"داني!"
همس بأسمه، بينما يناظرًا إلى انعكاسه في مرآة الحمام. تغيرت ملامح وجهه، تعقد حاجبه، واشتدت نظرته. برزت عروق يده بوضوح بمجرد أن ضغط بقبضته على الرخام البارد.
أخلع قميصه!
كاشفًا عن الوشم الذي لازمه منذ الخامسة عشرة من عمره. كلمة "FREEK" نُحتت بدقة على رقبته، شهادة صامتة على ماضيه. تذكّر كلمات سمعها عبر الهاتف، صوت ذلك الشخص. سؤال واحد فقط كان يدور في ذهنه الآن:
هل يعود؟
-------
--------
"سوف يتأجل الاختبار."
وصلت الرسالة من أستاذ الكيمياء على مجموعة الفصل.
زفرت ميسيليا بسخط وهي تتمتم:
"ولماذا يؤجله؟"
أغلقت هاتفها بسرعة، غير أن الإشعارات لم تتوقف؛ ضجيج لا ينقطع، يعبّر عن استياء الطلبة أو ارتياحهم لإعلان الأستاذ.
نهضت من سريرها، بخفة من اعتاد هذا الإزعاج، واتجهت نحو النافذة.
كان الهواء البارد قد بدأ يتسلل إلى الداخل، يلامس وجهها ويبعثر خصلات شعرها برقة.
ابتسمت بهدوء، كأنها تحررت من عبء خفي،
خاصة مع تلك النسمات التي داعبت بشرتها،
وفي هذا السكون، شعرت للحظة وكأنها الوحيدة التي تسكن هذا الحي.
ثم فجأة...
اتسعت عيناها حين لمحت سيارة ميكائيل تقترب!
ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة، وصرخت باسمه بسعادة،
ثم اندفعت خارج غرفتها مسرعة، حتى كادت أن تتعثر في طريقها نزولاً إلى الأسفل.
فتحت الخادمة الباب في اللحظة ذاتها،
فألقى ميكائيل ابتسامة مُرهَقة وهو يشكرها،
لكن وجهه أشرق حقًا حين ارتطمت به ميسيليا بعفوية،
تشبثت بقميصه أكثر، وهتفت بتهديد طفولي:
"سأخبر أبي أن يفصلك عن العمل!"
ضحك ميكائيل، مستسلمًا، ورفع يديه قائلاً:
"حسنًا، أعتقد أنني لن أمانع!"
ابتعدت عنه بخفة، وقالت:
"بالتأكيد لم تأكل أي شيء منذ الصباح، سأعد لك الباستا التي تحبها!"
كان على وشك أن يخبرها بأنه تناول طعامه في طريق العودة،
لكنه خشي أن يُحبط حماستها،
فاكتفى بهمهمة خفيفة وصعد إلى غرفته قائلاً:
"سأغيّر ملابسي! لن أتأخر!"
"حسنًا!"
صرخت من داخل المطبخ.
قهقه ميكائيل،
هي فعلًا تتحول إلى طفلة مشاغبة وعنيدة كلما عاد إلى المنزل!
____
___
دخل غرفته مرهقًا، رمى معطفه بإهمال على السرير،
ثم رفع خصلات شعره المتعرجة عن وجهه المتعب،
عيناه ثقيلتان لم تذوقا النوم منذ الصباح.
ابتسامة هادئة تسللت إلى شفتيه
عندما وقعت عيناه على صورة والدته الموضوعة بعناية فوق الطاولة الصغيرة.
اقترب منها، مسح سطح الصورة براحة كف دافئة،
وهمس بصوت بالكاد يُسمع:
"مرحبًا أمي."
ظل يحدق بها للحظة،
كأنه يغوص في ذاكرة بعيدة...
حيث كانت هي بجانبه،
تغمر طفولته بالطمأنينة.
زفر ببطء، ثم اتجه نحو خزانته،
أخرج شورتًا أسود، وقميصًا بلا أكمام بلون أبيض،
واتجه إلى الحمام ليأخذ دوشًا سريعًا،
ويهبط إلى تلك المشاغبة في الأسفل.
...
لم يطل غيابه، خرج من الحمام وهو ينشف شعره المبلل بمنشفة بيضاء،
يتقدّم بخطوات بطيئة نحو النافذة التي تطل على الحي...
وخاصة على ذلك المنزل.
نعم، هم انتقلوا حديثًا إلى هنا،
لكن هو يعرف هذا الحي منذ سنوات.
اختاره بعناية، سكنه من أجلها فقط.
فقط... ليكون قريبًا منها.
لم يكن الأمر سهلًا عليه أبدًا،
لكنه يحاول،
يحاول لأجل أن تقبله،
كرجل... لا كشاب متهور يلاحقها.
تنهد وأغلق النافذة بهدوء،
ثم رمى المنشفة على السرير،
ونزل إلى الأسفل.
...
في الأسفل،
كانت هي تجهز الطاولة مع الخادمة،
تضحك وتبتسم،
تلك الابتسامة التي تبرز غمزتها الصغيرة،
بينما تتحدث معها بأحاديث متناثرة.
قاطعهما صوته وهو يدفع الكرسي ويجلس:
"هل الباستا جاهزة؟ سأموت من الجوع!"
التفتت إليه ميسيليا بسرعة،
وهتفت بعفوية وهي تتجه إلى المطبخ لإحضار الصحن:
"أجل سيدي!"
ثم أضافت، وهي تضع الصحن أمامه:
"وهذه الباستا! ولا تخبرني رأيك حتى لو كانت سيئة، تناولها بصمت!"
أمسك الملعقة، ورفع نظره إليها بتحفّظ،
كطفل خائف من عقوبة أمه، وهمس:
"وهل ستقتلينني؟"
جلست على الطرف المقابل وضحكت على ملامحه،
بينما هو يأكل ببطء ويرمقها بنظرات حذرة كل بضع ثوان،
وكأنه يعيش تحت التهديد فعلاً...
وكان كذلك!
قالت ميسيليا، محاولة كتم ضحكتها:
"لماذا تحدق إليّ هكذا؟ تبدو لطيفًا جدًا!"
"حقًا؟ حسنًا، سأغير تعابير وجهي!"
لكنها قاطعته بسرعة، وهي تضحك:
"لا! لا تغير، أبقِ هكذا!"
...
وبينما كان منهمكًا في الأكل،
كانت هي تراقبه بصمت.
ميكائيل... ليس مثل ريڤان إطلاقًا.
رغم طيش ريڤان، إلا أنه يحبها...
لكن ميكائيل؟
ميكائيل يشبه الحبيب في نظرها.
يهتم بها كثيرًا،
يتصل بها دومًا أثناء عمله،
يتحدث معها لساعات فقط كي لا تشعر بالوحدة.
ودائمًا...
يتناول العشاء معها،
رغم أنها تعرف جيدًا أنه يأكل في طريق العودة،
فقط لكي لا يُتعبها في الوقوف لإعداد الطعام.
قالت بصوت خافت وهي تراقبه:
"زوجتك المستقبلية!"
توقف عن الأكل فورًا،
رفع حاجبه، وأسند وجنته إلى راحة يده، ثم قال وهو يلتقط كأس الماء:
"ما بها زوجتي المستقبلية؟"
ردّت وهي تبتسم:
"محظوظة! ستقع بين يدي رجل نبيل مثلك... أقصد A man!"
صمت للحظة، بدت على وجهه لمحة تفكير،
ثم قال بهدوء:
"وهل سيكفي كل هذا لها؟"
عقدت حاجبيها، لم تفهم قصده:
"ولماذا لا يكفي؟ بل يكفي كثيرًا. هل أنت خائف من الحب؟ أم من الزواج؟"
نفى بوجهه، ثم همس:
"لا... لست خائفًا أبدًا.
الحب هو من يخيفني... وهي أيضًا."
جلس ميكائيل على الأريكة في غرفة المعيشة، وقد أسند رأسه إلى الخلف وأغلق عينيه، بينما جلست ميسيليا مقابله!
"هل تعبت؟"
سألت وهي تراقبه!
"قليلًا، لكن الباستا أنقذتني."
فتح عينيه ونظر إليها مبتسمًا، ثم أضاف بنبرة هادئة:
"لقد أصبحتِ تطبخين مثل والدتك."
تجمدت للحظة، لم ترد، فقط نظرت إليه بنظرة يصعب تفسيرها.
لحظة صمت قصيرة، لكنها كانت ثقيلة بما يكفي لتفصل بين ضحكة ومشاعر لم تُقال.
"هل اشتقت إليها؟"
همست بالسؤال، وكأنها تسأل نفسها.
أجاب بعد ثوانٍ:
"كل يوم."
اقتربت وجلست إلى جانبه هذه المرة!
بدا وجهها صافيًا، لكن عينيها كانتا تبحثان عن شيء...
عن دفء أم، عن إجابة!
"ميكائيل..."
قالت باسمه بهدوء!
"هل أبدو لك كفتاة قوية؟"
ابتسم، لكنه لم يبتسم بشفتيه، بل بنظرته، وقال:
"أنتِ أقوى من كثيرين أعرفهم. لكنكِ تحاولين ألا تظهري ذلك."
صمتت. أراحت رأسها على كتفه، وأغلقت عينيها.
لم يكن الأمر حبًا، ولا كان مجرد حنين.
بل لحظة نقية، مؤقتة، يلتقي فيها اثنان
يحملان ثقل الحياة على أكتاف مختلفة،
لكن بنفس الصمت.
______
______
أشعة الشمس تسللت بخجل من خلال الستائر البيضاء،
تداعب ملامح وجهه المُنهك،
لكنه لم يشعر بها.
كان الغبار يسبح في الهواء،
وصوت العصافير بالخارج يبدو بعيدًا، باهتًا...
كأنه لا يخص هذا العالم.
فتح عينيه ببطء،
تثاقلت جفونه وكأن الليل لا يريد أن ينتهي.
جسده متراخٍ على السرير،
وفي يده، ما تبقى من تلك الجرعة التي تناولها في الظلام،
قبل ساعات فقط.
كانت لذّتها لا تزال تسري في عروقه،
لكنها، في الوقت نفسه،
تحفر داخله فراغًا لا يُملأ.
زفر بقوة،
مرّر يده على وجهه كمن يحاول إزاحة طبقات من الذنب،
ثم جلس بتثاقل،
محدقًا نحو الأرض كأنها تخبره شيئًا لا يريد سماعه.
نهض...
سحب قميصًا من الكرسي وارتداه،
غسل وجهه بماء بارد،
لكن نظرته بقيت معتمة، كأن شيئًا لم يتغيّر.
خرج من غرفته
خطواته بطيئة، صوته لا يُسمع.
رائحة الخبز المحمص والقهوة تعبق في المكان،
وصوت أمه يتردد من المطبخ،
تمتزج فيه نبرة الفرح ونقطة من القلق.
"دانيال؟ استيقظت؟"
قالت وهي تخرج من المطبخ، تمسح يديها بالمئزر.
أومأ برأسه فقط،
ابتسامة خفيفة بالكاد تظهر على وجهه.
لم تكن ابتسامة سعادة،
بل مجرّد واجب.
"تعال، لقد جهزت الإفطار."
جلس على الطاولة،
وضع يديه على سطحها الخشبي،
عيناه تدوران في تفاصيل المكان،
كأن كل شيء غريب... مألوف جدًا، لكن غريب.
أخته وضعت كوب القهوة أمامه،
"صباح الخير، دانيال."
"صباح الخير..."
ردّ بصوت منخفض، لكن صوته كان مشوشًا،
كأن شيئًا ثقيلًا يضغط على حنجرته.
بدأت الأحاديث الصغيرة تدور من حوله...
والدته تروي ما حدث بالأمس،
أخته تضحك عن حديث قالته والدتها،
لكن دانيال؟
كان بينهم، دون أن يكون "معهم".
رفع قطعة خبز،
لكن يده ارتجفت للحظة،
فأعادها بهدوء وكأن شيئًا لم يكن.
المخدر لا يزال ينسج أثره في عقله،
كأنه يغرق بصمت داخل جسد جالس على طاولة العائلة.
حتى لحضت والدته تعبه وهتفت بقلق
" بني هل انت بخير؟! "
حاول ان يبتسم وهتف
"أجل بخير!"
في كل ما يفكر به الان هو
العودة!
اجل سوف يعود فـ ليس لديه خياراً اخر
حتى وقف بهدوء بين استغرب والدته و شقيقته!
"الى اين انت ذاهب!"
حتى هتف الاخر وهو يبتسم
"في الأمس اتصل بي صديقي و كان يريد ان يلتقي بي فـ تذكرت امره الان!"
"ولكـ!"
حتى قطعها وهو يودعها
"لن أتأخر امي!"
_______
________
أغلق باب المنزل خلفه بهدوء،
نظر سريعًا للشارع، لم يكن أحد هناك.
الحي هادئ، نظيف... يشبه عالمًا لا يشبهه.
تنفس بعمق،
أخرج من جيب معطفه علبة السجائر القديمة.
يده لم ترتجف،
لكن داخله كله كان يرتجف.
أشعل السيجارة،
وسار.
كل خطوة تقرع في الرصيف كأنها تطرُق بابًا قديمًا في ذاكرته.
عيناه تائهتان،
كأن كل شيء هنا يشبهه قليلًا، لكنه لا يخصه بعد الآن.
كانت وجهته معروفة.
حيّ آخر،
حافة المدينة،
مكان يعرفه أكثر مما يعرف نفسه.
عصابة FREEK...
الاسم المحفور على رقبته،
والذي ناداه به الصوت البارحة،
كأنه صوت لا ينسى.
السيارات المتآكلة مصطفة على جانب الطريق،
الرائحة خانقة، مزيج من البنزين، العرق، والمخدرات.
الرسوم على الجدران لا تزال كما هي،
لكنها صارت أكثر قتامة.
اقترب من الزاوية حيث كان المقر القديم...
باب معدني ضخم،
ورسم جمجمة محفور عليه بخطّ أزرق باهت.
نقطة لا يُخطئها قلبه.
مد يده،
طرَق الباب ثلاث طرقات... إيقاع يعرفه من زمن.
فتح الباب فجأة،
صوت موسيقى صاخبة،
ودخان كثيف يتسلل من الداخل.
ثم...
"داني!"
ذلك الصوت.
نفسه.
ابتسامة أعوج،
عيون نصف ميتة،
وكتفان ثخينان.
كان ذلك ريكارد!
لم يتغيّر.
"ظننتك نسيتنا يا ابن-----"
دانيال لم يرد،
لكنه ابتسم.
نصف ابتسامة،
وخطا إلى الداخل.
العالم الذي دفنه خلف قضبان السجن...
عاد الآن ينبض من جديد.
والسؤال في أعماقه ظل بلا جواب:
هل جئت لتغادر؟ أم لتغرق من جديد؟
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
يتبع
The Rasell