أصداء الظلال والأرواح المنسية

أصداء الظلال والأرواح المنسية

15 0

في عالمنا عالم المخلوقات الخارقة كما يسمينا البشر كل شخص يولد بميزات مختلفة عن الأخر منا من يولد \(مستذئبون ,مصاصي دماء,سايرن,ملائكة,شياطين ,غربان,جنيات سحرية,أقزام ,سحرة ,صقور,\.\.\.\.\) وتصنيفات كثيرة لاتعد ولا تحصى \. لكن الشئ الوحيد المشترك بيننا ألاوهو أمتلاك كل شخص منا رفيق \.\.\. الرفيق هو نصفك الروحي الاخر الذي يمنحه لك القدر كزوج ابدي يحبك بدون حدود بدون شروط مهما كانت شخصيتك فحبك أمر فطري زرع في قلبه ونقب غائرا في السواد الذي يحطه\. ولكنني ,لم أشعر يوما بالحب تجاه هذه الفكرة,أن يأتي شخص ليحبك ,دون أن ينقب في أرجاء شخصيتك يعيش سوادك قبل نورك وشرورك قبل خيرك يفهمك بالتدرج وأن تتعرفا على بعضكما برغبة لكليكما ,ماذا أن لم تحببه ؟\.\.\.\.ببساطة تتركه وتبتعد دون الم ,وهذا مارأيته في أفراد صنفي \.\.\.صنف "الغربان " صنف يحيطه السواد,نشابه البشر بأشكالنا,ولكن لكل منا جناحان أسودان ,كبيران ,بريش كظلمة ليلة مقفهرة القمر , ونمتلك روحا أخرى بدواخلنا كأرواح المستذئبين \.\.\.\. لطالما فكرت لو كان أمر معرفة الرفيق غير محرم من سيكون رفيقي ؟ هل سيكون أمير ,أو مواطن عاديا ,موظف ,أو صحفي ,لربما قد يكون بائع زهور \.\.\.\. ولكن هل ظننتم يوما أن امتلاك رفيق تعني نهاية وردية ؟؟ حياة كريمة ؟ حب ؟ تضحية ؟ اذا دعوني اوضح لكم أنكم مخطئين\.\. مخطيئن كثيرا \.\.\.لأن الحياة تحتاج شريك قبل رفيق\.\.\. شخص يفهمك دون شئ \.\.أو سبب \.\.\.فقط لأنه يحفظ أيامك الباهتة \.\.وهفواتك المديدة \.\.\.وحماقاتك المستمرة \.\.\.يحبك لأنه يحب عيوبك قبل محاسنك \.\.\.ويحب أخطائك \.\.اكثر من صوابك \.\.\.لأنك ببساطة أنت \.\.\.نفسك \.\.\.دون تدخل في المشاعر \.\.\. وهذا ماشرحه لنا مجلس إيريبوس الملكي ,كم أكره هذا المجلس \! بكل معنى الكلمة هو مجلس استغلالي ,بني لتحقيق العدل ,لكن قوانينه تلاشت مع الزمن ,استبدلت بمشاعر طمع \.\.\.ضمير ميت \.\.\.\.كره دفين لكل غرابي \.\. بينما أواصل السير في الممر، أشعر بأن خطواتي تخدش الصمت المهيب الذي يغلف هذا المكان\. الصوت الخافت لحذائي على الرخام المصقول يتردد كهمسات الماضي، كأن الجدران تتهامس فيما بينها عني، عن وجودي غير المرحّب به، عن ذلك الطيف الذي لم يكن يومًا سوى امتدادٍ باهتٍ للدماء التي تجري في عروق حكّام هذا القصر\. أتوقف للحظة، نظري يلتقط انعكاسي المشوّه في الأرضية اللامعة، لكنه ليس صورتي وحدها\-إنه ظل كل ما ورثته هنا، القسوة المتوارثة، البذخ الذي يخنقني، المكان الذي لا يحتمل ضعفي، ولا يعترف سوى بالقوة التي أفتقدها الآن، لكنني سأمتلكها قريبًا\. قبضة يدي تشتد، وسرعة أنفاسي تتبدل\. هذه ليست مجرد رغبة في الهروب، إنها ثورة صامتة تتشكل في أعماقي منذ سنوات، منذ الليالي التي قضيتها أستمع لصوت الضحكات العابرة بين الأروقة، بينما كنت محاطة بجدران العزلة\. منذ اللحظات التي تحولت فيها الكلمات إلى سكاكين، والمشاعر إلى سلاسل تثبتني في مكاني\. لكنني لم أعد تلك الطفلة\. لن أكون مجرد ظل بين هؤلاء، لن أكون صفحة تُطوى دون أن تُقرأ\. سأكتب وجودي في الساحات حيث تُصنع الأساطير، حيث تبرز القادة، حيث لا تحكمك الروابط الدموية بل الإرادة الحديدية\. سأدخل الكلية الملكية العسكرية، سأصوغ مصيري بيدي، وسأحارب من أجل نفسي، كما لم يحارب أحد لأجلي من قبل\. الآن، لا أحتاج إلى انعكاسي في الأرضية لأراني\. أرى نفسي في قرارٍ لا رجعة فيه، في طوق النجاة الذي نسجته من غضبي، في الطريق الذي سينقلني من العتمة إلى القوة\. من هذا القصر إلى ميدان لا يسجنني، بل يُطلقني نحو ذاتي الجديدة\. بينما أخطو بخطوات ثقيلة في الممر الطويل لقصر الظلال، يلفني صمت ثقيل، يكاد يكون ملموسًا\. الهواء هنا بارد بطريقة لا علاقة لها بالفصول، كأن الجدران الرخامية تمتص الحرارة وتعيدها كجليد خفي يزحف تحت جلدي\. الضوء يتسلل بخفوت عبر النوافذ العالية، شاحبًا، متكسّرًا فوق الأرضية الملساء، كأنه بقايا نهار محتضر يرفض الرحيل\. الستائر المخملية الضخمة تتدلى بصمت مهيب، تراقبني كحراس لا ينطقون، فيما الممر يمتد بلا نهاية، كأنني أسير عبر متاهة زمنية لا تنتمي إلى الحاضر ولا إلى الماضي\. في زوايا القصر البعيدة، يعوي صدى الريح عندما يتسلل عبر الشقوق الخفية في الجدران، وكأنه صوت نبضٍ خافت، يخبرني أن هذا المكان حيّ بطريقة غير طبيعية، بطريقة تختزن الأسرار وتخنق الاعترافات\. رائحة عتيقة تعبق في الهواء، خليط بين خشبٍ معتق، شمعٍ ذائب، وعطرٍ ضاع عمره في زجاجات كريستالية لم تُفتح منذ عقود\. لا شيء هنا يعكس الحياة، كل شيء جليل ومهيب وصامت، كما لو كان هذا القصر مقبرة عظيمة للأحلام التي دفنتها العائلة تحت ذهب العروش وصمت التقاليد\. لكنني لن أكون جزءًا من هذا السكون\. سأكسر هذا الجو الجامد، سأخرج من بين هذه الجدران التي لم تعكس يومًا صوتي الحقيقي، وسأحمله معي إلى ساحات المعارك، إلى حيث تصنع الأسطورة بالدم والإرادة، لا بالميراث والامتيازات\. دخلت غرفتي، المكان الوحيد الذي أستطيع أن أدّعي أنه لي، لكنه في الحقيقة ليس سوى امتدادٍ آخر للصرامة والهيمنة التي تطغى على القصر بأسره\. فخامة صارخة تمتزج بقسوة مهيبة، كما لو أن كل تفصيل هنا خُلق ليذكرني بأنني جزء من نظام لا خيار لي فيه\. الجدران المغطاة بالأحمر القاني تلتف حولي كشرنقة خانقة، سقفٌ مرتفع تعلوه زخارف ذهبية باردة لا تهب دفئًا، وسجاد ثقيل يغرق خطواتي في صمت مبطن بالفخامة الثقيلة\. الأسود الداكن يكمل هذا المشهد بلمعته العاتمة، يكسو الأثاث وكأنه يخفي تحته أسرار العائلة التي لا تُقال إلا همسًا\. وسط كل هذا، يجلس سريري ككتلة ثابتة وسط العظمة الجبرية للمكان\-ليس مريحًا، ليس حنونًا، بل مجرد قطعة أخرى من هذا النظام المصمم ليُبقي الأشياء في أماكنها، والناس في حدودهم\. أجلس عليه، وأشعر بالبرودة تلتهم أطرافي بينما أفكر في العشاء المنتظر، في ذلك التجمع الذي لم أكن يومًا جزءًا منه، لكنهم قرروا أن يمنحوني هذه الفرصة أخيرًا، ليس كرغبة في القرب، بل كاختبار جديد\. منذ متى أصبح الجلوس معهم امتيازًا؟ منذ متى تحول الأمر إلى تصحيحٍ لسلوكٍ مزعوم؟ "وقحة وتحتاج إلى التربية"، هكذا وصفوني حين كنت أتناول طعامي وحدي، حين فضّلت العزلة على الجلوس بينهم كضيفة ثقيلة الظل\. أكره التوتر الذي ينهش أطرافي، أكره العرق الذي يتصبب من جبيني، والغثيان الذي يتلوّى في معدتي، كأنه يرفض أن أكون جزءًا من هذا الطقس العائلي القسري\. أحاول دفع هذه الأفكار بعيدًا، فأمسك هاتفي، أبحث عن شيء يستطيع أن يبعدني عن هذه اللحظة، وأجد نفسي أتصفح أخبار الكلية الملكية، تلك الفرصة الوحيدة التي استطعت أن أرى فيها مخرجًا\. التسجيل يُفتح الشهر القادم، والمصير يبدو قابلاً للتحقيق لو أنني استطعت إقناع والدي أخيرًا\. لكنني أعرف الحقيقة؛ رفضه لم يكن خوفًا علي، لم يكن حرصًا أو اهتمامًا، كان خوفًا من أن أتحرر من سلطته، أن أكون شيئًا لا يمكنه التحكم به، أن أجد القوة في مكان آخر، بعيدًا عن إرثه وعن قواعده\. في هذا القصر، القوة ليست شيئًا يُمنح، بل شيئًا يُحتكر\. وبالحديث عن أعدائه، فإنه يُفضل دائمًا أن نبتعد عن أي علاقات معهم، أن نضع مسافة كافية بيننا وبينهم، مسيرة شهرٍ على الأقل\. لكنني لم أعد أريد أن أكون جزءًا من مسافاتٍ مدروسة، من حدودٍ يرسمها لي غيري\. هذه ليست حياة، هذه رقعة شطرنج، وأنا مجرد قطعة عليها\. ولكن ليس بعد الآن\. نهضت كأنما طاردتها فكرة خفية، شيء يجرها للخروج من قوقعة الجمود\. لا تستطيع تحمل هذا التوتر أكثر، هذا الانتظار الذي ينهش أعصابها بلا رحمة\. فتحت الدرج وسحبت قفازات الملاكمة، جلدها الأسود يحمل آثار الاستخدام المتكرر، ذكريات اللكمات التي كانت الطريقة الوحيدة لتبديد ما يتراكم داخلها\. سحبت سماعاتها، وضعتها فوق أذنيها، عزلت العالم من حولها\. بحثت سريعًا عن الأغنية التي تناسب نبضها المرتفع، شيئًا صاخبًا، شيئًا يسرقها من أفكارها ويغرقها في حركة متواصلة، ثم اختارت \*"Angel" ل Massive Attack\*\-تدفق النغمات الداكنة، الإيقاع المتسلسل الذي يزحف ببطء، كأنه انعكاس لحالتها النفسية,البشر كم هم مثيرون للشفقة ,ولكنهم على الاقل يعرفون كيفية التعبير عن مشاعرهم ,باي طريقة ولو كانت ألحان أغنية عابرة\. وقفت أمام كيس الملاكمة، راقبت انعكاسها في المرآة المعلقة على الجدار المقابل\. بشرتها البيضاء الشاحبة كانت كصفحة خالية، كأرض باردة لم تستقبل نور الشمس\. عيناها الزرقاوان لم تحمل دفء البحر، بل برودة الجليد، عمق لا يُقرأ بسهولة، لون نقي تحجبه ظلال كثيفة\. شعرها الأشقر المتدلي حتى أردافها كان فوضويًا، كعكة مهملة مشدودة بإهمال، كأنها لم تكترث بترتيبه بقدر ما أرادت فقط إبعاده عن طريقها\. بدأت بالتحرك\. أول لكمة كانت بطيئة، كما لو أنها تختبر ثقل يديها، ثم ازدادت السرعة، وكل حركة تسحب خلفها فكرة، صورة، ذكرى\. تلاحقت الضربات مع تدفق الموسيقى في أذنيها، مع الشحنات التي تتصاعد في صدرها\. وجه زوجة أبيها، صوتها، نظراتها المتعالية\-لكمة قوية\. نظرة والدها الباردة، قراراته التي لم تشملها يومًا\-لكمة أخرى، أقوى\. القيود، العشاء المفروض، الرغبة المكبوتة في الهروب\-ضربة تتبعها أخرى، حتى شعرت أن كل عضلة في جسدها تشتعل\. تنفسها بات متلاحقًا، لكن لم يكن ذلك إنهاكًا\. كان نيرانًا تشتعل، طاقة تتكدس ولا تنطفئ، قرارًا يتجدد مع كل حركة\. لم تعد تسمع شيئًا خارج إيقاع الموسيقى وخبطات القفازات على الجلد\. هذا القتال، هذا العنف المسيطر، كان الشيء الوحيد الذي لم يسلبوه منها، الشيء الوحيد الذي يعود لها بالكامل\. في السابعة من عمرها كانت تعرف كيف تخفي الكدمات لا في الجسد بل في الروح\. الضربات التي لم ترى كانت أعمق من أن تشفى، وأكثر هدوءا من أن تصرخ\. كانت تجلد كل ليلة بكلمات لا تمحى، وتستيقظ صباحا بابتسامة مدربة، كأن الألم درس في الانضباط\. المدرسة لم تكن ملاذا\.\.\.كانت جبهة أخرى\. لا أحد يرى الانكسار خلف ظهر منتصب\. كانت اليسيا تقف دائما مستقيمة، لا لان الحياة علمتها ذلك بل لان من يسقط كثيرا يخاف ان لا يتمكن من النهوض مرة أخرى\. حين دخلت الاكاديمية العسكرية، لم تكن تبحث عن مجد او ميدالية\.\. كانت تبحث عن نظام يقمع الفوضى داخلها عن قسوة مألوفة لا تفاجئها عن مكان تستطيع ان تحارب فيه دون ان تكون ضحية عن ضجيج خارجي يسكت\. أصوات المهتاجة في عقلها وقلبها\. \. هي لم تختر طريقها منذ البداية بل كان اجبار ولكنها تملك اخيار نهايتها "في قلب الألم تنبت بذور النور ومع كل جرح ينبثق وعد ببذوخ فجر جديد " \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \. \*\*\* حلّ الليل، وكأن الضباب الذي غلّف نيردايل قرر أن يخنق المدينة بأكملها تحت عباءته\. بعد التدريبات القاسية، حمّام ساخن كان محاولة فاشلة لإزالة الإرهاق الذي التصق بها، ثم ثوب بسيط لكنه أنيق، يليق بهذا العشاء العائلي الأول من نوعه\. أو هكذا أرادوا تسميته\. القاعة التي دخلتها كانت تحفة معمارية، شاهدة على أمجاد قديمة أكلها الزمن حتى تحولت إلى صدى لعنفٍ لا ينتهي\. سقفٌ يمتد بلا نهاية، تحفه زخارف أسطورية تتحدث عن ماضٍ لا يشبه الحاضر في شيء\. الثريات العملاقة تتدلى من الأعلى، أحجارها الكريستالية تعكس الضوء ببرود ملكي، وكأنها تراقب المشهد بصمت\. تهادت خطواتها على أرضية القاعة الواسعة ورفعت ثوبها بحركة ارستقراطية منمقة,وابتسامة ملكية مدروسية دافعة لتمردها لاقصى أعماقها ,ثم ألقت التحية على أفراد العائلة المجتمعة ,واتخذت مجلسها بأقصى مكان عن والدها \. المائدة، واسعة لدرجة تجعل الاجتماع حولها يبدو وكأنه لقاء بين غرباء لا ينتمون إلى نفس العالم\. والدها في الصدارة، زوجته على جانبه، شقيقها في الجهة المقابلة، وهي تجلس عند الطرف البعيد، تفصلها مسافة أكثر من مجرد خشب مطلي بالذهب\. الأصوات الوحيدة التي تملأ القاعة هي ارتطام الملاعق بالصحون، نغمات معدنية، كأنهم لا يأكلون بقدر ما يؤدون طقسًا مجبرين عليه,الخدم يتحركون في حركات منتظمة ,حتى كاد لايسمع لخطواتهم صوت \. لم يكن لوالدها نظرات دافئة\. كانت عيناه تحمل برودًا لا يخفي قسوة الزمن، لا يعكس شيئًا سوى إرثٍ صنعه بنفسه\. أما والدتها، فابتسامتها كانت مثل قناعٍ متقن الصنع، تخفي وراءه ملامح ألمٍ عتيق، عمره أكبر من الكلمات \.\. \*\*\* لم يكن هناك شيء جديد في هذه اللحظة، لا اكتشافٌ صادم، ولا حقيقةٌ لم تُقال من قبل\. كان الأمر مجرد إعادة تدوير لوجعٍ قديم، كأنه طقس يتكرر بتوقيتٍ دقيق، دون أن يُخطئ موعده\. \*"بعد أن تنتهي من عشائك، أحتاجك في مكتبي\."\* مجرد كلمات، لا أكثر\. لم يرفع صوته، لم يكن فيها نبرة تهديد صريحة، لكن وقعها على مسامعي كان أثقل من أي تهديد آخر\. لم أنظر إليه حين نطق بها، لم أحاول أن أقرأ نواياه، لأنني كنت أعرف أن ذلك بلا جدوى\. نهض من مكانه، وبحركة واحدة، وقف الجميع احترامًا له كما لو أن وجوده بحد ذاته أمرٌ يُجبر الآخرين على الامتثال\. لم يكن هناك أي التفاتة في اتجاهي، لم يكن هناك نظرةٌ طويلة لتقييم اضطرابي، لم يكن هناك انتظارٌ لأي رد\. فقط أمرٌ قاطع، غادر بعده تاركًا خلفه صمتًا هائلًا\. شعرت أن شيئًا في داخلي قد توقف للحظة، ثم عاد لينبض بفوضى لم أتمكن من تهدئتها\. \*"ما خطئي هذه المرة؟ ماذا يريد؟"\* نفس الأسئلة التي تتكرر منذ سنوات، نفس الذعر الذي يتخذ أشكالًا مختلفة لكنه لا يتغير في جوهره\. لم أعد جائعة، شهيتي انسحبت كما لو أنها لم تكن موجودة أصلاً، والغثيان تمدد في معدتي، يزحف ببطء، يسلبني كل رغبةٍ في البقاء هنا لدقيقة إضافية\. الخوف من والدي لم يكن من مجرد عبث ,فهو الوحيد الذي زرع بأحشائي خوفا عميقا يضربه باستمرار,كان لجسدي في حضوره لغة خوف خاصة تطفو على الاعماق ويتكتف فيها تمردي جانبا وترتجف أنفاسي ,أنا خائفة \.\.\.والخوف في محضره ليس مجرد خوف عادي \.\.\. لكنني لم أكن وحدي تمامًا في هذه اللحظة، كان هناك شيءٌ أخر أوقف شرودي لثانية واحدة\-لمسةٌ دافئة، خافتة، بالكاد محسوسة، لكنها كانت كافية لانتشالي من العتمة\. رمشت، أخرجت نفسي من دوامة الأفكار، وأدرت رأسي لأجد عيني ألكسندر تتأملني بصمتٍ يحمل أكثر مما يجب أن يُقال\. كان يعرف أنني أعاني، كان يرى ذلك بوضوحٍ لا يحتاج إلى تفسير\. لكنه لم يعرف كيف يساعدني\. لم يكن يومًا صاحب قرار عندما يتعلق الأمر بي، لم يكن يملك شيئًا يغيّر الواقع\. والدي أغدق عليه اهتمامًا لا محدودًا، منحه كل الحب، كل الرعاية، لأنه ببساطة كان وريثه\. لكنه رغم كل شيء، رغم الامتيازات، رغم الحياة التي صيغت خصيصًا له، كان يتألم لوجعي، كان يتمنى لو يستطيع انتزاعي من هذا الجحيم\. نظر إلي، كانت تلك طريقته الوحيدة في طمأنتي: أنه موجود، أنه إلى جانبي\. فأومأت له وابتسمت بخفة، محاولةً طمأنته بقدر ما استطعت\. ثم استدرت وغادرت مائدة الطعام، أتحرك إلى وجهتي التالية\-مكتبه\. \*\*\* كل خطوة كنت أخطوها كانت تقودني إلى أفكار أكثر عمقًا، أكثر عتمةً مما توقعت\. \*"لو لم أكن الابنة الأولى، هل كانت عائلتي ستصبح سعيدة؟ هل كان والداي ليحباني كما يحبّان ألكسندر؟ هل كانوا ليضحوا بحياتهم من أجلي؟"\* أسئلة لا إجابة لها، لكنني حملتها معي، كأنني جمعتها منذ زمنٍ طويل ولم أجد لها مكانًا آخر سوى داخلي\. وصلت أخيرًا\. أمام الباب، وقفت للحظة، نظمت أنفاسي، هدوءٌ مصطنع لا يعكس ما يدور داخلي\. رفعت يدي، طرقت ثلاث دقات خافتة، كأنني لا أريد أن يسمعني أحد غيره\. \*"ادخلي\."\* دفعت الباب، دخلت، ولم يكن المشهد مفاجئًا، لكن وقع رؤيته كان ثقيلاً كما توقعت\. \*\*\* والدي كان جالسًا خلف مكتبه، جناحاه الاسودان مرفوعة على جانبيه بإتقانٍ يكاد يكون مبالغًا فيه، تغطي جزءًا كبيرًا من الغرفة، كأنها امتدادٌ لطبيعته\. سيجارته مشتعلة بين أصابعه، دخانها يتصاعد ببطء وهو شارد في اللوحة خلفه، غير مهتمٍ بوجودي بعد\. أقترب بخطوات حذرة، كما أفعل دائمًا، كما لو أن الحذر قد يمنحني نجاةً لا أعرف كيف أطلبها\. وصلت إلى مكتبه، حينها فقط استدار، نظر إلي بهدوءٍ لا يُفسَّر، ثم أشار إلى الكرسي أمامه\. جلست\. دقات قلبي كانت أعلى مما ينبغي، أسمعها، وأكاد أقسم أنه يسمعها أيضًا\. \*\*\* أنهى سيجارته، سحقها في المنفضة، ثم بدأ حديثه دون مقدمات: \*"هل تعلمين لماذا ناديتك؟"\* هززت رأسي بالنفي، أصابعي تشبكت ببعضها، محاولةً إخفاء ارتجافها\. \*"هل تعلمين لماذا لم نقتلك أنا ووالدتك حين أنجبتك واكتشفنا وشوم ذراعيك التي تدل على كونك ملعونة؟"\* الكلمات لم تحمل أي تردد، لم يكن هناك أي تعبيرٍ في صوته\. \*"لا\."\* أجبت سريعًا، دون تفكير، لأنني سألت هذا السؤال مراتٍ أكثر مما أستطيع إحصاءه\. لماذا يكرهونني؟ لماذا اختارني القدر لهذه اللعنة؟ ماذا تعني؟ هل تشكل خطرًا على أحد؟ هل سأظل هكذا؟ لكنه، كعادته، لم يمنحني سوى الحقيقة التي لم أكن أريد سماعها\. \*"تركناكِ حية لنكسب لأخيك فرصة حياة أطول\."\* \*\*\* هناك لحظات لا يمكن وصفها بالكامل، فقط يمكن الشعور بها، ويمكن للمرء أن يراقب نفسه وهو يتحطم خلالها\. وهذه كانت إحدى تلك اللحظات\. سمعت صوت شيءٍ يتكسر داخلي، سمعت الشرخ وهو يتوسع بلا مقاومة، سمعت الوجع وهو يبتلع أي شيء آخر\. هل كانت حياتي بلا أهمية لهذا الحد؟ لماذا لم يقتلوني وينهوا الأمر؟ شعرت بحرارة تحرق وجنتي، رفعت أصابعي لتلمسها، فوجدت دموعًا ساخنة، صامتة، تنساب كما لو أنها ترفض أن تُحبس هذه المرة\. وحينها، كما لو أن ذلك لم يكن كافيًا، جاءت الكلمات التي مزقتني بالكامل: \*"أليسا، كنتِ تريدين دخول الكلية العسكرية الملكية، أليس كذلك؟ ها قد جاءت الفرصة\."\* لم تكن فرصة، كانت صفقة\. \*"من اليوم، ستذهبين وتبدئين ببناء سمعتك العسكرية، وحين تنتهي، لدينا خر أخر لكي\.\.\."\* \*\*\* كان هذا إذن، شكل الحرية الذي أعطوني إياه\. أخذوا مني كل خيار، ثم أعطوني هذا\-أشكالاً جديدة من القيود، غلافًا مختلفًا لسجنٍ قديم\. ولم أستطع أن أقاوم، لأنني كنت أعرف أنني، مهما حاولت، لم أملك الخيار منذ البداية\. \*\*\* لم تفهم أليسا حينها المعنى الكامل لما سمعته، لكن الكلمات أثقلت روحها، كأنها نقشت في قلبها بحبرٍ من الأسى والظلم، لا يمحوه الزمن ولا تخففه الأيام\. لم يكن القرار مفاجئًا، لم يكن جديدًا عليها أن تجد مصيرها مرسومًا دون أن يُطلب رأيها، لكنها مع ذلك لم تستطع منع نفسها من الإحساس بالخسارة، وكأنها فقدت شيئًا لم يكن لها أصلًا\. في قصر الظلال، لم يكن هناك خيار، لم يكن هناك رغبة تُحترم أو إرادة تُؤخذ بعين الاعتبار\. كل شيء كان محفورًا مسبقًا، كأنه نقشٌ قديم على جدران هذا المكان، يُفرض على كل روحٍ تعيش تحت سقفه، دون استثناء\. حين غادرت مكتب والدها، شعرت وكأنها تركت خلفها آخر بصيصٍ من الأمان، ذلك الإحساس الخافت بأن الحياة لا تزال قادرة على أن تفاجئها، ولو قليلاً\. لكن هذا الأمل، أو ما كان يشبه الأمل، تلاشى بمجرد أن عبرت الباب، كأن الظلام قد استعاد قبضته على الأيام القادمة\. مرت الأيام ثقيلة، لم تكن تمر بل كانت تتداعى مثل أشواكٍ تنمو في صمتٍ بارد، يلتف حولها ويُخفيها عن أي إحساسٍ بالحياة\. كانت تعيش في فراغٍ ممتد، كأنها طيفٌ ضائع في فضاءٍ لا يملك نهاية، حيث الأشياء تبدو باهتة، حيث الزمن يتحرك بلا معنى\. توقفت عن رؤية نفسها كما كانت، لم تعد ترى ذاك الجمال الذي كان يفتن أعين الناس، لم يعد هناك شيءٌ من رونق تلك الخصل الذهبية التي كانت تلمع في ضوء الطفولة الراحلة، وكأن الضوء نفسه لم يعد موجودًا\. كل شيء تغير، حتى انعكاسها في المرآة بدا وكأنه شخصٌ آخر، كائنٌ انطفأت ملامحه، واستبدلت عيناه ببقعٍ زرقاء باردة، لا تشبه البحر ولا السماء، فقط عمقٌ لا يُقرأ، فقط فراغٌ لا ينتهي\. \*\*\* مرت الأيام وكأنها قطع من الزمن متشابكة في دوامة بطيئة، لا معنى لها سوى أنها تحاول دفعها نحو شيء لا تريده، نحو مصيرٍ لا يشبهها\. لكن وسط كل ذلك، كانت فكرة واحدة تلتهم تفكيرها، فكرة لم تستطع التغاضي عنها مهما حاولت: لماذا وافق والدها؟ كانت موقنةان الكراهيةا لمتجذرة في أعماقه أكبر من أن توافق يوما رغبتها رغبته \.\.\.كانت على يقين بأنه يحيك أمرا وراء ظهرها \. لكنها لم تستطيع الجزم بيقين عن الهدف\. والان السؤال الذي يؤرق مضجعها ,لماذا ربط والدها مصيرها بمصير أخيها مالشئ الذي يجعل حياة ومصير أخيها بيديها \.\.\.بذهابها للكلية \.\. في تلك الأيام السبعة التي تبعت الرحيل ,كان كل فجر يحمل معه عبء جديدا من الاحزان وكل غروب يغرقها أكثر في الانكسار \.كانت عيونها الزرقاء التي عكست يوما صفاء البحر وصفاء السماء ,اليوم تخفي خلف بريقها شعورا باردا ووحيدا ,وكأنها تحرس سرا لا يفصح عنه الا للنجوم المخطوطة على بساط الليل ,شعرها الذي كان سابقا يتمايل بانسيابية مع لمسة النسيم ,تحول الى ستار أشعث يخفي وراءه وجعا عميقا وعتمة صامتة \. وفي خضم هذا السكون الممزق ,وجدت نفسها تتلاطم الأفكار كما الأمواج بلا شاطئ ,احلامها التي كانت تتوهج بوهج خافت أصبحت الان عبارة عن شظايا من الألم والخذلان ,كان انفصالها عن ذلك المكتب الذي كان بمثابة اخر محطة للأمان بمثابة قسمة جعلت كل يوم يتأرجح بين برودة اللامبالاة وحرارة الذكريات المؤلمة \. لم تعد اليسيا تملك القدرة على الاستسلام للألوان التي كانت تزين عالمها ,بل أصبحت تنظر الى نفسها كعدسة منكسرة تظهر الحياة بجميع تناقضاتها ;فقد كان كل تفصيل من ملامحها ,من شعرها الاشقر الذي يهمس بأسرار ضائعة ,الى اجنحتها السوداء التي تعكس روحها الممزقة ,يعيد تعريف معنى الجمال بطريقة فلسفية عميقة ,حيث يحتضن الظلام النور في تناقض لا ينتهي \. وفي تلك اللحظات الحرجة بينما كانت ساعة الذكرى تقترب من موعد رحيلها نحو الكلية ,كانت تشعر بثقل الخطى على قلب عبثا حاول ان ينبض رغم الم الماضي كان عليها ان تخطو خطوة أخرى في مسار لم تعد تعرف فيه خطوات مكانها وكلما حاولت احتضان ذاك الامل المتوارث بين انين الليل وبرد الفجر ,كان الالم يعيدها الى ذلك المكان الذي اختلطت فيه الصفقة والذل والندم \. وفي أعماق هذا الانكسار كان لها لقاء صامت مع نفسها حين جلست وحيدة في ركن مظلم من غرفتها تنظر الى انعكاسها في مراتها ,تكتب على صفحات دفترها كلمات باردة وقاسية: "أحيانا\. تصبح الشقوق في الروح هي مدرجنا الوحيد الى سماء لا تعرف الاالهمس وكل دمعة تذيب جدار الوحدة تعيد رسم حدودنا بين النور والظلام" وهكذا مع اقتراب موعد رحيلها الى مرحلة جديدة من دروب الحياة احست اليسيا بان كلما تقدمت نحو ما يبدو وكأنه بداية ا خرى ,كان عليها ان تحمل معها كل جراحها كعلامة على عدم قدرتها على الاستمرار رغم كل شيء \. في حضرة هذه اللحظات الصامتة وفي عتمة هذه اللحظات الصامتة وفي عتمة الأيام التي قست عليها وعلى قلبها تبنت لها حقيقة مفادها ان الانكسار ليس نهاية بل هو انطلاقة متألمة في دروب ذاتها دروب تحمل بين طياتها وعدا بان حتى الروح المنكسرة يمكن ان تضئ حين يقترب الفجر مهما كان برده ولو كان قاتما \. وبينما كانت غارقة في لحظات شرودها على سريرها احست بحركة في ستائر غرفتها وعندما وقفت تقترب منها بخوف وحذر وهي تمسك سكينتها تقترب خطوة بخطوة نحو النافذة وفي لحظة امساكها للستارة احست بشخص يدفعها للداخل ويده تضغط على فمها ولم تستطع الصراخ ولا التنفس وفي لحظة كانت يديها مثبتتين بقبضتيه القوية تمنعها من الحراك \. 🎬🎬🎬🎬🎬🎬🎬 كااااااات أهلا وحبا بكم أيها الزافاريين كيف حالكم هذا الفصل إهداء لصديقتي \.\.ورفيقة دربي \.\.ممتنة لتشجيعك \.\.\. أعلم انكم انتظرتم طويلا وأنا ممتنة لانتظاركم لكن وضعي هاليومين: \(SKIP,BLOCK,DELETE\) والآن هذاالفصل كتعويض لكل من انتظر طويلا ,بالنسبة لمواعيد التنزيل فهي كل اسبوع فصل واحد يومه غير محدد لكن وعد لكل اسبوع فصل \. أيتها الطاقة الأيجابية hug me رايكم بالفصل \.\.\. لتعرفوا أخر الاخبار ومواعيد التنزيل الدقيقة والتسريبات ليس عليكم الا صفحتي على انستغرام تجدون رابطها في صفحة الواتباد زافيرًا مُورَاي \. Zafira Mouray أ ي اسئلة او اقتراحات لح رد عليكم بصفحتي \.\.\. طبتم وطابت اوقاتكم \.\.\.فرحا ووسرورا \.\.🩷🫂

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ريش ونار

المؤلف Zafira Moiré
2025/07/15 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة