من يحارب الوحوش عليه أن ينتبه ألا يتحول هو نفسه إلى وحش...وإذا أطلت النظر طويلاً إلى الهاوية، فإن الهاوية تطل عليك أيضاً.
_رسيل
هل أنت مستعد؟
فكر قليلاً قد تتراجع؟
لقد أوشكت أن تصل الى طريق الموت!
هذا قرارك أنا لن اتدخل!
اذا مرحبا بك في عالم الصدمات و الموت عزيزتي!
༺༺༺༺༺༺༻༻༻༻༻༻
اسبانيا
___
الساعة 12:30صباحاً
_____
سجن Soto del Real
الذي يقع على بُعد حوالي 40 كيلومترًا شمال العاصمة مدريد!
______
جلس على الأرض الباردة، ظهره يسند الحائط المتسخ، وعيناه تحدّقان في الظلام كأنهما تبحثان عن مخرج لا وجود له، والمدينة تنام، لكن رأسه... رأسه لم يعرف النوم منذ أيام.
وليس أيام بلا سنوات!
ارتجفت يده وهو يفتح العلبة المعدنية التي أخذها من أحد المساجين ، أصابعه ترتعش كطفل يحاول الإمساك بلعبة ضائعة. أخرج الأداة كأنها كنزه الأخير. نظر إليها طويلاً، لم تكن مجرّد إبرة. كانت نسيانًا مركّزًا.
لم ينسَ صراخ أمه تلك الليلة. لم ينسَ الدماء على يده . لم ينسَ الجسد الذي كان ممدّد على الأرض. كل شيء يعود كلما أغلق عينيه.
غرز الإبرة في ذراعه ببطء. عضّ على شفتيه حتى
سال الدم. ثوانٍ...
ثم بدأ كل شيء يبتعد. الأصوات تخفت. القلب يهدأ. الجدران تتسع. كأن العالم ابتلع نفسه وبقي هو وحده في فراغ ناعم.
ابتسم... لأول مرة منذ أيام. لا شيء يؤلمه الآن. لا ذاكرة. لا ذنب. لا بكاء.
لكن النشوة لا تدوم.
خمس دقائق فقط، وبدأت عظامه تصرخ. عرقه يغرق جسده، وصداعه ينبض داخل جمجمته كمطرقة. حاول الوقوف، فسقط. بصق على الأرض، ثم ضحك... ضحكًا فارغًا.
"أحتاج جرعة أخرى..."
همس كأنما يكلّم نفسه أو الشيطان في داخله. لم يكن يعرف الفرق... أخرج جرعة أخرى من جيبه، وغرزها بثقبٍ مؤلم في جلده، متجاهلًا الألم الذي بات رفيقًا له، فقط ليُسكت ذلك الصراخ في جسده... لكن الصوت الذي قطعه لم يكن داخليًا، بل صوت الحارس خلف القضبان:
"حان وقت إطلاق سراحك الآن!"
عبارة لم تحمل له أي قيمة... ما الفرق إن بقي هنا أو خرج؟ في الحالتين، هو عالق في لعنته، لا مفر منها.
نهض بجسدٍ واهن، أضلاعه ترتجف تحت ثقل البرد وسمومه، ووجهه شاحب كأنه لم يعرف النوم أو الراحة منذ دهور. حاول أن يخفي "المنقذ" في جيبه جيدًا، ذاك الشيء القذر الذي صار أقرب له من أي شيء آخر، ثم تبع الحارس بصمت، ليتسلّم أغراضه.
ثمانية سنوات...
ثمانية سنوات كانت كفيلة بأن تُحيل حياته إلى خراب. إلى فراغ.
الجو في الخارج كان باردًا حدَّ القسوة، كأن الهواء نفسه يلفظه، يسير مترنحًا، عيناه غائمتان، والرؤية مشوشة كأن الضباب سكن داخله.
كان يحكّ يده بجنون، ورقبته تبللت بعرقٍ بارد.
يريد المزيد...
نعم، ما زال يريد.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
"أنا آسفة... لم أهتم بك."
همست ميسيليا وهي تسقي وردة اللوتس التي أهملتها مؤخرًا، منشغلة بالدراسة وتعب الانتقال إلى المنزل الجديد. ورغم كل ما تمر به في هذه الفترة المزدحمة، لم تنس أزهارها. بقيت تهتم بها كأنها قطعة من قلبها.
توقفت عن سقي الزهرة حين حجبت أشعة الشمس عن وجهها، فرفعت رأسها تلقائيًا، وابتسمت بهدوء.
إنه شقيقها!
"ريڨان!"
"ميسيليا! "
رفعت رأسها إليه مجددًا وهي تتذمر
"دائمًا ما أقول لك، لا تقف أمامي هكذا!"
رفع حاجبه بعدم رضا وقال بسخرية خفيفة
" الشمس أخذت وقتًا طويلًا لتري هذا الوجه الجميل، والآن جاء دوري!"
ضحكت على غيرته الطفولية، وتغزّله السخيف. رغم أنه يكبرها بأربع سنوات، إلا أنه لا يكفّ عن التصرف كطفل مدلل.
"حسنًا، لك الحق بذلك! فأنت أخي."
ظل يحدّق بها مبتسمًا بهدوء.
كم تشبه والدتهما! غمزتا عينيها، عفويتها، وحتى ابتسامتها.
بالنسبة له، لم تكن مجرد أخته. كانت مثل والدته.
تنظّف غرفته رغم وجود الخدم، تهتم بأخيه الأكبر، ولا تنسى أدوية والدها رغم كثرة سفره. لم تغضب يومًا، ولم تتذمر، بل كانت تشجّعهم جميعًا، وتدعمهم بصبرٍ لا يُفهم.
رغم صغر سنها، تولّت مكان والدتهم الراحلة.
تهتم بالجميع، وتتابع دراستها بجد. لم يسمعها يومًا تبكي أو تذكر والدتها أمامهم، رغم أنها لم ترها يومًا.
لم تشتكِ أبدًا، ولم تقل إنها ليست بخير.
هو لا يعلم ماذا سيفعل إن رأى دمعة تسقط من عينيها... أو حدث لها مكروه.
قطبت حاجبيها فجأة، والغضب المضحك على ملامحها جعل ريڨان ينفجر ضاحكًا.
"لماذا لم ترد على مكالمتي البارحة؟ وعدت متأخرًا!"
رد بتأفف، وهو يتبعها
"كان لدي عمل مهم! ولم أنتبه على المكالمة... أنا آسف، أنا آسف!"
هزّت كتفها بلا رضا، ثم التفتت لتدخل المنزل. لحق بها وهو يكرر الاعتذار ويثرثر بكلمات عشوائية، محاولًا إرضاءها، حتى وقفت فجأة والتفتت إليه.
نظر إليها بعيني طفل يطلب الصفح من أمه.
"حسنًا، سامحتك، لكن بشرط!" قالت وهي تعقد حاجبيها، "أن لا تعود كل يوم متأخرًا، ريڨان!"
ابتسم واقترب منها ليعانقها، وهمس بصوتٍ جعلها ترتاح
"حسنًا! أعدك."
"وعد الأخوّة!"
"وعد الأخوّة! والآن، هل يمكنني الخروج؟"
ابتعدت عنه، وضربته ضربة خفيفة على كتفه، ضاحكة
"يمكنك الخروج!"
قبّل وجنتها، وخطف تفاحة وهو يلوّح مغادرًا
"لا تنسي دراستك!"
"لا تقلق، لن أنسى!"
عائلتي...
هم أولويتي في هذه الحياة.
أبي، ميكائيل، ريڨان...
إنهم أكسجيني.
لا أظنني أستطيع العيش إن خسرت أحدهم بعد أمي.
سوف أموت حقًا.
أنا لست مستعدة أن أفقد طرفًا آخر من عائلتي.
يكفيني أنني فقدت ضلعي الآخر... والدتي.
رغم أنني لم أرها أبدًا، ولم أعرف معنى حضن الأم، إلا أنني كنت قوية أمامهم.
لم أبكِ قط.
ولن أبكي أبدًا.
لم أذكر اسم أمي، ولم أذهب لأبي يومًا لأقول له "اشتقت إليها"،حيث شك بي انني اكرهها.
لكن رغم كل ما أمرّ به داخليًا، أشعر بسعادة.
انتقلنا إلى منزل جديد، وسنبدأ سنة دراسية أخيرة في الثانوية... وسأدخل الجامعة! سأدرس التخصص الذي أحلم به.
أليس هذا شيئًا جميلًا؟
أن أفكر بمستقبلي، وأجعل والدي فخورًا بي، هذا هو أجمل شعور في العالم.
بينما كل الفتيات يحلمن بالحب والزواج، أنا لا أحلم إلا بالنجاح.
الوقوع في الحب؟ شيء مقرف.
أن تحب أحدًا وتموت لأجله؟ مجرد أوهام وسخافات في الروايات.
مضيعة للوقت.
النجاح فقط!
النجاح هو الزواج الحقيقي!
"سيدتي، هاتفك."
نادت الخادمة، فابتسمت ميسيليا بلطف وهي تأخذ الهاتف منها
"ميسيليا! لا تقولي سيدتي مجددًا."
ابتسمت الخادمة على لطفتها، وعادت لمهامها.
ردت الأخر على المكالمة بينما كانت تجهز كوب الأيس كوفي المفضل لديها، حركت ميسيليا أصابعها برشاقة معتادة فوق عبوة القهوة، تُعدها كما لو أنها طقس خاص لا يكتمل يومها بدونه. كانت مدمنة حقيقية على كل أنواع القهوة، تجد فيها لذّتها وسكينتها وسط فوضى الحياة.
وفي اللحظة التي كانت تحاول فيها فتح علبة الثلج المجمدة، جاءها صوت رجولي دافئ من خلف الهاتف، يحمل نبرة مألوفة محببة
"ماذا تفعل صغيرتي؟"
أجابت بضحكة خفيفة وهي لا تزال تحاول فك العلبة العاصية
"أصنع القهوة! ودائماً أقول لك، لا تقل لي صغيرتي!"
ضحك الآخر ضحكة رخيمة، تحمل من الطمأنينة والحنان ما يكفي لجعل الفراشات تحلق في معدتنا جميعاً اذا سمعناه
"حسناً، حسناً... ملاكي! ما رأيك بها؟"
ابتسمت وهي ترفع الكوب نحو شفتيها وتأخذ رشفة صغيرة قبل أن تهمس
"جيدة! هل ستعود؟"
"لا، قد أتأخر قليلاً. لا تقلقي، أنا لست ريڨان."
ضحكت، ثم تنهدت وكأنها تزيح شعور الوحدة و الملل جانباً
"لن أقلق! ولكن... أشعر بالملل! هل اتصل بك أبي؟"
"أجل، أخبرني أنه سيعود قريباً. وبخصوص الملل... أنا أيضاً أشعر به! قولي لي، ماذا سنفعل ليذهب الملل؟"
"أمم، أخبرني عن يومك اليوم في الشركة!"
ابتسم ميكائيل عبر الهاتف، وبدأ يسرد لها تفاصيل يومه في الشركة، متحدثاً عن موقف طريف حدث له في طريقه الى شركة، بينما كانت ميسيليا تستمع باهتمام واضح، تبتسم وتضحك من قلبها على كلماته.
رغم أنه شقيقها الأكبر، الغارق في أعمال الشركة مثل والده، إلا أنه لا ينسى شقيقته الصغرى، يتصل بها باستمرار كما يفعل الآن، فقط ليبدد وحدتها. يعرف تماماً أنها تشعر بالفراغ في غيابهم، ويعلم جيداً أن ريڨان، رغم محبته، لا يعير تلك التفاصيل اهتماماً، منشغل دائماً بتفاهات لا تنتهي.
.
.
.
.
.
.
.
.
نزل من سيارة الأجرة وأغلق الباب خلفه بهدوء. انطلقت السيارة من جديد، ولم يكلّف نفسه عناء الدفع. حارس السجن كان قد تكفّل بالأمر سلفًا.
وقف في مكانه يتأمل الحيّ لثوانٍ. لم يتغير شيء... كل شيء كما كان. الأبنية، الأرصفة، وحتى الهواء بدا مألوفًا.
الشيء الوحيد الذي تغيّر هو هو. لا، ليس الآن، ولا منذ السجن. بل منذ طفولته... التغيّر لم يفارقه يومًا.
وقبل أن يتحرك نحو منزله، مدّ يده إلى جيبه، وأخرج حبّته القذرة المفضّلة. تناول واحدة ببطء.
حكّ أنفه براحة، وأغمض عينيه لثانية قصيرة... شعر بجسده ينتشي، وكأن شيئًا داخله بدأ يبتسم.
تابع سيره. خطواته ثقيلة، لكن ثابتة. وحين وقف أمام الباب، توقف... تردّد في طرقه.
يده ترتجف... لأول مرة منذ سنوات.
لم يكن معه الآن سوى ماضٍ أسود يلوّث وجهه، وقلق لا يعترف به.
فتح الباب قبل أن يطرقه.
عينان تشبهان عينيه، شقيقته( مالينا)... لكنهما الآن محمّلتان بالدموع، لا بالطفولة.
قالت بصوت مخنوق:
"أنت فعلاً خرجت؟"
لم يجب. فقط نظر إليها. كم كبرت... كم تغيرت. لم يعد يعرفها، لكنها ما زالت تشبه الطفلة التي كان يلعبها عندما كانت صغيره!
رائحة الخبز الساخن خرجت من المطبخ، وصلت لـ عتبت الباب
"من على باب مالينـ---"
حتى توقفت عن النطق عندما نضرة الى الذي ادمعت عينه عندما راءى والدته لم تختبئ الدموع في عينها وخرجت فوراً
وهتفت بصوت مرتجف
"د----دانيال!"
تقدمت اليه خطوات مرتجفة...
وها هي والدته. شعرها شاب تمامًا، أكثر مما كان عليه حين دخَل السجن.
يدها على قلبها، وجهها متجعد من الانتظار.
لمست وجنته ببكاء و
همست كأنها تخاطب روحًا ميتة
"ولدي... عدت؟"
عجز عن الكلام.
أراد أن يقول: "اشتقت إليكما."
أراد أن يسأل: "هل ما زلتِ تحبينني؟ هل تغفرين لي؟"
لكنه فقط ركع على الأرض، دفن وجهه بين يديه، وانفجر باكيًا كطفل فقد طريقه.
ركعت والدته هي ايضاً، ضمّته، تشبثت به كأنها تمنع الموت من اختطافه مرة أخرى.
مالينا وقفت تبكي بصمت، خائفة، مترددة، لا تدري إن كانت دموعها فرحًا أم خوفًا من الأخ الذي تغيّر.
كان هذا اللقاء... لا يشبه أي عناق.
بل كان دفنًا مؤجّلًا للوجع.
"أعتقد انني لن أراك مجدداً! بني! ااه كم اشتقت أليك!"
صاحت والدته ببكاء الفرح بينما كان ذلك الذي يعانقه والدته وكأنها سوف يأخذها ملاك الارواح
لم يستطع ان ينطق اي شيء بسبب فرحته بأن والدته لم تكرهه او تصرخ في وجهه
---------
----------
"كيفاش خرجت من الحبس؟"
سألت مالينا شقيقها بصوت خافت، وكأنها تخشى أن تزعجه أو تثير جرحًا لم يندمل بعد. كان دانيال جالسًا بصمتٍ، عيناه شاردتان في زاوية ما من الغرفة، غارقًا في أفكار لا يعلم أحد عمقها سواه. سؤالها تسلل بهدوء إلى عالمه الداخلي، ذاك العالم المظلم الذي عاش فيه طويلًا، صحيح كيف ذلك! حيث كاد يُحكم عليه بالإعدام، وكان مطلوبًا في إسبانيا.
ظل الصمت يخيّم للحظة، قبل أن يخرجه صوتها وهي تهتف اسمه من دوامة الذكريات. التفت إليها ببطء، ثم نطق أخيرًا بصوته العميق الذي تغير كثيرًا منذ أن غاب، صوت لم تألفه مالينا بعد، لكنه أسرها. كانت نبرته دافئة و صوته الرجولي، مغلفة بالحزن، ونطق بلغتهما الأم... باللهجة المغربية
"ما عرفتش بصح... ولكن دابا ماشي مهم هاد الشي، المهم خرجت ورجعت لدياري! مالينا."
رمشت هي بهدوء، وكأنها تحاول أن تستوعب أن هذا صوت شقيقها فعلًا، لقد تغير كثيراً. هتفت وهي تراقبه بانبهار، تحاول التعود على ملامحه الجديدة وصوته المختلف
"آه، ولكن تبدلتي بزاف، شكلك وصوتك خويا!"
ابتسم دانيال ابتسامة خفيفة، ثم حك حاجبه بعفوية، وعاد يتحدث بالإسبانية، وكأن قلبه انزلق تلقائيًا إلى اللغة التي التصقت بذاكرته في غيابه
"تغيرت من الخارج، ولكن من الداخل... مازال ذلك الشخص العالق في الماضي!"
همهمت مالينا بخفوت، كأنها تفهم جيدًا ما يقصده،وبينما كان يريد أن يقول شيئًا آخر،حتى قطعت عليه الكلمات القادمة..
والدته وهي تضع الطبق أمامه بهدوء، كما اعتادت أن تفعل دائمًا، لكن في هذه المرة كانت لمستها أبطأ، أكثر حذرًا، وكأنها تخشى أن تُكسر اللحظة أو ينهار أحدهما تحت ثقلها.
قالت بصوتٍ دافئ و الأبتسامة التي لم تفارقها منذ ان اتى، لكنه يحمل شيئًا من الحزم الذي لا يفارق الأمهات
"كُل حتى تُنهي الطبق كله، ولا تقل إنك شبعت، لا أريد أن أسمع هذه الكلمة منك ، أفهمت؟"
نظر إليها مطولًا، يحدّق في ملامحها التي تغيّرت قليلًا مع مرور السنوات. التجاعيد حول عينيها لم تكن هناك من قبل، وشعرها، الذي كانت تصبغه كلما بدأ الشيب في التسلل إليه، تركته هذه المرة على طبيعته. بدا له أن السنين التي قضاها بعيدًا عنها لم تمر عليه وحده، بل عبثت بها أيضًا بصمت موجِع.
جلس أمام الطعام، لكنه لم يمد يده. لم يكن الجوع ما يؤخره، بل شيء أعمق، شيء ظل حبيس صدره منذ خروجه. شيء يشبه الندم، ويشبه الخوف.
رفع عينيه إليها أخيرًا، وتحدث بصوت خفيض، كأنما يخشى أن تُسمعه جدران المنزل
"أمي... هل... هل سامحتِني؟"
توقفت للحظة، كانت تسكب له العصير لكنها جمدت في مكانها، ولم تنظر إليه. بل أخذت نفسًا عميقًا، ثم تابعت سكب العصير بصوتٍ مصطنع تحاول عدم تذكر الماضي بينما كانت مالينا تحدق اليهم بحذر
"الخبز ليس طازجًا كما أريد، سأعدّ لك خبزًا ساخنًا غدًا، كما كنت تحبّه صغيرًا."
لم يقل شيئًا. فقط ظلّ ينظر إليها، يحاول أن يقرأ ما تخفيه بين الكلمات.
"أمي... أنا حقًا آسف. أعلم أني خذلتك، وأن السنوات التي مضت لم تكن سهلة عليك. لكنّي لم أنسَكِ يومًا... لم أنسَ دموعك يوم زُج بي في ذلك المكان. لم أنسَ صوتك حين قلتِ: 'أنا واثقة أنك لم تفعل شيئًا، لكني خائفة.' كنت خائفة، أليس كذلك؟"
توقفت هذه المرة فعلاً. ثم التفتت إليه، ووضعت يدها على كتفه بهدوء، وضغطت بخفة، وقالت
"لا تتحدث عن الماضي الآن. لقد عدت. هذا هو المهم. عدت إليّ، إلى البيت... وهذا يكفيني."
أراد أن يُصرّ، أن يُخرج من صدره كل ما احتبس فيه من وجعٍ، أن يقول لها كم تألم وهو بعيد، وكم كانت صورتها تطارده في عزلته، كم بكى ليالي طويلة وهو يتمنى فقط لحظة كهذه... لحظة تكون فيها قريبة منه، تضع الطعام أمامه، وتنهره بحنان كعادتها.
لكنها لم تترك له مجالًا.
جلست بجانبه، وابتسمت ابتسامة صغيرة، شاحبة، وقالت:
"الطعام سيبرد... كُل يا بني. كُل، هذا يكفيني الان."
فتنهد، وأمسك الملعقة، وبدأ يأكل ببطء، وكأن في كل لقمة يحاول أن يستعيد قطعة مفقودة من ذاكرة المنزل... من ذاكرة الأم.
ولم يسألها مرة أخرى.
واعتقد لن يسألها أبداً!
بينما كانت مالينا تحدّق في والدتها، تابعت ملامح وجهها وهي تغمرها السعادة بعودة دانيال. كانت الأم تتحدث إليه بحماس، تخبره عن كل ما فاته في غيابه الطويل، عن الأشياء الصغيرة التي تغيّرت، وعن الحيّ الذي ما زال يحمل بعض الدفء.
من كان يتوقع أن دانيال سيعود بعد كل هذه السنوات؟
بعد أن كان قرار المحكمة حكمًا بالإعدام...!
لكن-ماذا عن ألمها هي؟
من سيعيد لها ابنها؟
من سيأخذ حقها؟
من هذه الحياة التي سرقت كل شيء ولم تُعد شيئًا؟
--------
--------
أضاء ضوء غرفته،
فانكشفت تفاصيل لم يمسسها الزمن.
كل شيء بقي على حاله، كما لو أن الوقت تجمّد بانتظاره.
أغلق الباب خلفه بهدوء، ثم توجّه نحو الخزانة ليضع حقيبة ملابسه، لكنه توقف فجأة...
عيناه وقعتا على ملابس مرتّبة بعناية، لم تُحرّك من مكانها منذ زمن.
كانت تلك ملابسه حين كان في الثامنة عشرة.
تفاجأ حقًا-لم تتخلص والدته منها رغم كل هذه السنوات.
نعم... لقد دخل السجن وهو في الثامنة عشرة من عمره.
وصمت اللحظة الثقيلة لم يدم طويلًا، إذ قطعه صوت رنين هاتفه.
عقد حاجبيه، وتقدّم ليلتقطه من فوق السرير، ثم أجاب دون اهتمام واضح.
لكن صوته تغيّر حين سمع من على الطرف الآخر:
"مبروك خروجك داني!FREEK اشتقت إليك كثيرًا."
بقي صامتًا، متفاجئًا للحظة... ثم أدرك الأمر،
مدّ يده ليحك حاجبه، وابتسم.
لكن تلك الابتسامة... لم تكن خالصة،
بل كانت ابتسامة ارتسمت عليها لمحة من الرعب.
(داني)...
ذلك الاسم الذي يوقظ في الروح شوقًا جارفًا لحنان الأم والعائلة،
لكنه أيضًا ينادي شخصًا آخر...
شخصًا اشتاق إلى حياة القتل، والمخدرات،
وإلى الملهى...
ذلك المكان الذي كان منزله الثاني.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
Bienvenido Story Souls
هذه ثاني رواية معكم
اريد رأيكم بـ الرواية؟
وعن الشخصيات
دانيال:-
Mi tipo favorito
ميسيليا I,m Just girl 🎀😂
ريڨان
ميكائيل اصبح زوجي من الان 😂
أكثر شخصية اعجبتكم
واكثر شخصيه كرهتوهاا
اعتقد سوف تقولون دانيال 😂😂صح المهم اكتبوا تعليقات حلوه ولا اريد كلمات بذيئة لـ شخصيات او الرواية اذا وصل هذا الفصل الى 100قارئ سوف انشر الفصل الثاني
حسابي الانستا Rasell ___Queen
احبكم نفر نفر حبيابي ♥♥
The Rasell