1

1

10 0

المقدمة :

تَوَارَ... أيُّها الغريبُ، تَوَارَ

فلا مَقَرَّ لِغَريبٍ في دِيَارِنا

إمّا جُنُونٌ تَذوبُ فيه فَتَصيرُ مِنّا

أو دَمٌ يُراقُ... فَتُنسى في ثَرَانَا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1095

رنَّ طرقٌ عنيف على باب منزل ميرياما، مفسدًا هدوء الصباح. توقفت عن تناول إفطارها، ثم نهضت بضجر لتفتح الباب

وقفت أمامها إحدى رسل فرقة التحقيق، يلهث من شدة الركض، وقال بانحناءة خفيفة:

القائد ستيفني يطلب حضوركِ فورًا... هناك قضية جديدة.

عقدت ميرياما حاجبيها.

-؛ ماذا هناك؟

هزّ الرسول رأسه.

لا أعلم، أُمرتُ فقط بإحضارك.

زفرت ميرياما بضيق، وكبحت شتائمها، ثم ارتدت معطفها المعلّق بجانب الباب، وخرجت.

في الخارج، كانت عربة فرقة التحقيق تنتظرها، يجرها حصانان أسودان. وما إن توقفت أمامها حتى فتح أحد أفراد الفرقة الباب الخشبي

صعدت ميرياما إلى العربة، وألقت التحية على زملائها.

مرحبًا، ليتيا.

مرحبًا، الليباتي.

مرحبًا، سافيا.

ثم التفتت نحو الرجل الجالس في المقدمة.

وأنت أيضًا... مرحبًا، ستيفني.

رمقها ستيفني بطرف عينه، قبل أن يعيد بصره إلى الطريق، وكأن ردّ التحية لا يستحق أكثر من تلك النظرة العابرة.

زفرت ميرياما من أنفها، وأشاحت بوجهها نحو النافذة الصغيرة للعربة.

ما القضية الخطيرة التي تستدعي كل هذه السرعة؟

نظرت إليها ليتيا وهي تعبث بخصلات شعرها بهدوء.

جريمة قتل.

رفعت ميرياما رأسها، ولمع شيء من الحماس في عينيها.

جريمة قتل؟ من الضحية؟ ومتى وقعت؟ ولا تقولي لي إنكم استدعيتموني من فراشي، ثم لا تملكون دليلًا واحدًا...

توقفي عن الثرثرة.

التفتت ميرياما نحو مصدر الصوت.

كالعادة... القائد الذي لا يحتمل المزاح.

فتحت ميرياما فمها وكأنها ستضيف شيئًا آخر، لكنها عضّت طرف لسانها، وآثرت الصمت. اكتفت بمراقبة الأشجار المارة خارج العربة، وقد خمد حماسها كما يخمد عود ثقاب تحت المطر.

بعد مسيرة ليست بالطويلة، وصلت العربة إلى منطقة خضراء مهجورة

ترجلت ميرياما وهي تحمل دفتر ملاحظاتها وريشتها، ثم نزل بقية أفراد الفرقة خلفها.

تقدّم الليباتي، وفرد رقعة جلدية كُتبت عليها تفاصيل القضية، ثم بدأ بالشرح

ميلي هارمرز، ستة وعشرون عامًا.

عُثر على جثتها في هذا المكان المهجور قبل ساعات.

كان أول من أبلغ عنها شابان مرا بالمكان صدفة؛ في البداية ظنا أنها نائمة داخل العربة، لكن عندما اقتربا للاطمئنان عليها، اكتشفا أنها فارقت الحياة

سبب الوفاة المبدئي: الشنق.

لم يُلاحظ أي عبث في مسرح الجريمة، ولم تُنقل الجثة من موضعها.

أما الضحية، فقد تزوجت حديثًا وغادرت مدينتها برفقة زوجها، مبتعدة عن عائلتها. وكانت تعمل نادلة في أحد النُزل الراقية، وقد أُبلغ عن اختفائها منذ أسبوع.

اقتربت ميرياما من العربة أولًا.

كان الهواء مشبعًا برائحة الموت، حتى بدا المكان بأكمله وكأنه يختنق بها.

ثبتت بصرها داخل العربة.

كانت ميلي مستلقية على المقعد الخشبي، وملامح الصدمة ما تزال جامدة على وجهها، بينما بقيت عيناها مفتوحتين على وسعهما

لم تُغلق جفناها

وكانت يداها مقيدتين، لكن اتجاه نظرها نحو يدها المحمرة يوحي بأنها كانت لا تزال واعية أثناء تنفيذ الجريمة، وكانت تحاول الفرار

سمعت ميرياما وقع خطوات هادئة تقترب منها.

توقف ظل طويل إلى جوارها

زمّت شفتيها، ورمقت ستيفني بنظرة جانبية.

كان يعقد أصابعه بهدوء

اعتدلت في وقفتها، وجفّ ريقها، ثم قالت بصوت خافت:

الضحية تلقت ضربة قوية في الجانب الأيمن من الرأس... يبدو أنها أفقدتها الوعي

توقفت لحظة، ثم تابعت:

ومن مظهر جسدها، أرجّح أنها تعرضت لجفاف شديد بسبب انقطاعها عن الطعام

خفضت بصرها نحو الجثة مرة أخرى

وأقدّر أنها فارقت الحياة منذ ثلاثة أيام تقريبًا.

ثم نظرت إلى رقبتها.

وخُنقت بحزام جلدي، وهذا واضح من الأثر الذي تركه حول عنقها

انتهت ميرياما من كلامها، وأطلقت تنهيدة قصيرة

استرق ستيفني النظر إلى الجثة، ثم بدأ يتفحص محيط المكان بعينيه بحثًا عن أي أثر.

لكن شيئًا لم يلفت انتباهه.

رفع رأسه نحو السماء، وقد بدأت خيوط الغروب تزحف ببطء، فقال:

بدأ الليل يقترب... لنعد.

نُقلت الجثة إلى دار الطبابة لفحصها، بينما عاد أفراد فرقة التحقيق إلى مقرهم.

جلست ميرياما بكسل على مقعدها، وأطلقت زفرة من أنفها وهي تدلك رأسها، يلازمها شعور بالخَلَج. لم يهتم البقية بالأمر، وبدأوا بالمناقشة

بدأ سافيا الحديث وهو ينظر إلى الجميع بنظرة جادة. وبعد أن صفّى حلقه، جذب انتباه الحاضرين جميعًا، وحتى ميرياما فتحت عينيها رغمًا عنها

إن كان لدى أحدكم اشتباه بزوجها، فأبشركم... ليس هو القاتل. أولًا، لديه عذر غيابي. كان في مدينة تبعد مسيرة خمس ساعات عن هنا

توقف قليلًا، ثم أكمل:

زوج الضحية: جيمي بلور. بقي هناك طوال الأسبوع الذي اختفت فيه زوجته، وكان حاضرًا في مجلس التجار كل يوم تقريبًا. ولدينا شهادات من الحاكم، والتجار، وعدد من الحراس تؤكد ذلك.

لوّحت ميرياما بيدها، واعتدلت في جلستها، ثم قالت:

وأين الأدلة؟ وهل كانت تثق بأحد غير زوجها؟ هل وجدتم شعرًا، أو بقع دم، أو قطعة قماش لا تعود إليها؟ وهل يوجد شهود غير الشابين؟

تنهد سافيا بيأس، ثم وضع أمامها عدة رقوق مختومة بالشمع.

هذه شهادات كل من رآه خلال الأسبوع الماضي، وجميعها متطابقة.

بسط يديه، وقال بهدوء:

ما رأيكِ؟

حرّكت ميرياما عينيها وكأنها تجمع أفكارها، ثم همست:

ممم...

سكتت لحظة، ثم قالت:

حسنًا، انتهينا من أمر الزوج... ماذا قال الطبيب عن الجثة؟

صدر صوت ستيفني البارد من جانبها.

ما زال يفحصها، وسيستغرق الأمر بعض الوقت.

رفعت ميرياما حاجبها، وعضّت طرف شفتها السفلى وهي تفكر. ثم بدأت تنقر بأظافرها على الطاولة، ليقطع تفكيرها صوت ليتيا الهادئ

هل عرفتم لمن تعود العربة؟

نظر الجميع إليها، فقالت ميرياما وهي تحدق في الرسم الذي صوّر مسرح الجريمة:

لا تحمل العربة أي ختم، ولا أي شعار يدل على مالكها. لقد أُزيل كل ما قد يكشف هويته. يبدو أن طمس العلامات كان جزءًا من خطته. ليس من السهل إزالة ختم محفور في الخشب خلال وقت قصير، لكنه فعلها

توقفت لحظة، ثم أكملت:

حاول القاتل أن يتذاكى بإخفاء أوضح دليل، لكنه نسي أن العربة نفسها قد تحمل عشرات الأدلة. انشغل بإخفاء ما نراه، وغفل عما لا نراه

ساد الصمت بعد كلماتها.

ثم قال ستيفني:

افترضي أنكِ مكان القاتل... لماذا تتركين العربة في مكان واضح أصلًا؟

أطرقت ميرياما برأسها وهي تفكر، ثم رفعت رأسها فجأة.

لأنه لم يكن يريد إخفاء الجثة... بل أراد أن نعثر عليها.

قاطعهم الليباتي وهو يهز رأسه نفيًا

إن كان يريدنا أن نجدها، فلماذا أزال ختم العربة؟

جاء صوت ستيفني باردًا كعادته:

لأنه لا يريد إخفاء الجريمة... بل يريد إخفاء هويته. وربما ينوي استخدام العربة مرة أخرى، أو يريد أن يجرنا خلفه. وإن صح ذلك... فقد لا تكون هذه جريمته الأخيرة.

قلبت ميرياما عينيها وقالت:

لا يمكن. علينا إيقافه قبل أن يتمادى. أولًا، أريد فحص العربة كاملة. قد نجد فيها ما أغفله.

أومأ ستيفني برأسه.

حسنًا... سنعود إليها مع أول ضوء للفجر.

ثم وقف، وأطلق تنهيدة خافتة، وقال:

انتهينا لليوم. لا تنسوا أن تفكروا في القضية قبل النوم.

ـ

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أحجيه ألموت

المؤلف dima
2026/07/26 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة