لم يزل الغيث يهطل كسيول جارية من السماء، ورغم تكاثف الغيوم والوهم على مدينة الضباب، فقد تسللت القمراء نورًا بهيًّا ليرشد الغافلين عن الاهتداء إلى طرق بيوتهم.
وبينما استمر الشارع في الاختلاء بالمصابيح الشاحبة وصدى الأمطار، قطعت السيمفونية الموسيقية خطوات كعبٍ عالٍ.
لم تأبه الفتاة المتدثرة بمعطفها الشتوي الأرجواني بانزعاج الفرقة العازفة، واستمرت خطواتها الهاربة تصدح بالقلق والتوتر المريع.
وحينما استطاعت الأمطار والرياح والمياه الجارية استعادة اتّحادها للبداية في العزف من جديد، افزعتها خطوات متباعدة تنبئ بالخطر.
استمر الحذاء الحديدي بالتقدم، ومعه دندنة مالكه المرعبة. وبدا أن الإمساك بالشابة أيسر من تحريك بيدق شطرنج بالنسبة لوجهه الملثم بالرماد.
توقفت الفتاة فتنفست الصعداء وهي تتوقع زوال الخطر، ثم التفت لبرهة لتتأكد من ذلك، إلا أن يدًا حديدية افزعتها ووضعت على وجهها قطعة ذات رائحة نفاذة. لم تستسلم سريعًا، واستمرت في التخبط لدقائق متمنية الهروب من هذا المجنون.
إلا أن الجنون انتصر، وسقطت على يده مغشًّا عليها.
●■●■●■●■●■●■●■●
فتحت عينيها فجأة، كما لو استيقظت من سبات طويل. الألم الشديد دفعها للضغط على رأسها بكلتا يديها. بدت مرتابة من المكان، وخائفة مما تتذكره ذاكرتها المتقطعة.
تحرك بصرها في كل جانب كمغامر يستكشف أرضًا غابرة، انتبهت للسقف الطويل بشكل مقلق ومريب، كان خشبيًا ذو نقوش أشبه بمتاهة. أما الجدران فقد كسيت بخزانة من خشب الصنوبر الذي تعبق رائحته في الغرفة، وملئت الخزانة العجيبة بكتب من شتى الأصناف والأنواع، ما جعلها مذهلة بحق!
تقدمت نحو الطاولة الكرستالية التي ضمت رقعة شطرنج غريبة الشكل، بدت كوجوه آدمية تطلب الصفح والرحمة. أما السبيل الوحيد للإضاءة في غرفة الغرابة هذه، فهو الشمعدان الذهبي الصارخ كمن يهرب من الجحيم.
كانت تتجول عابثة، محاولة إقناع نفسها بأن ما تراه كابوس مزعج، أو ربما مقلب من صديقاتها...
وبدا وكأنها تستبعد الاحتمال الأخير، لوحدتها المرهقة.
طرقة على الباب كانت كفيلة بإيقاظها وإلقائها بعيدًا في ركن الغرفة مرتجفة. ثم تأخر للحظات قبل أن يدير المقبض بمنتهى البطء.
خطواته بدت كسلاسل من صدى البرق والرعد، وبدا للفتاة وكأن الأرض تشتكي حملاً ثقيلاً وتطلب مؤازرة سخية. أما هو فقد تجاهلها كحشرة، وسار ساكنًا خلفه معطفه الطويل الرمادي. تسللت عيناها لتقع على كائن مدثر بالرماد، تلفه ضمادات، فبدا مطموس الملامح، حتى شعره كان مخفيًا تحت قُب معطفه.
-كفى اختباء كالفئران!
كان صوته جهوريًا كزئير مخيف أو عواء منذر، جعلها ترتجف كثيرًا، وتتردد أكثر قبل الخروج زاحفة، فاعتدلت واقفة. نبرتها بدت ضعيفة إلى حد ما، حتى لهجتها البريطانية بدت سريعة وغير منتظمة.
-من أنت؟ وماذا تريد مني؟
كانت ملامحه مختفية، فبدا صعبًا عليها قراءة توجهاته ونواياه، إلا أنه صرح:
-أنت لا تستحقين إجابة مني، "نيكس".
ارتجفت شفتاها خوفًا وهي ترى ذلك المخلوق العارف باسمها. عدم استحقاقها لإجابة منه!؟ يا له من متكبر أناني.
فكرت بذلك للحظات قليلة قبل أن تدرك أن الكفة تميل لصالحه، وأنها الآن أمة ضعيفة أمام يدي هذا الوحش.
-رباطة جأشك أشد مما توقعت.
تنفست بعمق وهي تتخذ خطواتها البطيئة نحوه، وقفت إلى جانب الكرسي المقابل له، ثم جلست تفصلها عنه رقعة الشطرنج. بدت نبرته مستمتعة بحركتها تلك، وتراءت له قوتها المزيفة واضحة.
-يا لك من ممثلة بارعة!
-هل... هل تعتقد أنني... قد أخاف من نكرة يخفي وجهه؟
تلعثمها كان دليلًا على كذبها البائن، وهذا دفعها ليجيب ببساطة
-أنت كذلك بالفعل.
مجدّدًا عمّ الصمت الثقيل، كان يتأملها موجّهًا نحوها كل تركيزه، بينما عضت شفتيها في قلق ظاهر. وربما أدركت أخيرًا أن هذا الصمت لن يقطعه سوى صوتها، فاستفسرت:
-إلى أي مدى تعرفني؟
-اكثر بكثير مما تعرفينه عن نفسك..
-مثل ماذا؟
-أتودين استغلالي؟
كانت كلماته مجيزا من السخرية المتشحة بالمكر، وإشارته البسيطة بعلمه عن فقدانها لذاكرتها قبل مدة قصيرة جعلها تدرك أنها أمام شيطان فعلي.
-إذاً... لماذا أحضرتني؟
أنت ثرثارة كثيرة الاسئلة، والفضول
.
صمت متنهّدًا، ثم استمرّ مشيرًا للرقعة:
-أردت منافسًا.
-منافس؟
رددت كلماته بغير تصديق، هل يعقل أن تُخطف فتستيقظ لتواجه وحشًا غير إنساني، ثم يُطلب منها ان تلعب بالشطرنج مباراة مع خاطفها؟ انعقد لسانها من التكذيب، وهمست روحها بغرابة لعبة تستلزم اختطافًا. رفعت عينيها إليه وحملقت فيه بهدوء:
-أي نوع من المكائد هذه؟ أنا لست غبية للحد الذي قد أشارك فيه لعبة مجهولة.
-هذا مؤسف، لأنك مضطرة لذلك.
كانت نبرته بسيطة كأنها تدلي بحقيقة بدهية، سرت قشعريرة في جسدها كأنها نذير شؤم أو إعلان عن ضغط الزناد.
توجه بصرها للرقعة الغريبة مع قطعها الصارخة، رفعت إحداها وشعرت بضيق وقوة خفية تجبرها على إعادتها. واخيرا استفسرت
-لماذا يصرخون؟
-دعيني أخبرك عن مهمتك يا آنستي، لن يدوم اختطافك سوى ليلة واحدة، وهي كافية لتقرري مصيرك بالفعل. نيكس، هذه الرقعة التي أمامك وملك قطعي هما سبيلك الوحيد للنجاة... فرارا من الموت، ومنعا لي من تجديد قطعي بعظامك المنحوتة.
كانت كلماته ترسل سيلاً من الارتعاشات الخائفة عبر عظامها، بينما دقّ ناقوس الخطر بالفعل في عقلها.
-تملكين ست ساعات، كل ما عليك هو أن تربحيني في مباراة شطرنج
كانت كلماته الباردة التي تفوح منها رائحة الموت تزيد من توترها، ولذلك قاطعته بتهور:
-وما الذي سأفوز به أنا بعد كل شيء؟
-حريتك وحياتك.. اليستا كافيتين؟
بدت نظراتها مستاءة، فأكمل كلامه:
-يا لك من جشعة
صمت متفكرا ثم أدلى
-وقصة لكل قطعة تتخلصين منها.
رمقت قطع الشطرنج بصمت دفين، عدّتها مرارًا وتكرارًا، وتأملت مواقعها باستغراب حقيقي.
-أنت تسخر مني، إنها حتى ليست الرقعة والقطع المعتادة. اعتقدت ساربحك في لعبو أراها لأول مرة في حياتي
-ربما هي كذلك، إلا أن القوانين لا تزال سارية على الجيوش كيفما كانت يا ليلة... سواء كان جيشا من العظام المنحوتة، أو حتى لو كسيت باللحم والجلد
أشار بأصابع المومياء خاصته إلى صف القطع البيضاء الأقرب إليه، وإلى الخانات الخمس تحديدا، وتحدث:
-إنها بسيطة جدًا، خمس وعشرون خانة في الإجمال. ولكل منا عشر قطع. الصف الأول يتوسطه الملك، إلى يمينه الملكة فبرجه، وإلى يساره حصانه وفيله، والصف الثاني خمسة بيادق.
-اما تزال الملكة اقواهم؟
-لطالما كانت الملكات قويات سواء كقائدات مباشرات او كموجهات من خلف الستار
-اذا ماذا عن تحركاتهم؟
-نفس اللعبة البشرية المملة.
ارتفعت حاجباها بصدمة، وصفه البشرية بالملل كان دليلا قاطعا على وحشيته ولا بشريته، فغرت فاهها وهي تهمس:
-أنت... أنت لست إنسانًا!
عمّ الصمت للحظات، استطاعت هي الانتباه إلى انزعاجه، خاصة عندما لمس جبهته بيده كدلالة على ضيقه من استغرابها.
-اعتقدت انك مصابة بداء ذاكرة السمكة...، على الاقل السمك ليس ثرثارا
-حسنًا، حسنًا.. سأصمت.
-أخيرًا.
ابتسمت وهي ترفع سبابتعا متزامنة مع لمعان عينيها.
-لدي شرط
بدت نبرته ساخرة وهي يذكرها بموقفها
-اتعتقدين انك في موضع يسمح بوضع الشروط؟!
-بالطبع انا كذلك، الموت الان اهون من امتلاك امل للحياة
-اذا تحدثي بسرعة
-اريد وعدا بأنك لن تقتلني قبل أو بعد ان اربحك
ضحك بقوة على جرأتها، ومن بين قهقهاته همس
-تبدين واثقة.
-لست بذلك السوء في الشطرنج.
مد يده لها كمصافحة لاتفاقهما الغريب ذاك، إلا أنها وعلى غفلة منه شبكتت خنصريهما، ولما لاحظت استغرابه ابتسمت بطفولية:
إنه وعد بشري.
●■●■●■●■●■●■●■●
Rina-rxm