مسرحٌ ضخم،وإحدى معزوفات موزارت تصدح من زاوية منسية بالقاعة الضخمة..
ستائر المخمل تمتد من أعلى السقف إلى أسفل المصطبة الخشبية المصقولة بلونها الماهوجاني الجذاب...
يقف مجموعة من البشر هناك..يتأملون التحفة الفنية الغير موضوعة بين جدران الزجاج المحصن
بل تلتف وسطهم هنا تتأهب لعرض الليلة..
شفاههم الفاغرة وعيونهم المتلألئة بذهول إحدى الآثار الجانبية لوجودها بالمكان..
كيف لا وهي أشهر راقصة باليه في العالم..
كل حذاء تنتعله يحمل توقيعها ويباع بالمزادات العلنية بأسعار مهولة تصل لثمن مصنع الحذاء حتى
وملابسها التي تعرض فوق مانيكان لن يوازي جسدها جمالاً يقف وسط أشهر متاحف موسكو باريس روما وغيرها من العواصم التي تبجل الفن..
دمية من المورسلين بخصلات حمراء وطباع نارية..
ظهرها العاري الذي كان عرضة لنظرات الفضوليين كان يشبه خريطة توزعت عليها الشامات كرسم مجرة..وعيونها التي نظرت لكفها المرتفعة بتوازن كانت أشبه بشموسٍ صغيرة حبست وسط جمجمتها
وجهها كان لوحة لم ينل دافنشي شرف رسمها ..
لم يكن بيكاسو محظوظاً كفاية ليراها...
عيونها مسحوبة أشبه بخاصة القطط وأنفها ذا الأرنبة المحمرة بلا نقطة من مواد التجميل..
أما ثغرها فقد كان كرزة محرمة..لم ينل شرف قطفها أحد...
جسدها غواية آفروديت..لحن فاجرٌ يٱبى أن يحرر أسر العيون التي تتأمله..
لم تكن " ميموري فان زيلر" تلقب بالتحفة الفنية من فراغ..كانت حين تقف على مسرح يصبح الراقصون الثانويون مجرد ظلال تتأرجح بلا طائل
بكل الهالة الملائكية الغامضة التي تحيطها...
بشرتها الأشبه بالمورسلين اللامع المتناقض مع ثيابها السوداء الداكنة..
توقفت عن الإلتفاف تتنهد براحةٍ حين تعالت أصوات التصفيق المبتهج من حولها..
لقد كان هذا مجرد تدريب صغيرٍ لعرض الليلة..
حيث تمت دعوتها خصيصاً لإحياء حفل تكريم إحدى عمالقة مؤسسي دار الأوبرا..وبنفس الوقت كانت الراحلة من أثرى أثرياء المنطقة ما رجح وجود مزاد بالظلال..
سارت برشاقة وظهرها المستقيم مشدود كوترٍ
خصلاتها التي فكتها من الكرة الزغبية التي إحتلت رأسها منذ قليل تهاوت على كتفيها وتجاوزتهما قليلاً..
"..ميموري..الرقصة كانت قمة في الروعة..أنصحك بتنفيذها بحذافيرها الليلة..لم يكن خطأ واحد يتخللها..."..
تحدث " مارك " مدير أعمالها مثنياً يتبعها بينما تمطأت هي تلتف متراقصة عبر الطريق المؤدي إلى غرفتها الخاصة جاذبةً أنظار المارة أينما وطئت..
"..هل تحدثت مع العائلة..؟!.."..صوتها كان خافتاً ذا بحة ..متناقضاً مع وجهها..لم يبد صوتها حتى..
"..زاندار سيصل بالوقت المناسب..لا تزعجي نفسك بالتفكير..إنها الأمور المعتادة كما تعلمين.."..
سحبت شهيقاً عميقاً وزفرت بهدوء تتمتم..
"..آمل ذلك..."....
سانت بطرسبرغ...
الجدران البيضاء كان أكثر ما يجذب الإنتباه بالمكان..بيضاء لدرجة تعتقد نفسك ضيفاً بمستشفىً للمجانين..لو لم تتخلل تلك اللوحات الغالية لبناته..مضيفة لمسة باذخة للمكان بالإضافة إلى الأثاث المتناثر ، ملتزمين بطريقة "فانغ تشوي" لترك مخيلة المرء تتنفس الصعداء وسط كل معالم البذخ المتراكمة هنا وهناك...
يقف بجانب لوحة رسمت عليها سفينة فينيقية بأشرعة تبدو أجنحةً لشدة إتقانها..تمثال المرأة الشبه عارية نفى أثريتها ورجح كونها أسطورة ما
عيونه الزرقاء تتفقد كل زاوية من تلك الخطوط المنحنية الألوان..المرساة بلونها داكن الرمادية وذلك اللون العاجي المرتسم بزوايا الأشرعة...
حين إقترب منه ذراعه الأيمن ومساعده الوحيد
"..جوزيف"..إستطعنا رؤية ملامحه التي ترمق الجدار بعيداً عن منكبيه العريضين وطوله الفارع أسفل البدلة السوداء المنمقة والمشدودة فوق عضلاته التي تظهر بارزة للعيان...
خصلاته الشقراء كانت بتسريحة أنيقة ولحيته وشاربه بنفس اللون أخفيا ملامح وجهه الوسيمة وزاداه إغراءاً....
"..هل نحملها سيدي..!؟.."..سأل جوزيف يرمق لوحة رسمت عليها سفينة الأسطورة "مرمريس.."...
أماء بهدوء يتحرك مغادراً بينما تتفقد عيناه ما تبقى من تحفٍ معلقة...
كان ذواقةً بالنسبة لرجل لا تلطخ أصابعه الألوان بل الدماء..فالرجل أمامنا ليس أشهر عازبٍ روسي بالساحة وصاحب عدة شركات مصنعة للأسلحة فحسب.....
"..أليكسندر مولدوروف"..كان سليل أشهر زعماء البراتفا الروسية..بقانونهم يموت الخائن ثم يسأل عن سبب فعلته.. ..
"..لقد تم توثيق الأدلة، نحصل عليهم الليلة ثم نمارس بعض الألاعيب مع الجنرال الذي يحاول اللعب مع الكبار..أعتقد أن عنقه يتوق للحز..."..
إلتواءة بسيطة بشفتيه ،وعيونه أسفل النظارة رمقت المكان الذي توقف أمامه أسطول السيارات السوداء المدرعة..ينزل الحراس بتتالٍ كسربٍ من النسور مدججين بأسلحة ثقيلة مناقضة لقدسية المكان الذي إرتفع صوت الترنيمات الخاصة بيوم الآحاد به...
فتح السائق الباب لتخرج ساقه العضلية ذات الحذاء الأسود الجلدي..ثم جسده العملاق الذي زاده المعطف الصوفي الذي إمتد لركبتيه فوق البدلة الملائمة لبنيته الجسدية...
"..ستعاقبنا والدتي إن تأخرنا أكثر،فلنلحق الصلاة.."..
دلف نحو الكنيسة الشامخة بصليبها العملاق الذي إعتلى سقفها الهندسي الشكل..بينما كان العشب يحيطها برفقة الحرس الخصوصي لعائلة "مولدوروف" التي تعتبر العائلة التي لا تفوت أي مناسبة دينية لزيارتها...
حين فتح الباب الخشبي يدلف وسط الجموع المتجمهرة فوق الكراسي.. توجه نحو الصف الأمامي حيث جلست إمرأة بخصلات بنية جمعت بتسريحة أرستقراطية تضامنت مع ماركات ثيابها بإظهارها الوالدة الفخورة..بينما وقف كهل مبتسم للمراهقة التي إعتلت المذبح وراح صوتها الملائكي يقرأ سفر الرؤيا لبدء إحدى الأناشيد المخصصة للمناسبة...
بعد مدة كانوا يغادرون المكان بهدوء يتجاهلون النظرات الفضولية والمعجبة التي تلحقهم بكل مكان
"..هل ستمر الليلة..أنا أقيم حفلة شاي وأرغب بتعريفك على إحدى الفتيات..إنها إبنة شقيق صديقتي وهي معلمة بالـ..."...
قطع حديثها المعتاد بسأم وهو يقبل جبينها..
"..لن أمر،لدي أعمال بموسكو..سأسافر بعد..."..
نظر لساعته ثم رفع عينيه خلف النظارة السوداء
"..بعد ساعة ..وللمرة المئة،أنا لست فتاةً عانساً والدتي..أملك رفقة نسائية من فترة لأخرى ولا أرغب بالإستقرار قريباً..."..
إبتسم والده نافخاً صدره بزهو بينما قرصت والدته إذنه تصرخ حانقةً..
"..أيها الصعلوك المنحرف..تزوج وإلاّ قدمت يوماً لتجد عروسك تنتظرك بالغرفة..."....
غادرت تجر شقيقته المقهقهة ولحق بها والده الذي غمزه مداعباً...
بعيداً عن الأعمال..بين عائلته ووالدته المتسلطة فحسب يظهر الجانب البشري منه..فهو عادة الوحش الروسي عديم الرحمة..كما يلقبه أعداؤه...
"..توقف عن كتم ضحكاتك شرايينك ستنفجر.."..
تحدث بملل يتجه نحو السيارة بينما ضحك جوزيف بأعقابه يذكره بما قامت به والدته وأنها الزعيم الحقيقي...
بعد رحلة قصيرة من المطار إلى المسرح الضخم وسط أشهر أحياء موسكو..إصطف الحرس مجدداً حول المكان.. بدون إظهار أسلحتهم على الملأ هته المرة فالجهات الأمنية مختلفة المراتب تحيط المكان
بالإضافة للكثير من المدنيين العزل وزعماء المافيا وأثرياء قدموا لحضور المزاد..وقدم النصف العادي منهم لمشاهدة عرض "البجعة السوداء.." الذي علقت يافطات على كل الجدران تعلن عن قدوم الميلاد المجيد قبل موعده لرقص الملاك الهولندي وسط أراضيهم...
تذمر يعدل ربطة عنقه ثم أزالها جانباً يخلل خصلاته بأصابعه الموشومة..
لكم يكره التقيد بشيء..لعل ذلك السبب الأساسي بعزوفه عن الإرتباط كما تغنى أمام والدته صباحاً..
منذ فترة طويلة..لدرجة طويلة حقاً لم يحادث إمرأة
أعمالهم تأخذ وقته والمافيا بنزاعاتها تأخذ الوقت المتبقي...
"..سيدي..فلنتقدم.."..تحدث جوزيف الذي كان أنيقاً
ببدلته الزرقاء الداكنة وخصلاته الصهباء المنمقة...
أماء يطرق بخفوت زجاج النافذة المضاد للرصاص ففتح الحارس الشخصي متتبعاً إياه نحو البوابة التي يدلف عبرها الأشخاص المهمون فحسب..النخبة....
المسرح كان شديد الضخامة..يغلف كراسيه المخمل النبيذي الشبيه بالستائر الضخمة التي تخفي المصطبة الخشبية...الإضاءة باهتة مقارنة بالطابق العلوي حيث يجلس هو وقد إنظم له مدير المركز الأمني الخاص بالمنطقة...
لفترة تبادلا الحديث عن السياسة وعن النزاع القائم بين العصابات المرتزقة والحرب القائمة بين مافيا
" آل لونا" التي لدرجة فسادها ترغب بإحتلال العالم
.. حين بدأت الستائر الضخمة الإنبلاج مظهرة الظلام المدقع..جذب ذلك إنتباه الجميع..للصمت الذي حل
على المكان إلاّ من همهمات متعجبة ومعجبة....
إنبثق ضوء من اللامكان مركزاً على نقطة بالمسرح..
حيث كان جسد يقف بطريقة..غريبة قليلاً...
ذراعا الراقصة كانتا تتدليان إلى الخلف ملامستين الأرض..بينما تقف على قدميها..بحركة بهلوانية تجعلك تعتقد أنها هشمت عمودها الفقري لا محالة...
ثم من الزاوية إنبثقت موسيقى تشايكوفسكي ..
إستقام الجسد فجأة مظهراً رأسه..ما جذب إنتباه أليكسندر..ليس للفتاة..بل للصناديق الزجاجية التي إستقرت بالخلف..المصفحة بأمان..والتي تحتوي مجوهرات تفوق ملايين الدولارات...
تمايلت الفتاة لدورتين..تسير على رؤوس أصابعها ببطئ وترفع رأسها بكبرياء..القناع الذي غطى وجهها كان بلون ملابسها وأجنحتها.. أسوداً ...
كان الأمر رائعاً..رقصها والحركات التي يقوم جسدها الممشوق بإصدارها..على قدم واحدة إستدارت كلولب بلا توقف...ومن العدم إنبثقت موسيقى
"..دماء وماء"..التي كانت سبباً بزيادة الأدرنالين بشرايين الحضور اللذين وقفوا صارخين بحماس حين بدأت الراقصة بتغيير نمط رقصها من الباليه إلى العصري وتألقت أضواء النيون المكان...
لثوان ٍ قبل أن تنفجر مكبرات الصوت وتندلع النيران
مسببة صراخاً هيستيرياً من الجمهور...
"..سيدي..لقد قتل رجالنا..لم نستطع التواصل معهم لفترة قبل أن نبحث عنهم ونجدهم بإحدى الزوايا منحوري الأعناق.."..
وقف ببأس ينظر لهم تارةً وللمسرح الذي إرتفعت الأدخنة عبره تارةً أخرى...
"..ما الذي حصل لشريحة الذاكرة.."..تحدث بصوتٍ مرعب وهو يجمع خيوط الأمر بعقله...
"..لقد أخبرنا أحد الرجال قبل أن يموت...لقد خبؤوا الشريحة بإحدى المجوهرات المعروضة للبيع..."...
إتسعت عيناه ينظر نحو المسرح مجدداً والذي بدأت أدخنته بالإنقشاع وأحاط به رجال الأمن الصارخين..
فالمجوهرات قد سرقت...
"..هل الفاعل شخص نعرفه؟!..مغرور لدرجة تركه أدلة؟!..."..
صرخ جوزيف بوجه الرجل الذي إرتعش للحظة قبل أن يتحدث بصوت بكاء...
"..لقد أحاط جثث رجالنا..بشباك عنكبوت إصطناعية.."....
إتسعت عيون جوزيف بينما عقد أليكسندر حاجبيه مفكراً..بسبب تدخل عصابة العناكب بسرقة تافهة..وبمكان مليء بالمدنيين العزل...
عصابة كالعناكب معروفة بإنضباطها وسريتها وخطورتها..وإنتقائيتها الشديدة بالأمور التي تهتم بها
والتي لا تندرج سرقة المجوهرات المتضمنة لأغراضه كإحداها...
نظر مجدداً نحو المسرح أين جلست الراقصة وطاقمها مرتجفة مبعثرة الشعر...شرد للحظات بظهرها الأنيق قبل أن يبتسم لوهلة وهو يغادر الطابق العلوي يلحق به حراسه المتأهبون وجوزيف الحذر..فالمكان غير آمن بتاتاً...
"..سيدي..هل تشتبه بأحد ما..."...
"..إنه موسم الأعياد مثل ما كتب خارجاً..فلنحصل على بعض الهدايا قبل العودة إلى الوطن...
تحدث أليكسندر مبتسماً يخرج من باب المسرح المؤدي للخارج..ليشعر ببتلات الثلج تلامس وجهه بهدوء.. الثلج الذي سيدفن معالم المكان إلى الصباح بالتأكيد...
"..فلنسترح قبل اللعب مع المحنكين..."..
تحدث يدس يديه بجيبيه ويسير بقوة نحو أسطول السيارات المصفوفة أمام المسرح..
حين تحركت السيارات لتغادر..نظر مجدداً نحو المسرح وألف شيطان يعبث بعقله......
يتبع...