عادت ميرياما إلى منزلها منهكة من يومها الطويل. ألقت سترتها بهدوء على الأريكة، ثم اتجهت نحو سريرها الخشبي القديم
لكن النوم لم يأتِ
بقي كل شيء في عقلها يدور... ويدور... ويدور
بعد ساعات من التحديق في السقف، جلست ميرياما بثبات على السرير. ربطت شعرها، وارتدت ملابسها من جديد، ثم خرجت من المنزل دون أن تقول لأحد
توجهت إلى إسطبلها، وامتطت حصانها الأبيض ذي الفراء الناعم، وانطلقت نحو موقع الجريمة
بعد وقتٍ طويل، وصلت أخيرًا إلى المكان
ربطت حصانها بعيدًا عن الطريق، ثم تقدمت نحو العربة المهجورة. لم يكن هناك ما ينير المكان سوى ضوء القمر المتسلل بين الأشجار
بدأت تدور حول العربة، تتفحص كل زاوية، تبحث عن شيء تركه القاتل خلفه
لكن المكان كان صامتًا، فارغ
وبعد دقائق، كادت أن تفقد الأمل وتعود إلى المنزل
حتى شعرت به
شخص خلفها
كانت خطواته هادئة... هادئة بطريقة جعلتها تدرك أنه لا يحاول الاختباء، بل ينتظر اللحظة المناسبة فقط
توقفت للحظةثم ركضت
لم يكن ركضها منظمًا، فقد أخذت تدخل بين الأشجار وتغير اتجاهها باستمرار، وكأنها لا تعرف إلى أين تذهب، لم تعد تشعر بساقيها، كان جسدها قد فهم شيئًا لم يعترف به عقلها بعد
التوقف يعني النهاية
كان قلبها يصرخ بالهرب، بينما بقي عقلها هادئًا بشكل مخيف، كأنها تشاهد المشهد من بعيد، لا كأنها تعيشه
اقتربت الخطوات أكثر، أصبح وجوده خلفها واضحًا
وعندما شعرت أنه اقترب بما يكفي، ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهها توقفت فجأة. ثم استدارت بسرعة
هذه المرة... هي من بدأت المطاردة، تفاجأ الرجل للحظة، ثم حاول الابتعاد. كان سريعًا، لكنه لم يكن أسرع منها
اقتربت منه للحظة قصيرة، ومدت يدها بسرعة، فتمكنت من انتزاع عدة شعيرات من رأسه قبل أن يبتعد
لم تحاول الإمساك به، تركته يهرب، لأنه لم يكن يعلم الحقيقة...لم يكن هو من كان يطاردها بل كان يسير داخل الطريق الذي اختارته له
وقفت ميرياما أمام محطة التوصيل، تنتظر عربة تعيدها إلى المدين
أخرجت الشعيرات التي أخذتها، وقربتها من أنفها
رائحة خفيفة، زيت عطري، زيت لا يستخدمه إلا أصحاب الطبقات الغنية، تأملت الشعيرات للحظة، ثم أغلقتها داخل قطعة قماش صغيرة
كانت تتذكر وجهه بدقة، لكنها لم تعرف اسمه بعد، ولهذا...ستكتفي برسم ملامحه وفي المحكمة، سيشهد الرسم بدلًا عنها
عادت ميرياما إلى منزلها، وجلست أمام طاولتها الخشبية الصغيرة. أخرجت الحبر والورق، ثم بدأت ترسم ملامح الرجل بدقة
مرت الساعات وهي تمحو، وتعيد الرسم، وتصحح أدق التفاصيل، حتى بدت الرسمة وكأنها تعكس الوجه الذي رأته تمامًا
ومع أول خيوط الفجر، وضعت الرسمة داخل حقيبتها الجلدية، ثم ارتدت ملابسها؛ بنطالًا أسود ضيقًا، وكنزة بيضاء باهتة، قبل أن ترفع كُمّيها إلى منتصف ساعديها
امتطت حصانها الأبيض، واتجهت نحو مقر فرقة التحقيق، لكن عندما وصلت فوجئت بالمكان خاليًا
عقدت حاجبيها باستغراب، ثم أزاحت الفكرة من رأسها. لم يكن لديها وقت لتضيعه، استدارت بحصانها واتجهت نحو سوق الجزيرة
لم يكن في توفالو سوى عدد قليل من العطارين، ولهذا رأت أن البحث لن يستغرق وقتًا طويلًا
أوقفت حصانها أمام أول متجر، وأخذت نفسًا هادئًا، ثم دخلت وهي تُخرج الرسمة وقطعة القماش التي أخفت بداخلها الشعيرات
دخلت ميرياما أول متجر للعطارة. كانت رائحة الزيوت والعطور تملأ المكان، بينما انبعث لحن هادئ من زاوية المتجر. رفعت عينيها تتأمل الرفوف المليئة بالقوارير الزجاجية والأعشاب المجففة المعلقة على الجدران، ثم تقدمت بخطوات هادئة نحو العطار
ما إن رفع العطار العجوز رأسه حتى عرفها. لم تكن توفالو جزيرة كبيرة، وكان قد رآها مراتٍ عديدة من قبل
وضعت ميرياما الشعيرات على الطاولة بهدوء، ثم نظرت إليه
- صباح الخير يا جدي، أريد أن أعرف أي نوع من الزيوت يستخدمه صاحب هذه الشعيرات
أخذ العطار إحدى الشعيرات بيديه المرتجفتين من أثر العمر، ثم قرّبها من أنفه وأغمض عينيه للحظات. بقي صامتًا وهو يحاول تمييز الرائحة، ثم أعاد الشعيرة إلى الطاولة، لكنه وضعها بعيدًا عن البقية حتى لا تختلط بروائح الزيوت العالقة في يديه
رفع رأسه وقال بصوت هادئ:
- صاحب هذه الشعيرات يستخدم زيت السوسنة السوداء. من أندر الزيوت وأغلاها ثمنًا، ولا يشتريه في الغالب إلا أصحاب العائلات الثرية
أخرجت ميرياما دفترها الصغير، ودوّنت كلامه بسرعة، ثم أخرجت الرسمة ووضعتها أمامه
- هل رأيت هذا الرجل من قبل؟
تناول الرسمة، وتأملها طويلًا، ثم هز رأسه
- للأسف... لا.
شكرتْه، وأعادت الرسمة إلى حقيبتها، ثم خرجت
تنقلت بين العطارين واحدًا تلو الآخر، الأول عرف الزيت
، الثاني أكد ندرته، الثالث قال إنه لم يبع منه منذ أشهر
أما الرابع، فاكتفى بهز رأسه، مؤكدًا أنه لم يرَ الرجل المرسوم من قبل
بدأ اليأس يتسلل إليها. لم يبقَ في الجزيرة سوى متجر واحد، وقفت أمام بابه للحظات، ثم زفرت بهدوء ودخلت
كان المكان أبرد من بقية المتاجر، والرفوف مزدحمة بالنباتات المجففة، والزيوت، والأزهار ذات الروائح القوية. وعلى الطاولة الخشبية استقرت عدة قوارير مفتوحة، حتى إن رائحة الأعشاب كانت أقوى من رائحة العطور نفسها
كان العطار يقف منشغلًا بإحدى القوارير، وما إن سمع خطواتها حتى استدار، ابتسم بخفه
- أهلًا يا ميرياما، تفضلي.
بادلته ابتسامة خفيفة وجلست في المكان الذي أشار إليه
، اتجه نحو الموقد الصغير ليعد الشاي، بينما أخذت هي تتأمل المكان بصمت
الجدران الخشبية الباهتة، والزخارف العربية اليدوية، وكوب قهوة بارد تُرك على الطاولة، وبجانبه صحيفة قديمة مطوية. لم يكن المتجر كبيرًا، لكنه بدا مرتبًا بشكل لافت
بعد دقائق، عاد وهو يحمل كوب الشاي ووضعه أمامها
- تفضلي.
- شكرًا.
ارتشفت منه رشفة صغيرة، ثم أخرجت آخر شعيرة كانت تحتفظ بها ومدتها نحوه
- أريد أن أعرف نوع الزيت الذي استُخدم هنا... وإن كنت تتذكر من اشتراه
أخذ الشعيرة بهدوء، وقرّبها من أنفه، ثم قال دون تردد:
- زيت السوسنة السوداء... لا شك في ذلك
أومأت ميرياما، ثم أخرجت الرسمة ودفعتها نحوه
- وهل تعرف هذا الرجل؟
أخذ الرسمة، وحدق فيها طويلًا، ثم وضع إصبعه على طرف أنفه وهو يحاول التذكر
- الذاكرة لم تعد كما كانت...
سكت العجوز قليلًا، وأعاد ترتيب القوارير أمامه دون حاجة حقيقية لذلك، ثم تحدث.
- لكنني أظن أنني رأيته قبل أيام.
رفعت ميرياما رأسها بسرعة.
- كان برفقة فتاة شابة، شعرها بني طويل، وعيناها سوداوان. أذكر أنها كانت تسأله عن الزيوت، ثم اختارت له زيت السوسنة السوداء.
سجلت ميرياما كل كلمة قالها، ثم أغلقت دفترها وأعادته إلى حقيبتها الجلدية.
- شكرًا لك
- على الرحب والسعة
خرجت من المتجر، وامتطت حصانها، ثم انطلقت عائدة إلى مقر التحقيق، كانت تسير بهدوء، وعقلها يعيد كل كلمة سمعتها منذ الصباح، فتاة، شعر بني، عينان سوداوان
شدّت اللجام فجأة، توقف الحصان، ضيقت عينيها، همست
- ميلي؟
أكملت ميرياما طريقها للفريق. وصلت بعد نصف ساعة، وهذه المرة كان الجميع موجودًا. كان ستيفني يشرب القهوة الساخنة ويكتب شيئًا في مذكراته، بينما البقية يحملون الكتب ويقرؤون. عندما دخلت، أصدر الباب صوت خرخشة خفيفة، فنظر إليها الجميع إلا ستيفني. نظرت لها ليتيا وكأنها تشعر بالشفقة. لم تفهم ميرياما ما الأمر، إلى أن لاحظت أن ستيفني يشد يده بقوة حتى ابيضّت مفاصله
حركت فمها دون إصدار صوت وهي تقول للبقية:
- ما الأمر؟
كانت ستدخل، لكنها سمعت صوتًا عاليًا وغاضبًا يأتي من أمامها. قال ستيفني:
- ابقي مكانك
لم تتحرك ميرياما، مع أنها لم تكن تحب أن يملي شخص عليها ماذا تفعل، فنظرت له نظرة دون أن ترمش. وبعد ثوانٍ، نظر لها ستيفني بالطريقة نفسها
- أين كنتِ؟
رفعت ميرياما حاجبها، ثم مدت قدمها لتدخل، فأوقفها بصوت أعلى:
- لقد سألتك سؤالًا واضحًا يا ميرياما
فتحت ميرياما فمها لترد عليه بانزعاج، لكنها ابتلعت كلماتها ووقفت وقفة محققة مؤدبة
- كنت أحاول حل الجريمة
- وكيف؟
عضّت ميرياما باطن خدها، ثم قالت بصوت هادئ:
- ذهبت البارحة بالليل إلى موقع الجريـ..
- ميرياما!!
نظرت ميرياما لستيفني بغيظ، وقلبت عينيها، وبالطبع لم يتغاضَ ستيفني عن حركتها التي يراها وقحة
- ماذا؟ هل انزعجت؟
أطبق على أسنانه وقال:
- ألم أقل لك أن تتوقفي عن أفكارك اللعينة؟!
دخلت ميرياما بسرعة وجلست على طاولتها
- حسنًا، لكن انظر إلى الجانب الإيجابي، أنا أساعد بالحصول على طرف الخيط
- ميرياما!!
- هي هي، حسنًا، لقد ذهبت، وكدت أن أمسكه، لكن حظي كان جيدًا، واستطعت أخذ شعيرات من شعره، ورأيت وجهه
- ميرياما!!!!
- حسنًا، حسنًا، آسفة، لن أكررها، حسنًا، لكن بحقك كان عليّ فعل ذلك
ثم أخرجت حقيبتها الجلدية، وأضافت:
على أي حال... لدي أخبار جديدة
اعتدل الجميع في أماكنهم، وأبعدوا الكتب عن الطاولة، وقد استبدل الفضول هدوءهم
وضعت ميرياما الرسمة أمامهم، ثم أخرجت الورقة التي كتبت فيها أقوال العطارين، ودفعتها نحوهم
نظر إليها الجميع باهتمام، ورتبوا جلستهم ليروا بشكل افضل، وضعت ميرياما الرسمة أمامهم، ووضعت ورقة الشهادة، وبدأوا بقراءتها
عضّ الليباتي طرف شفته
-أليس هذا وصف الضحية؟
-هل كانت الضحية والقاتل صديقين؟
فرقعت ميرياما أصابعها
-صحيح، لقد لاحظت ذلك.
-هل يمكن أن يكون عشيقها؟ لكن لِمَ قد يقتلها؟
قال سافيا وهو يضع يده على طرف أنفه
-لكن كيف يكون عشيقها؟ إنها لم تتزوج منذ وقت طويل، هذا غير منطقي
هز الجميع رؤوسهم بتفهم
طرقت ليتيا بأصابعها على الطاولة
-ربما اكتشفت ميلي شيئًا مهمًا، فقتلها ليدفن سره معها
مسح ستيفني وجهه بكفه وقال:
-لكن لماذا قد تكون معه وهي تعلم أنه شخص سيئ؟
حكت ليتيا رأسها وهي تفكر
-ربما لم تعرف بالأمر إلا متأخرًا
التفت الليباتي إليهم
-أيمكن أنها كانت تبتزه بشيء ما؟
تدخلت ميرياما
-إن كانت تبتزه، فأين المال؟ وأين الرسائل؟ لا يوجد شيء، ولا حتى دليل واحد
دلك سافيا رأسه
-ربما يكون أحد أقاربها؟
نظرت إليه ميرياما وتنهدت
-إذًا لماذا لا يعرفه أحد من عائلتها؟
وجّه ستيفني بصره نحو ميرياما التي بدأت تهدم نظرياتهم الواحدة تلو الأخرى
-بالنسبة لزيت السوسنة السوداء، إن كان لا يستخدمه إلا أصحاب العائلات الثرية، فلنبحث بينهم
بادلته ميرياما النظر
-هذا الزيت لا يستطيع الجميع شراءه، لكنه لا يثبت أن صاحبه ثري
كانت ميرياما أكثرهم هدوءًا
-نحن نفترض أن صاحب الشعر هو من اشترى الزيت، لكن ماذا لو أن شخصًا آخر اشتراه له؟
-ميرياما!!!
ارتفعت صيحات الاستياء، بعدما أفسدت ميرياما كل ما بنوه بهذه الفكرة.
نظرت إليهم، ثم وضعت يدها خلف أذنها بإحراج
-حسنًا... فقط أكملوا وكأنني لم أقل شيئًا
عاد الفريق إلى هدوئه، وأخذ كل واحد منهم يفكر.
عضّت ميرياما طرف لسانها
-ماذا لو أنها لم تكن المقصودة أصلًا؟
ضرب الجميع جباههم، وقالت ليتيا:
-توقفي يا ميرياما
أغلقت ميرياما فمها بقلة حيلة، لكن ستيفني التفت إليها
-اشرحي
ماذا لو خرجت إلى الغابة كأي يوم، ثم رأت شيئًا لم يكن عليها أن تراه؟ مثلا رأته يرتكب فعلًا غير قانوني، أو ربما جريمة، فقرر قتلها حتى لا تفضحه؟
يقف ستيفني معلنًا انتهاء هذه التحليلات والفرضيات
- حسنًا، توقفوا عن التفكير. الآن فلنبحث عن دليل ملموس. الليباتي، أريدك أن تذهب وتبحث عنها في كل مكان؛ مكان عملها، أو عند جيرانها، أو صديقاتها، وأحضر لنا التقارير، كي نعقد اجتماعًا آخر بمعلومات أكثر
هز الليباتي رأسه موافقًا، ثم نهض، وأخذ دفتر ملاحظاته، وغادر بهدوء
وقف الجميع وعادوا إلى أعمالهم
أخذ ستيفني الرسمة من ميرياما، واتجه إلى غرفة أخرى ليضعها في ملف التحقيقات
تبعته ميرياما بهدوء حتى وقفت بجانبه
- ماذا؟
نظر إليها وهي تنقر حذاءها على الأرض
- هل أنت غاضب مني؟
فهم ستيفني ما تقصده، فألقى عليها نظرة خاطفة من طرف عينه
- لست غاضبًا منك، كنت فقط منزعجًا من طريقتك في التحقيق. ماذا لو أمسك بك؟ هل ستعودين إلينا جثة؟ لن تنفعينا بشيء إن أصبحتِ جثة، أو إن أصابك بأذى كبير. هل ستكونين سعيدة بذلك؟ أنا فقط أكره تهورك
أنهى كلماته، ثم التفت إليها بالكامل، ونقر على جبهتها بخفة
- هل سيأتي رَجم؟
أضاء وجه ميرياما
- لا أعلم، لم تصلني أي رسائل اليوم ولا البارحة
ابتسم ستيفني وهو يمسح يده من آثار الحبر
- عندما يأتي، لا تنشغلي به وتنسي أن تحضريه إلينا
أومأت ميرياما برأسها، ثم نظرت إلى ملف القضية وأخذت تمرر منه مذكرات ميلي، ثم ذهبت هي وسرجم إلى مكاتبهم
جلست ميرياما على مقعدها باسترخاء وبدأت تقرأ الملاحظات، لاحظت أن ميلي كانت تكتب مذكراتها بشكل طبيعي، لكن كلما ذكرت شخصًا معينًا، تمسح اسمه بالحبر حتى يختفي، يبقى فقط أثر ضغط القلم على الورقة
نظرت ميرياما إلى الجهة الخلفية للورقة بزاوية تحت الضوء، وبدأت الحروف تظهر تدريجيًا. كانت ميرياما في حالة تركيز شديد، واستطاعت قراءة الاسم بصعوبة
- راطعلا
أغلقت ميرياما الدفتر وتنهدت
- ما هذا...
دخل الليباتي ومعه دفتر ملاحظاته، وكانت يده مغطاة بالحبر، إذن استطاع جلب المعلومات
ذهب الجميع إلى الطاولة الكبيرة. كان الليباتي في المنتصف، ووضع الأوراق على الطاولة وبدأ بالكلام
- الناس والجيران يقولون إنها كانت هادئة جدًا في الفترة الأخيرة، وهذا ليس من عادتها، وأنها كانت تختفي لبعض الوقت، وعندما تعود يظهر عليها التعب. والبعض قال إن هناك شيئًا مختلفًا بها، لكنهم لم يعرفوا ما هو
أما زملاؤها في العمل فقالوا إنها كانت تحصل على الكثير من الرسائل في الفترة الأخيرة، لكنها عندما ترى المرسل ترميها دون قراءتها
وسألت صديقتها المفضلة عن ليلة موتها، فقالت إن ميلي خرجت لتحضر شيئًا ولم تعد
كل شخص تحدثت معه قال الشيء نفسه، ميلي تغيرت في الفترة الأخيرة، والبعض قال إن هناك شيئًا غريبًا
سألت بعض الناس عن ميلي، والجميع قالوا إنها كانت تزور متجر العطارة كثيرًا في الفترة الأخيرة
عندما انتهوا من القراءة كان الليل قد حل، فذهب كل شخص إلى منزله، لأنهم قالوا إنهم سيكملون غدًا
كان منزل ميرياما بلا حياة كعادته. دخلت، ثم وضعت رأسها على الحائط. بقيت هكذا لوقت قصير، ثم مسحت جبهتها بيدها، ورمت الحقيبة على الطاولة التي في الصالة، وذهبت لتجهز الطعام بهدوء
لم تفتح الأنوار، لأنها كانت متعبة جدًا لدرجة أنها لم تستطع الذهاب لتفتحها، فقط بدأت تطهو في الظلام
عندما انتهت، أخذت طعامها إلى الصالة ووضعته على الطاولة وجلست، وبدأت تحرك طعامها
كانت عيناها زائغتين في مكان آخر، مكان يبعد عنها ألف ميل. لم يلمس الطعام فمها، كانت يدها على طرف خدها وتستند على الطاولة
بعد قليل، سمعت طرقًا على الباب، قامت بهدوء كي تفتح الباب، لكن عندما تأخرت قليلًا، جنّ جنون الطارق وأصبح طرقه أقوى
وقفت ميرياما أمام الباب، وحاولت التفكير بمن يطرق بهذه الطريقة، كان هناك ثقب صغير في الباب، فنظرت منه، ولم ترَ سوى سكين في يد رجل ضخم
ابتعدت عن الباب بهدوء، وبدأ الباب يهتز من شدة الطرق، وشعرت أنه سيتمكن من كسره في أي ثانية، فزعت وركضت لتختبئ في القبو، وعندما دخلت، انفتح الباب بقوة
جلست ميرياما في المنتصف، وقد نسيت إغلاق باب القبو، كان المكان مظلمًا، لا يُسمع فيه نفس، ولا حتى صوت إبرة تسقط، لم يكن هناك أي صوت في المنزل، كان هادئًا بشكل مخيف
وضعت ميرياما يدها على فمها كي لا يخرج منها أي صوت، وفجأة، شعرت بأنفاس خافتة من خلفها
التفتت،فرأت عينين زرقاوين متوهجتين في الظلام، وابتسامة تعرفها
- ها أنت ذا