حملت قلما خشبيا ، و مذكراتها التي إعتادت الكتابة فيها لكن هذه الأيام المضمون مختلف كليا عن ما كانت تكتبه، حملت نفسها و ووضعتها على مكتبها الذي إعتادت أن تعالج المرضى فيه كل يوم. نعم إنها الطبيبة، سكارليت بونسن. سكارليت بونسن -" إنها الليلة السابعة على التوالي التي يراودني فيها نفس الكابوس ، لكن هذه المرة كان مختلفا قليلا عن المرات السابقة. حلمت بذلك الوحش ، وحش بدون وجه، مرعب كليا يأكل أطفاله بدون شفقة أو رحمة ، بحثت عن نفسي في ذلك المكان لكنني إتجهت صوب الأطفال . أدركت عند إذن أنني كنت ذلك الوحش اللعين الذي هزمته غريزته الحيوانية . كنتُ جائعة لدرجة الموت ، لم أهتم بأية أحد من أولائك الملاعين الصغار ، إهتممت بنفسي فحسب . كنت أما أو أبا لا يعرف معنى الرحمة، تغير المشهد فجأة ، بتُ أرى ذلك الوحش من بعيد بدون رؤية نفسي كالعادة ، أظن أنها عيون تحوم حول المكان ، تشاهد عالم الأحلام بحرية مطلقة. كان ذلك الوحش يتناول الأطفال كعادته لكن هناك شيء غريب صار فيه ، شيء غير محبذ لي ، إنه وشم ، وشم أسود على شكل عنكبوت ينظر إلى مرآة فارغة و لا إنعكاس فيها ، كأنه شبح محتجز داخلها . و تحت ذلك الوشم وُجد إسمي "سكارليت" و إسم عائلتي "بونسن" و تاريخ ولادتي " الثاني من يناير سنة أربع وتسعون و تسعمئة و ألف". كان قد إحتل عنق ذلك الوحش و أطراف العنكبوت قد وُجد بعضها في وجهه. إنه مشهد غريب، هل يعقل أن أكون ذلك الوحش بالفعل؟ هل حقا أبدو بذلك الرعب الذي يروني به البشر الآخرون؟ إلتحقت بعالم الطب النفسي لأنني أردت أن أفسر مرضي ، مرض غريب جعلني لا أرى إنعكاسي في المرآة. كدت أصل إلى مرحلة من الجنون بعدما بحثت في الكتب و سألت الدكاترة و أصحاب المعرفة ، لكن دون جدوى فلم أجد ما يُفسر لي هذه الظاهرة. أردتُ أن أجد حلا له، عرفت جميع الأمراض و خالطت أصحابها و لم أجد حالة كحالتي. ظننت أنني الوحيدة التي إمتلكت ذلك المرض. كدت أندثر من كثرة التفكير ، حاولت السيطرة على أفكاري التي تُنبئني بأنني سأهلك إذا لم أعرف نفسي، لكن الموضوع أكثر عمقا مما أن يكون مجرد علة نفسية.". أغلقت هذه الأخيرة مذكراتها، مستعدة لبدء يوم عمل جديد. أتاها البعض ممن كانت تعرفهم و البعض جدد . دخل رجل جديد ، يرتدي معطفا شتويا، كان طويل القامة، تبدو عليه ملامح الإكتئاب الشديد و كأنه قنبلة بشرية من الأحاسيس القاتلة . جلس بهدوء على الكرسي ، بدأت الطبيبة تسأله عن إسمه، إسم عائلته ، عمره ، و تاريخ ولادته حتى تتمكن من تسجيله في حاسوبها. لكن هذا الرجل لم يبد إهتماما لما قالته الطبيبة ، لم يسمعها أو تظاهر بأنه لم يسمعها. أعادت عليه الكرة . فأخبرها أنه لم يسمعها في بادئ الأمر، أخبرها بأنه إسمه جونسون بيكاردي و أن تاريخ ولادته الثامن من تشرين سنة سبع و ثمانون و تسمعئة و ألف، بدأت تحاول أن تفهم معضلته و تجد حلا لها كما تفعل دوما. تتالت أسئلة سكارليت و تتالت أجوبة جونسون ، فحسب ما قاله و ما أخرجه، يبدو هذا الأخير بصحة نفسية جيدة ، أي لا تستجوب الذهاب إلى الطبيب. أخبرته الطبيبة بالأمر ، فأخبرها بأنه يريد التحقق من ذلك. نهض جونسون بسرعة ، ووقع كتابه منه ، لكنه لم ينتبه إليه. نادته سكارليت ، لم يسمعها، و خرج من المكتب. نزلت ببطئ حتى تمسك ذلك الكتاب، خرجت من مكتبها ، سألت السكرتيرة عن إتجاهه ، فأخبرتها أنه لم يأت أحد من بعد مجيء أحد المرضى القدامى . صُدمت الطبيبة من الأمر و أعادت سؤالها مرة أخرى ، فما للفتاة أن تجيبها نفس الجواب. فركت عينيها عدة مرات و أشارت للكتاب الذي بيدها بسؤال "هل ترينه؟". هزت رأسها ، أي أن الإجابة كانت نعم. شعُرت سكارليت بالغرابة فحاولت السكرتيرة التخفيف عنها و أخبرتها ربما هي متعبة بدافع العمل طوال الليل . دخلت مكتبها من جديد، و أغلقت الباب خلفها . قبل ذلك ، طلبت من السكرتيرة بأن تُأجل جميع المواعيد لوقت لاحق. جلست على الكرسي ، فتحت ذلك الكتاب الغريب ، وُجدت فيه صفحة واحدة مرسومة و باقي الصفحات فارغة . و ورقة بيضاء أجد من الباقين، شعرت سكارليت بالرعشة و الخوف عندما رأت ذلك الوشم من حلمها، نفس الرسم بذاته و نفس النقشة التي كُتب بها إسمها و تاريخ ولادتها . فركت عينها عدة مرات، ظنت أنها تحلم ، لكن للأسف كان ذلك الواقع أمامها. قرأت الورقة بصوت مرتعش: -"سكارليت بونسن، ملكة الكوابيس ، ستكونين المسؤولة عن المملكة الآن . ماتت جميع سلالتك و سوف تحكمين أنت ، ستكونين ملكة جبارة، متوحشة، متعطشة للدماء كما كان سلفك دوما . لكن لن يتركك الجميع و شأنك ، لن يتركوك حية مادمت تحملين سلالة الدم القرمزي ، إذهبِ إلى أرض الكيمجان أين وُجد قدرك الأول ." كانت تلك الورقة مكتوبة بدماء خالية من الحمرة، إنها دماء شيطان مارد. خبأت ذلك الكتاب بحذر، متأملة أن يكون كابوسا جديد. أخذت شهيقا تحاول تهدئة نفسها ، و تحاول إقناعها أنها مجرد هلوسات لاغير. فجأة دخلت فتاة على الطبيبة بدون سابق إنذار و أخذت تصرخ بأنها مستعجلة و اليوم هو اليوم الوحيد الذي إستطاعت أن تزور الطبيبة فيه. حاولت سكارليت إقناعها بأنها مرهقة، لكنها لم تفهم و بقيت واقفة عند الباب متشددة في قرارها، فقبلت الطبيبة بالأمر و أدخلتها بهدوء، جلست الفتاة بحذر على الكرسي . سألتها الطبيبة حتى تتمكن من تسجيل ملفها : -ماهو إسمك و إسم عائلتك ؟ أجابتها الفتاة و الخوف ظاهر على مقلتيها : - إندي كلاركا ستوكهولم. - و كم هو عمرك و تاريخ ميلادك؟ صمتت الفتاة قليلا و أصبحت تعد بيديها و قالت : -أتممت اليوم الثامن عشر ، أي ما يعادل الثاني من فبراير سنة خمسة و ألفين، لقد نسيت الأمر تماما من كثرة التفكير! إبتسمت الطبيبة ، و هزت رأسها لتُهنئها بعيد ميلادها لكنها شعرت بالصدمة عندما رأت شيئا ما يتكون على عنقها ، كأنه سحر. بعد ثانية تقريبا، إكتمل تكونه. فجأة إتضح الشيء، إنه وشم ، ذات الوشم الذي وُجد على الكتاب لكن الإسم و التاريخ متغير. ذُهلت تماما لما رأته، قرصت نفسها عدة مرات لعلها تحلم ، قالت بصوت يملأه الخوف: - لديك وشم قد تكوّن الآن على رقبتك ! ذُهلت إندي بما قالته الطبيبة و أجابتها بصوت مختنق: -ماذا؟؟ كيف..كيف يبدو؟ أخرجت الطبيبة الكتاب و أرت الوشم المرسوم لها، شعرت هذه الأخيرة بالوخز و قالت: -غريب؟ إنه ذات الوشم الذي يوجد على عُنقك ! إتسعت حدقتا سكارليت من هول الصدمة و قالت: -وشم ؟ أنا لا أضع أية وشم أو حتى رسم على الجلد. -هذا يستحيل! الجميع يعرفك بوشمك أيتها الطبيبة ! -لكنني أقسم لكِ بأنني لا أضع أية وشم! فأنا أخاف الإبر! حاولت الطبيبة أن تهدئ من روعها و تحاول فهم الموضوع ، أخرجت الكتاب بأنامل مرتعشة مرة أخرى من الدرج الذي كان في مكتبها. قالت : - القدر وضعك أمامي على ما يبدو، هل لديك كتاب كهذا ؟ أو رسالة كهذه ؟ صمتت إندي لبرهة ، لم ترد أن تقول شيءا ، أخذت الرسالة بحذر تقرأ مضمونها ، إذ بها تتفاجأ عند قراءة جملة "إذهبِ إلى أرض الكيمجان". و قالت بصوت مرتعش: -نعم ، على ما يبدو. لدي نفس الكتاب الذي لديك لكنه فارغ و رسالتي ليست كرسالتك بتاتا، إحتوت رموزا غريبة لم أستطع قرائتها سوى جملة "جديني في أرض الكيمجان" و "سيلاحقك الجميع أنت والسبع الناجون"، ظننت أنني أهلوس في بادئ الأمر ، لهذا قررت الإتجاه إليك حتى أعثر على حل يخفف تخيلاتي و هلوساتي. أحست الطبيبة بالخوف الشديد ،حاولت تمالك نفسها وتكلمت : -ناوليني كتابك، أريد رؤيته ،هل هو معك؟ أخرجت الفتاة الكتاب من حقيبة الظهر التي جلبتها معها ، فتحته بهدوء، فظهرت رسمة الوشم ذاته على عنق سكارليت لكن نقشة الإسم تختلف ، قد حملت إسمها وتاريخ ولادتها، إنصدمت لرؤية ذلك الرسم و قالت: -أقسم بأنه لم يكن موجودا طيلة الشهر الفائت عندما كان معي! أظن أنه قد رُسِم اليوم. -هل تظنين أن أُقحمنا معا في مسألة سحر أو شيء من هذا القبيل؟ -لا أعرف أية شيء عن السحر ، لكنني أشك في أمر معين . -أنا أيضا أشك في شيء ما ، شيء يشبه العنكبوت الذي لا إنعكاس له في كلتا الرسمتين. عم الصمت قليلا ، بقيت إندي تفكر في إخبار الطبيبة بالأمر الذي علق في صدرها لسنوات عدة. تشجعت أخيرا و تكلمت بصوت خافت: - أنا أشك في أن الأمر متعلق بعدم رؤية إنعكاسي في المرآة، كنت أظن أنني أعاني مرضا نادرا ، فالجميع إتهمني بالمجنونة عندما أخبرتهم بالأمر. صُعقت سكارليت عندما سمعت الأمر ، كان الأمر بمثابة تيار كهربائي قد أتلف أعصاب عقلها مما تأخر إستيعابها. نظرت إليها عدة مرات ، و فركت عينيها بإستمرار. و قالت بصوت تملأه الرعشة: -أملك نفس مشكلتك، نفسها بالضبط. عانيت منها لسنوات عدة . إستغربت إندي مما قالته الطبيبة و تكلمت: -هذا يفسر إذن عدم رؤيتك للوشم الذي على عنقك، ألم يخبرك أحد بهذا ؟ - أنا أعيش وحدي ، كما أن علاقتي مع الجميع سطحية فلم يتجرأ أحد ليخبرني عن موضوعية الوشم أو سبب وضعه. -همم.. فهمت . لكن ، ماذا سنفعل؟ أظن أن الأمر متعلق بسحر ما أو عصابة ما ، فنحن تحت التهديد حسب مضمون الرسالتين. -أنتي على حق ، أصبح من الخطر لنا العيش هكذا ، يجب علينا التخفي و الحذر و إخفاء هذه الأوشام إلى أجل غير مسمى. -إذن مالحل الآن ؟ -يوجد هناك حل واحد و أخير. - وماهو ؟ - أن نذهب إلى أرض الكيمجان..
Chahd kileni