ساعتي الأولى في انتظار الموت

ساعتي الأولى في انتظار الموت

19 0

■●■●■●■●■●■●■●■

منذ ان تشابك خنصراهما، بدت الشابة  أكثر انفتاحًا من ذي قبل، وإن لم يغب التوتر عن ملامحها. وفجأة، دوت في أرجاء القاعة دقات ساعة أثرية، قرعت ثلاث رنات متتالية، معلنةً حلول الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.

-لندع البيادق تتكلم.. نيكس

نبرته كانت باردة، صفحة جليد قاسية، وبدت وكانها ترحيب حار في الجحيم، اجتاحها التوجس وتلبسها الارتياب. رأت يده الرمادية تقبض على بيدقه الابيض العظمي، وشعرت وكان اصابعه تلتف حول عنقها مانعة اياها من التنفس.

بيدقه، الذي كان يشغل قبل لحظات الخانة 𝔅2، تحرك خانة إلى الأمام. عادت الارتعاشات تسيط عليها، خصوصًا حين التفت نحوها بوجهه المعدني، ملامحه فضية، فبدا أشبه بقناع نُحت من الموت.

التوتر تغلغل في أعماقها، وأحال تفكيرها إلى شظايا.  وتساءلت عن الشجاعة التي تقلدتها قبل طنين تلك الساعة المزعجة، حين أقدمت باندفاع على إبرام اتفاق مع الكائن الكابوسيّ الجالس أمامها.

-أنتِ تهدرين وقتكِ بالتفكير... أم أنكِ مشتاقة للموت؟

كلماته كانت الزناد الذي دفعها لتحريك بيدقها 𝔈2 خانة للامام. حركتها السريعة جعلت من قطعتها فريسة سهلة لغريمها.

ثم صرخة اجتثت سكون المكان من جذوره. ارتجفت، ووضعت يديها على أذنيها كمن يقاوم الجنون. فقط حين فتحت عينيها، كان بيدقها الأسود قد تحوّل إلى كتلة من الدماء المتخثرة، لا شكل لها، لا ملامح... فقط الموت.

ارتجفت، تملكها الرعب.. باتت تدرك الآن ان ما تراه امامها ليس مجرد قطع شطرنج، بل هي أرواح أولئك الذين خاضوا اللعبة قبلها، ثم سقطوا في فخّ الهزيمة.

الهزيمة، يا لها من كلمة... كم تبدو ثقيلة، خانقة، حين تلتصق بالغرور البشري. فكيف بها إن اقترنت بثمنٍ نهائيّ، لا فكاك منه... الموت.

رقعة الشطرنج أمامها اكتست بلون الدم القاني، كأنها تذكرها بالمصير المرعب المرير ان هي خسرت في مواجهة هذا الشيطان الرمادي.

الهلاك لم يعد سوى خطوة مترددة واحدة، ظلّ خوف واحد، ثانية شكٍ واحدة...

-خيبت أملي نيكس.. للحظة توقعت أنك قد تنجين

مد يده إلى الدماء المتخترة، سحقتها قبضته لتطلى باللون الدموي، فاستطرد بلغة خالية من معالم الحياة

-خسرت بيدقك في دقائقك الاولى،... تبدين حقا متطلعة للموت

ازدردت ريقها بصعوبة، وقد استبد بها التوتر كأنفاس ثقيلة فوق صدرها. كانت كلماته قاسية، واقعية، تنزع عنها وهم النجاة. ومع ذلك.

كانت نيكس إنسانة... من لحم وأمل، من عثرات وإيمان. وما زالت تحتفظ في داخلها بصوت ضعيف يتمسك بشيء لا شكل له، لا منطق له... حياتها.

بدت كمن يفكر عن التبرير، واخيرا عاد إليها شيء من ثقتها الواهية لتهمس بابتسامة تخفي توترها

-انا... انا فقط وددت سماع القصة التي وعدتني بها

-يا لك من مخادعة.. مع ذلك، انا لست ممن ينكثون وعودهم ببساطة

عم الصمت بينهما للحظات ثم وقف فجأة، شعرت بالخدر في أطرافها وهي تراه يقترب. استقر خلفها واتاها صوت انفاسه عميقا كهمس خطير ونذير شؤم.

وما ان مس رأسها حتى سقطت مغشيا عليها، مال رأسها بعد ان فقدت الوعي وكادت ترتطم بكرستالات الطاولة، عندما مد يده بخفة ليوقف سقوطها ذاك.

نظر إليها لبرهة، بدت بريئة وطاهرة

-إنسانة غبية

■●■●■●■●■●■●■●■

كانت ذلك تفكيره. مع ذلك حملها ببطء بين ذراعيه وغادر الغرفة دون ان ينبس بكلمة.

فتحت عيناها بالم مريع، التفتت يمنة ويسرة، ما حولها كان غابة موحشة الشكل، يكسوها ثلج ناصع البياض.

كان الجو لتردي لحد التجمد، الا انها ولسبب مجهول شعرت بالدفء.

الصمت المريب يعم المكان حتى خيل لها الصمم. جاد عليها نعيب الغراب ونعاب البومة بطمانينة السمع، ولكنه ارسل رعشة في اوصالها وهي تدرك سيادة الليل بستاره الذي يلثم الاطياف.

جلست ضامة رجليها، حاولت الهدوء، ونجحت في ذلك. اذ لاحظت اختلاف ملابسها، فالخاتم الذي ترتديه، ثم اخيرا لون شعرها والذي بات اسودا داكنا غريب الملمس.

تلبسها الارتباك، انتصبت واقفة وحينها أدركت الأمر والخدعة.. وفهمت ان الشيطان اللعين يجبرها على عيش أحداث قصته.

■●■●■●■●■●■●■●■

على حواف الغابة والتي قطعتها تحت جنح الظلام، شهدت الشابة اخيرا كوخا خشبيا صغيرا. تقدمت نحوه بخطوات عاجزة، جراء الطريق الغابوي الصعب.

تقدمت نحو الباب المهترئ نفسه وطرقت بوهن وضعف، مرت الدقائق طويلة والرياح تعصف بنيكس كغصن هزيل. واخيرا فتحت الباب..

رفعت العجوز عينيها الناعستين ناحية الشابة، ورمقتها بنظرات متفحصة. كانت ترتدي ملابس ثقيلة تناسب برودة الجو، وشالا من الكشمير لا يظهر غير وجهها.

اما نيكس فقد كان الوهن والتعب قد بلغا منها ما بلغا، وغدت تترنح غير قادرة على الوقوف.

تاملتها العجوز، وبدا الاشفاق على وجهها، فسمحت لها بالدخول. ومع ذلك لم تتفوه السيدة بكلمة واحدة، واستمرت ترمقها بنفس النظرات الفضولية.

مضى ما يقارب ثلاثين دقيقة منذ ان اقتحمت هذا الملجأ الخشبي، جالسة على اريكة مريحة تقابلها مدخنة تعيد الدفء لاوصالها. وقد اعتنت العجوز بالشابة، وحرصت على تقديم فنجان دافئ من سائل غريب الرائحة و٢له نفس لون القهوة.

لم تقدر نيكس على رفض حسن نية العجوز وقبلت الفنجان عن طيب خاطر، وعندما ارتشفت منه، ما استطاعت استساغة مذاقه المر الترابي.

ومع ذلك لم تكن ناكرة للجميل واجبرت نفسها على احتساء بعض رشفات منه، وأثناء ذلك وقعت عيناها بغتة على مرآة..

مرآة زجاجية صافية، اطارها ذهب خالص، ورغم كل هذا البذخ لم يثر اهتمامها غير انعكاسها عليها.

نيكس، لم تكن نفسها.. شعرها الغرابي كان اشبه بالفرو الكثيف، مقلتا عيناها بدتا أشبه بمفترس. حتى الاذنان الذئبيتان كانتا تحيلان على لا انسانيتها.

غمرها الذهول، وبدأت تشعر بالخدر في جسدها، وكأن سقوط الفنجان من يديها اول دليل على ذلك..

اقتربت العجوز ان ذلك، وجلست القرفصاء امامها بنفس النظرات الضعيفة. شعرت نيكس بعدم قدرتها على الحراك... وحتى لسانها وكلماته لم تكن نتيجة قراراتها ولا تساؤلاتها الخاصة، كانت دمية.. دمية خزفية يحركها الشيطان كما يشاء.

-جدتي، لماذا عيوني مدببة لامعة كمفترس؟

اغلقت العجوز عينيها وفتحتهما بعد برهة وهي تقول

-مثل خاصتي عزيزتي

-جدتي، لماذا شعري اشبع بالفرو؟

ازالت العجوز شالها الكشميري مظهرة فراء رأسها الرمادي واستطردت

-مثل خاصتي، حفيدتي

-جدتي لماذا اذناي ظخمتان هكذا؟

أخرجت العجوز اذناها من بين فروها وهي تجيب كعادتها

-لنسمع بعضنا بشكل جيد، ليلى

ليلى، شعرت نيكس بثقل الهواء، صعوبة التفوه بكلمة أخرى. وكانها أدركت اخيرا اي قصة غبية دفعها إليها. قصة الأطفال تلك المتشحة بالسواد، دفعها للعيش داخلها.

ورغم التعب الذي تملكها والضعف والهوان، فقد تساؤلت مجددا دون ارادتها وهي تشير للعجوز

-ج...جدتي؟

توقفت للحظات وهي تدرك الخطوة التالية، الا انها كانت ضعيفة امام الخيوط السحرية التي دفعتها لاتمام حديثها  قائلة

-لماذا ناباك بارزان جدتي

-لأنني سالتهمك... نيكس

انقضت العجوز عليها راغبة في التهامها، وكرد فعل طبيعي اغمضت الشابة عينيها وهي تصرخ برعب. ولسبب ما، لم تشعر بانقضاض ذلك الفك الوحشي عليها، ففتحت عينيها بتوجس.

■●■●■●■●■●■●■●■

وجدت نفسها في غرفة تاريخية غريبة، جدرانها مخملية، وما تبقى منها خزانات من الكتب المتراصة. عندما جلست تتئك على مخدتها وما زال الرعب سجانها. رأته يقف هناك، بقامته الطويلة، وجسده العضلي وقد تخلى عن معطفه.

-ارى انك استيقظت في النهاية

-هل كنت تحاول قتلي؟

-اتظنين نفسك ستكونين قادرة على التفوه بهذا الهراء، ان نويت إنهاء حياتك القصيرة؟

عم الصمت مجددا، الصمت الثقيل الاشبه بدجى الليل. والذي كسرته كشعاع شمس الفجر، بصوتها الهادئ

-ظننت انك ستنمنحي قصة طبيعية، على الاقل

-حسنا، انا لست الغبي الذي نسى الشروط التي وضعها بنفسه.. كنت لاروي لك قصة منطقية، لو كنت انت من تخلص من بيدقي انسة نيكس!

قطبت حاجبيها بانزعاج وهي تتنهد بملل

-يا لك من متعجرف !

-انه تهكم وليس عجرفة، مع ذلك انت الاسوء في الشطرنج منذ الازل

-تتحدث عن الازل كما لو عشته

نبرتها كانت ساخرة اما هو فصمت لم يجبها، واكتفى بان يشير للساعة الخشبية المماثلة لتلك الموجودة في قاعة الموت كما صارت تحب ان تلقبها. والتي على وشك ان تدق الدقات العجيبة معلنة حلول الساعة الثانية.

■●■●■●■●■●■●■●■

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

البيادق تتحدث__The pawns speak

المؤلف Rina-rxm
2025/07/15 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة