قلب في قبضة الغيرة

قلب في قبضة الغيرة

11 0

الفصل الثاني \_\_ كان صوت اللكمات يملأ الفراغ، صفير القفازات وهي تضرب الكيس الجلدي المعلّق يتردد في القاعة الفارغة تقريبًا كصدى قلبٍ يخفق على غير انتظام\. ثابت، بقامته الطويلة، كان يقف هناك عاري الصدر، قطرات العرق تتسلّل من عنقه حتى حدود صدره المفتوح، كل عضلة فيه كانت كأنها منحوتة بصبر، كل تفصيلة في جسده تخبرك أنه لا يعرف الضعف\. كان جلدُهُ البرونزيّ يتوهج تحت إضاءة خافتة، وشعره الأسود الكثيف يتدلّى على جبهته، في فوضى رجولية لا تحتاج إلى ترتيب\. عينيه بلونٍ عسلي داكن، ليستا لامعتين كالممثلين، بل عميقتين، فيهما هدوء البحيرات التي لا تُحرّكها الريح\.\. لكن لو نظرت إليه طويلًا، لوجدت في داخله إعصارًا مكبوتًا\. صوته كان لا يُسمع، لكنه يتنفس من أنفه بقوة وهو يلكم الكيس أمامه بقسوة مضبوطة، ليس كمن يتمرّن على جسد، بل كمن يفرغ شيئًا في داخله لم يجد له مخرجًا\. كان ثابت يُعرف في النادي\.\.\. ليس فقط بوسامته اللافتة التي جعلت البعض يهمسون باسمه، بل بهيبته الهادئة، ونظراته التي لا تعبّر عن شيء\.\.\. لكنها تقول كل شيء\. \.\.\. "هل تحبها فعلاً؟" تساءل داخله، وهو يلكم بقوة أكبر\. توقّف لحظة، أخرج قبضته من القفاز الجلدي ونزع حزام الحماية من خصره، ثم جلس على طرف المقعد الخشبي، ينظر إلى الفراغ أمامه، والعرق يلمع على كتفيه كقطرات زيت\. أخرج هاتفه بيد واحدة، فتح معرض الصور\.\. ظهرت صورة لشمس، تضحك وهي تضع يدها على وجهها في لحظة خجل كانت قد التقطتها له ذات يوم\. ابتسم رغماً عنه\. كانت تلك الابتسامة الوحيدة الصادقة في وجهه منذ أيام\. "شمس\.\.\. كيف تمكنتِ من اختراقي بهذه السرعة؟ لماذا أشعر أنكِ لستِ من هذا العالم؟" لم تكن شمس امرأة عادية في عينه\.\. كانت نقية، فيها هشاشة غامضة، لكنها لا تنهار، كأنها مزيج غريب بين المطر والنار\. كان يرى كل الجمال حوله، لكنه لا يراه إلا إذا مرّ على ملامحها أولًا\. عيناها الزرقاوان، شعرها الذهبي، صوتها حين تهمس له بشيء لا يعنيه، لكنه يبقى معه يومين كاملين\. "أنا أحبها\.\.\. لكنني لا أملكها\. أشعر أنني كلما اقتربتُ، ابتعدت أكثر\.\.\. كأنني أمدّ يدي إلى ضوءٍ لا يُمسك\." دخل شابان إلى القاعة بصوت مرتفع، التفت ثابت قليلًا إليهما، ثم عاد إلى شروده\. أمسك بشريط قماشي وبدأ يلفّه على معصمه وهو يفكر: "أخاف عليها من العالم\.\.\. ومن أبيها، ومن اسمي، ومن كل شيء يمكن أن يبعدها عني\. حتى من نفسي\." ثم همس دون أن يشعر: "لو كانت لي\.\.\. كنت سأبني لها مدينة من أمان\." ارتدى كنزته السوداء، مسح العرق من جبينه ووقف أمام المرآة الكبيرة، ألقى نظرة سريعة على نفسه\.\. كل شيء فيه بدا متماسكًا، قويًا، صلبًا\. لكن في داخله، كان هشًّا\.\. بداخله ولد صغير يقف أمام قلب شمس، يطلب الدخول\.\.ولا يعرف هل يُفتح له الباب\. \.\.\. رن هاتفه فجأة، نظر إلى الشاشة\.\.\. لم يكن اسمها\. لكنه تمنى أن تكون هي\. أطفأ الشاشة ووضع الهاتف في جيبه\. ثم همس في نفسه وهو يسير خارج القاعة: "كل الرجال يريدونها\.\. لكنني أنا فقط\.\. من يرى روحها\." \.\. | وصل الى منزله\.\. كان قصر آل غيث شامخًا على تلة خضراء في أطراف المدينة، واجهة رخامية تلمع تحت اضواء الحديقة، ودرج طويل يقود إلى أبوابٍ ثقيلة مطعّمة بالنحاس، ورائحة العود تفوح في الممرات كأنك تدخل حضرة رجل لا يعرف الهزيمة\. غيث، والد ثابت، كان جالسًا في صالة الضيوف الواسعة، يرتدي بيجامة رمادية داكنة بخياطة إيطالية، يجلس بثباتٍ ملكيّ، وكأن العالم يدور حوله لا العكس\. كان وجهه صارمًا لا يبتسم كثيرًا، شارب أسود مشذّب بدقة، بشرته قمحية مشوبة بالبرونز، وعيناه سودوان كسواد نياته تجاه أعدائه\. يمسك كوبًا صغيرًا من القهوة دون أن يرفع نظره عن ابنه الذي دخل لتوّه، يجرّ خطواته على أرضية الرخام وهو يخلع معطفه الثقيل\. "أين كنت؟" قالها غيث دون أن يرفع صوته، لكن صوته حمل ثقلًا لا يحتاج إلى رفع\. تردد ثابت قليلًا، ثم أجاب: "في النادي\." "قلتُ لك أن تتفرّغ للعمل، ليس للملاكمة\." أخذ رشفة من قهوته ببطء، ثم تابع دون أن يترك له فرصة للرد "هل تظن أنك ستبني مستقبلك على عضلاتك؟" وقف ثابت أمام والده، وابتلع جملة كان على وشك قولها، ثم قال بصوت هادئ "أعرف ماذا أفعل\." رفع غيث رأسه ببطء، نظر في عيني ابنه، ثم قال بجفاف "أنت لا تعرف شيئًا، ثابت\. تعرف كيف تضرب، وكيف تسهر، لكنك لا تعرف من هم أعداؤك الحقيقيون\. لا تعرف من هذه العائلة التي تسميها عدوّة، ولا ما فعلوه بي\." سكت لحظة، ثم اقترب منه خطوة "أريد منك أن تبقى بعيدًا عن آل آزر ونصير تمامًا، هل هذا واضح؟" ارتجف شيء في صدر ثابت، لكنّه لم يظهره\. "واضح\." قالها بصوت منخفض، ثم انسحب بهدوء نحو الطابق العلوي، يجرّ رجليه بثقل، ليس من الإرهاق، بل من كتمان الكلمات التي لا تُقال أمام رجل مثل غيث\. \.\.\. دخل جناحه الفخم، الغرفة هادئة، خزانته مفتوحة على بدلات رسمية بألوان قاتمة، وسرير كبير يفترشه غطاء داكن، وعلى الجدران لوحات لخيول عربية رسمها فنان ايطالي مخصوص لغيث\. خلع قميصه، مرّ أمام المرآة، كان في عينيه شيء ينكسر ببطء، كأن داخله يعترض لكنه لا يملك الصوت\. فتح باب الحمام، البخار يتصاعد كضباب، فتح الماء الساخن وسقط تحته بصمت\. \.\.\. كانت المياه تنهمر فوق رأسه، لكنها لا تطفئ الغليان في صدره\. كان يفكر في شمس\.\.\. "هل ستخسرها فقط لأن اسمها لا يعجب والدك؟ هل ستدفن هذا الحب لأن هناك من قرر أن يكرهه دون أن يعرفه؟" مسح وجهه من البلل، ثم استند إلى جدار الحمام الرخامي وهو يغمض عينيه\. "أنا لست ضعيفًا، لكنني خائف\.\.\. خائف من أن أخسرها، من أن أصبح مثل أبي، لا يرى من النساء إلا أسماء عائلاتهن\.\.\." أحسّ بجسده يرتجف قليلًا، هل كان الماء؟ أم كان القلب؟ ثم فتح عينيه وقال لنفسه "لن أتركها\.\.\. ولو اضطررت لمواجهة غيث نفسه انا لا اريد ان اكون نسخة منه\. اريد ان اكون رجلاً تختاره شمس بقلبها\.\. لا بنفوذه\. " اغلق الماء و وقف هناك للحظة كأنه يتهيأ ليطوي صفحة هذا اليوم الثقيل\. \.\. خرج ثابت من الحمّام بعد أن لُفّ جسده ببخار دافئ، شعره الأسود لا يزال رطبًا، ينسدل على جبينه كأنّه لا يجرؤ على مفارقته، وبشرته السمراء بدت أغمق تحت ضوء الممرّ الخافت، يرتدي سروالًا منزليًا بلون الفحم، وقميصًا قطنيًا مفتوح الأزرار عند الصدر\.\. كان يمشي بخطى هادئة، لكن فيها شيء من الثقل، ثقل الأفكار التي ما زالت تنهش عقله\. وبينما كان يتجه إلى غرفته، ظهرت أمامه ساره، إحدى خادمات القصر، شابة عشرينية ذات ملامح رقيقة، شعرها مربوط إلى الخلف، ووجهها يحمل تلك الابتسامة المائلة التي لا تخفي نواياها\. قالت بخجل مصطنع "مساء الخير سيدي ثابت\.\.\. الجو حار الليلة، هل أُحضِر لك عصيرًا منعشًا؟" لم يتوقف، لكنه نظر إليها بطرف عينه فقط، ثم قال بصوت منخفض بارد كالمعدن "لا، شكراً\." تابع سيره دون أن يلتفت، لكن ساره لم تيأس، خطت خطوة خفيفة نحوه، وقالت بصوتٍ أكثر نعومة "حتى لو كان عصير برتقال مثلج؟ أعرف أنك تحبّه\.\.\." توقّف للحظة، لا ليرد، بل كأنّه يعيد وزن اللحظة\. ثم التفت إليها ببطء، وارتسم على وجهه نصف ابتسامة لا تحمل دفئًا بل سخرية هادئة، وقال "تعجبني ذاكرتكِ، لكن لا أحتاج شيئاً الآن\.\.\. ولا لاحقاً\." ثم أردف وهو يعاود السير "ركّزي على عملكِ، هذا أفضل لكِ\." لم يكن في نبرته قسوة، لكن شيئًا فيها يُسقِط المحاولات دون أن يكسرها\. كانت كلماته بسيطة، لكنها كالصفعة\.\.\. ناعمة في ظاهرها، موجعة في باطنها\. اختفى صوته خلف باب غرفته، وبقيت ساره واقفة مكانها، تمضغ خيبتها في صمت، وتنظر نحو الممر الفارغ الذي ابتلع وسامته\.\.\. وبروده\. أغلق ثابت باب غرفته خلفه، ثم أسند ظهره إليه للحظة كأنّه يحاول منع العالم من الدخول معه\. سكونٌ ثقيل خيّم على المكان، لا يُسمع فيه سوى طنين خافت لجهاز التكييف، ورائحة عطره التي ما زالت عالقة في الهواء\. اقترب من الطاولة الصغيرة قرب النافذة، حيث ترك هاتفه، تناوله ببطء، فتح الشاشة، وبحث عن اسمها بين الأسماء القليلة التي يهتم بها\.\.\. \(شمس\) كأنّ اسمها وحده يُضيء الشاشة بلونٍ مختلف\. فتح نافذة المحادثة، ثم كتب: ثابت: وصلتِ بخير؟ أحاول ألا أبدو قلقًا\.\.\. لكنك تعرفين أنني سيئ في الكذب\. ترددت النقاط الثلاث تظهر وتختفي كأنها تتنفس\.\.\. ثم جاء ردها شمس: وصلت\.\.\. لكنني تأخرت قليلاً\. صادفت فهد في الطريق، لم يكن صدفة أبدًا\. شعرت أنه كان ينتظرني\. رفع ثابت حاجبيه قليلًا، كأن قلبه ركض خطوة إلى الأمام\. شمس: رأى الوردة الحمراء في يدي\.\.\. سألني عنها بنظرة لا تحتاج إلى شرح\! لم أجب، تركته بهدوء\. بقي ثابت يحدّق في كلماتها، ثم مرر أصابعه على لحيته بتوتر\. كأن شيئًا بدائيًا تحرّك في داخله، شيء يُشبه الغيرة\.\.\. لكنها ليست غيرة بسيطة، بل غيرة رجل يعرف أنه لا يملك الحق في الظهور، لكنه لا يطيق السكوت\. شمس: انه يخيفني جداً، ثابت\! ثابت: لن يتمكن اي مخلوق على ان يقربكِ بأذى ما دمت معكِ يا شمس\! انا سأتصرف، لن ادعه يزعجكِ مجدداً ، سأحرقه حيّاً ان فعل\. شمس: مالذي ستفعله؟ ثابت لا تتهور انه ابن صديق والدي المقرب و اخشى ان تشتعل النيران بين عائلتينا مجدداً\!\. ثابت: النيران مشتعلة بالفعل، متى خمدت اصلاً؟، انا سأتصرف اتركي الامر لي و لا تخافي من شيء، انتِ بأمان\.\. يا شمسي\. شمس: ثابت، احتاج الى رؤيتكَ\. ثابت: حسنً ، سأنتظركِ، بعد منتصف الليل في مكاننا المعتاد\. \.\. أغلق هاتفه، ثم جلس على حافة سريره، عيناه معلّقتان بساعة الحائط، والدقائق بدأت تتحرك بثقل، كأنها تتواطأ مع الليل ضده\. لكن في صدره\.\.\. قلبٌ يستعد أن يذهب لحرب، لأجل امرأة اسمها شمس\. | أغلقت شمس هاتفها بتأنٍ، كأنها توصد خلفه أبوابًا مواربة على قلبٍ مضطرب\. سكنت الغرفة من حولها، غير أن السكون لم يبلغ داخلها، بل كانت في أعماقها تضجّ بأسئلة لا صوت لها\. كانت غرفتها فسيحة تفيض بالفخامة الثريّا المعلّقة في السقف تبعث بضياء خافت كأنها نجمة تعبت من السهر، ستائر حريرية تنساب على النوافذ العالية، تُحاكي النسيم كلما عبر، وأثاث كلاسيكي الطراز يوشّيه الخشب المعتّق والذهب الخفيف، أما الجدار المقابل لسريرها، فقد تزيّن بمرآة ضخمة ذات إطار مذهّب، تنعكس فيها لمحات من ذاتها كأنها ترى امرأة أخرى تختبئ خلف وجهها\. على الطاولة الصغيرة عند طرف السرير، وضعت الوردة حمراء التي اهداها اياها ثابت بدا على أوراقها شيء من الذبول، كأنها هي الاخرى متعبة\. ما إن استكانت شمس في مكانها، حتى انفتح الباب فجأة على وقع خطوات هادئة، دخلت أختها روز تحمل كوباً من الشوكولاتة الساخنة، وبابتسامة رقيقة قالت: "علمت أنّك قد عدتِ، فلمَ لم تخبريني؟ أردت أن أقضي معك بعض الوقت\." رفعت شمس عينيها إليها، لم تستطع أن تردّها، فابتسمت برفق ودعتها للجلوس بجوارها\. تقدّمت روز بخفّة وجلست على حافة السرير، أخذت تتأمل زوايا الغرفة، ثم نظرت نحو أختها بعينين تلمعان بفضولٍ مكتوم\. "أشعر أنّك متغيّرة\.\.\. شاردة الفكر، أهناك أمر يشغل ، بالكِ؟" تردّدت شمس للحظة، ثم قالت بصوت هادئ "ربما يكون الإرهاق\.\.\. لا شيء أكثر\." رمقتها روز بنظرة متفحّصة ثم أمالت رأسها قليلًا: "أمتأكدة؟ لا يبدو عليكِ التعب وحده\.\.\. أخبريني، هل تُخفين شيئًا؟ أهناك شخص يشغل قلبك؟" اضطرب قلب شمس، وارتجف طرف ابتسامتها، لكنها تماسكت "أوه، لا، لا أحد\.\. لا أظنّ أنّ ثمّة ما يستحق الذكر\." ساد صمت قصير، ثم همست روز، وقد اتكأت قليلاً على الوسادة: "أما أنا\.\.\. فلي سرٌ أودّ البوح به\." رفعت شمس حاجبيها بدهشة خفيفة، وابتسمت لتشجيعها على الكلام، فقالت روز، بصوت حالِم "لقد بدأتُ أُعجب بفهد\." تبدّلت ملامح شمس، لكنها أخفت دهشتها ببراعة\. حدّقت في أختها كأنها تُحاول استيعاب وقع الكلمات\. تابعت روز، وعيناها تلمعان بأمل شفاف: "أراه رجلاً نادرًا\.\.\. في هدوئه هيبة، وفي صمته حكاية، حين يتكلّم، تشعرين أنّ كل كلمة منه قد خرجت من عمقٍ لا يُستهان به\. لطالما حلمتُ أن أرتبط برجلٍ يشبهه\. ربما يبدو باردًا للآخرين، لكنه في نظري فارسٌ بكل ما تحمله الكلمة من معنى\." تقلّصت ابتسامة شمس تدريجيًا، كأن شيئًا ما انكسر داخلها\. أيعقل أن روز، أختها الصغيرة، قد وقعت في حبّ فهد؟ ذلك الذي يقف على حافة أسرارها، الذي يراقب خطواتها بنظراتٍ لا تخطئ؟ هل تعلم روز أنّه يطارد شمس بقلبٍ مأزوم، ويشتعل بها؟ أم أنّها تجهل كل شيء، وتبني أحلامها على وهمٍ قاتل؟ نهضت شمس برفق وقالت، بصوتٍ هادئ "يسعدني أنّك وجدتِ من يلفت قلبك، لكنني أشعر الآن بنعاسٍ شديد\.\.\. أودّ أن أخلد إلى النوم\." نهضت روز بدورها وقالت بابتسامة: "حسنًا\.\.\. لن أزعجكِ أكثر\. لكن حين تشعرين بالرغبة في الحديث، أرجو أن تفتحي لي قلبك\." أومأت شمس برأسها، وراقبت أختها وهي تخرج من الغرفة وتغلق الباب بهدوء\. وحدها الآن\.\.\. تُحدّق في السقف، بينما الظلال تتسلل من أطراف الغرفة\. همست بسرها "روز تُحبّه\.\.\. وهي لا تعلم\. فهد ليس فارسًا، بل شيطان يُخفي أنيابه خلف هدوئه\. وإن عرف بأمري مع ثابت\.\.\. سيقترب أكثر، لا حبًّا، بل تملكاً\." شعرت بوخز الخوف في صدرها\.\.\. ذلك الخوف الذي لا يأتي من المجهول، بل من المعلوم الذي لا يمكن البوح به\. | \.\.\.\. كانت السماء تلبس رداء الليل، فيما تنفّست الأرض برودة السكون، والمشتل ساكن كأنّه سرّ محفوظ لا يعلمه سواهما\. تحت شجرة ياسمينٍ معمّرة، وقف ثابت وشمس، والهواء يهمس بين أوراق الورد، كما لو كان يشفق على خوفها\. كانت شمس تلتفت بين الحين والآخر، كأنها تخشى أن يراها أحد\. وجهها شاحب، وعيناها مضطربتان كغريقٍ يتشبّث بيد نجاة\. قالت بصوت مرتجف: ــ "أشعر أن شيئًا سيئًا سيحدث، كأن ظلًا يراقبني\.\.\. لا أعلم، لكنني خائفة يا ثابت\." لم يجبها، بل فتح ذراعيه بصمت، فاندفعت إليه كطفلة تركض إلى حضن أبيها بعد كابوس\. ضمّها إليه بقوة، وقد اشتدّت ذراعه حولها كجدار لا يُخترق\. "ما دمتِ معي، فلن يمسّك أذى\. أقسم بذلك يا شمس\. أنا الجبل الذي يحرسك، والريح التي تذود عنك، فلا تهزّي رأسك بالخوف\.\.\. أنا هنا، ولن أتركك\." ارتعشت شفتاها، لكنها لم تبكِ\. فقط اكتفت بأن تغلق عينيها وتدفن وجهها في صدره، كأنها تريد أن تختبئ من العالم كله فيه\. مرّت الدقائق ثقيلة وعذبة في آنٍ معًا\. وكأن الزمن توقف لهما وحدهما\. ومع انبعاث خيوط الضوء الأولى من الأفق، بدأ لون السماء يتلوّن بالبرتقال والأرجواني\. كانت شمس قد بدأت تغفو، جفناها يثقلان ببطء، حتى نامت دون أن تعي، رأسها مستندٌ إلى كتف ثابت، ونَفَسها المنتظم يتسرّب إليه كأغنية حنون\. ظلّ ثابت جالسًا، لا يتحرك، كأنه يخشى أن يوقظ حلمًا جميلاً\. عينيه معلّقتان بملامحها، يراها أنقى من الندى، وأجمل من النور حين يلامس صفحة الماء\. "يا شمسي، كم أود أن أكون غطاءك في هذا العالم البارد\.\.\. كم أود أن يطول هذا الليل، ولا يأتي الصباح\. " عندما فتحت عينيها أخيرًا، شعرت بالحرج وابتسمت بخجل\. همّت أن تنهض، لكنه أمسك يدها قائلاً بهدوء "هل نمتِ جيدًا؟" هزّت رأسها، وعيناها لا تستطيعان أن تنظر إليه كثيرًا\. ثم قام، ومدّ يده لها، فنهضت معه، ومشيا معًا نحو بوابة المشتل\. وقبل أن تفترق خطواتهما، التفتت إليه، لكنه كان ينظر إليها كأنما يُحفظ صورتها في ذاكرته للأبد\. "ثابت\.\.\." "نعم؟" "شكرًا لأنك معي\." فابتسم، وقال بصوت خافت كالدعاء "ولن أغيب أبدًا\." | كانت شمس الصباح تتسلّل على استحياء من خلف الستائر الثقيلة التي غطّت النوافذ الطويلة في غرفة فهد، تلك الغرفة التي بدت أشبه بجناحٍ ملكي، حيث اجتمعت الفخامة الأوروبية مع لمسة شرقية ناعمة\. الأسقف العالية تزيّنها زخارف ذهبية دقيقة، والجدران مكسوّة بخشب الجوز الداكن المحفور بعناية\. ثريات كريستالية معلّقة تتدلّى كأنها نجوم متجمّدة\. السرير في منتصف الغرفة، كبير كأنه مصمم لملك، تُغطيه أغطية حريرية بلون العاج، تتناثر فوقه وسائد مخملية بدرجات العنب والنبيذ\. فهد كان ممدّدًا على السرير، عارِي الصدر، لا يرتدي سوى سروال نوم قطني داكن\. جسده المشدود كجنديٍ في ثكنة، وعضلاته ترتخي قليلاً بعد نوم عميق، لكن ملامحه القوية، بفكّه البارز، وحاجبيه الكثيفين، وعينيه الداكنتين اللتين فتحتا على مهل، كانت لا تزال تحمل ذلك البريق المتوتر\.\.\. بريق الغضب المحتمل\. قبل أن ينهض تمامًا، طرقت الخادمة باب الغرفة بخفة، ثم دخلت: "صباح الخير سيدي\.\.\. السيد نصير والسيدة إيلين في انتظارك على الفطور\." لوّح بيده دون أن ينظر إليها، ونطق بصوت أجشّ "أحضري الفطور هنا، لا رغبة لي بالنزول\." أومأت الخادمة برأسها وغادرت على الفور\. وما إن خرجت حتى دوّى صوت رنين هاتفه على الطاولة القريبة\. التقطه ببطء، وما إن فتح الخط حتى جاءه صوتٌ خافتٌ، مألوف "سيدي\.\.\. حدث أمر هذه الليلة\." اعتدل فهد في جلسته، صوت المتحدث كان لأحد رجاله الذين يراقبون منزل آل آزر\. "تكلّم\." "رأينا الآنسة شمس تغادر المشتل قبل شروق الشمس بقليل\.\.\. كانت برفقة ثابت ابن غيث\." ارتعش جفن فهد\. لم يتكلّم\. "مكثا معًا لساعات\.\.\. رصدنا صورًا لهما\.\.\. كانت نائمة على كتفه\." جفّ حلقه\. كأن حرارة الصحراء اجتاحت عروقه دفعة واحدة\. لم يقل شيئًا، فقط أغلق الهاتف بعنف\. نظر أمامه، أنفاسه ثقيلة، ثم نهض واقفًا فجأة، كمن داهمه حريق في صدره، وركل كرسيًا كان بجانب الطاولة، فارتطم بالحائط\. دخلت الخادمة تحمل صينية الفطور، ولما رأت الغضب المشتعل في وجهه، تجمّدت بمكانها\. "اخرجي\!" صرخ\. لكنها لم تكن سريعة كفاية، إذ مدّ يده وصفع الصينية من يدها، فتناثرت الصحون والفواكه والعصائر على الأرض، وعلت رائحة البرتقال المهروس\. كان يتنفس بعنف، عيناه متّقدتان، قبضتاه مشدودتان، صدره يعلو ويهبط كوحشٍ على وشك الانقضاض\. "ثابت؟\!\.\.\. نائمة على كتفه؟\!\.\.\." مرّر يده في شعره ثم أمسك طرف الستارة وجذبها بعنف، فاندفعت أشعة الشمس لتغمر الغرفة، كأنها تصبّ الزيت فوق ناره المشتعلة\. جلس على طرف السرير، وجهه غارق في الظل، يتمتم "أقسم أنني لن أتركه يهنأ بها\.\.\. لن يمرّ هذا كما لو أنني لا أراه\." \.\. لحظات بعدها، استجمع نفسه\. نزل إلى الطابق السفلي، وهو بكامل أناقته، ببدلة رمادية داكنة، تفوح منه رائحة العطر الشرقي الثقيل\. كانت والدته ايلين جالسةً في بهو القصر تحتسي القهوة في طقم فاخر\. رفعت عينيها إليه قائلة بهدوء: "استيقظت فهد؟ كنت اظن أنك ستمضي يومك نائمًا\." فهد اكتفى بابتسامة باهتة، لكن إيلين قاطعته بنعومة: "كنت سأرسل الخادمة لتوقظك مجددًا\.\.\. اليوم سيأتينا آل آزر على الغداء\.\." رفع حاجبه ببطء، كأن الخبر راق له، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، مريبة\. "شرفٌ لنا استقبالهم\.\.\." صمت لحظة، ثم أكمل بصوت منخفض، يكاد لا يُسمع: "خاصة\.\.\. شمس\." \-\-\- صوت خطواته في الردهة كان كوقع السهام على أرض صلبة\. دلف فهد إلى مبنى الشركة بخطى واثقة، لكن في أعماقه، كانت النار تشتعل\. نظرته جامدة، لا تعكس سوى غضب مضغوط\. لم يتحدث إلى أحد، ولم يكلّف نفسه حتى عناء رد التحية\. بدا وكأنه كتلة متفجّرة تمشي على قدمين\. ركب المصعد وحده\. ضغط على الزرّ بعنف، وراح يحدّق بانعكاسه في الجدار المعدني، يتأمل عينيه المتعبتين من السهر\.\.\. سهر لم يكن فيه نوم، بل صورٌ التهمت عقله: هي، نائمة على كتف رجلٍ ليس هو\. هي، تبتسم\.\.\. لعيني ثابت\. انغرزت الصور في جمجمته كالإبر، وكأنها تقول له: لقد سبقتك يا فهد\.\.\. لقد لمستها قبلك\. ما إن فُتح باب المصعد حتى اندفع إلى الطابق الأخير، ودون استئذان، دفع باب مكتب والده بعنف، فاهتزت المزهرية على الطاولة الجانبية\. رفع نصير بصره إليه، لم يُظهر دهشة، بل اكتفى بأن أزال نظارته ببطء وقال: "أهلاً بسيّدي الغاضب\.\.\. توقّعتُ قدومك منذ أن رأيتُ الهاتف مُلقى على الأرض في غرفة الاجتماعات\." لم يردّ فهد\. مشى بخطى بطيئة حتى جلس أمام المكتب\. عيناه مشدودتان، وكتفاه متصلّبتان\. تابع نصير بنبرة باردة: "سمعت أنك حطّمت كل ما وقعت عليه صباح اليوم\. ألهذا الحدّ أثارتك صورة؟" اجل\.\. نصير يعلم كل تفصيلة صغيرة في حياة ابنه فهد\.\. اقل حركة يقوم بها فهد تكون تحت عينيّ نصير مباشرة\. ردّ فهد أخيرًا، و لم يكن مستغرباً من معرفة والده بأمر الصور ولا امر مراقبة فهد لحياة شمس\.\. كان يعلم ان لوالده عيون كثيرة في كل مكان\. ردّ و كان صوته منخفض، لكن كل حرفٍ فيه ينزف سمًا: "لم تكن مجرّد صورة\. كانت اعترافًا\. إعلانًا صامتًا أنني كنتُ أعمى\.\.\. وهي ليست لي\." ضحك نصير ضحكة خافتة، أشبه بالتنهيدة، وقال: "أوه، فهد\.\.\. لستَ الأول ولن تكون الأخير\. النساء خُلقنَ ليربكن الرجال\." حدّق فيه فهد بنظرة قاسية، ثم قال: "أخبرتني والدتي أن آل\-آزر سيكونون ضيوفنا اليوم\." أومأ نصير بهدوء: "نعم، هذا ما رتّبته مع آزر بنفسه\." "وفي أي لعبة نحن؟ هل سأبتسم في وجوههم بينما ثابت يحتضن من كنتُ أظنّها لي؟" نهض نصير من مكانه، وسار نحو النافذة العالية خلفه\. فتحها قليلًا ليُدخل نسمة صباحية، ثم قال دون أن يلتفت: "عائلة آزر أقرب إلينا من أي حليف آخر، وهم خط دفاعنا الأخير في معركتنا الحقيقية\." "ضد آل غيث؟" استدار نصير ببطء، وحدّق في عيني فهد: "نعم\. آل غيث هم الخطر الوحيد\. غيث تحديدت أما ابنه ثابت، فهو خروف صغير لا يكنّ لنا شرًّا، وإن كان لا يعرف كيف يخبّئ قلبه\." "قلبه أم يده؟" قالها فهد بمرارة\. ثم نهض واقفًا، اقترب خطوة، وحدّق في والده طويلًا: "أنا لا أبتلع الإهانات، ولن أُهزم في حلبةٍ اعتقد الجميع أنني خُرِّجت منها\." ابتسم نصير ابتسامة متفحّصة، وقال: "أعرفك جيدًا يا فهد\. تعرف كيف تؤلم دون أن ترفع سيفًا\.\.\. لكن تذكّر: إن أردت أن تكون شمس في كفّك، فافعلها كالرجل الذي لا يُقاوَم، لا كالولد الذي ينتحب خلف الباب\." اقترب فهد أكثر، همس ببرود، ووجهه كالصخر: "حين أريدها\.\.\. ستكون لي\. لا ثابت، ولا مزارع الليل، ولا حتى هي، يستطيعون تغيير ذلك\." قالها ثم استدار، فتح الباب، ومضى\. وراءه، ظل نصير واقفًا، يراقب الباب المفتوح، قبل أن يهمس: "تمامًا كأبيك\.\.\. لا تتوقف حتى تنكسر الأشياء\." | فتح باب مكتبه بنفَسٍ ثقيل، ودخل كما لو أنه يجرُّ وراءه ذيول معركة لم تُحسم بعد\. أغلق الباب بصمت، لم يشأ أن يسمعه أحد\. الكل يعرف أن هذا الباب حين يُغلق على فهد نصير، فذلك يعني أن لا أحد يُقرع عليه إلا بداعي الحياة أو الموت\. رماه الكرسي الجلدي الفاخر في حضنه كمن يعرفه منذ زمن\. جلس فيه، ومدّ جسده ببطء، وكأن عضلاته لا تزال ترفض أن تستكين\. مسح وجهه بكفه، ثم أمسك رأسه بين يديه، وظلّ ساكنًا لدقائق، يقطّب حاجبيه بقوة، كأنما يجلد داخله ألف صوت\. على مكتبه، وُضعت بعض الملفات الممهورة بختم "سري للغاية"، وبعض العقود بانتظار توقيعه\.\.\. لكنه لم يلمس شيئًا\. عيناه ظلّتا معلّقتين في الفراغ\. كل شيء حوله بدا ضبابيًا\.\.\. سوى تلك الصورة\. الصورة اللعينة\. شمس، نائمة، على كتف ثابت\. بملامح ناعسة، عفويّة، أشبه بالعناق من غير ذراعين\. كم مرّ عليها ذلك المشهد؟ كم ثانية؟ لكن لماذا بدا له أبدية؟ مدّ يده بعنف وسحب درج المكتب، أخرج هاتفه، فتحه، وعاد يتأمل الصورة من جديد\. لم يكن بحاجة إليها\.\.\. لقد انغرست في ذاكرته كخنجر، لكن الغضب أحيانًا يحتاج تأكيدًا\.\.\. حتى على جراحه\. ضاقت أنفاسه\. "تنامين على صدره، يا شمس؟" همس بصوت خافت كأنه يكلم ظلًّا غادره\. "تلك النظرة في عينيكِ، ليست نظرة صدفة، ولا مجرد نعاس\.\.\. هذا حنان، طواعية\.\.\. استسلام\." رفع رأسه فجأة، وضرب المكتب براحة يده حتى ارتجّت الأقلام وسقط أحد الملفات أرضًا\. وقف\. راح يذرع الغرفة جيئة وذهابًا، كفهد محبوس في قفصٍ من زجاج\. في عينيه شيء من الوحش الذي لا يقوى على تقبّل الهزيمة، لا يتقن الانسحاب، ولا يجيد الانكسار\. "هل ظننتِ أنني لن أعلم؟" قالها بمرارة، يخاطب صورةً لا تزال تتوهج في خياله\. "أتعلمين يا شمس\.\.\. لستِ أول من خانني بثقةٍ كنتُ أقدّسها\. لكنكِ أول من جعلني أفكّر\.\.\. أنني كنتُ صادقًا\." وقف أمام المرآة الطويلة على الجدار الجانبي\. نظر إلى نفسه، بجموده، بقوّته، بهالته القاتمة التي طالما أرعبت الجميع\. ثم سأل انعكاسه: "وأين ذهبت هذه القوة؟ أأنت رجلٌ أم دميةٌ في مشهد حب تافه؟" ضحك، ضحكة حادة، ساخرة، تليق برجالٍ لا يعرفون البكاء\. ثم اقترب من المكتب، التقط قلمه، ووقّع دون قراءة على كل الملفات\. "فلينفجر العالم\.\.\. المهم أن أستعيد توازني\. والميزان اسمه شمس\." عاد وجلس على الكرسي، رفع الهاتف مجددًا، هذه المرة لم يفتح الصورة، بل فتح سجلّ الأرقام، وراح يتأمل اسمها\. "شمس\." اسمٌ بسيط، لكنه الآن صار قنبلة موقوتة\. كاد يضغط زر الاتصال، لكنه تراجع\. لا، ليس الآن\. عليه أن يظهر بمظهر الآخر\.\.\. اللامبالي\.\.\. المنتصر\. ولن يكتب فهد فصل الهزيمة بيده\. نظر نحو النافذة الطويلة التي تُطلّ على المدينة، وبدا له كل شيء ضئيلًا، هشًّا\.\.\. حتى البشر\. هو لا يُجيد خسارة امرأة\. هو لا يعرف إلا كيف يملك\. وما إن يضع عينه على شيء، حتى يصبح له\.\.\. مهما طال الزمن\. | في منزل آل آزر كان الصباح قد مضى، والشمس تتوسّط السماء بهدوء، تبعث ضوءًا ذهبيًا ناعمًا انساب من النوافذ الطويلة إلى أرضية الغرفة الواسعة\. ستائر شفافة تتمايل بخفة مع النسيم، تنثر ظلالًا راقصة على الجدران المزينة بلوحات كلاسيكية وألوان حيادية أنيقة\. في وسط الغرفة، أمام مرآة بيضاوية ذات إطار فضي منحوت، كانت روز تتفقد مظهرها بإعجاب واضح\. ارتدت فستانًا ورديًا ناعمًا، بأكمام قصيرة وتنورة واسعة تنتهي فوق كاحليها بقليل\. شعرها البني الداكن منسدل في تموجات ناعمة، وقد وضعت وردة صغيرة على الجانب كزينة\. "أمي قالت إن فهد سيكون موجودًا على الغداء\.\. هل تظنين أنه سيلاحظني؟" التفتت نحو السرير حيث كانت شمس تجلس وهي تضع قرطًا صغيرًا من اللؤلؤ\. رفعت عينيها الزرقاوين نحو شقيقتها وابتسمت بخفة، لكنها لم تُجب فورًا\. شمس كانت ترتدي فستانًا بلون العاج، ينسدل برقة فوق جسدها\. تطريزات ذهبية دقيقة زيّنت أطراف الأكمام الطويلة وحافة الخصر، أما شعرها الأشقر فكان مرفوعًا في تسريحة كلاسيكية ناعمة، خصلات منه حرّة تلامس عنقها بفتنة\. مكياجها خفيف، لكن عينيها الزرقاوين كانتا تتألقان بطريقة لم تعهدها روز من قبل\. "هل أنصتِ إليّ؟" سألت روز وهي تضحك وتلوّح بيدها في الهواء، "أم أنكِ مشغولة بالتفكير في شخصٍ ما؟" ضحكت شمس بخفة وهي تهزّ رأسها "كنتُ فقط\.\.\. سارحة\." اقتربت روز وجلست إلى جوارها، عبست وجهها قليلًا وقالت ممازحة "إذا لم تكوني مهتمة بفهد، أعطني فرصة\. أنا لا أمانع أن أصبح زوجة لأكثر الرجال وسامةً في المدينة\!" ردّت شمس بابتسامة هادئة، لكنها لم تنطق بشيء\. كانت في داخلها لا تزال تعيش تفاصيل الليل السابق، دون أن تخبر بها أحدًا\. حضور ثابت لا يزال يتردد في قلبها كأثر عطرٍ عالق في الهواء\. صوته، دفء صدره، نظرته حين كانت بين ذراعيه\.\.\. أشياء يصعب شرحها أو مشاركتها\. "على كل حال،" قالت روز وهي تنهض لتتأمل نفسها مجددًا في المرآة "علينا أن نبدو مثيرتين للاهتمام اليوم، ليس من أجل فهد فقط، بل لأن عائلة آل نصير بأكملها تتصرف وكأنها فوق الجميع\." شمس اعتدلت في جلستها، ولم تعلق\. نهضت بدورها، أضافت لمسة أخيرة لعطرها، ثم وقفت بجانب أختها\. "هل نحن مستعدتان؟" سألت بهدوء\. نظرت روز إلى شقيقتها من الرأس حتى أخمص القدمين، أطلقت صفيرًا خافتًا وقالت "إذا لم يقع فهد في حبك اليوم، فحتماً هو أعمى\." ضحكت شمس، لكنها أخفت ابتسامة حزينة\. قلبها ليس معروضًا لأحد، فكيف يُقاس الحب على مائدة غداء، وقد منحته ليدٍ واحدة فقط، يد ثابت؟ طرقات خفيفة على الباب، ثم صوت والدتهما سُهى: "بناتي، السيارة تنتظر\." تنظر الأختان إلى بعضهما، ثم تغادران الغرفة في هدوء، تحملان معًا مظاهر الأناقة، وتخفي كلٌّ منهما ما لا يُقال\. | كان القصر يعجّ بصخبٍ ناعم؛ خدم يتحرّكون بخفة، عطور فاخرة تعبق في الجو، وزخارف ذهبية تعكس ضوء الشمس المتسلّل من النوافذ الواسعة\. في صالون الاستقبال الفسيح، اجتمع أفراد عائلة آل آزر حول طاولة طويلة مُزينة بورود بيضاء وأوانٍ كريستالية لماعة، تعكس ذوق إيلين الرفيع، زوجة نصير\. نصير آل نصير، ذاك الرجل الخمسيني ذو اللحية المشذبة، كان يجلس على رأس الطاولة، يتحدث بنبرة دافئة مع آزر آل آزر، صديقه القديم، حول ذكريات الطفولة والمشاريع التجارية القادمة\. قال نصير وهو يبتسم "ما زلت أذكر يوم كنّا نسرق المانجو من مزرعة خالي\! والآن ننقاش الاستثمارات العقارية وكأننا وُلدنا نُجّارًا\!" ضحك آزر بحرارة، ثم التفت إلى زوجته سُهى التي كانت تجلس بجواره، تمسك بكوب العصير بلطف\. قال بنبرة ودودة "منذ تلك الأيام وإيلين تتحمل مزاجك يا نصير، يبدو أن الصداقة تسري في الدم\." ابتسمت إيلين بلطف وهي تقول "ليس مزاجه، بل طباعه المعقدة\. لكنني أحببت هذا التعقيد منذ أول لقاء\." ضحكت النساء، وشاركتهم روز الضحك، ثم قالت بنبرة مرحة وهي تهمّ بتذوق أحد أطباق المقبلات: "أنتم الجيل الذهبي\. أما نحن، فغالبًا ما نكافح لنفهم حتى أنفسنا\." التفتت إيلين إلى روز وشمس بنات آزر الجالستين إلى يمين الطاولة، وقالت "لكن يبدو أنكما نجحتما في ذلك\. ما شاء الله، كل واحدة منكما فاتنة بطريقتها\." شكرت شمس السيدة بابتسامة خجولة، وقالت روز بمزاح "أرجوكِ لا تمدحيها كثيرًا، فشمس تعرف أنها الأجمل، وأحيانًا يُصيبنا الغرور\." ضحكت شمس، لكن في عينيها كان بريق قلق خافت، تُخفيه بابتسامة لطيفة وهي تتفحص المائدة بصمت، تحاول ألّا تلتقي بنظرات فهد الجالس على الطرف المقابل، والذي لم يرفع عينيه عنها منذ أن دخلت\. كان فهد يجلس بهدوء متأمل، يرتدي قميصًا بلون الكريمي، وأزراره العليا مفتوحة، تنساب حول رقبته سلسلة فضية بالكاد تُرى\. وفي عينيه شيء بين الاستفزاز والإعجاب، يراقبها كمن يقرأ كتابًا يعرف نهايته، لكن لا يملّ من التفاصيل\. "فهد، ما رأيك؟" سأله والده فجأة وهو يقطع قطعة من لحم الضأن\. رفع فهد نظره سريعًا، كمن قطع عليه حلمه، ثم قال ببطء "في ماذا، أبي؟" أجابه آزر وهو يضحك "كنا نتحدث عن فكرة الشراكة في المزرعة الجديدة، وأنت في عالم آخر\." رمق فهد شمس بسرعة خاطفة، ثم قال بنبرة عميقة: "أحيانًا\.\.\. تستحق العوالم الأخرى التأمل\." لم يفهم الجميع قصده، لكن عيني شمس ارتبكت، وارتعشت أصابعها فوق الشوكة\. حاولت روز كسر التوتر، فقالت بفكاهة "هل تعلمون أن فهد كان أشهر طالب مشاغب في مدرستنا؟ كل المعلمات كن يتحدثن عنه\!" أجاب فهد بابتسامة ماكرة وهو ينظر إليها "لم أكن مشاغبًا\.\.\. فقط كنتُ أكره القواعد\." نظر إلى شمس مجددًا حين قال كلمته الأخيرة، كأنها رسالة مبطّنة\. شعرت شمس بالاختناق\. استأذنت بلطف "أعذروني، سأذهب إلى الحمام لحظة\." نهضت بهدوء، وبدون أن تلتفت، غادرت الصالة\. مشيتها كانت ثابتة، لكن في داخلها كانت الرياح تعصف\. دخلت الرواق المؤدي إلى الحمام، وعطرها ترك أثرًا خفيفًا على طول الممر الهادئ\. وبعد لحظات\.\.\. نهض فهد من مكانه\. قال لأمه بإيجاز "سأجري مكالمة سريعة\." ثم مضى دون أن ينتظر جوابًا\. خطواته بطيئة، لكنها مملوءة بعزمٍ غامض\. وصل إلى الرواق، وتلفّت من حوله كصياد يعرف أن فريسته لا تبتعد كثيرًا\. لم يكن هناك أحد\. ثم رآها\. كانت شمس أمام إحدى المرايا الصغيرة، تُصلح خصلتها المتفلتة\. لم تنتبه إليه، أو ربّما تجاهلت حضوره\. لكنها ما لبثت أن شهقت حين أمسك بذراعها فجأة، وجذبها بعنف إلى أقرب جدار\. اصطدم كتفها بالحائط الرخامي، وحدقت في وجهه بدهشة وارتباك\. كان قريبًا جدًا، أنفاسه تتسلل إلى رقبتها، وصوته خرج خافتًا وغاضبًا "نمتِ بين ذراعيه؟ في حضنه؟" ارتعشت قائلة بتفاجؤ "فهد، مالذي تفعله؟" ماذا يريد منها هذا المهووس\! تارة يظهر في وجهها على طريق عودتها من لقائها مع ثابت و الان\.\. كيف علم بما حدث ليلة امس؟ هل كان هناك ايضاً ؟ هل كان يراقبها؟ هي تعلم انه معجب بها منذ زمن بعيد ربما منذ الطفولة\! لكنها كانت تصده في كل مرة يحاول التقرب منها\.\. ارتعشت شفتيها، تعلثمت "فهد أرجوك\.\.\. أنت لا تفهم\." شدّ ذراعها أكثر، اقترب حتى باتت أنفاسه تلامس وجنتها، ثم قال بعينين تشتعلان غضبًا "بل أفهم\. أفهم أنكِ تتلاعبين بي\. أفهم أنني أحبكِ كالمجنون، وأنتِ تسقين حبكِ لأبن عدونا\." حاولت دفعه، لكنه كان صلبًا، كجدار لا يهتز\. قال وهو يهمس "هل عانقك كما أفعل أنا الآن؟ هل تأملتِ عينيه كما لم تفعلي معي ابداً؟" ثم اقترب أكثر، حتى خُيّل إليها أن الأرض تميد تحت قدميها\. "ثابت\.\.\. سيختفي\. سأتكفل بذلك\." اتسعت عيناها خوفًا، فقالت برجاء "فهد\.\.\. لا تؤذه، أرجوك\." أمسك وجهها بكفّيه القويتين، نظر إلى عينيها الزرقاوين طويلاً، كأنه يبحث عن خلاصٍ فيهما، ثم همس "أنتِ لي\. لي وحدي\." وتركها فجأة، كأن شيئًا فيه انكسر، ثم ابتعد قليلاً عنها، كانت شمس واقفة، ترتجف بين الدهشة والخوف، وصدى كلماته يطنّ في رأسها\. \.\.\. تسمرت شمس في مكانها، كأن الأرض التصقت بقدميها، وعيناها الزرقاوان متسعتان لا تصدقان ما حدث للتو\. يدها لا تزال ترتجف من قبضته، وحرارة أنفاسه على وجهها لم تفتر بعد\. تمتمت بصوت مبحوح، تحاول أن تلتقط أنفاسها "ما الذي\.\.\. فعلته للتو؟" لم يرد، كان قد ابتعد خطوتين، ظهره نحوها، كتفاه يترددان بنَفَسه الغاضب\. قالت من خلفه بذهول، بنبرة خافتة لكن مشحونة "من تظن نفسك لتقول إنني لك؟\! من أين أتيت بهذا الجنون؟\!" استدار ببطء، عينيه ما زالتا تغليان، لكن صوته هذه المرة خرج أكثر هدوءًا، كمن يُخفي قنبلة خلف صدره "تعرفين جيدًا من أكون\." اجابت بغضب، شمس: "لا، لا أعرف\! لم يكن بيننا شيء يومًا، ولا أتذكّر أنني أعطيتك حقًا عليّ، لا نظرة ولا وعد\!" اقترب منها ثانية، لكنها رفعت كفّها لتحجز المسافة بينهما\. "قف مكانك، فهد\! أجبني أولًا\.\.\. من أخبرك؟ كيف عرفت عن\.\.\. عن ما حدث؟" ابتسم بسخرية، وأجاب بنبرة مريرة "وهل تظنين أنكِ قادرة على إخفاء شيء عني؟ بيتكم تحت عيني، من شرفاته إلى صوت خطواتك في الحديقة\.\.\. أعرف متى تنامين، ومتى تصمتين، ومتى تنادين اسمه في قلبك\." شهقت شمس بصدمة، ثم همست، متراجعة خطوة للخلف "هل\.\.\. تراقبني؟" نظر إليها بثبات، ثم قال "بل أحرسك\.\. هل تعلمين من يكون ذلك الذي تحبينه؟ انه ابن غيث\! ابن عدو عائلاتنا\! " هزّت رأسها ببطء، كأنها تحاول استيعاب عالمٍ آخر لم تكن تدري بوجوده "هذا\.\.\. مرض، فهد\. أنت لا تحبني، أنت تملك وهمًا في رأسك\." تقدّم منها خطوة، لكن هذه المرة بهدوء، كمن يحاول إقناع طفل بجنون فكرة "إنه ليس وهمًا يا شمس\. إنه يقين\. وأنا لا أتنازل عن ما أوقن به\." تراجعت حتى اصطدم ظهرها بالجدار مرة أخرى، عينها تبحث عن مهرب "أخرج من طريقي، فهد، أرجوك\.\.\. لا أريد أن يسمع أحد هذه الفضيحة\." ضحك بصوت خافت، ثم قال "فضيحة؟ لا، ستكونين أنتِ فضيحتي إن تركتكِ تذهبين إلى ذلك الرجل مرة أخرى\." ردّت بغضب "اسمه ثابت\. وهو\.\.\. شخص أحترمه\. لا يهمني رأيك به\." كان في عينيه جرح مفتوح، لكنه أخفاه خلف قناع البرود، ثم قال "إذاً، سنرى من سيبقى إلى جانبك في النهاية\. رجل تحتمين بحنانه\.\.\. أم رجل يملك العالم ليقلبه عليكِ أو لأجلك\." ثم تركها وذهب، خطواته هذه المرة كانت هادئة، لكنها تنذر بعاصفة مقبلة\. وبقيت شمس وحدها، تنظر إلى مكانه الفارغ، يدها لا تزال على صدرها، حيث كانت نبضاتها تعلو كطبول الحرب\. همست لنفسها "متى أصبح فهد\.\.\. بهذا الشكل؟ وكيف عرف؟ من يراقبني؟ وماذا يريد مني؟" سقطت دمعة حائرة على وجنتها، ثم رفعت وجهها نحو السقف المزخرف، كأنها تبحث عن الله ليحميها من هذا الجنون القادم\. مسحت شمس دمعتها بسرعة، أعادت ترتيب خصلات شعرها الأشقر المرتبك، ووقفت أمام المرآة الصغيرة تتفقد وجهها\.\.\. وجهها كان شاحبًا قليلًا، وعيناها الزرقاوان مائلتان للاحمرار\. تنفست بعمق، تحدثت إلى نفسها وهمسها بالكاد يُسمع "اهدئي\.\.\. لا وقت للانهيار الآن، الجميع ينتظرني\." أدارت مقبض الباب ببطء، وخرجت من الحمّام بخطوات ثابتة ظاهريًا، لكنها كانت تجرُّ خلفها ارتجافًا داخليًا لا يُرى\. مرّت في الممر الطويل دون أن تلتفت يمينًا أو يسارًا، وكلما اقتربت من صوت الضحك والحديث الآتي من غرفة الطعام، شعرت بأنفاسها تشتد\. دخلت إلى الغرفة بابتسامة خفيفة مفتعلة، وقالت بصوت خافت "عذرًا على التأخير\.\.\." التفت الجميع نحوها، فابتسمت سهى، وقالت "لا عليكِ يا حبيبتي، هل كل شيء على ما يرام؟ وجهكِ شاحب قليلًا\." بادرت روز بالرد بسرعة "شمس لا تأكل جيّدًا\! أنا أخبرتها بذلك، وجعلتها تشرب قهوة على معدة فارغة\.\.\. دائمًا أوبّخها\." ضحك الحضور بخفّة، فابتسمت شمس امتنانًا لأختها، وجلست بهدوء بجانبها\. كل من في المجلس انشغل بأحاديث جانبية، والضحكات تملأ المكان كما لو أن شيئًا لم يحدث\. فهد كان قد عاد قبلها بلحظات، وجلس إلى جوار والده، يتحدث معه وكأن شيئًا لم يحدث، لكن عينيه كانتا تقطعان المسافة بينها وبين شمس دون أن تجرؤ الأخيرة على رفع نظرها نحوه\. ايلين والدة فهد، لاحظت شحوب وجه شمس، فمالت نحوها بهمسة لطيفة "هل أطلب لك عصيرًا مثلجًا؟ الجو اليوم خانق\." أجابت شمس بصوت منخفض "لا بأس، شكراً لكِ\." انطلقت الأحاديث مجددًا حول العمل، العقارات، ومشاريع العائلتين المشتركة\. بدا جليًا أن العلاقة بين آل نصير وآل آزر كانت وطيدة، قائمة على سنوات من المصالح والقرابة القديمة\. كان نصير يتحدث مع آزر عن قطعة أرض ينوي تطويرها، وتداخلت سهى وأيلين في الحديث عن استعدادات الحفل السنوي في الجمعية الخيرية التي ترأسها والدة فهد\. روز، بطبعها الاجتماعي، كانت تحاول جرّ فهد إلى حديث مرح، فقالت ممازحة " فهد، لقد أخبرت والدي أنك الوحيد القادر على إقناع شمس بالسفر معنا هذا الصيف، لكنها عنيدة جدًا\." ضحك آزر وقال: "فهد مقنع، لكنه لا يستخدم سحره إلا للصفقات الصعبة\!" فهد ابتسم، بنظرة خبيثة خاطفة نحو شمس: " بعض الصفقات تحتاج أكثر من الإقناع\.\.\. تحتاج إلى الصبر الطويل\." قالها وهو يرفع كأس الماء إلى شفتيه، لكنها وحدها فهمت المغزى المسموم خلف كلماته\. شمس شعرت أن الجدران تقترب، أن الجلسة تختنق بها\. أرادت الهروب\. لكنها جلست، متماسكة، مجبرة على الابتسام\. يتبع\.\.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

شمس لا تنطفئ

المؤلف ليلك
2025/07/16 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة