تاريخ يتكرر!!!

تاريخ يتكرر!!!

18 0

وقفت إيرينا وسط مختبر إليانورا السري، أنفاسها تتردد في الغرفة الثقيلة بروائح الأعشاب القديمة والسحر الراكد\. كانت تحدق إلى الأرضية الخشبية بانتباه، إحساس غريب يراودها أن هناك شيئًا آخر مخفيًا عن العيون\. بحذر، سارت خطوات بطيئة نحو إحدى الزوايا حيث بدا السجاد المزخرف أكثر سماكة\. ركعت أرضًا، ومدّت يدها، وبدأت تُزيحه جانبًا\. تجمدت ملامحها للحظة\. أسفل السجاد، كان هناك لوح خشبي مختلف عن بقية الأرضية، تعلوه نقوش قديمة بالكاد تُرى بالعين المجردة\. "إيلي، أيمكنكِ تحليل هذا؟" همست\. ظهرت المساعدة الافتراضية بهيئتها الصغيرة البراقة، تطوف فوق اللوح، عيناها اللامعتان تتوهجان بتحليل سريع\. "إنه باب سرداب، آنستي\. مُحكم بطبقات من السحر الدفاعي المعقد\.\.\. يبدو أن من صنعه كان يخشى اكتشافه\." ابتلعت إيرينا ريقها، وأمرت النظام باستحضار أدوات اختراق متخصصة\. جلست القرفصاء، وأخرجت أدوات رفيعة لامعة من نظامها، وبدأت تعمل بحذر\. دقائق مرت، تلتها ساعات، والعرق يتصبب من جبينها\. لكن مهما حاولت، لم تستطع كسر الطبقات السحرية\. "مستوى الأمان\.\.\. يفوق قدراتك الحالية\." أعلنت إيلي بأسف\. نهضت إيرينا متأففة، عيناها تشتعلان بالإصرار، رغم الخيبة\. "سأعود، سأفتحك يومًا ما\." همست للسرداب كما لو كان خصمًا عتيقًا\. خرجت من الغرفة، وأغلقت الباب السري بعناية، ثم سارت في الممرات المظلمة للمنزل حتى وصلت إلى قاعة الصور العائلية\. هناك، أمام صورة كبيرة مُعلقة في صدر الجدار، وقفت\.  الصورة كانت لإليانورا وهي طفلة صغيرة، ترتدي فستانًا بنفسجي بسيطًا، عيناها البنفسجيتان تتألقان ببريق غامض\. طيف ابتسامة حزينة ارتسم على شفتي إيرينا\. "كنتي دائمًا تخفين أمورًا كثيرة، أليس كذلك، أختي؟" استعادت إيرينا حينها المعلومات التي حصلت عليها عندما اشترت ذلك الكتاب الثمين من متجر نظام إليانورا: \> "سرّ الدم البنفسجي: أصول آل ڤالينثرا المجهولة\." الكتاب كشف لها سرًا صادمًا\. عائلةڤالينثرا ، التي طالما اعتبرها الجميع من أرقى وأصفى سلالات النبلاء، لم تكن بشرية خالصة\. بل كانت تحمل دماء قديمة، دماء ملكية تعود إلى عهد العصور الأولى، حينما كانت عوالم البشر والشياطين لا تزال متداخلة\. الدم البنفسجي، الذي لطالما عُدَّ علامة نبالة وجمال فائق، كان في حقيقته أثرًا باهتًا من دماء ملوك المنسيين\. إليانورا\.\.\. كانت تعرف\. وكانت تحمل ذلك الدم بقوة أكثر من أي فرد آخر في عائلتهم\. ارتجفت يد إيرينا، وعقلها يعصف بالأسئلة\. لم يكن هذا مجرد ماضٍ ميت\.\.\. بل كان تاريخًا يُعيد نفسه\. كما في العصور القديمة، حينما تصارعت سلالات البشر و سلالات الباقية، ها هو التاريخ ينسج خيوطه مجددًا من خلال أحفادهم\. ومهما حاولت العائلة إخفاء الحقيقة، إلا أن الدم لا يكذب\. تقدمت خطوة نحو الصورة، رفعت يدها، ولمست خد إليانورا المرسوم برقة\. "هل كنتِ تخفين هذا لتحميننا\.\.\. أم لتحمين نفسكِ؟" تمتمت إيرينا بألم\. أجابت إيلي بصوت خافت: "آنستي، استنادًا إلى التحليل، يبدو أن دم آل ڤالينثرا قد يُثير قوى راكدة إذا تم تفعيله بطريقة ما\.\.\." إيرينا شهقت، فكرة واحدة تومض في ذهنها: "ماذا لو كانت أختي تحضّر نفسها أو أحدًا آخر لحدث أعظم\.\.\.؟" ابتعدت عن الصورة وهي تشعر أن خطواتها مثقلة\. أدركت أن فتح السرداب قد لا يكشف فقط أسرار إليانورا، بل قد يطلق شيئًا كان ينبغي أن يبقى مدفونًا\. ومع كل ذلك، عزيمتها لم تتزعزع\. همست بعزم وهي تغادر القاعة: "سأعرف كل شيء\.\.\. سواء أرادت أختي ذلك أم لا\." دفعت إيرينا باب مكتب والدها دوق سيران بقوة، فارتفع نظره نحوها ببطء، ريشة الكتابة معلقة بين أصابعه\. قال ببرود: "ماذا هناك، إيرينا؟" تقدمت بثبات حتى وقفت أمام مكتبه، يديها معقودتان خلف ظهرها\. قالت بصوت واضح لا ارتجاف فيه: "أريد أن أعرف الحقيقة\.\.\. سبب طرد عمي سايلاس وابنه راين من العائلة\." أسند الدوق ظهره إلى المقعد، قطب جبينه وأجاب بلهجة جافة: "ليس هذا من شأنكِ\." ارتفع حاجبا إيرينا، لكنها لم تتهز\. بل قالت بنبرة حادة: "بل هو شأني\. كل شيء يتعلق بالعائلة يخصني أيضاً\." نهض الدوق من مقعده، ودار حول المكتب بخطوات ثقيلة، حتى وقف قبالتها\. قال بصرامة: "أنتِ ما زلتِ صغيرة، وهناك أمور لا ينبغي لكِ معرفتها\." تقدمت نحوه خطوة أخرى، وعيناها تضطرمان بالتصميم\. قالت بهدوء مشوب بالتهديد: "لو لم تخبرني، سأعيد تفعيل نظام العائلة\. لقد كنت أطيع النظام منذ صغري، أؤدي كل المهام التي ألقيت عليّ لأصبح بطلة مختارة\. لكن حين لم يتم اختياري، أوقفت النظام منذ أحد عشر عاماً\." شهق الدوق بخفة، وكأنه صُدم بما سمع\. تابعت إيرينا بلا رحمة: "إن لم تخبرني الحقيقة الآن، سأستخدم النظام بطريقتي\.\.\. وسأسير على خطى راين سايلاس، وأكشف كل الأسرار التي أخفيتموها\." عقد الدوق حاجبيه، والشرر يتطاير من عينيه، لكنه أخيراً أدرك أن الإصرار في نبرة ابنته لا مجال للتفاوض معه\. جلس مجددًا إلى مكتبه، أسند مرفقيه إلى الطاولة وشبك أصابعه تحت ذقنه، قبل أن يقول بصوت ثقيل: "حسنًا\.\.\. إن كنتِ مصرة\." سادت لحظة صمت خانقة، ثم تنفس ببطء وقال: "عمكِ سايلاس لم يُطرد لطموحه، ولا لأنه أراد اختراق النظام كما أُشيع بين العامة\.\.\. بل لأنه تزوج شيطانة\." اتسعت عينا إيرينا بذهول\. "تزوج\.\.\. شيطانة؟" أومأ الدوق برأسه\. "نعم\. شيطانة من السلالة العليا\. كان يعلم أن هذا ممنوعٌ في العلن، لكنه فعلها رغمًا عنّا\." اقتربت إيرينا ببطء، وهمست: "لماذا\.\.\. لماذا المنع إن كانت العائلة نفسها مرتبطة بالشياطين؟" ابتسم الدوق بمرارة، كأن جرحًا قديماً انفتح\. "لأننا نخشى أن نكرر تاريخ أسلافنا\." ثم صمت قليلاً قبل أن يتابع: "منذ أزمان بعيدة، كانت عائلة ڤالينثرا تحمي سرًا خطيرًا\.\.\. نحن لسنا بشرًا خالصين\." ابتسم الدوق بمرارة، وقال: "إننا نحمل دماء الجنيات في عروقنا، منذ عهد بعيد، عندما توحد جنيات مع البشر لحماية هذا العالم من خطر الشياطين\." وضعت إيرينا يدها على صدرها، تشعر بقلبها يدق بجنون\. قال الدوق وهو يشيح بوجهه عنها: "على مدى قرون، حافظنا على هذا الإرث \. كانت مهمتنا دائماً أن نحمي ممالك البشر من الشياطين، ونقف حائط الصد الأول ضد قواهم السوداء\." سألته إيرينا بصوت خافت: "وماذا عن عمي سايلاس؟" أغلق الدوق عينيه بألم وقال: "لقد خان عهدنا\.\.\. تزوج شيطانة من السلالة العليا\. كانت مشاعره فوق عقلانيته، وبهذا أهان دماء الجنيات التي نحملها، وعرّض العائلة كلها للعار والخطر\." ارتعشت إيرينا من وقع الكلمات\. همست: "لهذا السبب طُرد\.\.\.؟" أومأ الدوق برأسه\. "نعم\. لم يكن أمامنا خيار آخر\. دماء الشياطين لا يمكن أن تختلط بدماء الجنيات\. إنه انتهاك لقوانين الطبيعة نفسها\." سادت الغرفة لحظة صمت ثقيل، قبل أن تقول إيرينا بشجاعة: "وماذا عني؟ أأنا\.\.\. نقية؟" نظر الدوق إليها طويلاً ثم قال: "نعم، دمكِ نقي\. ربما أضعف من أسلافنا، لكنه لا يزال دماً من الجنيات\." أطرقت إيرينا برأسها، أفكارها تتلاطم داخل عقلها كالعاصفة\. ثم رفعت رأسها وقالت بحزم: "مهما كانت الحقيقة\.\.\. سابحث عن ما اخفته العائلة\." وقف الدوق، ورمقها بنظرة معقدة مليئة بالخوف والفخر معاً، قبل أن يقول ببطء: "إيرينا\.\.\. السير في طريق الحقيقة قد يحرقكِ قبل أن يحرركِ\." ابتسمت إيرينا ابتسامة صغيرة، لكنها كانت مليئة بالتحدي: "فليكن إذًا\.\.\. سأحترق، لكنني سأحترق بإرادتي\." وغادرت المكتب، تتدفق في عروقها قوة جديدة\.\.\. وإرادة لا تلين\. \.\.\.\.\.\.\.\.\. في جناح الإمبراطور الفخم، حيث تغمر أشعة الشمس الذهبية أرجاء الغرفة، كان الإمبراطور ريتشارد جالساً على أريكة وثيرة، وقد ضم نيله الصغير بين ذراعيه كما لو كان أعظم كنز في العالم\. كان الرسام الملكي واقفًا أمام لوحته الضخمة، يحاول التقاط ملامح الأمير الصغير بدقة\. ومع كل مرة يحاول فيها تثبيت ريشته، كان نيل يتلوى متذمراً، ووجهه منتفخ بسبب عضات وقرصات والده المتواصلة\. ضحك الإمبراطور برقة وهو يقرص خد نيل المنتفخ مرة أخرى قائلاً: "آه، كم أنت لذيذ، يا أرنبي الصغير\!" صاح نيل وهو يتلوى: "آبا\! توقف\! خدي تؤلمني\!" لكن الإمبراطور تجاهل تذمره بكل أريحية، وانحنى ليعض خدّه الآخر بنعومة، مما جعل نيل يطلق صرخة احتجاج صغيرة\. تنحنح الرسام وهو يحاول ألا يضحك، ثم قال بتوتر: "جلالة الإمبراطور\.\.\. أرجوكم، هل يمكنكم البقاء ساكنين لبعض الوقت؟ لا أستطيع إنهاء الرسم بهذه الطريقة\.\.\." توقّف ريتشارد عن العبث للحظة، ثم أدار رأسه ببطء نحو الرسام، وعيناه تضيقان ببرود قاتل\. قال ببرود مخيف: "أتعني\.\.\. أن تأمرني أنا، الإمبراطور، أن أتوقف عن مضايقة أرنبي؟" شهق الرسام، وارتعشت يداه حتى كاد أن يسقط الريشة من قبضته\. تراجع خطوة إلى الوراء وهو يقول بفزع: "لا\.\.\. لا أبدًا يا مولاي\! لقد أسأت الفهم\! أرجو العفو\!" ابتسم ريتشارد بسخرية، ثم نظر إلى نيل الذي كان يحاول إخفاء ضحكاته الصغيرة تحت أنامله، قبل أن يعاود قرص خده الممتلئ، قائلاً بنبرة هادئة لكنها تحمل تهديدًا مبطنًا: "حسناً\.\.\. إن لم تُنهِ اللوحة بسرعة، سأجعلك نموذجاً لرماية الفرسان\." ارتجف الرسام بشدة، وانحنى حتى كاد أن يلمس الأرض برأسه وهو يصيح: "أمركم، أمركم، سأتمها فوراً يا جلالة الإمبراطور\!" ثم اندفع إلى العمل بحماسة هستيرية، يخط الريشة بخطوط سريعة على اللوحة كأن حياته معلقة عليها\. في هذه الأثناء، واصل الإمبراطور مداعبة نيله، يشد خديه تارة، ويقبله على جبينه تارة أخرى، بينما نيل يتلوى ضاحكاً ومتذمراً في آن واحد\. همس ريتشارد وهو ينظر إلى عينيه البنفسجيتين بوله: "لوحة واحدة لن تكفي لجمالك يا أرنبي\. سأجعلهم يرسمون ألف لوحة لك\." أطرق نيل رأسه بخجل، ووجهه يكاد يشتعل من شدة الاحمرار، ثم تمتم: "بابا\.\. أنت تحرجني\.\.\." ضحك الإمبراطور بحرارة، وشدّه إلى حضنه بقوة قائلاً: "دعهم جميعًا يرون\.\.\. كم أحبك، يا صغيري\." وهكذا، وسط ضوء الشمس الناعم، والعبث الرقيق، والتهديدات الخفية، كانت صورة نيل ترتسم على القماش\.\.\. تحمل بين طياتها ضحكات بريئة، وحبًا لا حدود له\. \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. وسط دفء حضن الإمبراطور ريتشارد، كان نيل قد استسلم أخيرًا لنعاس ثقيل، تغشاه سكينة الأطفال وهم يلوذون بأمان ذويهم\. ابتسم الإمبراطور بحنان وهو يشعر بأنفاس نيله الصغيرة تتراقص على صدره\. رفع يده بهدوء، مشيرًا إلى الرسام المرتبك قائلاً بصوت خافت لكن نافذ: "تابع الرسم، ولكن الآن\.\.\. أرسمه نائمًا\." أومأ الرسام مسرعًا، وهو يكاد لا يصدق جمال المشهد الذي أمامه: الإمبراطور العظيم، الذي تهتز القارات تحت رايته، يجلس ساكنًا يحمل صغيره النائم بعناية تفوق الحلم\. ثم لوّح الإمبراطور بإصبعه إلى أحد الفرسان الواقفين جانبًا وأمره: "أحضروا أدوات تسجيل فورية\.\.\. أريد أن أخلد هذه اللحظة، صوتًا وصورةً، نقشًا وحرفًا\." انطلق الفرسان بخفة، كأنهم في سباق مع الزمن، لجلب ما أمر به سيدهم\. كان الإمبراطور يتأمل وجه نيل الصغير بنظرات حانية لم يسبق أن رآها أحد على وجهه الجبروتي\.\.\. وكأن نيل كان شمسه الخاصة\. ومع كل هذا الهدوء والدفء\.\.\. كانت العاصفة الحقيقية تبدأ في مكان آخر\. \-\-\- فجأة، شعر نيل أن الأرض تحته تختفي، وأن الهواء من حوله ينقلب إلى بياض خافت\. وجد نفسه يسقط، يسقط بلا نهاية\.\.\. في فراغ لا يحتوي على شيء سوى الصمت، والضوء الأبيض المائل للزرقة\. رفع رأسه ببطء، قلبه الصغير يخفق بشدة\. ولكن قبل أن يصرخ أو يفكر، بدأ الفراغ يتبدد شيئًا فشيئًا\.\.\. تتشكل الأرض تحته بلون أخضر زمردي، وتملأ الأفق غابة شاسعة، أوراق أشجارها تتلألأ كالأحجار الكريمة\. بين تلك الغابة، كانت هناك فراشات كثيرة تحلق، أجنحتها تحمل لون البنفسج البراق، كأنها رسل من حلم بعيد\. وسرعان ما لفت انتباه نيل مشهداً أكثر روعةً\.\.\. وسط تلك الغابة الساحرة، وقفت امرأة ذات شعر أبيض كالثلج، ينسدل بنعومة على كتفيها، وعينان بنفسجيتان تتلألأن بالحياة والنقاء\. عرفها قلب نيل قبل أن يدركها عقله\.\.\. كانت هي\. اليانورا\. لكنها لم تكن كالسابق\. في ظهرها كانت تنبثق أجنحة فراشة هائلة، شفافة ولماعة، تبث حولها نوراً دافئاً ينير المكان بأكمله\. حدّق نيل بها بذهول، عاجزًا عن تصديق ما يراه\. ابتسمت اليانورا له برقة، وفتحت ذراعيها نحوه، كأنها تدعوه إلى حضنها\. لم يحتج نيل إلى دعوة أخرى\. ركض إليها بكل ما أوتي من قوة، والدموع تتلألأ في عينيه، كأنه طفل عاد أخيرًا إلى بيته\. عندما بلغها، انحنت نحوه وضمته إلى صدرها، وهمست بصوتٍ عذب ينساب مباشرةً إلى روحه: "لقد كبرت يا صغيري\.\.\." شهق نيل بين ذراعيها وقال بصوت متهدج: "أمي\.\.\. أمي\.\.\. هل هذه أنتِ حقًا؟" ضحكت اليانورا ضحكة صغيرة، رنّت في الغابة كالأنغام ، وقالت: "أنا جزء من قلبك، يا نيل\. جزء لا يمكن أن يمحوه الزمان ولا الأحزان\." رفعت رأسه بلطف بين يديها، تمسح دموعه بإبهامها، ثم أضافت: "لقد بدأ طريقك الحقيقي، يا أمير الأرنب\. عليك أن تتذكر\.\.\. ليس كل شيء كما يبدو، ولا كل زمن مكتوب لا يمكن تغييره\." ارتجف نيل وهو يهمس: "لكن\.\.\. أنا ظننت أنني متجسد، ظننت أنني لست نيل الحقيقي\.\.\." هزت اليانورا رأسها برقة، وأجابت: "أنت نيل\. لست ظلاً ولا دخيلًا\. روحك كانت هنا منذ البداية، حتى لو لم تكن تعلم\." غمره الدفء فجأة\.\.\. وكأن كل الشكوك والآلام التي حملها قد ذابت في حضنها\. لكن قبل أن يطرح المزيد من الأسئلة، بدأت الغابة تتلاشى من حوله، وكأن نسيمًا خفيفًا كان يطوي هذا العالم المصنوع من الذكريات\. شعر بجسده يعود للثقل\. \-\-\- بعد أن تلاشت الغابة البنفسجية وأريج الذكريات، وجد نيل نفسه واقفًا وسط الفراغ مجددًا\. الضوء الخافت يحيط به من كل جانب، لا أرض تحته ولا سماء فوقه، مجرد عدم لانهائي\. لم تمضِ سوى لحظات حتى ظهر أمامه مجددًا ذلك الكائن الهائل\.\.\. التنين ذو الحراشف اللامعة والعينين المتقدتين كجمرتين متوحشتين\. كان ضخمًا كجبل، يمتد ظله إلى ما لا نهاية\. خفض التنين رأسه الضخم حتى صار وجهه أمام نيل مباشرةً، ثم قال بصوت كالرعد: "ها قد التقينا ثانيةً، سيدي الصغير\." ارتجف نيل قليلًا لكنه استجمع شجاعته وقال بعبوس: "قلت لك سابقًا، لا أريد أي تدريب\! خطتي أن أعيش أميرًا مدللًا كسولًا، وأرسل أصدقائي الأبطال ليقاتلوا ملك الشياطين\!" توهجت عينا التنين بغضب مكبوت، وزمجر بقوة اهتز لها الفراغ من حولهم، وقال: "خطة سخيفة\! أنت وريث الإرادة القديمة\! عليك أن تكون مستعدًا\!" لوّح نيل بيده بإصرار وقال: "لا أريد\! ولن أقاتل\! أرسل أرين وروزاليا وجوزيف وسيليا، هم يحبون القتال\! أما أنا\.\.\. فأنا أحب النوم والاحتفال\!" زمجر التنين مرة أخرى، وفي لحظة، انقضّ عليه كالإعصار محاولاً الإمساك به\. شهق نيل ورجع إلى الوراء مذعورًا، ثم صرخ بأعلى صوته: "ماذا تفعل أيها الضخم المجنون؟\! قلت لك لا أريد\!" ابتسم التنين ابتسامة ماكرة وقال: "إن لم تأتِ إلي طوعًا\.\.\. فسأجبرك على الخضوع بالتدريب القسري\!" ثم بدأ يطارد نيل في ذلك الفراغ الأبيض الواسع، ونيل يركض بأقصى سرعة يستطيعها، يلهث ويتعثر، يصرخ بين حين وآخر: "هذا ظلم\! أنا مجرد أرنب صغير\! لا تطاردني أيها العجوز العملاق\!" ضحك التنين، وطار خلفه بسهولة وكأنه يستمتع بالمطاردة\. ونيل، رغم خوفه، لم يكف عن التذمر والشكوى بصوت عالٍ: "سأقدم شكوى رسمية لنظام الأبطال\! هذا التنين يضايق الأطفال\!" "أين حقوق الأرنب الكسول؟\!" "أريد محامياً\!" لكن الفراغ لم يجب إلا بضحكات التنين المدويّة، التي بدت وكأنها تهز العالم بأكمله\.\.\. واستمرت المطاردة الجنونية، حيث بدا أن لا مفر لنيل هذه المرة من قدره الذي يطارده، حرفيًا\. \.\.\.\.\.\.\.\. استمر نيل بالهرب في الفراغ اللامتناهي، يركض بخطوات قصيرة وسريعة بينما التنين خلفه يلاحقه بلا رحمة\. كان وجه نيل قد احمر من الجهد، وعيناه تدمعان من شدة الظلم الذي شعر به، وهو يلهث بصوت عالٍ: "ألن تتعب أيها العجوز الثقيل؟\! لدي ساقان قصيرتان فقط، وأنت لديك جناحان بحجم قلعتين\!" لكن التنين لم يتوقف، بل بدا وكأنه يستمتع برؤية نيل يتلوى ويهرب في كل اتجاه\. فجأة، لمح نيل في البعد ما يشبه بوابة صغيرة معلقة في الفراغ، تتلألأ بضوء خافت، فصرخ بحماسة: "النجاة\! أخيرًا\!" وانطلق بأقصى سرعته نحوها، ذراعيه تتحركان بعشوائية مثل أرنب صغير يحاول الفرار من صياد\. لكنه لم يكد يقترب حتى هبط التنين أمامه فجأة، مغلقًا الطريق بجسده الهائل\. وقف نيل وهو يلهث بشدة، واضعًا يديه على ركبتيه، ثم صرخ بيأس: "هذا تحرش صريح بالأرانب الصغيرة\! أين العدالة؟\!" ابتسم التنين ابتسامة واسعة كشفت عن صفوف من الأنياب الحادة وقال: "ليس هناك عدالة هنا، أيها الأمير الكسول\. فقط التدريب\.\.\. أو التدريب\!" ثم خفض رأسه حتى صار أمام نيل تمامًا، وأمسكه من ياقة ملابسه بلطافة لم يتوقعها، ورفعه عاليًا في الهواء\. بدأ نيل يتلوى بعنف كسمكة خرجت من الماء، يركل ساقيه في الهواء وهو يصرخ: "أنزلني\! لدي حصانة دبلوماسية\! سأرفع قضية تنمر ملكي ضدك\!" ضحك التنين بصوت ضخم، ثم قال: "آه، صغيري نيل\.\.\. التدريب قادم، شئت أم أبيت\." وقبل أن يتمكن نيل من الاعتراض مجددًا، شعر بدوامة من الضوء تحيط به، وكأن الفراغ كله ينقلب رأسًا على عقب\. وجد نفسه فجأة مرميًا وسط أرض عشبية غريبة، تحيط به جبال شاهقة وأنهار متلألئة\. وقف هناك مذهولًا، وهو ينظر حوله، ثم التفت ليجد التنين قد تقلص حجمه وأصبح بحجم حصان كبير\. ابتسم التنين بخبث وقال وهو يتقدم نحوه: "مرحبًا بك في حلبة التدريب الأولى\.\.\. استعد للجولة الأولى\!" صاح نيل، رافعًا يديه وكأنه يعلن استسلامه: "انتظر\! لا يمكننا التفاوض؟\! ماذا عن تناول الشاي أولاً؟ أو قيلولة صغيرة؟" لكن التنين لم يتوقف، بل هجم عليه بخفة مذهلة، وبدأت معركة مطاردة جديدة، هذه المرة وسط الطبيعة البرية، حيث الركض والصراخ والتدحرج أصبح روتينًا لنيل المسكين الذي لم يكن يتوقف عن الصراخ: "سأنتقم منك يوماً ما أيها التنين المشؤوم\! تذكّر كلامي\!" ولكن صدى ضحكات التنين وحده كان يرد عليه، فيما استمر يوم نيل بالكوارث والركض والهروب غير المجدي\. \.\.\.\.\.\.\.\. بعد مطاردة شاقة، توقف التنين أخيرًا وأطلق تنهيدة طويلة\. ثم تراجع خطوة إلى الوراء، ولمع جسده فجأة بضوء ذهبي خافت، قبل أن يبدأ بالتحول تدريجيًا\. أمام نيل، تقلص حجم التنين، وبدأت ملامحه تتغير\.\.\. حتى ظهر أمامه شاب طويل القامة، ذا شعر أبيض فوضوي، وقرنين صغيرين لا يزالان يبرزان من جبينه، وعينين ذهبيتين تشعان بالطاقة\. كما ظل ذيله الضخم المتقشر يتأرجح خلفه بمرح\. ابتسم الشاب الغريب بانتصار وقال بصوت عميق: "اسمي أزورا\. تشرّفت، أيها الأرنب الكسول\." حدق نيل فيه مصدومًا، ثم أشار إليه وقال بتلعثم: "أنت\.\.\. أنت ما زلت مخيفًا\! ماذا عن إخفاء الذيل على الأقل؟\!" ضحك أزورا ضحكة قصيرة وقال: "الذيل جزء من جسد الخاص بي\." ثم صفق بيديه، وظهرت أمام نيل فجأة لوحة ضخمة مكتوبة عليها "برنامج التدريب الخاص بالأرنب الكسول"\. قرأ نيل وهو مذهول: ١\. الركض من غضب تنين صغير \(بالمسافة الكاملة للجبل\)\. ٢\. التسلق الحر تحت المطر الساحر\. ٣\. الرقص مع السيوف الطائرة لتقوية ردود الفعل\. ٤\. الصبر تحت هجوم الحشرات السحرية\. ٥\. تمثيل الموت حتى يقتنع العدو\. نظر نيل إلى القائمة، ثم إلى أزورا، وقال بوجه شاحب: "هذه ليست تدريبات\.\.\. هذه أساليب تعذيب مبتكرة\!" ضحك أزورا، واقترب منه حتى وضع يده على رأسه بلطف ساخر: "كل بطل عظيم يبدأ بالتدحرج في الطين قبل أن يلمع كالذهب، صغيري\." صرخ نيل: "لا أريد أن أكون ذهبًا\! أريد أن أكون\.\.\. أرنبًا ناعمًا مدللًا\!" لكن أزورا تجاهله تمامًا، ولوّح بيده فظهر جبل شاهق مغطى بالأزهار البنفسجية، تتناثر حوله الفراشات السحرية\. قال أزورا وهو يمد ذراعيه نحو القمة: "أول مهمة\.\.\. تسلق الجبل خلال ساعة\. وإلا\.\.\. ستنام مع العناكب السحرية الليلة\!" تجمد نيل في مكانه، ثم بدأ يركض بخطوات مضطربة نحو الجبل، وهو يصرخ: "أمي\! أبي\! أريد العودة إلى حياتي الكسولة فورًا\!\!" وقف أزورا وهو يراقبه، وابتسامة مملوءة بالتسلية ترتسم على وجهه\. ثم قال هامسًا: "آه، أيها الأمير الكسول\.\.\. ستشكرني يومًا ما\." لكن صدى صراخ نيل، المتصاعد مع تسلقه المتعثر، لم يكن يبشر بأي امتنان قريب\. \.\.\.\.\.\.\.\. في منتصف التسلق، أو بالأحرى، بالكاد بعد خمس خطوات مرتجفة إلى الأعلى، جلس نيل على إحدى الصخور الكبيرة، وهو يلهث وكأنه أنهى تسلق جبل كامل\. رمق قمة الجبل بنظرة حزينة يائسة، ثم تمتم: "هذا مستحيل\.\.\. أنا لست مصنوعًا لهذا\.\.\. أنا مصنوع للبطاطين الدافئة والحلويات\!" فكر نيل بسرعة، واستدعى الخطة الوحيدة التي برع بها في حياته القصيرة: التظاهر بالموت\. استلقى فورًا على الصخرة، وفتح فمه قليلًا، وأمال رأسه بطريقة درامية، وأسدل جفنيه حتى بدا كأنه فارق الحياة لتوه\. حتى أنه وضع يده فوق صدره بتثاقل، تمامًا كما شاهد في المسرحيات القديمة\. همس لنفسه بفخر: "رائع\.\.\. أداء من الدرجة الأولى\. حتى النقاد لن يشكوا\." مرت دقائق قليلة\. فتح نيل عينًا واحدة بحذر\.\.\. لم يكن هناك أحد يقترب منه\. ابتسم بخبث داخلي: الخطة تعمل\! لكن قبل أن يهنأ بنصره، دوى صوت ثقيل فوقه: "هل انتهيت من الموت، أم أنك تحتاج إلى مراسم دفن كاملة؟" ارتجف نيل في مكانه، وببطء شديد، رفع رأسه ليرى أزورا واقفًا فوقه، ذراعيه معقودتين، وابتسامة واسعة ترتسم على وجهه، وعيناه الذهبيتان تتوهجان بمكر شيطاني\. همس نيل بضعف: "أنا\.\.\. أنا روح تائهة\.\.\. لا تزعجني\.\.\." ضحك أزورا ضحكة قصيرة ثم جلس القرفصاء بجانبه وقال: "أحسنت في التمثيل\. لكن لدي تدريب خاص بالأرواح الكسولة أيضاً\." صفق أزورا بيده، فظهرت فجأة شبكة ذهبية تطوق نيل، حملته كالعصفور الصغير وسحبته للأعلى\. صرخ نيل وهو يتخبط داخل الشبكة: "خيانة\! خداع\! أين حقوق الأرنب الكسول؟\!" ضحك أزورا بصوت مرتفع وقال وهو يسحب الشبكة عبر الهواء: "ستتعلم أولاً كيف تموت بشكل جميل\.\.\. ثم سنتعلم كيف نعيش\!" وهكذا، بدلًا من أن يتسلق الجبل بقدميه، كان نيل يُسحب في الهواء كجورب مبلل، يصرخ ويتلوى، بينما أزورا يواصل سحبه بلا رحمة، غير آبه بتوسلاته أو ادعاءاته الدرامية بالموت\. \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. في جناح دوق سيران الواقع على الطرف الجنوبي لقصر العائلة ، جلس الدوق في مقعده الوثير، يحدق بصمت إلى المدفأة التي كانت تتراقص ألسنتها الذهبية برتابة\. في تلك اللحظة، لم يكن دوق سيران، بل مجرد أخٍ يئنّ تحت وطأة الذكريات\. أسند رأسه إلى ظهر الكرسي وأغمض عينيه، ليتداعى أمامه طيف أخيه التوأم، سايلاس\. كانا توأمين بالميلاد، لكن القدر شاء أن يفرقهما منذ اللحظة الأولى\.\.\. لون شعر سيران كان أبيض كالثلج، رمز نقاء جينات الجنيات، في حين أن شعر سايلاس كان أسود كسواد الليل، يحمل ظلال سلالة لم تُرضِ العائلة\. في عالم الجنيات، ذلك الفرق البسيط لم يكن مجرد تفصيل شكلي، بل كان وصمة\. نبذ المجتمع سايلاس، وهمسوا من خلف ظهره، وكأن لونه قد لوث نقاء دم العائلة\. ومع أن سايلاس كان الأخ الأكبر، لم يكن يحظى بأية معاملة تليق به\. على العكس، كان والدهم، اللورد أورفال، يولي سيران كل عنايته، كمن يرفض حتى الاعتراف بابنه الأول\. لكن سايلاس لم يبدُ يومًا غاضبًا\.\.\. لم تظهر في عينيه نيران الحسد أو الكراهية\. بل كان دومًا مبتسمًا، حانيًا، يقف إلى جانب سيران، يعلمه الكتابة، والمبارزة، وأصول القيادة، وكأنه يعلم أن حياته ستغدو ظلًا وراء أخيه الأصغر\. "أنت ستكون دوق العائلة القادم،" قالها سايلاس ذات مساء، حين كانا لا يزالان طفلين يتعلمان فنون الحكم، بينما حمل سيران السيف بارتجاف\. "وأنا سأكون ظلك الذي يحميك من بعيد\." تألم سيران عند تذكر تلك الكلمات\. كان سايلاس محبًا له أكثر مما استحق، ومع ذلك\.\.\. خانتهما الأقدار\. تذكر تلك الليلة المشؤومة\.\.\. ليلة طُرد فيها سايلاس\. لم تكن مشادة عادية مع والدهما\. لقد كان نزاعًا عاصفًا، اتهامات بالخيانة، ونظرات احتقار لا تُنسى\. صرخ والده: "لقد جلبت العار لعائلتنا، بلونك، بوجودك\! اخرج ولا تعد\!" وخرج سايلاس\. لم يتوسل\. لم ينظر خلفه\. بعدها بسنوات، ظهر مجددًا فجأة، على عتبة قصر العائلة، متزوجًا من شيطانة\. وجلب معه عارًا جديدًا، أكبر من أن يُغتفر\. رغم ذلك، بقي سايلاس في القصر لبعض الوقت، لا دفاعًا عن نفسه، بل وكأنه يودع المكان الذي كان منزله ذات يوم\. وغادر ثانيةً، بهدوء كما أتى\. ومرت السنون، وغاب خبره، حتى اعتقد الجميع أنه اختفى إلى الأبد\. إلى أن جاءت تلك الليلة\.\.\. طرق خافت على باب القصر الرئيسي\. خادم مذهول يحمل رسالة، وطفل صغير ملفوف في عباءة رمادية\. كان الطفل صورة مصغرة عن سايلاس: شعر أسود كالليل، وعينان بنفسجيتان عميقتان كالبحر\. في الرسالة كتب سايلاس بخط يده المألوف: "إن وصلك هذا الطفل، فاعلم أنني قد سقطت بيد الشياطين\. اسمه راين\.\.\. إنه ابني\. اعتنِ به، كما اعتنيتُ بك صغيرًا\." ارتجف سيران عند تذكر تلك الكلمات\. الغريب أن راين لم يكن يشبه سايلاس وحده\.\.\. بل كان يشبه ابنه هو، راينوس، حد التطابق تقريبًا، لدرجة أربكت الجميع\. وافق والدهم العجوز على بقاء راين\. ربما بدافع الندم المتأخر، أو ربما لأن الطفل كان بمثابة فرصة ثانية للتكفير عن خطأ قديم\. لكن الحقيقة التي يعرفها سيران وحده\.\.\. أنه في كل مرة كان ينظر إلى راين، كان يرى سايلاس\. يرى أخاه الذي فقده مرتين: مرة حين طُرد، ومرة حين مات\. تنهد سيران بمرارة ومسح وجهه بكفه\. همس في نفسه: "آه يا سايلاس\.\.\. كنت دائمًا النور الذي فقدناه جميعًا\." في الخارج، كانت الرياح تعصف فوق حدائق آل أورفال، حاملة معها أصوات الماضي\. وسيران، في عزلته، ظل يستمع لها، كأنها نداء بعيد من أخ مفقود، لا يزال يحرسه من وراء الغياب\. \.\.\.\.\.\.\.\.\.\. مرت السنوات ثقيلة فوق قصر وراين الصغير كبر بين جدرانه العتيقة\. كان ذكيًا بشكل لافت، مرحًا أحيانًا، ومتقلب المزاج غالبًا، يحمل خلف ابتسامته الحلوة ظلالًا لا يراها إلا القليلون\. سيران كان يراقبه عن كثب\. لم يتعامل معه كأي طفل آخر؛ كان يرى فيه شبح سايلاس، أخاه المفقود، وكان يكافح كي لا يختلط حبه لأخيه بشفقةٍ على الطفل الذي ترك وحيدًا في هذا العالم\. لكن القدر، كما هو دائمًا، كان يحمل في طياته طعنة جديدة\. ذات صباح، قبل خمس سنوات، استيقظ القصر على فوضى عارمة\. الأبواب مفتوحة، الخدم مذعورون، والنظام السحري الأساسي لعائلة ، ذلك النظام القديم الذي يحمي أسرار العائلة وخزينتها الخاصة، قد اختُرق بطريقة غامضة وغير مسبوقة\. تدفقت الأخبار كالنار: "راين قد خانهُم\." سرق جزءًا ضخمًا من خزانة القصر، واختفى كما يختفي الضباب مع أولى لمسات الشمس\. في البداية لم يصدق سيران\. وقف صامتًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، حيث اجتمع كبار العائلة، والدم يغلي في عروقه\. راين\.\.\. الذي رباه بيديه\.\.\. الذي وثق به كابنه\.\.\. يطعنه؟ كان الغضب والخيانة يعتصرانه حتى كاد صدره ينفجر\. ومنذ ذلك اليوم، مُسح اسم راين من سجل العائلة\. صار منبوذًا، متهمًا، وصار جرحًا لا يندمل في قلب سيران\. سنوات مرت\. وذات يوم\.\.\. حين لم يكن يتوقع أبدًا\.\.\. في قصر الإمبراطور العظيم، حيث كانت زينة العالم مجتمعة، والفرسان يؤدون تدريباتهم في الساحات المرصوفة، رأى سيران ذلك المشهد الغريب\. في أحد الأروقة، قرب جناح العائلة الإمبراطورية، لمح راين\. \(ملاحظة هنا نيل كان عمره سنتين تقريبا سنوات اي ليست حادثة القصر الإمبراطوري وشجارهم هناك \) كان الشاب المتشح بالسواد مستندًا إلى الجدار، يمسك بيده زجاجة رضاعة، يُرضع بها نيل الصغير الذي كان يرفرف بأذنيه كأرنب صغير وينظر حوله بعينين مبللتين بالدهشة\. تجمد سيران في مكانه\. الغضب انفجر في عينيه وهو يتقدم بخطوات سريعة نحو راين\. بكلمات مشتعلة كالسهام، قال له: "أيها الأحمق\.\.\.\! ماذا تفعل هنا؟\!" رفع راين عينه ببرود قاتل، وابتسم ابتسامة ساخرة وقال: "أُطعم أميركم الصغير\. أمازلتم تتغذون على الخيانة أكثر من الحليب؟" صرخ به سيران بغضب مكبوت: "عد إلى الجحيم الذي خرجت منه، قبل أن أجعل الإمبراطور نفسه يسجنك\!" ضحك راين ضحكة منخفضة، ناول نيل للوصيفة المرتجفة بقربه، ثم مال هامسًا: "أحيانًا، يا عمي العزيز ، لا يمكنك الهرب من الدم\.\.\. سواء كان نقياً أو ملطخاً\." ثم، كما ظهر فجأة، اختفى\. بحثوا عنه في كل مكان\. لم يجدوا له أثرًا، وكأن الأرض قد ابتلعته\. ومنذ ذلك اليوم، كلما مرّ سيران بجوار أروقة قصر الإمبراطور، كان يشعر أن ظل راين لا يزال يراقبه، مختبئًا خلف ستار ما، يبتسم بتلك الابتسامة الساخرة التي كانت تحرق قلبه أكثر من أي طعنة\. \(سايلاس \)  \(سيران \)  \(زوجة  سايلاس \)  \(رأين \)  \(راينوس \)  هــاي متابعيني اللطيفين يلي ينورون عالمي بوجودهم \>////\< روزي الحنونة جايه تركض لكم بكل حب ودفء\! \(っ\>///\<\)っ♡ اليوم بهذا الفصل  مشاعري مختلطة بين الحماس، التوتر، والفرحةaaahhhh \>////\< أبغى أعرف بسرعة: رأيكم بالفصل؟؟ حسيتوا بالحماس؟ بالغموض؟ قلبكم كان يدق بقوة مثلي وأنا أكتب كل كلمة؟ \>\_\< وخصوصًا الغموض يلي بدأ يتسرب بكل ركن من القصة\.\.\. تحسون الموضوع صار يفتح أبواب جديدة؟؟ ولا لسه تبغون تنصدمون أكثر بالفصول الجاية؟ \(。︿•̀。\) ووووو أهم شيء لازم نحكي عنه بجدية مع لمسة حب: \(بالفصول القادمة توضح \) رأيكم بقصة حب سايلاس وشيطانه الجميلة؟؟ أنا حرفيًا ذبت وأنا أكتبهم، خصوصًا لما يكون بينهم ذاك الحزن الدفين والحنين المسكوت عنه\.\.\. تحسون علاقتهم "قدرية" ومكتوبة رغم كل شيء؟ ولا قلوبهم راح تتعذب أكثر؟ \(ಥ﹏ಥ\) وكمان بلييز قولو لييييي: رأيكم بزوجة سايلاس الجميلة؟ \>///\< صراحة؟؟ مو طبيعييييية\! جمالها، قوتها، حضورها، كل شيء فيها يخلي القلب ينخطف\!\! أنا أشوف سايلاس معه ألف حق يتزوجها، من يقدر يقاوم هالفتنة يا جماعة \>/////\< والمفاجأة يلي فجرت عقولنااااا: لما عرفتم إن نسل عائلة إليانورا من الجنيّات؟؟؟\!\!\! انصدمتوا؟؟ ولا كنتوا شاكين من أول؟ بصراحة أنا توقعت بعضكم يقول "يمكن سحرة؟ يمكن مخلوقات خاصة يمكن شياطين؟" بس جنيات؟؟ قولوا لييي وش كنتم تتوقعون قبل ما تنكشف الحقيقة \>\_\< وفي النهاية، لازم أسأل سؤال حياتي: الفصل كان حماسي كفاية؟؟ تحسون خلاص بدأنا نلمس الجمر الحقيقي تحت الرماد؟ ولا تنتظرون الدمار الأكبر الي جاي بالطريق؟ \(っ\>\_\_\<\)っ روزي تحضنكم كلكم وتهمس: "وجودكم هو أجمل قصة حب أكتبها كل يوم" \>////\< لا تحرموني من تعليقاتكم يلي تذوب القلب\!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

"الأمير الكسول يرفض البطولة!"

المؤلف rwzi_1
2025/07/12 مستمرة
قائمة الفصول (35)
الفصل 1: بداية غير مرغوبة
2025/07/12
الفصل 20: تاريخ يتكرر!!!
2025/07/13
الفصل 21: ولادة أورغيث ...الأرنب الملكي في خطر
2025/07/13
الفصل 22: طاغية يستمتع ... في تعذيبي !!
2025/07/13
الفصل 23: زواج الأرنب...و دموع جنيات
2025/07/13
الفصل 24: الموكب الملكي... بين الأرنب والسنجاب والسهم الوردي
2025/07/13
الفصل 25: الوجع نغمة حين يصدر منك صغيري
2025/07/13
الفصل 26: ليس مجددا التنين .... و الفراغ!!
2025/07/13
الفصل 27: أجنحة رماد و دماء جنيات
2025/07/13
الفصل 27: سقوط الفأر....وابتسامة وحش
2025/07/13
الفصل 28: سقوط الفأر وابتسامة وحش
2025/07/13
الفصل 29: شيفرة الخيانة... ونبض إليانورا الأخير
2025/07/13
الفصل 30: الصغير و المجنون
2025/07/13
الفصل 31: حاجز من جحيم .....وعقاب الارنب
2025/07/13
الفصل 32: حين قرر الأرنب أن يقفز من سريره... فوق رؤوس الجميع!
2025/07/13
الفصل 33: سيف، عناق، و50 جنيّة غاضبة
2025/07/13
الفصل 19: شيطان في خدمتك ؟
2025/07/13
الفصل 18: أمي ؟
2025/07/12
الفصل 17: أبي يفضل الأرنب
2025/07/12
الفصل 2: صباح كارثي
2025/07/12
الفصل 3: النظام وصدمة الكبرى
2025/07/12
الفصل 4: عودة الأخ... الأكبر مكبرة جدا
2025/07/12
الفصل 5: الأرنب الملكي في ورطة ملكية
2025/07/12
الفصل 6: زفاف الملكي للارنب المتمرد
2025/07/12
الفصل 7: هل غيرت رواية دون أن أدري ؟
2025/07/12
الفصل 8: راين متجسد !!!!!!
2025/07/12
الفصل 9: ألارنب الملكي في جولة !
2025/07/12
الفصل 10: عائلة ڤالينثرا
2025/07/12
الفصل 11: حفلة ملكية على شرف الأرنب الملكي
2025/07/12
الفصل 12: حفلة تعذيب؟
2025/07/12
الفصل 13: مهمة إنقاذ الأرنب الملكي
2025/07/12
الفصل 14: عودة أدريان هل هذا سيء ؟
2025/07/12
الفصل 15: أذهبوا إلى الجحيم ؟!
2025/07/12
الفصل 16: صراع الأرنب والديك
2025/07/12
الفصل 34: أنا أريد الحلوى... لا البطولة
2025/07/13

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة