في زاوية من المدينة العتيقة، حيث تتداخل الأساطير بالواقع، دخلت شمس إلى كوخٍ لم تعرف إن كانت نهايته خلاصًا أم لعنة\. تسلّل دخان أسود كثيف كالأفعى من بين جذوع الحطب المحترق، تشكّل على هيئة دوامات عبقة بروائح الحطب المحترق والعشب اليابس، ثمّ راح يتسلل ببطء نحو عينيها، كأنّه يحاول حجب ضوءٍ داخليّ فيها، ضوءٍ لم تكن هي نفسها تدرك منبعه\.\.\. كانت شمس تجلس على وسادة بالية أمام امرأة هرمٍة، تقوّست قامتها من ثقل السنين، وجهها مطوّق بأخاديد الزمن، وعلى عينيها غشاوة رمادية جعلت النظر فيها كمن ينظر في بئر قديم لا قرار له\. كانت العرّافة تغذّي النار بأكفٍ نحيلة ترتعش كلّما ألقت قطعة فحم جديدة في جوف اللهب، فيعلو اللهيبُ كما لو أنّه يتناغم مع نبوءاتها التي لم تبدأ بعد\. الجوّ في تلك الغرفة الطينية كان مريباً؛ ضوء خافت ينبعث من النار وسط العتمة، وسكون ثقيل يخيّم كستارة سوداء على المكان، يقطعه فقط صوت احتكاك الفحم حين يسقط في الموقد أو طقطقة الخشب المتفحم\. تمتمت شمس في سرّها، تشعر بندمٍ متأخرٍ بدأ ينهشها: "ما الذي أتى بي إلى هنا؟ أحقاً ستكشف لي هذه العجوز ما سيجري في حياتي؟ هراء\.\.\. اللعنة عليكِ يا روز، أنتِ من دفعتني لهذا المكان\. " وكأنّ أفكارها لم تكن محجوبة، قالت العرّافة بنبرة باردة، تشوبها حدّة خفية "التوتر والخوف ليسا في صالحك يا شمس\.\.\." ارتبكت شمس، فتلعثمت: "كيف؟ لا\.\.\. أنا لستُ\.\.\." لكن العرّافة قاطعتها، ولم تلتفت لها، بل حدّقت في اللهب كما لو كانت تراه شيئًا لا يُرى "القلق، التوتر، والخوف\.\.\. هذه الصفات إن كانت فيكِ، فهي ليست في صالحك أبداً، وستجعلكِ فريسة سهلة للذئاب الجائعة التي ستقتحم حياتكِ\.\.\. حياتكِ، يا شمس، ستكون مليئة بالمتاعب\. أراها غابة كبيرة، موحشة، أشجارها عالية، والرياح تعصف بها بشراسة، كأنها تحاول اقتلاعها من جذورها\.\.\. تلك الغابة تنبت أزهاراً، لكنها أزهار مليئة بالأشواك\.\.\. ستنمو داخلكِ، وستؤلمكِ\.\.\. وفي عمق تلك الغابة، بين الأشجار المعتمة، ذئاب تتربص بكِ\.\.\. أراكِ هزيلة\.\.\. ضعيفة\.\.\. شمس باهتة، بلا لون\.\.\. لكنني\.\.\. أرى شعاعاً ضئيلاً\.\.\." شهقت العرّافة فجأة، كأنها رأت ما لا يُرى، وسكتت لبرهة، بينما اتسعت عينا شمس من الذهول، وجفّ حلقها، وتجمّد نفسها عند صدرها\. قالت العرافة، بصوت غائر كصدى في مغارة "أرى شعاعاً ضئيلاً يخرج منكِ\.\.\. ستلدين نوراً من رحم الظلمة، وتحاولين أن تزرعيه في عتمة أيامكِ\.\.\. لكن\.\.\.\! ذئب جبار\.\.\. شرس كالعاصفة\.\.\. يفوقكِ قوّة بأضعاف\.\.\. سيقتل نوركِ الصغير، ويدفنكِ داخل العتمة\.\.\. إلى الأبد\.\.\." صمتت العرافة، ثم التقطت قطعاً جديدة من الفحم، وألقتها في النار بعنف، فارتفع اللهب كأنّه استجاب لنبوءتها، وزاد التوهّج، ومعه ازداد توتر شمس، تلك الفتاة التي بدت فجأة ضئيلة الحجم وسط ضجيج النار ومهابّة الظلام\. لم تستوعب كل ما قيل، لكن شيئًا في داخلها أيقظ حدساً مرعباً : حياتها القادمة ستكون عاصفة، بكل ما تعنيه الكلمة من ألم\! أكملت العرافة بصوت خفيضٍ، كأنها تهمس بسِرٍّ كبير "الذئب الضخم\.\.\. قريب منكِ جداً\.\.\. يرتدي قناع الأرانب في وجهكِ، يخفي حقيقته\.\.\. وهو ناجح في ذلك\. هو لا يود قتلكِ\.\.\. لكنه يتلذذ بمعاناتكِ يا شمس\.\.\. غايته إطفاؤكِ\." ابتلعت شمس ريقها بصعوبة، واستجمعت أنفاسها كمن يصعد من غرق، ثم نظرت في وجه العرّافة بعينين متقدتين، وقالت بصوتٍ هادئ، لكنه يخبّئ نارًا تحترق في عمقها: "لا أعلم إن كان ما قلتِه حقيقيًا، أو مجرّد خيالٍ خصب\.\.\. لكنني واثقة أن لا ذئب يجرؤ على افتراسي أو إطفائي\. أنا شمس لا تنطفئ\! الشمس في صدري\.\.\. وسأحرق كل من يقترب مني\.\.\. لن يتمكنوا مني أبداً\.\.\. لن يُطفئوني\.\.\. أبداً\." | عادت الى المنزل لكن عقلها لم يعد معها، كان كلام العرافة يتردد في ذهنها كطنين غامض لا ينقطع كهمس خفي يأبى ان يصمت الكلمات لم تكن مجرد جمل\.\. بل ظلالاً تلاحقها، تشدها من اطراف روحها وتعيدها الى تلك النار و تلك العيون، و تلك النبوءة كانت تحاول ان تكون ثابتة، ان تقنع نفسها ان كل ما قيل ليس الا خرافات لكنها لم تنسَ\.\. لم تنسَ الذئب، الغابة، الشعاع الضئيل\.\. ولا الجملة الاخيرة "غايته اطفاؤكِ" \.\.\. كانت الساعة تقترب من الخامسة مساء حينما انسلت شمس بهدوء من باب الحديقة الخلفي، تلف نفسها بمعطف خفيف و تخبئ شعرها الذهبي تحت قبعة رمادية و كأنها تخبئ اكثر من شعرها\.\. تخبئ قلبها المرتبك، و ارتجافها الخفي\. مشت بخطوات سريعة في زقاق ترابي يفضي الى مشتل صغير نسيه الناس لكن لم ينسه ثابت كان ثابت ينتظرها عند الزاوية نفسها، يمسك بوردة حمراء في يده ابتسم حين لمحها تقترب منه، تلك الابتسامة التي كانت تطفئ كل خوفها و تشعل قلبها كأول مرة "تأخرتِ" قال بصوت خافت ردت بينما تلهث قليلاً "كنت اتهرب من روز، صارت تشك في شيء" اقترب منها خطوة، و نظر في عينيها مباشرة كان يعرف ان بعينيها شيء لا يكذب\.\. رغم الزرقة اللافتة التي تخطف الانفاس، كانت نظرتها تنزف شيئاً اخر، شيء يشبه الطفلة التي ضاعت داخل جسد امرأة رفع الوردة الى وجهها قائلاً " أتدرين؟ كل مرة اراكِ، اشعر انني اراكِ للمرة الاولى" ابتسمت بخجل، لكن نظراته لم تكن تمزح كان يشاهد وجهها بتأمل، غارقاً بملامحها التي سلبت منه قلبه، وجهها بدا له كلوحة من الضوء ، عيناها فيهما شتاء لا ينتهي و برغم الضوء فيهما يراها خائفة\.\. مرتبكة كأنها تطارد شيئاً لا يرى\.\. او تهرب من شيء لا يقال احسّت شمس بالخجل و ظهر ذلك على وجنتيها المحمرتين، قطعت شروده بأخذها الوردة من يده "كنت بحاجة لرؤيتك، حتى اصدق انني مازلت بخير" رفع يدها الى فمه و قبّل اطراف اصابعها برفق "طالما انا هنا لن يمسكِ سوء يا شمس\.\. انتِ الشيء الوحيد الذي اشعر انه نقي في هذا العالم المسموم" كانت شمس تعلم ان حبها لثابت ليس طريقاً مفروشاً بالياسمين، كانت مدركة ان ثابت ابن عدو والدها\.\. و ان هذا الحب اشبه بالرقص على حبلٍ فوق النار\. لكنها لم تخف\.\. مع ثابت كانت تشعر انها امرأة تُرى، لا مجرد فتاة شقراء جميلة يراها الناس كواجهة زجاج هو وحده من لمس فوضتها و لم يهرب\.\. من سمع صمتها ، من جعلها تصدق انها تستحق الحب\. \.\. "أتعلم؟ احياناً انسى اننا اعداء\.\. اقصد \.\.عائلتينا\. " "نحن لسنا عدوين، شمس\. نحن مجرد ضحيتين لعائلاتنا، بُلينا بعداوة و بمشاكل لا ذنب لنا فيها، نحن مجرد ضحيتين نتعلق ببعضنا البعض قبل ان يغرق المركب\. " لامس ثابت كفيها ثم جذبها برفق الى صدره "لن ندعهم يهدمون ما بنيناه معاً، هذا الحب اقوى منهم\.\. اقوى من هذه العدائة و الخبث الذي يغمرهم\. " شعرت شمس وكأن صدره وطن صغير اجتمع فيه دفئ الارض كلها، و كأن شيئاً ما في صدره كان يعرف وجعها\.\. و يحتضنه قبلها ضمها بحنان و ذابت بين ذراعيه كما يذوب الثلج تحت شمس الربيع\. \.\. بدأت السماء تميل للاحمرار ، و الغيم اوشك ان يبتلع النور الاخير ابتعدت شمس عن ثابت قائلة بصوت خافت "يجب ان اعود قبل ان يلاحظ احد غيابي\. " "أتريدين ان اوصلكِ؟ " نفت برأسها بينما تبتعد عنه برفق "كلا\.\. ان رآك احد قرب المنزل سينتهي كل شيء\." تنهد كمن يبتلع قلقاً ثقيلاً "كوني حذرة يا شمس \.\. دائماً\." \.\. سارت وحدها عائدة و في يدها وردة حمراء لاتزال تحتفظ بحرارة يد ثابت ، و في قلبها اثر ذراعيه \.\. ذلك الامان الخفيف الذي خفف من وطأة النبوءة الثقيلة\. الريح كانت خفيفة لكن في داخلها كانت العاصفة، كانت خطواتها ثابتة لكن قلبها يرتجف من فرط ما يحمله من تضاد\.\. حب و خوف، شوق وقلق، نور وظلال\. مشت و هي لاتزال شاردة ، تتلمس بقايا صوته في اذنها حين لمحت ظلاً واقفاً الى جانب سيارة سوداء لامعة متوقفة بمحاذاة الرصيف رفعت عينيها ببطئ فتجمدت في مكانها كان فهد\.\. واقفاً هناك كما لو انه خرج من قلب الظل، مستنداً الى السيارة و كأنه قطعة منها، اسود، لامع، جامد من الخارج لا يظهر شيئا مما يغلي بداخله\. بدا وسيماً كعادته\.\. بشرته السمراء تشع بلونها الدافئ، لحية خفيفة تحيط بفك حاد كحد السكين، شعره الاسود مسرح بعناية متقنة لا شعرة فيه تحيد عن مكانها\. عيناه بلون العتمة، لا تفضحان شيئاً بل تسحبكِ داخلهما كهاوية لا قرار لها، كان فهد من ذلك النوع من الرجال الذي يأسر العين قبل ان ينطق بكلمة، لكن في وسامته شيء لا يريحك كجمال مصقول اكثر من اللازم كتمثال نُحِت ليراه الجميع لا ليحمل دفئاً\. شعرت شمس بأنقباض خفي في صدرها لا تعلم أهو من المفاجئة ام من شيء اعمق\.\. لم تكن تخاف فهد لكنها لم تطمئن له يوماً، كان حضوره دائما اثقل من اللازم، انيق اكثر من اللازم، حاضر اكثر مما ينبغي\. وقف دون ان يتحرك، فقط ابتسم بخفوت و هو ينظر اليها، تلك الابتسامة التي لا تُدفئ بل توحي بأن هناك شيئا لا يقال\. "مساء الخير، شمس\. " ترددت لحظة، ثم قالت بنبرة حاولت ان تبدو طبيعية "مساء النور\. " اقترب خطوة، لا اكثر\.\. فقط بما يكفي لتحاصرها المسافة وضع يديه في جيوب بنطاله "مكان غريب للمشي اليس كذلك؟ " شحب وجهها لكنها تمالكت "اردت بعض الهواء، لاشيء اكثر\. " ابتسم مجددا و هذه المرة كان في ابتسامته شيء مائل كأنه لا يصدقها "الهواء جميل\.\. خاصة عندما يكون ممزوجاً بعطر الورود\. " نظر الى يدها\.\. الى الوردة تحديداً، لم يقل شيئاً لكنه نظر فقط و هذا وحده كان كافي ليربك قلبها لم يكن ينظر اليها\.\. بل يرى من لمس يدها قبل قليل\. شعرت شمس بانقباض خفي في صدرها شيء غامض ثقيل لا هو خوف ولا طمأنينة، مجرد ارتباك داخلي لا تفسير له\.\. كانت تعرف ان فهد لا يعلم بعد\.\. لكنه بدأ يشم\! يشم السر و هو لا يزال دافئاً في يدها\. ارادت شمس ان تنهي هذا اللقاء\.\. ان تفر منه، لكن قدميها لم تتحرك فوراً\. "هل اوصلكِ؟ " هزت رأسها تنفي بهدوء و قالت بنبرة اكثر حزماً "لا شكراً، وصلت تقريباً\." تحركت لتغادر لكنه استوقفها بصوته "جميلة هذه الوردة من اين حصلتِ عليها؟" لم تجبه، فقط نظرت اليه لثوانٍ، ثم ادارت ظهرها و مشت بخطى اسرع سارت دون ان تلتفت، لكن قلبها لم يغادر بعد، كانت تشعر به\.\. يقف خلفها كظلٍ لا يمحى\. بقي فهد في مكانه، عيناه ما زالتا معلقتين على الوردة الحمراء و في فمه ابتسامة باهتة لا تحمل اي براءة\. همس لنفسه و هو يفتح باب السيارة ببطئ، "العطر لا يخفى يا شمس، لا يضيع هكذا\. " \.\. عودة الى الماضي \( قبل يومين \) كان المساء خفيف الظل ضحكات متناثرة في صالة آل\- آزر طاولة طويلة امتدت بأصناف الطعام و تجمع حولها افراد العائلتين\.\. آزر والد شمس و روز، و زوجته سهى\. و نصير و ابنه فهد، و زوجة نصير ايلين كان فهد جالساً هناك وسيماً كعادته، عابساً كعادته ايضاً\.\. لكن بابتسامة اجتماعية مرسومة\. كانت شمس تجلس قبالته مرتدية كنزة بلون ابيض سكّري، شعرها الذهبي مرفوع في نصف رفعة فوضوية عيناها الزراقوتان تلمعان كلما ضحكت من طرف روز او همست شيء لوالدها بصوت منخفض، لكن فهد لم يكن يضحك لم يكن يشارك الحديث كان يراقب \.\. منذ متى بدأت تتصرف بهذا الشكل لماذا تضحك كثيراً مؤخراً؟ و لماذا تنظر الى هاتفها كل عشر دقائق كأنها تنتظر شيئا؟ كان يراها، يقرأها، يحفظ تفاصيلها، و كان قلبه رغم هدوء وجهه، يغلي\. شيء ما تغير فيها\.\. ليست شمس التي اعتادها\.\. المتحفظة، الباردة نحوه، لكنها شفافة\. الان\.\. هناك شيء في عينيها لكنها تحاول ان تخفيه، اراد ان يعرف ان يمسك طرف الخيط و فجأة\! جائته الفرصة\.\. كانت شمس تمسك هاتفها حين انحنت لتناول طبق من وسط الطاولة و سقط الهاتف من يدها قرب فهد مباشرة، التقطه بهدوء قبل ان تلاحظ و اداره بيده كمن يلمس مفتاحاً سحرياً، كان مفتوحاً و الشاشة ماتزال مضاءة\. لمح اسماً في اخر الاشعارات \(ثابت\) لم يظهر رد فعل لكنه قرأ الاسم جيداً\.\. ثم مرر اصبعه لتختفي الشاشة و اعاده لها بابتسامة مصطنعة "انتبهي شمس، هواتف الناس تحب السقوط في التوقيت الخاطئ\. " اخذت الهاتف منه و شكرته بسرعة لكنها لم تلاحظ شيئاً\. اما هو فبقي ينظر اليها بعد ان اعادت هاتفها الى جيبها، لم يعد يسمع ضحكات روز ولا صوت اطباق الفضة، ولا صوت الموسيقى الخافتة في الخلفية كان اسم \(ثابت\) مايزال عالقاً امام عينه و في داخله، لم يكن صوت افكاره هادئاً كان مضطرباً، عنيفاً، يغلي\! ثابت؟ من هذا؟ و لماذا يبدو اسمه مألوفاً لي؟ و لماذا عينكِ تلمعان بهذا الشكل و انتِ تمسكين بهاتفكِ؟ هل يحبكِ اكثر مني؟ هل يُشعلكِ من الداخل؟ الغيرة التي احسّ بها فهد لم تكن صاخبة بل كانت عميقة، تشبه سائلاً حارقاً يسيل في صدره ولا يجد منفذاً\. جلس فهد طوال ما تبقى من العشاء كما لو انه حاضر جسداً فقط، لكن عقله كان قد غادر الطاولة تماماً، غادر الى مكان اخر الى نية اخرى، الى مشروع مراقبة بدأه داخل نفسه دون ان يستأذن احداً، "ان كنتِ تخفين شيئا فسأعرفه\!، و ان كان هناك رجل في حياتك سأطرده منها و لو اقتلعته من جذوره\." كان صوته الداخلي لا يصمت ابداً\. \(عودة الى الحاضر\) ركب سيارته السوداء الفاخرة و جلس في مقعده كمن يحتبس زلزاله، وضع يده على المقود، لكنه لم يتحرك\. عيناه لا تزالان على الطريق، وعلى آخر لمحة من شمس وهي تبتعد بخطوات سريعة، تمسك وردة حمراء كأن قلبها مكشوف في يدها\. هو لم يكن غبياً، ولم يكن بريئًا ليظن أن الوردة جاءت من العدم\! تلك الابتسامة المرتبكة التي ارتسمت على شفتيها حين رآها، اليد التي خبأت الوردة خلف ظهرها قبل أن تتركها مجبرة في العراء\.\. كل شيء فيها كان يعترف دون كلام\. \.\. مد يده المرتجفة قليلًا، وسحب سيجارة من علبة أنيقة، أشعلها بنفَسٍ ثقيل، وكأن الدخان وحده قد يطفئ الحريق في صدره\. "من؟ من الذي منحك هذه الوردة؟ من الذي سبقني إليكِ؟ من هذا الذي ضحكتِ له كما لم تفعلي معي أبدًا؟" أطلق سحابة دخان بطيئة، ومقلتيه ما تزال معلّقتين في الفراغ، كانت ملامح شمس محفورة تحت جفنه: عيناها الزرقاوان المرتبكتان، خجلها الطفيف، نظرتها المكسورة\.\. "تحاولين إخفاء ما بداخلكِ، لكنكِ لا تعرفين أنني أراكِ\.\. أقرأكِ كما تُقرأ الخيانة على وجه عاشقة\." ضغط على المقود بشدّة، كان الغضب يتكثّف فيه لا كصوت، بل كجسد ثانٍ داخل جسده\.\. أقرب إلى وحشٍ يريد الخروج\. "أنا لا أطيق أن يسبقني أحد\. لا في المال، لا في السلطة… ولا في امرأة\." "وشمس؟ ليست أي امرأة\.\. شمس نادرة\! مخلوقة لا تُترك\. لا تُمنح\. لا تُسرق\." أدار المقود بعنف، انعطف بالسيارة في طريق ضيّق دون وجهة واضحة، لكنه يعرف تمامًا ما يريد، كانت شمس هي الاتجاه الوحيد\. "أنا لا أحب كالبشر، أنا أملك\. وإن ظنّت أنها ستهرب… فستخسر الطريق\." أطفأ السيجارة قبل أن تنتهي، ثم همس لنفسه بصوت منخفض، يشبه الوعيد : "لن تكوني لغيري شمس\.\. حتى لو اضطررت لاقتلاع كل من مر بكِ قبلي\. " يتبع\.\.
ليلك