ضمير يدفن

ضمير يدفن

23 0

في مبنى القيادة الرئيسي، بُني كل شيء ليُرهب ويُذعن:

جدران رمادية تخنق الضوء، أسمنت ثقيل كأن الجدران تُريد أن تسحق من يمرّ، إضاءة بيضاء قاسية لا تعرف الليل من النهار، والهواء مشبع برائحة الحديد... والعرق... والإصرار المتخشّب.

كان كاسل يسير في الممر بخطى مدروسة، كل خطوة تقول: لا تتحدث، لا تقترب.

لم يعد يلتفت للوجوه التي تُحييه، ولا للجنود الذين يخفضون أنظارهم ما إن يقترب. بدلته العسكرية الجديدة تعكس الضوء كأنها درع من زجاج مصقول، لا زيّ.

في الطابق العلوي، مكتبه الزجاجي يُشرف على ساحة تدريب مكتظة بالحركة والانضباط. جلس. فتح ملفًا.

أسماء، جداول، نسب، ومصير بأرقام.

أشار إلى اسم في القائمة، كأنه يضغط على زناد:

«قسّموا الوحدة الخامسة. اجعلوا النصف الأول طُعمًا في المحور الشمالي.»

المساعد أمامه تردد، عينه اتسعت لوهلة:

«لكن سيدي... نسبة النجاة هناك لا تتجاوز 18%. إنها عملية... انتحارية.»

كاسل رفع عينيه نحوه. لم يصرخ. لم يلوّح بيده. فقط قال، بنبرة تجمّد النخاع:

«الحرب لا تعترف بالنسب. نحن نحتفظ بالأرقام لنكتب بها النعوش، لا لنغيّر الخطط.»

مرّر أصابعه على ملف آخر:

«اختبر ولاء الجنود. من يتردد؟ أعده للتدريب. أو استبعده للأبد.»

لم يكن يفرز بشرًا... بل أدوات. أدوات مكسورة لا مكان لها.

تمامًا كما فعل حين دفن آخر دمعة في عيني زيري، وحين سمع صرخة ميرالا ولم يلتفت.

لحظة صمت.

عينيه علقتا على مرآة صغيرة في زاوية المكتب. لكنها لم تعرض وجهه.

بل شيئًا آخر... شيء يعرفه أكثر مما يعترف به.

همس لنفسه، بالكاد يُسمع:

«أنا لست البطل هنا... ولا أريد أن أكونه. دعوهم يكرهونني... طالما نربح الحرب.»

---

بعد ساعات، في قاعة الاجتماعات العليا،

غُرف النصر دائماً ما تكون مُبطّنة بالشعارات، لا بالحقائق.

طاولة ضخمة. كراسي جلدية. أعلام دولة... تخفي الجراح خلف ألوانها.

كاسل كان واقفًا. وحده. لا يتكئ.

القائد الأعلى، رجل ستيني بنبرة ثقيلة كالتاريخ، قلب أوراقًا بصمت، ثم نظر إليه:

«أربع عمليات خلال أسبوعين. أربع انتصارات. كم كانت خسائرنا؟»

المساعد يقرأ بسرعة:

«نسبة الخسائر البشرية 39%. ثلاث وحدات غير صالحة حاليًا. نقص بالإمدادات... لكن—»

القائد يقاطعه، يبتسم بنشوة:

«—لكننا ربحنا المواقع الأربعة. ما يهم دائمًا: النصر.»

ثم نظر لكاسل نظرة تثبيت:

«أنت نادر، ملازم. لا يهم كم يصرخ الآخرون. لا يهم من يسقط. المهم أنك تُنفّذ. العواطف لا تصنع الجنرالات... الخشب الصلب يفعل.»

كاسل لم يبتسم، فقط قال بصوتٍ أشبه بصوت طائرة حربية من دون طيّار:

«أُنفّذ ما يُطلب مني. لا أكثر.»

القائد صفق صفقة واحدة، بطيئة:

«بل أكثر. إنك تصنع الفارق. تجهّز للترقية القادمة.»

وحين همّ كاسل بالخروج، تمتم أحد القادة، نصف ساخر:

«أحيانًا أتساءل... هل هو عبقري؟ أم مجرد قاتل موهوب؟»

كاسل توقف. التفت نحوه.

عينيه، بلا رمش، بلا تعبير، فقط قال:

«لا فرق... طالما أنا مفيد.»

---

في الليل، في مكتبه،

الستارة نصف مسدلة، الضوء مصفر، بارد.

كاسل يحدّق في الساحة أدناه. الجنود يتحركون كأنهم أرقام متكررة.

بدأ يشعر بهم كمعادلة لا تنتهي... ونفسه ككسر لا يُختصر.

جلس.

فتح درجًا، أخرج دفترًا قديماً – دفتر أيام التدريب.

ورقة ممزقة، اسم وحيد باقٍ عليه: ميرالا.

تأمل الاسم طويلاً.

يده، وكأنها تذكر، مرّت للصفحة التالية.

صورتها أمامه. عيناها تضحكان، تقول له:

«سننجو. فقط... افعل الشيء الصحيح.»

ثم تذكّر. اللحظة التي سمع فيها صوتها للمرة الأخيرة...

لحظة أطلق فيها الرصاصة في الهواء، وسمح للعدو أن يطلق النار معها.

أغلق الدفتر بعنف. همس:

«ما كان عليّ أن أفكر بها الآن. لقد انتهى الأمر. هكذا يجب أن يكون.»

وقف، توجه للمغسلة.

غسل وجهه. الماء لم يكن باردًا بما يكفي ليوقظه.

رفع عينيه للمرآة.

لا رتبة. لا شارات. فقط... عينان.

وفيهما شيء قديم، لا يُقال.

الشك.

تمتم ببطء، كما لو أنه يخدع نفسه:

«فعلت ما يجب. فعلت ما يجب... ميرالا كانت... عقبة. خطأ تكتيكي. عاطفة غير محسوبة.»

صمت.

ثم، كأنها كانت تحاصره داخل قلبه، تمردت همسة:

«لكنها كانت تؤمن بي... اللعنة.»

السكوت بعد ذلك كان كالصراخ.

أغلق المرآة. دفن النظرة.

كما دفن كل شيء.

عاد إلى النافذة. فتحها.

لفح الهواء البارد وجهه، أغمض عينيه…

وكأن شيئًا بداخله كان يصرخ، ولا صوت له.

.

.

.

.

أركيفا / أرمونيا

الساعة العاشرة صباحًا.

كل شيء في الغرفة بقي ثابتًا:

الجدران، الباب، نظرة الحارس حين يضع الطعام، القهوة التي يرسلها لوكاي أحيانًا — حتى زياراته التي تدور حول كل شيء... ما عدا الأسر.

كانوا يعاملونها بلُطف.

ولهذا بالضبط، كانت تشعر بالخوف.

«ما هذه المهزلة؟»

همست، تمسح كفيها الخاليتين من القيود.

جلست على حافة السرير.

لم تُسأل عن مواقع القواعد، لم تُهدد، لم تُصفع. فقط تُركت... كأنهم ينتظرونها أن تنكسر وحدها.

«يريدونني أن أذوب تدريجيًا... مثل قطعة ثلج داخل كأس نبيذ.»

همست بينما عيناها معلقتان بالسقف، كأن الإجابة معلّقة هناك أيضًا.

نهضت.

بدأت تمشي في الغرفة كأنها تقيس حدود عقلها، لا أبعاد الجدران.

اقتربت من النافذة، تأملت الخارج:

حراسة مشددة. شرفات محصنة. كاميرات لا تنام. لا شيء جديد...

...إلا شيء واحد.

كل صباح، جندي يصعد درجًا خلفيًا، يحمل ملفًا مفتوحًا إلى مكتب فوقها. الدرج بلا كاميرات.

مجرد احتمال... لكنه أشعل قلبها.

صوت داخلي همس:

«احذري، ميرالا. الاندفاع في الأسر ليس بطولة. إنه تهوّر.»

عادت إلى الأرض. أغمضت عينيها.

ثم... جاء صوت والدها من ذاكرة بعيدة:

«اعرفي متى تهاجمين، ومتى تنتظرين كالقط. صامتة... لكن متأهبة.»

بعد دقائق كان الضوء يسلل بخجل عبر الستارة.

ميرالا تجلس على الأرض، ترسم بالإبرة على قطعة قماش ممزقة من منشفتها.

ترسم وجهًا... أو خريطة نجاة.

صوت الباب المعدني ينفتح فجأة.

تجمدت وبسرعة البرق أخفت قطع القماش خلفها.

ليدخل لوكاي.

منظره نظيف أكثر مما يجب. مرتب أكثر مما يُريح.

تأملها لحظة، ثم قال بهدوء قاتل:

«لا تُرهقي نفسك، ميرالا.

الحراسة هنا كافية لتمنع حتى الظلال من الهرب.»

ابتلعت ارتباكها، وقالت ببرود:

«كل سجن فيه ثغرة... فقط يحتاج لعقل أذكى من السجّان.»

ابتسم ابتسامة باهتة:

«ربما... لكن العقل الذي يطاردك الآن أذكى منك. هذا ليس تهديدًا، بل نصيحة من شخص لا يرغب برؤيتك جثة عند البوابة.»

تقدمت منه خطوة، نظرت في عينيه:

«اهذا شفقة يا لوكاي؟»

أجاب دون تردد:

«لا... إنه اعتراف. أحيانًا، العقول التي نخوض ضدها الحرب... تستحق أن تبقى حيّة.»

غادر دون أن ينتظر ردّها.

وترك الباب يُغلق وراءه... ومعه صدى جملته الأخيرة.

بعد ساعات

بعيدًا عن جدران الأسر وصوت الأقفال،

في زاوية مقهى هادئ على طرف العاصمة...

الضوء ينساب عبر النوافذ الخشبية، ورائحة البن ممزوجة بشيء من الطمأنينة التي لا تشبه الحرب.

لوكاي يجلس أمام كوب قهوة لا يشربه. والدته تقلّب قائمة الطعام دون أن تنظر إليه.

تحدثت والدته اخيرا دون أن ترفع عينها عن القائمة:

«أتعلم، وأنت صغير، لم تكن تعرف كيف تُخفي مشاعرك.

والآن تلبس الزي العسكري وتظن أنك صرت خبيرًا؟»

نظر إليها نظرة خاطفة قبل أن يعدها إلى كوب القهوه أمامه:

«هناك فتاة... أسيرة حرب. اسمها ميرالا.»

نظرت له والدته أخيرًا بينما ترفع حاجبها:

«آه، فتاة إذن. كنت أظن الأمر يتعلق بخطة عسكرية أخرى أو أوامر قتل.»

أسند ظهره للكرسي يحدق أمامه في اللاشيء:

«الأوامر أن أستخرج منها المعلومات... بأي وسيلة ضرورية.»

صمت لبرهة ثم تابع:«لكنها لا تبدو كعدوّ… بل كشخص محطم.

يأسها ليس من الأسر، بل من الخيانة.

وفي عينيها... شيء لا أفهمه، لكنه يربكني.»

وضعت قائمة الطعام جانبًا ثم مالت نحوه:

«وهنا يا ولدي... ينتهي دور الجندي، ويبدأ دور الرجل.»

رتبتت على يده:

«النساء لا تُكسَر بقوة السلاح، بل تُفتح كزهور... إذا وجدن الدفء.

لا تطرح عليها الأسئلة كما تفعل مع القادة.

اجعلها تتكلم لأن قلبها يريد، لا لأنك تطلب.

همس« لكنني لا أريد أن أخدعها... أو أستغلها.»

ضحكت والدته بهدوء:

«ومن قال إنك ستفعل؟

أنت فقط تحاول أن تفهمها... وربما في لحظة صدق، تجد أكثر مما كنت تبحث عنه في تقارير الحرب.»

ابتسم، نصف ابتسامة مغمورة بالشك.

يرفع كوبه أخيرًا ويرتشف قليلًا، ثم يغمض عينيه وكأن الطمأنينة تسللت أخيرًا.

نظرت إليه بحنان:

«افعل ما يمليه عليك قلبك، لا ما يفرضه عليك الزي العسكري.

ففي النهاية، حتى الجنود يعودون إلى من يحبون… أو لا يعودون أبدًا...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رصاصتان

المؤلف إيديلويس
2025/06/16 مستمرة
قائمة الفصول (24)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة