سكون ماقبل العاصفة

سكون ماقبل العاصفة

15 0

📖 الفصل الأول: سكون ما قبل العاصفة منذ شهرين\.\.\. كنت واقفة في المكان الخطأ، في الوقت الخطأ\. كل شيء كان عادياً في طريقي إلى المكتبة… حتى لمحت السيارة السوداء تقف في الزاوية، محركها يعمل، ولكن لا أحد في الداخل\. أول فكرة خطرت لي كانت "سيارة مهجورة"\. لكن عقلي القانوني الهش تمرد: "لا أحد يترك محركه يعمل… إلا إن كان مستعجلاً… أو هارباً\." اقتربت… لا أعلم لماذا\. ربما كنت أشعر بالحاجة إلى كسر روتين يومي البارد، أو ربما… كنت بحاجة لشعور بالخطر\. نظرت عبر الزجاج، رأيت شيئًا\. ليس واضحًا… لكنه كان ملفًا بنيًا، مفتوحًا قليلًا، تظهر منه صورة وجهٍ مألوف\. أردت أن أبتعد… لكن أصوات الأقدام خلفي جمدتني\. — "ابتعدي\." كان صوته منخفضًا… ثقيلًا… يشبه الرصاص البارد\. استدرت ببطء، ورأيته لأول مرة\. طويل، ساكن، عيناه بلون رمادي قاتم، لا يظهر فيهما أي ضوء\. يرتدي معطفًا أسود يصل إلى ركبتيه، وبدا وكأنه خرج لتوه من جريمة، لا إليها\. — "هل فتحتِ الباب؟" — "لا…" — "هل لمستِ شيئًا؟" — "لا… كنت فقط… أنظر\." اقترب خطوة واحدة فقط\. لكنها كانت كافية لأن يختفي كل الهواء من حولي\. — "احذري، سولين\. بعض النظرات تكلّف أصحابها أكثر مما يتوقعون\." اسمي؟\! كيف يعرف اسمي؟ لم أسأله… لم أتحدث أكثر… ولم أتنفس جيدًا من بعدها\. لكني لم أكن أعرف… أن هذه اللحظة ستكون البداية\. بداية شيء… لن أستطيع التراجع عنه\. لم أستطع النوم تلك الليلة\. كان شيءٌ ما داخلي يتحرك ببطء… ليس خوفًا… بل توترًا غريبًا… وكأنني دخلت ساحة لا أعرف قوانينها\. "احذري، سولين\." كلماته لا تزال تدور في رأسي، ببرودة أشبه بالشتاء\. ولم أنسَ نظراته… نظرات لا تبحث عن إجابات، بل تكشفها\. في اليوم التالي، قررت أن أتجاهل\. ألبست سترتي الرمادية، ربطت شعري، وذهبت إلى المحاضرة\. لكنني كنت أشعر أن كل شيء في الجامعة أصبح ضيقًا… كأن العيون تتبعني… أو أنني أنا من أصبحت أراقب نفسي\. في الردهة، سمعت همس البنات خلفي: — "يقال إنه كان هنا أمس…" — "اللي يقولون عنه محقق الظلال؟" — "اسمه إيرم، مو؟" توقفت\. اسمه… إيرم؟ مجرد سماعه جعلني أبتلع ريقي… ببطء\. لم أكن أعرف لماذا، لكن اسمه ثقيل على لساني… مثل القفل على الباب المغلق\. وفي الليل، تلقيت رسالة على هاتفي… من رقم مجهول\. \> "موعدك للتحقيق في قضية السيارة السوداء – الغد، 10 صباحًا\. مبنى التحقيق، الطابق السادس\. – إيرم\." … كيف حصل على رقمي؟\! لماذا أنا؟\! يدي كانت ترتجف وأنا أغلق الهاتف\. لم أستطع الرد… ولا حتى التفكير\. لكن قلبي، ورغم كل شيء… دقّ نبضًا مختلفًا\. \-\- ~~~~~ الساعة 9:57 صباحًا\. كنت أجلس على كرسي خشبي في الممر الطويل، أمام باب معدني كتب عليه: "التحقيقات الخاصة – غرفة 6B" يداي متجمدتان رغم المعطف\. كنت أسمع كل شيء… حتى خطوات السكرتيرة البعيدة، وحتى أنفاسي المرتبكة\. لم يكن هناك أحد في الممر… فقط أنا\. ثم… انفتح الباب\. خرج رجل يرتدي قميصًا رماديًا، ملامحه عادية… لكن خلفه، كانت هناك عينان رماديتان تخرج ببطء من الظل\. إنه هو\. نفس الرجل… نفس الصوت البارد… إيرم\. لم يقل اسمي\. لم يطلب مني الدخول\. فقط نظر إليّ\. ولسبب لا أفهمه… وقفت فورًا، ودخلت\. \-\-\- الغرفة صغيرة\. طاولة بيننا\. كرسيان متقابلان\. كاميرا في الزاوية… ومسجل صوت فوق الطاولة\. جلست\. لم أستطع رفع عيني\. كنت أسمع فقط صوت الورق حين فتح الملف، وصوت قلمه وهو يكتب شيئًا\. ثم قال بصوته العميق: — "اسمك الكامل؟" حاولت التحدث… لكن صوتي خرج أضعف مما توقعت: — "سولين… سولين كارمن\." كتب\. صمت\. ثم: — "ماذا كنتِ تفعلين قرب السيارة السوداء، الساعة 5:43 مساءً؟" نظرت إليه أخيرًا\. وجهه بلا ملامح\. حتى حاجبيه لا يتحركان\. كأن كلماته خرجت من آلة، لا من رجل\. — "كنت… كنت أمشي فقط\. رأيتها غريبة… المحرك يعمل… فاقتربت\." — "ولماذا اقتربتِ؟" — "لا أعلم… فضول؟" توقف عن الكتابة، ورفع عينيه نحوي\. نظرة واحدة فقط\. لكنه قال بعدها: — "الفضول أحيانًا يقتل\." … شعرت بوخزة في قلبي\. لم يكن يتهمني… لكنه لم يكن يصدقني تمامًا أيضًا\. — "هل أنتِ مرتبطة؟" سؤال مفاجئ\. رفعت حاجبيّ، وشفتاي تحركتا قبل أن أستوعب: — "عذرًا؟" أغلق الملف فجأة، وقال بنبرة باردة: — "مجرد سؤال… يساعد على تقييم احتمالات الدوافع\." نظرت إليه بصمت\. كنت أراه يكتب شيئًا مجددًا… دون أن يخبرني\. ثم وقف\. — "التحقيق انتهى\." — "هذا كل شيء؟" اقترب مني خطوة\. وبصوت خافت جدًا، قال: — "ليس بعد… هذا فقط البداية\." ثم غادر الغرفة\. وتركني وحدي… أتساءل: هل كنت أنا التي تُستجوب؟ أم هو الذي بدأ في فتح ملفي… دون أوراق؟ اليوم التالي، عدت إلى جامعتي\. كل شيء بدا كما هو… الزحام، الضجيج، الأوراق المتطايرة في الممرات… لكن داخلي لم يعد كما كان\. كل صوت، كل لمحة، كل شخص يمرّ بجانبي… شعرت أنه يراقبني\. وربما الأسوأ… أنني بدأت أراقب نفسي\. — كنت أجلس في الساحة الخلفية، على الكرسي الخشبي تحت شجرة التين، المكان المفضل لي ولـ ليان … صديقتي الوحيدة تقريبًا\. وصلت متأخرة كعادتها، تحمل القهوة في يد، وكتاب مادة العقوبات في يد أخرى\. — "وجهك شاحب، مو وقتك هذا؟" — "ما نمت كويس…" — "امتحان؟ ولا قلبك تعبان؟" ابتسمت دون أن أرد\. لم أكن مستعدة أن أخبرها عن "إيرم"\. ولا عن رسالته، ولا عن غرفة التحقيق، ولا عن سؤاله الغريب\. — "كأنك شفتي شبح\." قالتها وهي تضع قهوتها وتحدّق فيني\. — "ما أدري، يمكن…" — "لا سولين، في شيء\." صمتّ\. ثم نظرت بعيدًا، إلى سور الجامعة، حيث رجل ببدلة رمادية يقف بسيارة سوداء… لا يتحرك\. لا يمكن… هل هو؟\! رمشت… ثم اختفى\. وكأنني توهمت\. — "ما بالك؟" سألت ليان باستغراب\. — "لا شيء… فعلًا\." — في المساء، جلست مع أخي سون في المطبخ\. كان يقطع الخضار ويشتكي من دوامه في المستشفى\. — "أسبوع كامل مناوبة، ما بقى إلا أنام في غرفة العمليات\." قالها وهو يضحك\. أجبته وأنا أشرب الشاي: — "لو نمت فيها، على الأقل ترتاح من الناس\." ضحكنا معًا\. كان الجو مريحًا… لحظة أمان نادرة\. لكني لاحظت شيئًا على طاولة المطبخ… ورقة\. ملاحظة مكتوبة بخط غريب: \> "الملف الذي رأيتيه ليس صدفة\. انتبهي يا سولين\." تجمدت\. نظرت حولي\. أخي كان يقطع الخضار، لا يبدو عليه شيء\. أخذت الورقة بهدوء، وضعتها في جيبي، ولم أنطق بكلمة\. من وضعها؟ كيف وصلت هنا؟ ليست من سون، لا مستحيل\. هل كان أحد هنا؟ هل هو…؟\! ~~~~~ في صباح اليوم التالي استيقظ سون باكرا للذهاب للعمل لكن قبل ذلك توجه لغرفة اخته ورأها نائمة بوجه بريئ\. اقترب منها لامس شعرها وقال: — "سولين؟ قومي جهّزي نفسك، بتجيني معي للمشفى\." رفعت رأسي من الكتاب ببطء\. — "ليش؟" — "عشان تتنفسين\. وتتحرّكين\. وتشوفين ناس غير جدران غرفتك\." أرادها بسيطة\. مشوار بسيط، بعض الساعات في مكتبه، وربما كوب قهوة في كافتيريا الطابق الأرضي\. لكنه لم يكن يعلم… أن هذا اليوم سيزرع في قلبي ارتجافة جديدة\. — لبست معطفًا بيج طويل، رفعت شعري كعكة صغيرة، واكتفيت بمرطب وردي على شفتاي\. نظرت لنفسي في المرآة… نظرة عابرة… لم تكن لإعجاب، بل لمجرد التأكد أني أبدو "كأنني بخير\." وصلنا المستشفى\. رائحة المطهرات، الأضواء البيضاء، أصوات الخطى السريعة… كل شيء بارد\. لكنني كنت مرتاحة بطريقة غريبة\. ربما لأن سون كان بجانبي… أو ربما لأنني كنت "في الظل"، ولا أحد يعرفني هنا\. دخلنا إلى قسم الطوارئ\. سون سلّم على بعض الزملاء، ثم جلس على كرسي أمام مكتبه وقال: — "اجلسي هنا، بس لا تلمسين الملفات، أوكِ؟" أومأت\. جلست… بدأت أراقب\. المرضى يدخلون، الأطباء يخرجون، ممرضات يتحدّثن\. ثم رأيت لوحة على الجدار، تحت عنوان: "أكثر الحالات تعقيدًا خلال الشهر الماضي" اقتربت… كانت فيها صور رمزية، ملفات، تواريخ، و… صورة لوجه\. وجــــه\! تجمدت في مكاني\. نفس الصورة التي كانت تظهر من ملف السيارة السوداء\. شاب في الثلاثينات… وجهه مشوه قليلاً من الجانب الأيسر\. تاريخ: 12 أبريل\. اسم: م\.ش الوضع: مفقود منذ 28 يومًا – شوهد آخر مرة في الحي الجنوبي\. شعرت بوخزة في معدتي\. — "سولين؟" التفت، سون يناديني\. — "نعم؟" — "تعالي، في مريضة صغيرة بتخاف من الإبر، أبيك تجلسين معها شوي… أظن راح ترتاحلك\." لم أستطع الرفض\. لكن قلبي كان مشغولًا بصورة ذاك الوجه… وبسؤال واحد: لماذا كانت صورته في ملف مهجور… في سيارة مشبوهة؟ ولماذا أنا من رأيتها؟ — دخلت غرفة الفتاة الصغيرة، جلست قربها، أمسكت يدها… لكن بينما أبتسم لها… كنت أسمع شيئًا بالخارج\. صوت خطوات ثقيلة… ثابتة… مألوفة… نظرت من فتحة الباب… ورأيته\. إيرم\. داخل المستشفى\. — ماذا يفعل هنا؟ هل هو في مهمة؟ أم… يتعقّب شيئًا؟ أحدًا؟ أم… يتعقّبني؟ _\(يتبع٠٠٠٠٠\)_

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

نظرة واحدة تكفي

المؤلف Si_rin
2025/07/13 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة