حرّية على المقاس

حرّية على المقاس

15 0

\-لا أحد ينهض ويقرر أن يصبح وردة سامة، بعضنا يجبر على ذلك، بعضنا الآخر يتقن الدور لدرجة نسيان رائحته الأصلية\- \*\*\* أشمّ المال كما يشمّ العاشق عطر خيانة\.\.\. بحواس يقظة، وقلب مرتعش، وروح تُدمن الخطر\. أنفي؟ درّبته الحياة كما يُدرَّب كلب حراسة: لا يخطئ الرائحة\. بعضهم يستفيق على صوت منبّه، أو على قُبلة باهتة\. أما أنا؟ فأستفيق حين تمرّ رائحة الثراء في الغرفة، فتنتفض حواسي كأنني عقدت صفقة في نومي\. رائحة المال الحقيقي \- المال الذي لا يُعد، بل يُشم\. مزيج دقيق من عطر مدير بنك سويسري، وجلَد مقاعد ليموزين، ودفتر شيكات لم يُمسّ بعد\. البعض يتعاطى المهلوسات\. أنا أتعاطى المال\. تسلّل الصباح بخجل من بين الستائر، كأنه لا يريد إزعاج امرأة تعتبر الشمس إضاءة مجانية فقط\. كنتُ مستيقظة قبل الضوء، قبل النسيم\. رائحة المال سبقت كل شيء\. فتحتُ عينيّ\. لا بنك، لا شيك، لا سقف مطلي بالذهب\. فقط لون ليموني باهت، وورق جدران مزركش يُجاهد ليبدو أنيقًا، تتوسّطه لوحة متوسطة لامرأة تختبئ خلف شجرة زيزفون وكأنها نادمة على وجودها\. الأثاث؟ ما يكفي ليقنعك بأنك لستِ في مأوى، ولا تكفي لتنسيك أنك مراقبة: خزانة صغيرة، منضدة خشبية، أريكة بمقعدين، والسرير الذي كنت أستلقي عليه كمن نجا من حفلة لم يُدعَ إليها\. ثم\.\.\. جاء الصوت\. امرأة\. غاضبة، مصقولة، واقفة عند طرف السرير، تلوّح أمام أنفي بورقة نقدية جديدة وكأنها تعرف أنها الطريقة الوحيدة لإيقاظي\. "تأخرتِ على التصوير\! أحاول إيقاظك منذ ساعة\!" لكنني بالكاد سمعتها\. كان عقلي منشغلاً بتأمل هذه الفاتنة الصغيرة التي تلوّح أمامي\. يا لهذا الجمال\.\.\. تلك الحواف الحادّة، اللمعان الطفيف، والرائحة النظيفة التي تشبه بداية قصة حب ناجحة\. "¡Qué maravilla\!" \[الترجمة: يا للرّوعة\!\] همستُها كمن يُستفزّ من غيبوبة، وأنا أحدّق فيها كأنني أراها للمرة الأولى\. أو الألف\. لا أعلم من أي بنك جاءت، لكنني أقسم أن وجهها أوثق من وجه أبي\. "هل يمكنكِ النهوض الآن؟ لكم من مرةٍ عليّ قول هذا؟" صوتها جاف، مشبع بإتقان مُدرَّب، كأن الإتيكيت يُعلَّم على شكل أوامر\. رفعتُ حاجبيّ بتثاقل\. مددتُ يدي نحو الورقة النقدية كما يمد وريث يده إلى إرثٍ يعرف أنه من حقه\. لم أشرّف عينيها بنظرة\. قلّبتُها بين أصابعي كما يُقلّب عاشق وجه حبيبته بعد فراقٍ طويل\. "هذه فقط وسأنهض\." مررت لساني على شفتيّ الجافتين، وسألتها بنبرة حيادية: "هل هي حقيقية؟" "طبعًا حقيقية\. كل المشتركين يحصلون على واحدة كل صباح، كنوعٍ من التحفيز\." ابتسمتُ\. فكرة أن يُكافأ المرء على مجرّد الاستيقاظ\.\.\. عبقرية\. إنهم لا يديرون برنامج مواعدة، بل طائفة: لها طقوس، مواعيد، وقرابين نقدية توزَّع كل صباح\. وأنا؟ بلا شك، على وشك أن أكون كاهنتها\. نظرتُ إليها أخيرًا، للمرة الأولى\. شقراء، مشدودة، بلا مسام، بلا رأي\. ملامحها مصممة بإتقان مُمل، كأنها وُلدت في دليل استخدام\. "هل يمكنني الحصول على ورقة أخرى إذا عدتُ للنوم واستيقظتُ مجددًا؟" سألتُها بجدية مطلقة\. لم تُجب\. لكن في نظرتها كان الجواب واضحًا \- صامت، صارم، كأنها تُذكّرني أن هذا المكان ليس للعب\. نهضتُ من السرير ببطء\. لففتُ الورقة النقدية بين أصابعي كما يلفّ المؤمن تعويذته الأخيرة\.\.\. فقط أنني أؤمن بالبنوك، لا بالمعجزات\. ثم ما لبثتُ أن اغتسلتُ من آثار النوم \- إن جاز وصف ما كنتُ فيه بالنوم \- وبينما كنتُ أفرغ قطرات الماء الأخيرة من عنقي، لمحتها قد رتّبت طقمين فوق الأريكة: واحد لتصوير الظهيرة، وآخر لما بعد الغروب\. كأننا ممثّلون في مسرحية لا نعرف نصّها، لكن ملابسنا مدروسة مسبقًا، حتى الانهيار الأخير\. حدّقت فيهما للحظة، كأنني أمام جريمتين في الموضة أُجبرت على اختيار إحداهما\. فستان الظهيرة؟ أخضر زيتي باهت، تتخلله خطوط عاجية، كأن مصمّمه خضع لنوبة ندم نباتي منتصف التصميم\. أما الآخر\.\.\. نفس العائلة اللونية، لكن أغمق، مزخرف بتطريزات ذهبية متباهية، كأنه زيّ لسيدة أولى في بلد غير موجود، وربما غير مرغوب فيه\. تنهدت\. "أيها الذوق العظيم\.\.\. سامحك الله\." مددتُ يدي نحو فستان الظهيرة، لا حبًا فيه، بل لأن الثاني بدا كهدية ستفرح بها جدتي، ثم تخبئها في الخزانة حتى وفاتها\. دسستُ نفسي في الفستان كما يُدسّ كفنٌ على حيّ\. نظرتُ إلى المرآة\. أين الأسود؟ أين الأحمر العنابي؟ أين الألوان التي تقول: «اقترب، وسَتحترق»؟ ما هذا الظل المريض الذي يهمس: «أنا نباتية عن غير قناعة»؟ مررتُ أصابعي في شعري المبلل بتنهيدة، ثم التفتُّ إلى المساعدة التي ظلت واقفة كما لو أنها طُبعت هناك\. "أ لن تصفّفي لي شعري؟ أم\.\.\. ننتظر أن تنضج ملابسي أولًا؟" تحرّكت أخيرًا\. سحبت الفرشاة كمن يفتح ملفًا روتينيًا، وبدأت عملها بصمت\. دقيقة\. محترفة\. بلا روح\. موظفة الجمال المعقّم\. خلال عشر دقائق، كنتُ "جاهزة"\. شعري الأحمر انساب على كتفيّ بتسوية مدروسة، مكياج ناعم يُخفي التعب، لا الهزائم\. وردة باهتة على وجنتيّ، وكحل بالكاد يُرى \- لكنه يوحي بأنني لا أنام إلا لأرتّب الفوضى\.\.\. أو أفتعلها\. نظرتُ إلى المرآة\. عيون خضراء، ثابتة، فيها طمأنينة مزيفة وحذر مفرط\. الوجه؟ جميل\. أكثر من اللازم، في الحقيقة\. نسخة محسّنة مني\.\.\. مصمّمة لتُعرض، لا لتُحب\. ثم ارتسمت على شفتي تلك الابتسامة \- النوع الذي يُبهر الكاميرات\.\.\. ويُربك من يحدّق طويلًا\. فتحتُ الباب لأجد ممرًا طويلًا، نظيفًا، بإضاءة بيضاء ناعمة وموسيقى خافتة تنبعث من مكبرات صوت مخفية\. خطوتُ أولى خطواتي نحوه، والحذاء ذو الكعب الرفيع يقرع الأرضية كأن كل ضربة توقظني أكثر\. بعد الزاوية الأولى، ظهر أول وجه بشري لم أرَه بعد: شاب طويل، بشعر بُني مربوط إلى الخلف، يضع سماعة أذن في جانب واحد، ويحمل جهازًا لوحيًا بيده\. رفع نظره إليّ، تفحصني من الرأس حتى الحذاء، ثم قال بجفاف مهني: "داتورا\. أليس كذلك؟ تأخرتِ ثلاث عشرة دقيقة عن وقت المجموعة\." ابتسمتُ، ولم أنكر\. "أوه، آسفة\. كنتُ منهمكة بمحاولة التكيّف مع خزانة ملابس تعاني من أزمة هوية\." لم يضحك\. طبعًا هو لن يضحك\. "من فضلك، اتبعي الخط الأزرق على الأرض\. سيقودك إلى قاعة الانتظار الأولى، حيث باقي المتسابقين\." نظرتُ إلى الأرض، فرأيت خطًا أزرقًا دقيقًا، ممتدًا كأننا في متاهة فندقية\. "جميل\.\.\. أُحب أن أُقاد كالأرانب\. يعطي شعورًا بالأمان\." قلتُها وأنا أبدأ السير، دون أن أنتظر ردّه\. كل خطوة تقرّبني من البداية الرسمية\. من البرنامج\. من العرض\. من تلك الحياة الجديدة التي فُرضت عليّ كأنها عقوبة مغلّفة بالساتان\. لم أكن هنا بحثًا عن الحب، ولا عن فرصة ثانية\. أنا هنا لأن البديل كان القضبان\. نعم، القضبان\. باردة، رمادية، لا تغري بالكاميرات ولا بالإضاءات، لكنها كانت تنتظرني بصبر قاضٍ يعرف أن الأدلة تكفي، حتى لو كانت باهتة\. أحدهم قرر أن يُعيد صياغة نهايتي على طريقته \- منحني اختيارًا زائفًا، وخيّرني بين القفص الحديدي والقفص المخملي\. وأنا، بحكم عادتي، اخترت ما يمكن احتماله\. ما يمكن خداعه\. كنت أفضّل أن أُطارد في الشوارع الخلفية، أن أتنكّر كل مساء، أن أسرق، أهرب، أراوغ\.\.\. لكن تلك الحياة انزلقت من بين يدي، وتركتني عارية من الخيارات\. والآن، أُقاد بخط أزرق مرسوم على الأرض، كأرنب تجارب وُعد بجائزة إن اجتاز المتاهة دون أن يعض أحدًا\. الفستان ليس اختياري، ولا المشهد، ولا الدور\. حتى اسمي\.\.\. صار يُلفظ في هذا المكان كأنه علامة تجارية، لا كهوية\. وفي داخلي، شيء ما لا يزال يرتجف\. ليس خوفًا\. بل ذاك التوتر المريب الذي يسبق السقوط \- أو التصفيق\. لا أدري إن كنت سجينة أم بطلة، ممثلة أم مجرد ضحية بكعب عالٍ\. لكني أعلم شيئًا واحدًا: حين تبدأ الكاميرات، لا أحد يسأل إن كنتِ مستعدة\. هم فقط يقولون: ابتسمي\. كنتُ أعي أن كل خطوة تالية لا تبتعد بي عن القضبان، بل تُدخلني في سجنٍ أكثر أناقة\. لكنني لم أكن مستعدة بعد للهزيمة\. لذا، التقطت أنفاسي\. عدّلتُ وقفة كتفي\. جرّبتُ الابتسامة على شفتيّ كما يجرّب الممثل تعويذته الأولى قبل الصعود\. لا أحد يجب أن يرى ما كنتُ عليه قبل دقيقة\. والآن\.\.\. داتورا تعود\. تابعتُ السير، ألاحق الخط الأزرق كما لو كنتُ إحدى شخصيات القصص المصوّرة التي لا تملك خيارًا سوى إكمال الصفحة\. في كل خطوة، لم يكن الخوف ما ينتفض بداخلي\.\.\. بل تلك الومضة الخفية، مزيج من فضول الصيّاد وبهجة الحريق الأول\. داتورا لا تخاف\. هي فقط تتأهّب\. أخيرًا، عندما ظننت أن الممر مصمم لتجويفي النفسي لا لينتهي، ظهر الباب\. قاعة رحبة، مضاءة بضوء ناعم، أرائك مصفوفة بنصف دائرة، ووجوه متناثرة حولها كأوراق لعب بُعثرت على مائدة من دون نية للفوز\. وحدهم من لا يبتسمون يُقلقونني، وكل الوجوه هنا كانت مطوية على حذر\. لحظة دخولي، رُفعت العيون\. ليست دهشة\. ليست ترحيبًا\. بل تلك النظرة التي تقول بلا صوت: «من هذه؟ وهل ستُربك النظام؟» وددت أن ألوّح لهم كملكة استُدعيت قبل وقتها، لكنني اكتفيت بالعبور بثقة\.\.\. وكأنني أنا التي اخترت اللعبة\. عبرتُ بعينيّ الخضراوين على الوجوه، ببطء محسوب، كما تفعل الماسحات الأمنية في المطارات\. أنا أيضًا عاينتهم\.\.\. وخزّنت البيانات في رأسي، في خانة: من يصلح للبقاء، ومن يصلح للكوميديا\. لفتتني واحدة منهن \- تتدلّى من يدها حقيبة "غوتشي" صغيرة، تتصرف وكأنها خاضت بها حربًا\.\.\. وربحت\. كبيرة بما يكفي لتسع غرورها، إن لم تسع مبالغتها التشريحية\. والأطرف؟ تزهو بها كما لو خرجت توًّا من متجر في ميلانو، لا من بائع جوّال عند ناصية شارع \- بثقة من يروّج الزيف كأنه معيار للأصالة\. إلى جوارها، جلس شاب يضع نظارات شمسية في قاعة مغلقة، وقد عقد ذراعيه بتصنّع يجعلك تتساءل: هل يستعرض عضلاته، أم يخفي فراغًا داخليًا؟ يبدو كمن يتدرّب على دور رجل عصابات\.\.\. في مسرحية مدرسية\. أما تلك التي ترتدي قفازات جلدية \- نعم، قفازات، وفي هذا الطقس \- فكانت تجلس منتصبة كعمود كهرباء، تحدّق في الفراغ كأنها ترى مستقبلنا\.\.\. أو نهايته\. رجائي الوحيد؟ أن لا تبدأ الآن بترتيب الكريستالات على الطاولة\. آخر ما أحتاجه هو أحد يخبرني أن "طاقتي منخفضة"\. وفي أقصى اليمين، كان يجلس شاب ناعم الملامح، لا يجرؤ على رفع رأسه\. يبدو كمن ضاع في طريقه إلى دير\.\.\. ووجد نفسه هنا بالخطأ\. كان يُتمتم بصوت خافت، رأسه محني، ويداه مشتبكتان فوق ركبتيه\. يصلي؟ ربما\. أو لعلّه يستدعي قوى عليا لتحميه منّا\.\.\. نحن الكائنات الخاطئة، المزينة كذبًا بالثقة\. لم أطِل النظر إليه\. أنا لا أزعج من يهرب من العيون\. يكفيني أولئك الذين يتقاتلون على الضوء\. لم أُسرع\. خطوتي كانت موزونة، كأنني أمشي على مسرح أعرف أن أضواؤه ستشتعل بمجرد دخولي\. لم أكن في عجلة من أمري لألتحق بالعرض؛ كنتُ العرض\. وحين وجدتُ لنفسي مكانًا على الأريكة الوسطى، جلست كما تجلس الملكات بعد تتويجٍ رمزيّ، لا لتُريح أقدامهن، بل ليأخذ الجميع وقته في التحديق\. ورغم سكوني الظاهري، كان رأسي يعجّ بالحركة\. أنا الوحيدة هنا التي تعرف أنها وصلت إلى هذه القاعة كجزء من صفقة، لا حلم\. لا أحد منهم يعرف أنني كدتُ أنتهي خلف قضبانٍ حقيقية، وأن هذا "البرنامج" ليس عرضًا تلفزيونيًا بقدر ما هو صفقة مشروطة\. صفقة تملي عليّ أن أبدو اجتماعية، قابلة للوقوع في الحب، سهلة الترويض\.\.\. بينما أنا بالكاد أعرف كيف أكون صادقة لأكثر من خمس دقائق\. راقبتُ الوجوه من حولي كما يُراقب السجين زملاءه الجدد\. كلّ وجه ملف، كلّ ابتسامة علامة خطر محتملة، وكل نظرة اختبار\. إلى يميني جلست امرأة سمراء، شعرها الداكن ينسدل كسوط ثقيل على كتفيها، تضع في أذنيها حلقين أشبه بثقال رياضية من فرط ضخامتهما\. كانت تمسك يد فتاة شقراء بسطحية أنيقة، وتهمس لها بكلمات غامضة، بينما تحدّق في راحة كفها كأنها تقرأ رواية لا تنوي إنهاءها\. وللحظة، رفعت نظرها إليّ \- وبدون حتى أن أطلب، منحتني عرضًا مجانياً: "قلبك يحمل ندبة\.\.\. لكن الطريق أمامك مفتوح، إن تحررتِ من قيود الذكرى\." أغمضتُ عينيّ ببطء، كمن يحاول أن يمنع نفسه من الانفجار ضحكًا\. هذا النوع من البشر يعرف كيف يبيع الهراء بشكل محترف؛ بثقة من قرأ كتابًا واحدًا عن الطاقة وأعاد تدويره ألف مرة، حتى بات يصدقه بنفسه\. هي لا تعرف إن كانت تشاكراتي في حالة توازن أو احتراق، لكنها مستعدة أن تقنعني أن روحي خرجت في عطلة صيفية ولم تعد\. "الرحمة\.\.\. فوق كل هؤلاء المهرّجين، جاؤونا بسوق خضار أيضًا؟" قالتها المرأة الجالسة إلى يساري، بنبرة درامية تُشبه افتتاحية مسرحية رديئة\. لم أنظر إليها فورًا\. كنتُ مشغولة بالتفكير إن كان هذا الفستان فعلاً يستحق كل هذا الجدل، أم أن ذوقها متحف قديم\. "ربما فعلوا\.\.\." قلتُ بهدوء، وأنا أعدّل جلستي كمن يوسّع مملكته\. "تعلمين، الفيتامينات مهمة لمن تجاوزوا سنّ التألق\." نظرت إليّ، فرفعتُ حاجبي بابتسامة بريئة\. "لا أحد يريد أن يُشاهدك وأنتِ تتحولين إلى حبة برقوق مجففة على الشاشة\." ضحكة مكتومة انطلقت فجأة من الجهة المقابلة\. شاب كان يسترق النظر إلينا طوال الوقت \- وسقط ضحكه منه كمن فشل في كتم عُطسة\. هي استدارت نحوه بحدة: "هل هناك ما يُضحك؟" رفع يديه كمن يعلن براءته، وعيناه لا تزال تضحكان: "أبدًا\.\.\. فقط أعجبتني فكرة البرقوق\." انكمش وجهها كقطة خُدشت كرامتها، وانسحبت ببطء كأن الكلمات أصابتها في كبريائها\. أما أنا، فمررت أصابعي بخفة في خصلة من شعري، ثم تمتمتُ، بصوت منخفض\.\.\. لكنه مدروس ليسمع تمامًا: "إنه اليوم الأول فقط، يا عزيزتي\.\.\. لا تفسدي فرصتك في أن تكوني الشخصية الثانوية المحبوبة\." وساد الصمت \- الصمت الذي يتبعه دائمًا بداية شيءٍ مسلٍّ\. لم تُتح لها فرصة الرد، إذ انطفأت كلمتها قبل أن تولد \- عندما ومضت شاشة ضخمة تغطّي معظم الجدار، وابتلعت الغرفة في صمت مشدوه، كأن الهواء نفسه توقّف ليُصغي\. ظهرت صورة\.\.\. بلا وجه\. بدلة داكنة، مفصّلة بإتقان جراحي، تخيطها خيوطٌ دقيقة تلمع عند الياقة كأنها ندوب من ضوء قديم\. سترته تحتضن صدرًا قويًّا، كُوِّن لا ليَحتضن، بل ليصدر الأوامر\. عريض المنكبين، يشبه في ثباته تمثال قائد من زمن غابر، لم يُهزم قط\. ربطة العنق معقودة بعناية خانقة، توحي بالخنق أكثر من الأناقة \- وعدٌ مغلق، أو نذير لا يُقال\. كان جالسًا على كرسي جلديّ عميق بالكاد يُرى، كأن جسده يتماهى مع الظلّ، لا يحتاج إلى وجهٍ ليُفرض حضوره\. الكاميرا لا تمنحنا أكثر من صدره وذراعيه \- كأن ذلك وحده كافٍ لبثّ الرهبة\. يداه؟ مضمومتان أمامه بثبات كراهبٍ يتلو نبوءة، أو قاضٍ يعرف أن الحكم صدر، ولا حاجة للاستئناف\. ثم جاء صوته\. منخفضًا، هادئًا، يشبه أول قطرة مطر تسقط داخل سرداب عتيق\.\.\. لا ضجيج فيها، لكنك تشعر أنها ستغمر المكان\. فيه نبرة مدروسة، كأن كل كلمة قِيسَ وزنها قبل أن تغادر فمه\. "صباح الخير\." "أنا نوكس\.\.\. مدير هذا البرنامج، أو إن شئتم الدقة، المنسّق الأول لحكايتكم الجديدة\." توقّف لحظة، لا لينتظر تصفيقًا، بل ليترك للصمت أن يُمهّد لما بعده\. "لقد تم اختياركم بعناية \- ليس فقط لأنكم مثيرون للاهتمام، بل لأنكم، في العمق، تحملون شيئًا يستحق أن يُرى\.\.\. أن يُختبر\.\.\. أن يُكشف\." "لن أدّعي أن ما أنتم فيه مسابقة عادية، أو تجربة يسهل التنبؤ بها\. هناك حب، نعم\.\.\. لكنه ليس هدية، بل احتمال\. وهناك تحديات، ليست لاختبار الصدق، بل لاختبار قدرتكم على الصمود في رواية الحقيقة\.\.\. أو ما يشبهها\." "طوال هذه الرحلة، ستتبدل الأدوار بين أيديكم وأيدي الآخرين\. أحيانًا أنتم من يصوّت\.\.\. وأحيانًا، يُمنح القرار للجمهور\. وفي أوقات أكثر مما تظنون، لا أحد يملك القرار، سوى القصة ذاتها\." تسللت إيماءة بالكاد مرئية إلى كتفه الأيمن، كما لو أنه يقرّ ببعض الغموض عمدًا\. "في هذه اللعبة، لا يُكافأ الصدق بحدّ ذاته\.\.\. بل كيفيّة عرضه\. الجمهور لا يريد منكم أن تكونوا صادقين، بل أن تكونوا ممتعين\." "فلتتذكروا: في نهاية كل جولة، تُفتح الأبواب\.\.\. ويُغلق أحدها خلف أحدكم\. لا توضيحات\. لا تصفيق\. فقط\.\.\. نهاية\." صمتٌ آخر، أعمق من الأول، ثم قال بنبرة أقل رسميّة، لكن أكثر إثارة للقلق: "بعد ساعة\.\.\. سيكون لقاؤكم الأول\. وجهًا لوجه، كما يريد الجمهور\.\.\. وكما تريد اللعبة\." "استعدوا\. فاللعبة بدأت\.\.\. منذ اللحظة التي دخلتم فيها من الباب\." ثم انطفأت الشاشة، لا بضجة، بل بانسحاب ناعم، كما لو أن الهواء نفسه قد شُفِط من الغرفة\. عمّ الصمت، كثيفًا كالبخار في غرفة مغلقة، يشبه تلك اللحظة التي تسبق العاصفة، حين تُحبس الأنفاس، لا خوفًا فقط، بل توقّعًا لما سيلي\. في تلك الثواني الثقيلة، بدا وكأن أحدًا لا يجرؤ حتى على الشهيق، كأن الهواء نفسه ينتظر الإذن بالتنفس\. نظرتُ إلى الشاشة التي انطفأت فجأة، بذات السلاسة التي ظهرت بها، تاركة الجدار عاريًا، بلا ظلّ أو صوت، كما لو أن ما حدث قبل لحظات لم يكن أكثر من هلوسة جماعية\. لكن شيئًا ما تغيّر \- في الهواء الذي أصبح أثقل، في النظرات التي لم تعد بريئة، في الحذر الذي بدأ ينسدل على الوجوه كقناع إضافي\. مرّرتُ أصابعي على طرف الفستان الكريه اللون، لا في محاولة للتجمُّل، بل كمن يتحسّس درعه قبل الدخول إلى ساحة لا يعرف إن كانت معركة أم مشهدًا مُعدًا بإتقان\. تنهدتُ، لا من ضيق، بل لأنني كنت أحتاج أن أذكّر نفسي أنني ما زلت أتحكم في إيقاع تنفسي\.\.\. على الأقل\. قد لا أكون اخترتُ هذه اللعبة، وقد لا يكون دخولي إليها نابعًا من رغبة، ولا حتى من فضول\. لكنني، حين فُرضت عليّ القواعد، لم أجد أي فائدة في التذمّر\. فالذين ينوون البقاء، لا يضيعون وقتهم في رفض اللعبة\.\.\. بل يتقنونها\. رفعتُ رأسي ببطء، وأغمضتُ عينيّ لوهلة، ثم همست في داخلي، لا كاعتراف، بل كتعويذة: ربما جئتُ إلى هنا مكرهة\.\.\. لكن إن كان لا بد أن أُمثّل \- فسأسرق العرض\. وإن كان لا بد أن أُخضع قلبي للكاميرات \- فليكن الثمن يستحقّ\. أنا هنا لأربح، لا لأندم\. لأنتزع الجائزة، لا لأطلب فرصة ثانية\. 𓇼 ⋆\.˚ 𓆉 𓆝 𓆡⋆\.˚ 𓇼 🎙مقابلة حصرية مع داتورا س: داتورا، كيف تصفين صباحك الأول في البرنامج؟ داتورا: صباح أخضر\.\.\. بطعم الإساءة البصرية\. س: ما أول شيء خطر في بالك حين رأيتِ المتسابقين؟ داتورا: كأنني أمام حساء غريب النكهات\. أحتاج فقط ملعقة ذهبية\.\.\. وقليلًا من الملح\. س: ما الشيء الوحيد الذي لا يمكن لداتورا العيش بدونه؟ داتورا: المال\.\.\. بجميع أشكاله\. \(تتوقف، تحدّق بالمحاور\) مهلًا، هل سأتقاضى أجرًا على هذه المقابلة؟ المحاور: أم\.\.\. لم يُذكر شيء من طرف نوكس بخصوص ذلك\. داتورا: إذن\.\.\. لا حاجة لأن أرهق لساني أكثر\. 𓇼 ⋆\.˚ 𓆉 𓆝 𓆡⋆\.˚ 𓇼

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

داتُورا

المؤلف XEI
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة