُلاحظني أحد.

لكنّ نظري توقف على فستان أسود بسيط. لا زلت أذكر حين ابتعته على مضض لمناسبة عمل قبل عام. لم ألبسه إلا مرة.  أحب لونه… الأسود لايليق إلا بي.

ارتديته.

الفستان، على بساطته، بدا وكأنه صُمّم ليلامسني كما أنا. قماشه الأسود انسدل على سمرتي بانسجام، كأن الليل اختار أن يتجسّد عليّ. حدوده عند الخصر كانت كافية لتُظهر قوتي… لا لأُرضي نظرات أحد، بل لأؤكد لنفسي أنني ما زلت أتحكم، حتى لو بدا العالم معكوسًا من حولي.

فتحت درجًا صغيرًا، أخرجت زجاجة عطري المفضل—عطر الفانيليا – الوحيد الذي ارتبط بي حدّ أن البعض صار يميز وجودي من عبيره قبل أن يراني. قطرت منه القليل خلف أذنيّ، على معصميّ… ثم ابتسمت ببطء.

وقفت أمام المرآة.

وجهي بلا مساحيق. لم أكن أضعها غالبًا… ليس لأنني أتمرد على معايير الجمال، بل لأنني أعلم أنني جميلة بما يكفي دونها. نظرة عينيّ الحادة كانت كفيلة بأن تُغني عن كل ما يمكن تجميله.

رفعت شعري في كعكة مرتخية. خصلتان تمردتا على الجانبين، تركتهما كما هما.

ارتديت معطفي، أخذت هاتفي، ونظرت مرة أخيرة إلى شقتي.

_"حسنًا… لنرَ ما الذي يخبئه هذا المساء."

.

.

.

.

.

.

. .

.

. .

.

.

.

.

.

.

خرجت من شقتي بعد أن ألقيت نظرة أخيرة على المرآة.

السماء بدت رمادية مع نسمات باردة. أحب هذا الجو.

أوقفت سيارة أجرة، جلست في المقعد الخلفي بصمت، والشارع انعكس باهتًا في زجاج النافذة. كل شيء من حولي يتحرك، إلا رأسي، مُثقل بخليط من التوقعات والانفصال العاطفي.

أعطيت السائق العنوان، ذلك العنوان الذي لم أزره منذ مدة طويلة.

البيت الذي انتقلنا إليه حين كنت في الرابعة عشرة.

أيامها، كانت الأمور المادية قد تحسنت فجأة… فقط وجدت نفسي أعبئ صناديقي وأترك الشقة الضيقة خلفي.

المنزل الآن بدا أكبر مما كنت أذكره. واجهته البيضاء الواسعة، النوافذ الكبيرة، والبوابة الحديدية التي كانت تُفتح دائمًا بصوت مزعج لم يُصلح أبدًا.

وقفت أمامه… ولم أتحرك.

أراقبه ببرود، كما لو كنت أراقب بيتًا غريبًا .

أتمنى لو أستطيع محو تلك الحادثة وأنساها تماما... لكننا في النهاية ننسى كل شيء عدا ما نريد نسيانه.

وصلت في الموعد.

خرجت العائلة… واحدة تلو الأخرى.

أول من لمحني كان أبي.

اقترب بخطوات واثقة، ناعمة كعادته، ووضع يده على وجنتي بلطف:

_"تبدين جميلة كعادتك."

ابتسمت… تلك الابتسامة التي لا ترتفع كثيرًا، ولا تنخفض. فقط تكفي لتقول:

_" شكرا.".

هايلين كانت التالية.

أخذت دورة كاملة حولي، ثم شهقت وكأنها رأت نيزكًا يسقط:

"هذا الثوب… مغرٍ جدًا. أنتِ تحاولين خطف الأضواء الليلة؟"

رفعت حاجبًا، لكني لم أرد.

أخي الأصغر، دارين، اكتفى بنظرة جانبية وقال بهدوء:

_"يليق بكِ."

كعادته… لا يتحدث كثيرًا، ولا يجامل أبدًا.

نظرتُ نحو هايلين من جديد، كانت متزينة أكثر من المعتاد، وارتدت فستانًا يُشبه فساتين الخطوبات المصغرة.

_"هل سيحضر خطيبك؟" سألت.

أجابتني بعينين متألقتين:

_"غالبًا… لا أعلم، لكنه وعدني إن أنهى عمله باكرًا."

لم أرد، واكتفيت بالنظر إليها، ثم إلى المنزل مجددًا.

في تلك اللحظة، خرجت أمي.

فستانها الأزرق انسدل حولها بأناقة، ورغم تعقيدات العلاقة بيننا، لا يمكنني إنكار أنها دائمًا ما كانت تعرف كيف تبدو لافتة.

وقفت أمامي، نظرت إليّ طويلًا، ثم قالت:

_"الآن بدأت تتصرفين بنضج."

أطلقت ابتسامة جانبية باردة وقلت:

_"متأخرة عن الموعد دقيقتين سيدة لونا. "

كاد الهواء يثقل من حولنا، لكن والدي تدخّل، يائسًا كما يبدو لتهدئة أجواء حفلتنا العائلية الصغيرة:

_"بالمناسبة أين سيارتك؟. "

نظرت إليه، ثم قلت بنبرة محايدة:

_"تم حجزها مؤقتًا… مخالفة مرور."

لم أشأ أن أفتح بابًا جديدًا للشكوك. يكفي أن ذاكرتي مخزّقة، ولن أضيف لهذا اللغز فضول أبي.

_"سنأخذ سيارتي." قال وهو يفتح الباب الخلفي.

ركبنا.

سيارته الجديدة، رباعية الدفع، كانت بيضاء بلمعة معدنية.

الجلد في الداخل يعبق برائحة معتقة… عطر رجولي ثقيل، يشبهه تمامًا.

جلست في المقعد الخلفي بجانب هايلين، التي بدأت تلتقط صورًا سريعة بهاتفها، بينما كانت والدتي تملي على السائق (أبي) بعض التعليمات.

أدار والدي المحرك، وتحركنا.

الحفل يبعد أربعين دقيقة.

صوت العجلات يلتهم الطريق… أما رأسي، فكان يلتهم أفكارًا كثيرة.

كلها تدور حول شيءواحد...

وصلنا.

الفيلا كانت على أطراف المدينة، بعيدة بما يكفي لتُغلق ضوضاء العالم خلف بوابتها. البوابة الحديدية فُتحت تلقائيًا بمجرد أن اقتربت السيارة، وعندما دلفنا إلى الداخل، بدا المكان كلوحة زيتية مرسومة بعناية.

المساحات الخضراء امتدت بانضباط هندسي حول الفيلا، والنوافير الصغيرة تعكس أضواء خافتة من مصابيح الطريق الجانبية. البناء نفسه كان مهيبًا، واجهته من الرخام الأبيض، والنوافذ مزينة بستائر طويلة تنساب خلف الزجاج.

الحفل لم يكن صاخبًا، على العكس تمامًا.

كان راقياً، هادئاً، والنغمات الكلاسيكية تعزف من بعيد على يد فرقة صغيرة تتوارى خلف النباتات.

الضيوف، وعددهم لا يزيد عن اثنين وعشرين شخصًا، تفرقوا بين الحديث وتبادل الابتسامات وتناول المقبلات التي توزّعها نادلات بزي موحّد.

رجل في الخمسينات، ببدلة أنيقة ونظرة حادة، استقبلنا عند المدخل.

_"أهلاً… لونا، كايلن… كم مضى من الوقت!"

اسمه: إيفان ميروف.

مالك شركة التسويق، وصديق والدي منذ سنوات.

رغم حدة ملامحه، إلا أن ابتسامته لم تفارقه، كأنها نوع من الدبلوماسية المعتادة.

صافح الجميع بحرارة، ثم توجه إليّ.

_"وأنتِ… لا شك أنكِ إيلوين. تبدين مثلما تخيلتك تماما. "

رفعت حاجبي ليضيف:

_" سمعت بذكاءك كصحفية اكتسحت الميدان وخطفت الاضواء اضافة إلى أن والدك لم يقصر في مدحك من حين لآخر طيلة سنوات صداقتنا. "

اكتفيت بابتسامة صغيرة.

بقيت واقفة بجانب هايلين، التي بدت منغمسة في مراقبة الباب.

ثم، بعد دقائق، دخل لوكاس.

شعره أشقر مشعث قليلاً، وابتسامته العريضة لم تفارقه وهو يتقدّم.

_"هايلين!"

هرعت نحوه، وعانقته أمامنا جميعًا. تصنّعتُ عدم الاهتمام، لكنني لاحظت نظرة والدتي التي لا تعجبها مثل هذه اللحظات خصوصا أمام حضور كهؤلاء.

لوكاس… كان واضحًا أنه أبلهٌ محب. في عينيه شغف طفل، وفي حديثه عفوية لا تليق بمناسبات كهذه. لكنه كان مهذبًا، وعلى طريقته… لطيف.

_"وفيتَ بوعدك" قالت هايلين بابتسامة متحمسة.

_"كل شيء فقط من أجل رؤية هذه الابتسامة. " قال وهو ينظر في عينيها.

نادى السيد إيفان بصوت هادئ:

_" لوكاس لقد أتيت!. "

ابتسم وقال:

_" بالتأكيد. "

يبدو أنه يعرفه معرفة جيدة، رغم أن هذا الشاب أبله إلا أنه مجد في عمله يفعل مابوسعه لينال إعجاب والدتي ورضاها المسكين لا يعلم أن شعره الأشقر يتحول إلى رقعة صلعاء أثناء هذا.

مد يده وسلم على السيد إيفان  ثم التفت و أشار إلى شخصٍ خلفه:

_"أحضرته معي كما طلبت… ليثيان."

إنه رجل يبدو في الثلاثين من عمره  كنت قد لاحظت دخوله خلف لوكاس وتقلب نظره في الأرجاء مع ابتسامة... 

طوله يفوق المتر وتسعين بقليل، عريض الكتفين، يمشي كأن الوقت يمهله دائمًا.

كان شعره أسود كثيفًا، مرتبًا بعشوائية محسوبة. بشرته بيضاء، وعيناه… سواد صافٍ.

لا شرر فيهما، ولا دفء.

لا يرتدي ربطة عنق، رغم بدلة باهظة الثمن.

لا تفوح منه رائحة تبغ، ربما لا يدخن.

لكنه يترك خلفه أثرًا عطريًا… باتشولي كثيف ممزوج برائحة اللافندر.

شيء يلامس الذاكرة ولا يتركها.

ابتسامته مقلوبة، زاويتا فمه تنحنيان إلى الأسفل لا الأعلى.

قال لوكاس:

_" هذه هي عائلة مخطوبتي يا ليثيان، التي أمامك هي إيلوين ال.. "

قاطعه بابتسامة وقال:

_" الصحفية إيلوين.. أعرفها!. "

مدّ يده نحوي وقال بصوت أكثر مرح:

_" تشرفت بلقاءك. "

نظرت إلى يده، ثم إلى وجهه.

لم أصافحه لكنه لم يبدِ أي انزعاج بل.. لم يتوقف عن الابتسام.

_" توقف عن الابتسام بهذه الطريقة المخيفة. "

رمش عدة مرات رد علي محافظا عليها:

_" هل أخافتك؟. "

رددت ببرود:

_" ليس حقا. "

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

السلام عليكم. 💜

أتمنى أن تكونوا في أفضل حال. 💜

ها قد عدنا لإكمال روايتنا حيث بدأت إيلوين في البحث ومحاولة فهم مايجري لها

أخبروني ماهي فكرتكم حول شخصيتها؟  هل أحببتموها؟  ماذا عن علاقتها بمن حولها

ما رايكم في لقاء هذا الرجل مع ايلوين

وماهي توقعاتكم لما سيحدث لاحقا؟.

أجيبوني في التعليقات💜

ولا تنسوا أن تتحمسوا للفصل القادم. 💜

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فِيرسَايرا

المؤلف دعاء (Lavender)
2025/07/28 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة