1/ ملف واتهام

1/ ملف واتهام

16 0

استيقظت على صوت المنبّه، ذلك الصوت المزعج الذي يخترق حاجز النوم بوقاحة، لكنه ظل يرنّ أكثر من المعتاد قبل أن أمد يدي أخيرًا وأسكته. شعرت بأن رأسي ثقيل، كما لو أنني لم أنم أبدًا، رغم أنني ذهبت إلى الفراش في ساعة معقولة. كان الضوء المتسلل من الستائر رماديًا بعض الشيء، وكأن الشمس نفسها لم تستطع اتخاذ قرارها بشأن هذا اليوم.

أنا إيلوين فايل، صحفية تحقيقات في جريدة "ذا فيرنال تريبيون"، حياتي لم تكن يومًا عاصفة بالمغامرات كما يتخيل البعض. الصحافة ليست كما تُصوَّر في الأفلام، حيث يركض الصحفيون خلف المجرمين بأوراق تتطاير من أيديهم. في الواقع، معظم وقتي أقضيه أمام شاشة الحاسوب، أو منحنية فوق ملفات متربة، أحاول فك ألغاز الصفقات المشبوهة والفساد المتغلغل في كل زاوية.

وصلت إلى الجريدة متأخرة قليلًا، كما هو معتاد. لم يرفع أحد نظره عندما دخلت، فالجميع كان غارقًا في عمله. وضعت حقيبتي على مكتبي وأخذت نفسًا طويلًا قبل أن أفتح حاسوبي المحمول، وأبدأ بتصفح القضايا التي كنت أعمل عليها. لا شيء جديد. نفس القصص المتكررة: سياسيون فاسدون، رجال أعمال يتلاعبون بالأموال، ومؤامرات تبقى حبيسة الأدراج لعدم كفاية الأدلة.

ثم، وسط كومة الأوراق على مكتبي، ظهر شيء لم يكن هناك من قبل.

ظرف بني صغير، بلا اسم مرسل، موضوع بعناية بين الملفات القديمة. لم يكن عليه أي علامة مميزة، لكنه بدا كما لو أنه وُضع هناك عمدًا، في انتظار أن ألاحظه. التقطته ببطء، ثم فتحته بحذر.

في الداخل، وجدت مجموعة من الأوراق المطبوعة، بعض الصور وملاحظة قصيرة مكتوبة بخط يدوي:

_"إيلوين، هل تتذكرين هذا؟"

توقفت أنفاسي لوهلة. قلبت الأوراق، محاوِلة العثور على شيء مألوف، لكن عقلي لم يستجب. كانت هناك تقارير تحقيقية، قصاصات من مقالات غير منشورة، ورسائل بريد إلكتروني مطبوعة... وكلها كانت تحمل توقيعي. لكنني لا أتذكر أنني كتبت أيًا منها.

شعرت بقشعريرة تزحف على طول عمودي الفقري. قلّبت الأوراق بسرعة، عيناي تبحثان عن أي خيط، أي إشارة قد تفسر هذا. ولم أجد سوى جملة مكتوبة بخط يدي أنا على إحدى الصور وهي " ملف فيرسايرا". لا يوجد سجل في حاسوبي عن هذه الملفات، لا توجد أي ملاحظات تشير إلى أنني عملت على هذه القضية من قبل. كيف يعقل أن تكون هذه كلماتي، ولكنها غريبة عني تمامًا؟

ثم، على إحدى الصفحات، رأيت التاريخ.

قبل شهر واحد بالضبط.

بدأت أنفاسي تتسارع. أعدت قراءة الملاحظة مرارًا هل هذه مزحة من أحدهم.!

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

لم أكن أتوقع أن تنقلب حياتي رأسًا على عقب هكذا.

قبل لحظات فقط، كنت أقرأ تلك الرسالة المشؤومة على مكتبي، حين اقتحم رجال الشرطة المكان. كل شيء حدث بسرعة غير منطقية، وكأنهم كانوا بانتظاري. لم أحظَ حتى بفرصة لالتقاط أنفاسي قبل أن يصرخوا بأوامرهم، قيدوا يديّ، ودفعوني نحو سيارة الشرطة.

_"أنتِ متهمة بالقتل، لديكِ الحق في التزام الصمت."

تلك الجملة ترددت في أذني، لكنني لم أكن قادرة على استيعابها.

القتل؟

حاولت أن أتمالك نفسي، أن أبحث في رأسي عن تفسير، لكن لم يكن هناك شيء. أي دليل لديهم؟ ومن الضحية حتى؟ لكنهم لم يبدوا مهتمين بإجابتي. أدخلوني إلى الزنزانة كما لو كنت مجرمة خطيرة، بينما كان عقلي يدور في حلقة من الأسئلة التي لا إجابة لها.

قضيت تلك الليلة أتقلب على فراش الحيرة، الزنزانة كانت ذات رائحة مقرفة، وضعوني بها وحدي بينما باقي الزنزانات احتوت اثنتين.

في اليوم التالي، جاءت شرطية إلى الزنزانة، وقفت أمام القضبان، وعيناها تلمعان بنظرة حادة مشوبة بالازدراء.

_"استعدي للتحقيق، سيتم تقديمك للمحاكمة قريبًا. على الأرجح، سيتم إعدامك."

إعدام؟

رفعت حاجبي ببرود وأنا أجيبها بسخرية:

_ "شكرا على إخباري هذا لطف منكِ، لكنني كنت سأفضّل أن أسمع ذلك أثناء تناول قهوتي الصباحية."

الشرطية لم تبدِ أي تعبير، اكتفت بالنظر إلي للحظات قبل أن أنهض لم أشعر بالخوف، بل شعرت بشيء آخر... الغضب. غضب من الوضع، من الاتهامات، من حقيقة أنني لا أملك أي فكرة عمّا يجري.

شدت بقبضتها على ذراعي التي أمسكتها بعنف ثم كبلت يداي، تخرجني من غرفتي حتى نذهب جميعا لتناول الفطور.

حسنا كان أسوء من أن أسميه فطورا! قطعة خبز مبللة وكأس حليب... تقريبا حليب.

لم أتناول كنت فاقدة للشهية كما أن هذه الوجوه التي تنظر إلي تجعلني أرغب في تقيؤ عشاء ليلة الخميس مع العمّة لوري.

بعد ساعات، جاء والداي.

والدي، الرجل الضخم ذو الملامح اللطيفة، دخل أولًا. كان يشبهني، بنفس لون الشعر البني والعينين البنيتين أيضا، لكن على عكسه كنت قد ورثت سمرة أمي الخفيفة. عندما التقت عيناي بعينيه، رأيت القلق العميق فيهما.

_"إيلوين..."

ناداني بصوت يحمل مزيجًا من الارتباك والحزن. اقترب من القضبان وكأنه يريد أن يعانقني لكنه تراجع، وكأن المشهد أكبر منه.

_"أخبريني أن هذا خطأ، قولي لي إنهم أخطأوا!"

نظرت إليه بثبات وقلت:

_"أنا لا أعلم شيئًا، أبي. لم أفعل شيئًا "

ثم دخلت أمي.

على عكس والدي، لم يكن هناك قلق في عينيها، بل نظرة نقدية باردة. اقتربت من القضبان ووقفت أمامي، ذراعاها معقودتان.

_"إيلوين، كم مرة أخبرتكِ أن طريقتكِ في العيش ستجلب لكِ المتاعب؟" قالت بصوت هادئ لكنه يحمل اتهامًا واضحًا.

تنفست بعمق، كتمت ردي اللاذع. لم يكن الوقت مناسبًا للجدال.

_"سأخرجكِ من هنا، لكن لا تتوقعي أن يكون الأمر سهلًا."

نظرتُ إليها دون أن أنطق بكلمة. علاقتي بأمي أو يجدر بي أن أقول حضرة المحامية لم تكن جيدة يومًا، ومنذ أن بلغت الثامنة عشرة وأصريت على الاستقلال، زاد التوتر بيننا. لم تتقبل قراري، ورأت فيه نوعًا من التمرد غير المبرر. أما أنا، فكنت أراه تحررًا من سلطتها المتسلطة.

بعد أن غادر والداي، بقيت في زنزانتي أحاول ترتيب أفكاري. لم يكن هناك شيء منطقي في هذا كله. لماذا أنا هنا؟ ولماذا يبدو أن كل شيء مدبّر بعناية؟

في استراحة السجن، جلستُ في ركن بعيد، أراقب السجينات الأخريات من دون اهتمام. إلى أن جلست امرأة بجانبي.

_"لا تبدين من النوع الذي ينتهي به الأمر هنا أيتها السمراء" قالت بصوت هادئ، وهي تشعل سيجارة.

نظرتُ إليها، امرأة في الأربعينيات تقريبًا، شعرها مربوط للخلف، وملامحها تحمل علامات حياة قاسية. لم أجب، فمدّت يديها وقدمت لي سيجارة.

_"لا أدخن،" قلت ببرود.

ابتسمت بخفة، ثم سألتها:

_"ماهو سبب تواجدك هنا؟."

استنشقت دخان سيجارتها ببطء قبل أن تقول:

_"قتلتُ زوجي."

لم أتحرك، لم يرفّ لي جفن.

_" أنت مجنونة. " قلت بنبرة ساخرة.

قهقهت المرأة، وكأنني قلت شيئًا ممتعًا.

_"وأنتِ؟" سألتني.

نظرت إليها، ثم قلت:

_"لا أعلم."

رفعت حاجبها، لكنها لم تبدُ متفاجئة.

"هذا أسوأ نوع من الجرائم، تلك التي لا تعرفين أنكِ ارتكبتها."

همهمت فقط لتضيف هي:

_" إن كان رجلا فهو يستحق. "

حسنا أقول دائما أن القدر يحيك أفضل الخطط ليقلب حياتك ولكن ليس الى هذه الدرجة! تلك الصور والتقارير كانت قبل شهر ولكنني لا أتذكر شيئا عنها. بقيت أعيد في رأسي الكلمتين المكتوبتان بخط يدي أنا على الصورة ولكن دون جدوى.

كنت قد وعدت نفسي بالصمت. ماداموا لن يصدقوني فلاداعي للكلام ، ظننت أنها مجرد استجوابات روتيني، يومان أو ثلاثة على الأكثر. لكنني كنت في الزنزانة منذ عشرة أيام.ولم أفهم إن كانوا يماطلون أم يسعون لتأكيد إدانتي.

الزنزانة لم تكن ضيقة، لكنها كانت خانقة بما يكفي لتُحدث ثقبًا في صدري. الضوء الأبيض البارد لم يكن ينام، مثلي. والجدران الرمادية كانت تردد صوت أفكاري كلما حاولت أن أهرب منها. مالذي يحدث تحديدا.

حين فُتح الباب، لم أرفع عيني فورًا.

_"إيلوين فايل، موعدك."

صوت الحارسة الجاف لم يحمل شيئًا سوى الملل. نهضت دون أن أنطق، عيناي خاليتان من التوسل، كتفاي مستقيمان كما لو أنني ذاهبة إلى لقاء صحفي لا إلى المحكمة.

كان الصمت يرافقني، إلا من صوت الأصفاد المعدنية التي أمسكت بمعصميّ. كانوا قد طلبوا أن لا أُقيد، باعتباري "محترمة"، لكن المحكمة لم تأبه لتلك الاعتبارات. تهمة القتل تلغي الامتيازات.

عبرت الرواق تحت أنظار مشدوهة من الصحفيين والموظفين، حتى أولئك الذين يعرفونني كانوا يشيحون بوجوههم. ليست المرة الأولى التي أرى فيها الوجوه تنقلب.

لكن، رغم كل شيء، لم أكن أظن أن دخولي القاعة سيكون بهذه البرودة. لا أحد تحدث، لا همسات، لا صراخ. فقط ينظرون إلى المتهمة.

والدتي التي كانت تجلس بجانب طاولة الدفاع، في بذلتها الداكنة، ملامحها مشدودة كوتر، وفمها مائل بانزعاج أبدي. نظرت إلي نظرة أعرفها جيدا.

جلس أخي الأكبر في الصف الأول، واضعًا يديه على ركبتيه، ينظر إلى الأرض. كانت ملامحه توحي بأنه لا يزال يريد تصديقي، لكن شيئًا ما فيه كان ينكسر.

وأختي... تلك الوحيدة التي لا تزال تنظر نحوي بنظرة من لا تفهم، لكن تحب.

وقف القاضي. نظرة جامدة.

_"الجلسة تُفتَح في قضية الدولة ضد الآنسة إيلوين فايل، المتهمة بالقتل من الدرجة الأولى..."

بدأت الكلمات تتدفق. تواريخ، أدلة، صور، تقارير. كل شيء كان ضدي. كل شيء بدا محكمًا.

صورة الجثة... أو ما تبقى منها.

الضحية كان زميلي في الصحيفة. مقالاته الأخيرة كانت تتعلق بملفات حساسة. و"صدفةً"، الرسائل بيني وبينه كانت تشير إلى توتر، تهديد، وربما عداء.

كنت أدقق في الصور دون أن أرمش، لكن في داخلي... شيء ما كان يُطحن.

_"هذه ليست أنا، لم أرسل تلك الرسائل."

لكن من سيصدق؟

كانت محاميتي، أي والدتي، تتحدث بنبرة قوية، تدحض الأدلة، تعارض التوقيت، تتحدث عن سجلي النظيف، عن غياب الدافع الحقيقي. لكنها لم تكن تقاتل من أجل براءتي، بل من أجل سمعة العائلة.ابتسمت ساخرة.

_"لسنا مجرمين. نحن آل فايل."

كأنما هذا يكفي.

وقبل أن يعلن القاضي عن نهاية الجلسة واستعداد هيئة المحلفين للحكم، وقف رجل في الخلف.

يرتدي بذلة رمادية أنيقة، يحمل حقيبة سوداء. لا أحد يعرفه، ولم يكن في قائمة الشهود.

_"سيدي القاضي. أطلب الإذن للتحدث."

توتر. همسات. حركة غير متوقعة.

نظرات الجميع التفتت إليه. حتى أنا رفعت حاجبيّ لأول مرة.

_"ومن أنت؟"

"أنا شاهد يحمل أدلة جديدة."

حاول القاضي رفض التدخل، لكن الرجل فتح حقيبته وأخرج منها أوراقًا، ثم فلاش ميموري. تقدم بها بثقة نحو طاولة القاضي.

كانت لحظة صمت مريبة.

تم تشغيل المحتوى.

تسجيلات كاميرا مراقبة

مشهد لرجل ملثم يدخل منزل الضحية.

ثم رسائل بريد إلكتروني تُعرض على الشاشة، مرسلة من عنوان مختلف تمامًا، بهوية مزورة تتظاهر بأنها أنا.

ثم، المفاجأة: بصمات مجهولة على السلاح المستخدم، لا تطابق أي سجل معروف، لكنها بالتأكيد ليست لي.

وجه والدتي تغير.

أخي رفع عينيه للمرة الأولى.

أختي بدأت تبكي.

أما أنا... فابتسمت بسخرية باهتة.

أعلن القاضي بعدها، بعد مراجعة عاجلة، أن الأدلة الجديدة كافية لتشكك في التهم.

_"الآنسة إيلوين فايل... أنتِ بريئة."

لم أبدِ أي رد فعل فقد كانت عجلات رأسي تدور.

فقط، نظرت إلى الرجل الذي أنقذني، وهو يغادر دون أن يقول شيئًا. وكأن ظهوره لم يكن إلا مؤقتًا، لحظة لتُقلب القصة، ثم يختفي.

أردت اللحاق به. سؤاله من هو. لماذا؟ من أرسله؟

لكنه اختفى كما جاء.

وبينما أنهض من مقعدي، سمعت همسات الصحفيين، ارتباك الشرطة، وتحذيرات والدتي:

_ "لا تتحدثي. هذه القضية انتهت."

لكنها لم تنتهِ بالنسبة لي.

لأن هناك شهرًا مفقودًا من ذاكرتي.

وهناك رجل أنقذني دون سبب.

وهناك منظمة، في مكان ما، بدأت تهمس باسمي من جديد.

وسأعرف الحقيقة.

مهما كان الثمن.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فِيرسَايرا

المؤلف دعاء (Lavender)
2025/07/28 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة