بداية التغيير

بداية التغيير

22 0

لم يكن صباحًا عاديًا في معسكر نيرفال، شيء ما في الهواء بدا مختلفًا، متوتّرًا، كأنّ الجميع ينتظر خبراً غير معلن. وسط هذا الترقب، استُدعي كاسل إلى جناح القيادة.

دخل إلى الخيمة الواسعة بخطوات حذرة، واقفًا باحترام أمام القائد رينولد، رجل عجوز بعينين لا تفوتهما التفاصيل، يراقب كاسل كما لو كان قطعة شطرنج مهمّة.

«اجلس، ملازم كاسل.»

جلس كاسل دون أن ينبس بكلمة. قلبه ينبض بقوة، ليس من الخوف، بل من إحساس غامض بأن هذه اللحظة ستغير مجرى حياته.

فتح القائد ملفًا رفيعًا وأخذ يقلب صفحاته ببطء متعمد.

«أداءك في العمليات الأخيرة كان لافتًا. تقاريرك دقيقة، ومهامك ناجحة، وقادتك السابقون لم يبخلوا بالإشادة بك.»

كاسل اكتفى بهز رأسه.

أغلق القائد الملف، وأسند ظهره إلى الكرسي الجلدي المهترئ وقال بصوت ثقيل: «هناك من يراقبك، يا كاسل. القيادة العليا ترى فيك نواة لقائد كبير... بشرط أن تثبت أنك تفكر بعقلك لا بقلبك.»

ارتفع حاجبا كاسل قليلاً: «أفكر دائمًا بالعقل يا سيدي.»

«سنرى ذلك قريبًا. المهمات القادمة لن تتطلب فقط الجرأة... بل القرارات الصعبة. وقد يكون أحدها أن تترك من تعرفهم خلفك من أجل انتصار أكبر.»

سكت قليلًا، ثم قال بنبرة أخف: «الترقية على الطاولة. لكنك تعرف الثمن.»

وقف كاسل ببطء، وقال: «لن أخذل التوقعات، سيدي.»

لكن ما لم يقله — ما لم يعترف به حتى لنفسه — أن قلبه بدأ يتحوّل منذ تلك اللحظة. لم يعد يرى في رفاقه إخوة سلاح، بل عقبات محتملة... أو أوراق قابلة للتضحية في لعبة أكبر.

كان غروب الشمس يلقي بظلاله البرتقالية على معسكر نيرفال، حين عادت ميرالا وفريقها من مهمة استمرت يومين خلف خطوط العدو. وجوههم كانت شاحبة، ملابسهم ملطخة بالغبار، وبعضهم يسير ببطء كأن الأرض أثقل من المعتاد. ميرالا كانت تترنح من الإرهاق، كتفها تؤلمها من سقوط مفاجئ، لكنها حافظت على صلابتها أمام الجنود الآخرين.

في اللحظة التي اقتربوا فيها من ساحة التدريب، دوى صوت صراخ حاد شق الهواء.

«أنت لا تفهم! لا يمكنك ببساطة أن تتجاهل الجميع من أجل ترقيتك!»

توقف الفريق فورًا، والتفتوا إلى مصدر الصوت.

في وسط الساحة، وقف كاسل، وجهه متجهم، ويداه مشدودتان إلى جانبيه، في مواجهة ملازم شاب من فرقة أخرى. بدا الشاب غاضبًا بشدة، وجهه محتقن وعيناه تلمعان من الغضب.

قال كاسل بصوت منخفض، لكنه حاد: «أنا أنفذ الأوامر، لا أكثر.»

هز الشاب رأسه بيأس، ثم أشار إليه بإصبع مرتجف: «الأوامر؟ أم الطمع؟ سيجرك هذا إلى الهاوية يا كاسل. لا أحد يتسلق السلم على جثث رفاقه ويخرج سليمًا!»

وقبل أن يرد كاسل، أدار الشاب ظهره وغادر بخطوات ثقيلة.

وقف الجميع في صمت، لا أحد يجرؤ على السؤال أو التعليق. لكن ميرالا، التي وقفت على بعد أمتار فقط، تقدمت نحوه ببطء.

«ما الذي يحدث كاس؟» سألت، بصوت منخفض، يختلط فيه القلق بالفضول.

أدار كاسل وجهه نحوها، لمعة غريبة في عينيه، شيء ما يشبه التوتر المكبوت. ثم قال ببرود لم تعهده فيه من قبل:

«ليس من شأنك، ميرالا.»

تراجعت خطوة دون قصد، عيناها اتسعتا قليلاً. لم يكن هذا هو كاسل الذي تعرفه. ذلك الصديق الذي اعتاد أن يشاركها القهوة المرة والسكوت الطويل بعد المهمات، الذي كان يسند ظهره إلى الحائط بجانبها وهما يحدقان في اللاشيء ويتحدثان عن كل شيء.

وقبل أن تقول شيئًا آخر، استدار كاسل وغادر، خطاه سريعة، كما لو أنه يهرب من مواجهة كان يخشاها.

وقفت ميرالا في مكانها، تحدق في الفراغ الذي تركه، وقلبها ينبض في صدرها كطبول تنذر بالخطر.

هل تغير؟ هل أصبحت الرتبة أثقل من الصداقة؟

«لا… لا، لا بد أنه متعب، مجرد ضغط من المهمة الأخيرة.» همست لنفسها.

كانت تحاول إقناع نفسها، لا أحد غيرها.

مرت بجوارها زيري وهمست لها: «كان قاسيًا.»

أومأت ميرالا، لكنها لم تقل شيئًا. كان هناك شيء يؤلمها في هذا الجفاء، شيء لا تستطيع تفسيره.

«ربما القائد رينولد وبّخه، أو ربما قلق من شيء ما. كاسل لا يكون هكذا عادة.» هكذا فكرت.

لكن رغم كلماتها، ظلت نبرة صوته تتردد في رأسها، مثل طعنة لم تشف بعد.

لم يكن ما حدث شجارًا عاديًا. كان تحذيرًا… ولم تكن متأكدة بعد إن كان التحذير لها أم منه.

كان الضوء البرتقالي يتسلل عبر فتحة الخيمة، ينساب كسكين دافئ يخترق تعب الجسد. ميرالا، رغم الإنهاك الذي أنهك عضلاتها، وقفت أمام خيمة القيادة، مستعدة لتقديم تقرير المهمة.

خطواتها كانت أثقل من المعتاد، ليس بسبب الإصابة، بل بسبب شعور أكبر… إحساس بأن شيئًا ما قد تغير في قلبها ولم تجد له اسمًا.

دخلت الخيمة، وأدت التحية لقائد المعسكر، تحدثت بثبات وهي تستعرض تفاصيل الهجوم، نقاط الضعف التي كشفوها، وتوصياتها للمهمات القادمة. كلامها كان دقيقًا كعادتها، لكن صوتها كان مكسور الحواف. كأن الصلابة أصبحت قناعًا تتشبث به أكثر مما تؤمن به.

أنهت تقريرها، وخرجت. نظرت حولها... كاسل لم يكن هناك.

ربما ذهب في مهمة، ربما يستعد لشيء، ربما—

لكن شيئًا في قلبها همس لها بالحقيقة: هو يعلم. وهو اختار ألّا يأتي.

جلست قرب خيمتها، تنظر إلى الأرض، حيث تركت آثار أحذيتهم خطوطًا متقاطعة فوق التراب. مرّ أحد الجنود وحيّاها، ابتسمت له بابتسامة باهتة، ثم عادت إلى شرودها.

في الأيام الماضيف، كانا يجلسان معًا، يتشاركان الحلوى، ويمزح عن الزفاف، وكانت رأسها تستند على كتفه... واليوم؟ لم يسأل حتى عن المهمة. لم يسأل عن قدمها المصابة. لم يسأل عنها.

تأملت الاحتمالات.

هل تغير؟ هل أصبح يرى نفسه أعلى من أن يقلق على جنديّة ؟

أم أنه يخشى أن يظهر ضعفًا؟

أم أنه ببساطة نسي؟

كل فكرة كانت أشد مرارة من سابقتها.

راودها اندفاع بسيط لأن تذهب إليه، أن تطرقه بأسئلتها: لماذا؟ ما الذي تغير؟ ماذا فعلت لتُجرد من اهتمامك هكذا فجأة؟

لكنها لم تتحرك.

شيء فيها قاوم تلك الرغبة.

«لا تذهبي، احترامًا لكرامتها. ميرالا، التي قاتلت وسط الدخان والدم، لن تركض خلف من قرر أن يُدير لها ظهره.»

قالتها زيري وهي تجلس بجانبها

ردت ميرالا وهي تنظر إلى الفراغ:

،«فكرت، ربما عليه أن يُكمل خطوته التالية. أن يسقط تمامًا أو يعود كما كان. وانا سأراقب، بهدوء من يعرف ماذا سيحدث. فالنهاية تكتبها الأفعال، لا الوعود.»

رفعت عينيها إلى السماء، كانت رمادية، ثقيلة بالغيوم. تشبه صدرها تمامًا.

قالت في نفسها:

«لن أواجهه... ليس الآن. سأنتظر... وسأرى إلى أين سيمضي. فإن خذلني مرة، فلن أخذل نفسي.»

رفعت ريزي رأسها إلى السماء أيضا وقالت ساخرة:

«من يحتاج إلى الرجال على اي حال، كلهم هديموا الفائده»

ابتسمت ميرالا «تتحدثين كشخص خذل عشرات المرات»

نهضت ريزي ونفضت عنها التراب ثم مدت يدها إلى ميرالا:

«هيا انهضي، قد تأتي مهمه في أي لحظة، ونحن في حالة يرثى لها»

نهضت ميرالا معها وسارتا جنبا إلى جنب يحملان آلامهما واحزانهما معا، مقسمتان على أن يتخطيا كل شيء مهما كانت صعوبته.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رصاصتان

المؤلف إيديلويس
2025/06/16 مستمرة
قائمة الفصول (24)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة