الفصل الأول : بداية الفناء دخلت الباب الذي كان مفتوح ، نظرت يمينا و يسارا خوفا من أن يتلقفها أحد ، ظنت أنها ستنجو هذه المرة لكن الحظ لم يكن من نصيبها. تكلّم صوت ما، حدقت بعين ثاقبة إلى مصدره فعرفت أن أمرها قد كُشف بالفعل . تحدث الصوت مجددا و كان في نبرته مزيج من الغضب و الحدة: - إندي ستوكهولم، متأخرة كعادتك ، لا تعيدِ الدخول خلسة. أزاحت هذه الأخيرة نظرها عنه ، نظرت إلى مقعدها المهترئ بضع ثوان و جلست بحذر مستعدة لما يخبرها به حدسها. بقيت تكتب في دفترها غير مكترثة للأستاذ أو للعالم الخارجي ، تعيد نفس الجملة مرارا و تكرارا إلى أن إمتلأت الصفحة ب " اليوم التسعون في العام الجديد". نظر إليها الأستاذ نظرة تحذير للإنتباه للدرس ، لكنها لم تفهم معنى تلك النظرة غير مبالية بما يُلمح إليه . عدّت بصوت خافت "واحد ، إثنان، ثلاثة". ثم نهضت عن الكرسي، حدق الجميع إليها و من ثم عادت للجلوس بهدوء. قلبت الصفحة بعد إمتلائها و شرعت تكتب إسمها ، تغير مضمون الكتابة إلى ما أغرب و كان كالآتي: إندي ستوكهولم "يظن الجميع أنني مجنونة ، إنسانة غير واقعية بالمرة. صاحبة خيال واسع. في الواقع لا أعرف الحقيقة المطلقة لمعنى كلمة "جنون". كلمة إخترعها البشر لمجرد أنهم إذا وجدوا عنصرا في المجتمع يخالف عاداتهم و تقاليدهم أو أحاسيسهم المغفلة فيُلقّبونه بالمجنون. لكنني كنت واعية بما أقوله أعرف الصحيح من الخطأ ، لقد كنت منبوذة في المكان الذي يحيط بي لمجرد أنني أخبرتهم الحقيقة التي لا أستطيع إنكارها أو إخفائها مهما طال الزمن ، حقيقة غريبة جعلتني عاجزة عن رؤية نفسي ، نعم.. فأنا لا أستطيع رؤيتها و لا أعرف كيف يبدو وجهي أو جسمي بتاتا . الجميع يخبرونني بأنني أمتلك وجها جميلا و عيون بنية ، لم أستطع أن أتخيل وجهي إطلاقا حاولت الهرب من المرآة ، مرارا و تكرارا لكنها تجُرّني إليها مهما فعلتُ . فأنا ضعيفة أمامها، وكأنني خاضعة لسحرها . أنظر إليها بتمعن لعلي أجد إنعكاسيَ الهارب، أستطيع رؤية إنعكاس الطاولة في الغرفة و إنعكاس السرير أما نفسي ضائعة داخل المرآة لا تعرف سبيلا إليّ . أخبرت الجميع ، أختي ، الأستاذ و حتى حارس العمارة التي نقطن فيها . لكن الإجابة هي نفسها " أنتِ فقط تهلوسين". بقيتُ أدور في نفس الحلقة التي لم أستطع المفر منها ، اليوم أبلغ السابعة عشر من عمري و الأمس كنت أبلغ الرابعة. تأقلمت على هذا الوضع ، ولم أعد أكترث بالأمر . لكن لا يوجد أبدا أمر عبثي ". كانت إندي شاردة الذهن ، غير مبالية لما يحدث داخل القسم . قاطع تفكيرها صوت الأستاذ و هو يُرحب بفتاة تضع كحلا على عينيها مرتدية قميصا أسود اللون كالليلة التي لا تُستحضر فيها النجوم، تنسدل منه بعض شعرات رمادية، و عيون شديدة السواد ، لا حدقة فيها . كانت هذه الفتاة و كأنها أتمت عامها الثلاثين لكن حجمها الصغير يقول عكس ذلك ، نعم إنها "سيلينا نوفيس". وجهت سيلينا نظرها ناحية إندي ستوكهولم مباشرة دون أن تلتفت إلى أي أحد آخر ، بدت عليها ملامح المفاجأة عندما رأتها و إبتسمت و قالت: -إندي كلاركا ستوكهولم! إستغربت هذه الأخيرة عندما نطقت إسمها الثلاثي بأكمله ، عادت بها الذاكرة إلى المدرسة ، إنه مشهد ضبابي تصعب رؤيته بوضوح. نظرت إليها مجددا و تكلمت: -هل أعرفك؟ تغيرت ملامح الفتاة الجديدة و أبدت إستيائها مما قالته إندي . جلست على المقعد الأمامي دون أن تجيبها عن سؤالها بمعرفتها لها. لا أمل من التذكر ،خانتها الذاكرة هذه للمرة. إنتهت الحصة بسرعة، المشهد الضبابي لازال غير مرئي في حجرة الذكريات المتعلقة بالفتاة اللاإنعكاسية . إتجهت إلى سيلينا حتى تزيل ذاك الضباب ، أخبرتها أنها درست معها في المدرسة الإبتدائية و أنها كانت صديقتها في السنة الرابعة. إستغربت إندي من هذا الأمر و تكلمت بصوت خافت: - إذا كنا قد درسنا معا في المدرسة، فلماذا وجهك قد تغير كثيرا عن الماضي؟ -إننا جميعا ننمو و نكبر بسرعة ، لكن أعرف فأنا أبدو أكبر بكثير من عمري نظرا للظروف التي مررت بها طيلة السنوات الماضية. لقد مررت بالعديد من الأشياء التي جعلتني لا أستطيع الاهتمام بنفسي أو التفكير فيها حتى. -في الحقيقة ، أذكر بعض المشاهد الضبابية ، لكن الرؤية لم تتضح بعد، فوجهك قد تغير كثيرا لدرجة أنني لا أستطيع إيضاح ذكرياتي معك. أنا لم أقصد السخرية أو شيء من هذا القبيل لكن هذه هي صراحتي. - لا تقلقِ ، فالجميع أخبرونني بنفس الأمر. لقد تعودتُ به منذ مدة ، بالمناسبة، هل مازلت تعيشين مع ياريس؟ مر وقت طويل جدا منذ أن رأيتها هي و والديك . هل هم بخير؟ - إن ياريس تعمل في مطعم ستيفن الذي يجاور عمارتنا، لقد تغيرت هي الأخرى و أصبحت طويلة للغاية. أما عن أمي و أبي فهُما قد ماتا منذ وقت طويل ، لدرجة أن ذكرياتي معهما قد إضمحلت بفعل الزمن. - أوه أنا آسفة . لم أعلم بأنهما رحلا، لقد رحلت أمي أيضا لكنها لم تمت بل هجرتني. - لماذا؟ عذرا عن السؤال لكن لماذا تهجر أم إبنتها و هي سندها الوحيد في هذه الحياة ؟ هل تشاجرتما ؟ - لا، لكن حدثت أمور كثيرة غيرت مجرى حياتي و حياتها ، فهي لم تحتمل العيش معي لأن هناك الكثير من الأشياء التي لا أستطيع التحدث عنها. -حسنا كما تشائين ففي النهاية تلك هي حياتك. -شكرا ، فهل تبلغي ياريس تحياتي ؟ أنتِ لازلت جميلة كعادتك يا إندي ستوكهولم. -لماذا تتحدثين بالرسميات فقط قولي إندي أو كلاركا ، أي أسم سيفي بالغرض نحن أصدقاء الطفولة. أخرجت سيلينا كتابا من حقيبتها أسود اللون ، وبدت على ملامحها الخوف إلتفتت يمينا و يسارا و كأنها تخاف من حدوث شيء ما . إلتفتت إلى إندي لتعطيه إليها لكن هذه الأخيرة رفضت الأمر بعينيها و قالت : - ما هذا؟ إزدادت ملامح الخوف لدى الفتاة و تكلمت بصوت مرتعش: -خُذيه يا إندي و عديني أنك ستفتحينه في المنزل. - لكن ما هذا؟ -لا أستطيع أن أفسر لك الأمر أكثر لقد أُرسلتُ إليكِ لا أستطيع البوح أكثر ، فقط خُذيه و عديني الآن أنك ستفتحينه في البيت قبل فوات الأوان. - من أرسلك ؟ و ماهذا الكتاب الذي تتحدثين عنه؟ -خذيه أرجوك لا تخبري أحدا بهذا و حتى ياريس. خُذيه كل الإجابات التي لم تجدِ لها جوابا توجد هنا فقط خُذيه أرجوك . أمسكت إندي الكتاب بحذر ، ووضعته في حقيبتها . خرجت الفتاتان من المدرسة، حاولت إندي أن تتبع سيلينا لكنها إختفت و كأن شيءا ما قد إبتلعها. شعرت هذه الأخيرة بالوخز الخفيف في ساقيها ، و إتجهت بأعلى سرعتها إلى البيت خوفا و فضولا لمعرفة مضمون هذا الكتاب. وصلت المنزل، فتحت الباب، دخلت غرفتها المظلمة ، أنارت العتمة ،وضعت حقيبتها على الطاولة و من ثم أخرجت الكتاب بحذر. فتحته بهدوء، لكنه كان فارغا بدون حرف واحد، صفحات بيضاء تشبه شعور الفراغ الذي سيتسبب بالدمار . لكن وُجدت ورقة بيضاء، أجد من أوراق الكتاب القديم، فتحتها إندي بحذر مستعدة لما يخبرها به حدسها. وجدت كتابة سوداء كتابة غريبة ، حمراء أم هي سوداء ؟ لون لا يشبه سوى الدم ، ممزوج بين الحمرة و السوداوية. حاولت إندي قراءة تلك الرموز و الكتابات وُجدت كتابة واحدة قد كانت مفهومة "سيلاحقك الجميع أنتِ والسبع الناجون. سيلينا نوفيس ". بالإضافة إلى "جديني في أرض الكيمجان سأنتظرك هناك." شعرت هذه الأخيرة بالصدمة لما رأته ، من هم الذين سيلاحقونها و من هم السبع الناجون التي تحدثت عنهم سيلينا، و لماذا لم تُفسر الأمر بوضوح أفضل من الوقوع في دوامة لا تنتهي من الأسئلة المتتالية؟. فكرت إندي في أختها ياريس، خبأت الكتاب خوفا من أن يصيبها مكروه . فكرت في أن تسأل صديقة الطفولة عندما تراها في اليوم التالي عند المدرسة،فهو الحل الوحيد الذي يجب عليها إتخاذه. هل هي مجرد مزحة من سيلينا أم أنها حقيقة ؟ بقيت تفكر و تفكر لكن دون جدوى من إيجاد جواب بمفردها.
Chahd kileni