بداية

بداية

20 0

ماربيا – ميناء بَنُوس كانت ليلة ساكنة، تزيّت فيها السماء بحجابٍ من نجومٍ متلألئة، يتوسّطها قمرٌ أحدب يتربّع في كبدها بنورٍ فضّي خافت\. أسفلها، على صفحة البحر المظلمة، تراءت صفوف القوارب الفاخرة السريعة؛ كلّ مركبة تصرخ بغنى مالكها، تلمع هياكلها كألواح مرآة، تعكس أضواء المدينة البعيدة، وتفوح قممها بنفحات خشب الأرز وعبق الجلد الفاخر\. وعلى الأرصفة، رقدت سيارة لا تقلّ روعة عن تلك اليخوت، يصدح محرّكها بهديرٍ تحدّى همسات الموج المنكسر عند أطراف يختٍ بارز بنوره\. وفي قلبه، خلف زجاج المقصورة المظلّل، جلس رجل وامرأة\. النبيذ يُسكب ببطء، والوعود تنفلت من بين ابتساماتٍ لا تحمل نية الوفاء\. "هل تحبّني؟" همستها خرجت خفيفة، باردة، تحمل في نبرتها نغمةً تعرف تمامًا كيف تُقنع\. كانت قريبة منه بما يكفي لتخدّره بالمسافة، وهي تتلوّى بجانبه برشاقةٍ ملساء، كأفعى تُغوي لا لتقتل، بل لتنهَب وتغادر\. "أكثر من القمر… بل أكثر من زوجتي حتى\." ضحك — ضحكة لا تنتمي للحب، بل للسُكر أو للغباء الفاخر\. ابتسمت؛ كمن وضع الطُعم وراقب السمكة تبتلع الخطّاف بسعادة\. شفتاها تمدّدتا بسخرية ناعمة، وعيناها لم تفارقا معصمه: رولكس تلمع كأثرٍ على زمنٍ لا يُنسى\. "وأنا أحبّك، عزيزي أـ" هل قال أن اسمه إيثان؟ أم ربما مانويل؟ هي لا تذكر\. لا تهتم\. كل ما تعرفه أنه يملك يختًا، وجيبًا منتفخًا، وساعةً أغلى من شقتها في مدريد\. مدّت يدها إلى صدره بثقة، كأنها تتحسّس ثمنَ المساء\. كانت أناملها باردة، ناعمة ككذبةٍ بيضاء، تتسلّل ببطء محسوب، كما تفعل اللصّة في بيتٍ تعرفه جيدًا\. وهو؟ لم يتحرّك\. كان يترنّح على حافة الوعي، نصف غائب، بثمالة دسّت فيها شيئًا صغيرًا؛ لا يُرى، لكنه يُسكت\. أنفاسه تهبط وتعلو، ثقيلة، كأن جسده يُجرّ ببطء خارج اليقظة\. "آهٍ كم أحبّ الرجال الطيّعين، الحمقى، الغافلين\." ابتسمت لنفسها — تلك الابتسامة التي لا يراها أحد إلا الغنيمة\. ثم انزلقت يدها بين طيّات قميصه الغالي، تبحث عمّا يستحقّ أن يُسلب… أو أن يشتري لها يومًا آخر من الحياة\. "أترى يا عزيزي؟ لهذا أنا أحبك\." همستها خرجت ناعمة، مشفوعة بلمسة خفيفة حين لامست أصابعها شيئًا معدنيًا باردًا\. المفتاح\. لا شيء أكثر إثارة من معدنٍ صغير يفتح خزائن النجاة\. لم تتردّد، لا مرتين ولا حتى نصف مرة\. سحبته بخفّة، ثم رفعت عينيها نحو معصمه، حيث تومض الرولكس تحت ضوءٍ خافت يتسلّل من سقف المقصورة\. كم من مرةٍ فعلتها؟ اثنتان؟ عشر؟ أكثر مما تذكره\. ومع ذلك، لم يفقد اللمعان بريقه\. ذلك البريق تحديدًا، الذي يسحبها في كل مرةٍ لنشوةِ النزع — لحظة القطاف\. وبيدٍ خبيرةٍ، لا تهتز، حرّرت الساعة من معصمه كما يفعل جراحٌ في غرفة باردة\. وضعتها في حقيبتها، تلك الشانيل 2\.55 السوداء التي سرقتها قبل عامٍ من زوجة أحد الحمقى\. كلاسيكي\. لم تلبث أن وقفت، تُصلح انزلاق فستانها القصير، كمن يُعيد ترتيب الكذبة\. رمقته بطرف عينها؛ غارقًا في نومٍ ثقيل، فمه نصف مفتوح، والكأس يتدلّى من بين أصابعه، يقطر على بنطاله نبيذًا مُهدَرًا، كما يُهدر هذا النوع من الرجال\. اتجهت إلى الخزانة في زاوية المقصورة، كانت قد لمحت حركته نحوها في وقتٍ سابق من هذه الليلة\. انزلق المفتاح في القفل كأنه يعرف الطريق\. طقطقة، ثم فتح\. هناك كانت: حقيبة جلدية، أنيقة، ممتلئة بما يكفي لتجعل كتفيها يرتخيان أخيرًا\. اقتربت منها، ولم تفتحها فورًا\. وقفت أمامها لحظة، فقط لحظة، وكأنها تستمتع بسبق النظر — تلك الثواني التي تسبق القرعة الرابحة\. فتحتها\. المال، طبقات متراصّة، رائحة ورق نظيف ووعود مُكثفة\. أرادت أن تضحك، أن تبكي، أن تلعن كل من قال لها إن السعادة لا تُشترى\. لكن لا\. ليس الآن\. لكل شيءٍ وقته\. وأوّله: الهروب\. وحينها، ألقت نظرةً سريعة خلفها، تتأكّد أنه ما يزال نائمًا كما يجب\. "Hasta nunca, tonto\." \[الترجمة: وداعًا أيها الأحمق\.\] قالتها وهي تلتقط حذاءها ذا الكعب الرفيع، قبل أن تعبر سطح اليخت بخفّة شبحٍ يغادر مسرح الجريمة\. خطت بثباتٍ على الرصيف الخشبي، وهدير البحر يتراجع خلفها، كأنّه يُسلّمها للمدينة\. كانت السيارة بانتظارها كما تركتها: سوداء، لامعة، ومصابيحها تنبض كقلبٍ يستعدّ للفرار\. فتحت الباب بسرعة، ألقت بالحقيبة على المقعد المجاور، وجلست خلف المقود، تهمس لنفسها: "إلى مدريد\.\.\. أو إلى الجحيم، لا فرق\." لكن، قبل أن تمدّ يدها نحو المفتاح\.\.\. صدر صوتٌ من الخلف، عميق، هادئ، وواثق كطلقة لا ترتجف: "تأخّرتِ\." شيءٌ ما انكسر في صدرها\. لا أحد كان يجب أن يكون هنا\. لا أحد\! لكن الصوت\.\.\. مألوف\. أكثر مما يجب\. استدارت ببطء، وعيناها تتسعان تدريجيًا، كأنّها تُبصر النهاية\. وهو\.\.\. كان هناك\. جالسًا في المقعد الخلفي، نصف وجهه مغمور في الظل، لكن النظرة التي اخترقت العتمة نحوها؟ عرفتها\. أنّى لها أن تنسى من سبق أن حدّق بها وكأنها فريسة؟ "تبا\.\.\." همستها خرجت من بين أسنان مرصوصة، وكانت على وشك فتح الباب والهروب\.\.\. لولا أن يده سبقتها\. أمسكها من شعرها، وثبّتها في مكانها\. "أحمق أكون لو سمحتُ لكِ بالإفلات مجددًا، أيتها اللقيطة\." قالها بنبرة باردة، كأنها طُعنة لا تُسفك دمًا — فقط تنغرس حيث لا تُشفى\. أنفاسها ارتطمت بحلقها\. شعرت بها تصعد ولا تجد مخرجًا، كأن جسدها بأكمله رفض أن يتحرك\. كل ما فيها كان متجمّدًا\.\.\. عدا نبضها، الذي بدأ يتسارع كطبولٍ مفضوحة\. لكنها ابتسمت — نعم، ابتسمت وسط الرعب\. رفعت حاجبًا ببطء، بنصف جرأة ونصف سخرية، وقالت: "ولكن\.\.\. أنت بالفعل أحمق\. فهذه؟" أشارت إلى رأسها\. "باروكة، عزيزي\." وفي لحظة، أفلتت من قبضته\. يده بقيت معلّقة في الهواء، تقبض على شعرٍ مستعارٍ أشقر… غنيمة رخيصة لرجلٍ ظنّ أن الفريسة لا تصطاد\. انزلقت من المقعد بانسيابٍ مباغت، وركضت حافية القدمين عبر الرصيف، لا تنظر خلفها\. كانت الريح تصفع وجهها، والخشب يلسع باطن قدميها، لكنها لم تتوقّف\. لا وجهة\. لا خطة\. لا حذاء\. فقط لحظة صغيرة تشبه الحريّة\. ولو لثوانٍ\. ثم سُمِعت خطاه… طبعًا لحق بها\. هو لا يقرأ الإشارات، لا ينسحب عند النهاية\. فالوحوش… لا تعرف متى ينتهي المشهد\. يدٌ شدّت ذراعها فجأة — دفعة واحدة كأنما اقتُلع اندفاعها\. وما إن حاولت الانسلال، حتى أحاط خصرها بذراعه الأخرى بثباتٍ خبير، كمن يعرف جيدًا كيف يُمسك فريسةً ألفت الهرب\. جسده خلفها، وأنفاسه بالكاد تُسمع، لكن صوته خرج أخيرًا — أجشّ قليلًا من الركض، ومع ذلك ثابت… كأنّه يضع حبلًا حول عنقها بكلمة\. "هربتِ\. ناورتِ\. فاوضتِ\.\.\. لكنكِ تعلمين، داتورا، أنك لا تملكين ترف الرفض\." \.\.\. \.\.\. \.\.\. مهلًا\. قد تظنون أنكم عرفتم كل شيء عنها الآن، بعد كل ما قرأتموه: الجريمة، السطو، الهرب، ذلك التحديق البارد في عيني الرجل\. لكن لا\. لم تعرفوها بعد\. هي داتورا دي فرّاري\. في منتصف العشرين\. جسدٌ منحوت كفخ، وابتسامة لا تحمل أي نية طيبة\. امرأة لا تؤمن بالحب\. ولا بالصدف\. ولا بالحظ\. تؤمن فقط بشيء واحد: المال\. تقول دائمًا — بصوتٍ كأنه نُحت على جدران عقلها: "المال\.\.\. money\.\.\. l'argent\! الكلمة الوحيدة التي تجيد كل اللغات نطقها بانحناءة طاعة\. المال لا يشتكي، لا يخون، لا يطالبك بأن تكوني نفسك\. فقط خذيه، وكوني أيّ شيء\." وقد كانت: أيّ شيء\. طالبة أدب؟ ليومين\. موظفة استقبال؟ لثلاثة أسابيع\. فتاة ساحرة في حفلات خاصة للأثرياء؟ أكثر من اللازم\. محتالة محترفة؟ تمامًا\. نشأت في مدينة لا ترحم\. مدريد، أو ربما برشلونة؟ لا يهم\. المدن عندها مثل الرجال، تختلط الوجوه\.\.\. وتبقى الرائحة\. تعلمت مبكرًا أن لا أحد يمنحك شيئًا مجانًا، وأن الجمال؟ عملة\. لكن بلا استثمار؟ لا يساوي شيئًا\. وداتورا؟ كانت بارعة في الاستثمار\. وهذه قصتها\. أو بدايتها، على الأقل\.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

داتُورا

المؤلف XEI
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة