{الفصل الاول}

{الفصل الاول}

8 0

استيقظت على صوت رنين هاتفي من المتصل في ذالك الوقت من المساء؟ فركت عيني وقرأت الاسم المسجل على الهاتف" النقيب صالح المقرف"سأخبركم لاحقاً لما سجلته بهذا الاسم

اجبت: عايز ايه يا صالح

ضحك بسخريه وقال: أنت نايم في الوقت ده؟

أجبته بهدوء لكن محمل بسخريه: لا المفروض افضل صاحي طول يوم مستني مكالمه سياده النقيب صالح

اجابني بتعجرف: اه المفروض تعمل كده لحد ما تترقى وتبقى نقيب

سكت قليلاً ثم تابع وطبعاً حضره الملازم ميعرفش أن في جريمه قتل دلوقتي؟يلا هات صاحبك الملازم يحيى وتعالى

زفرت بضيق وأنا أنهض من فراشي، ثم تمتمت بضجر:

لماذا أنا وصالح في الفريق الجنائي نفسه؟

هززت رأسي لأطرد أفكاري. لم يكن هذا وقت التذمر، فهناك جريمة قتل تنتظرنا.

اتجهت إلى دوره المياه وغسلت وجهي بالماء البارد لأتخلص من بقايا النعاس، ثم ارتديت الزي الرسمي على عجل، والتقطت مفاتيح سيارتي قبل أن أغادر المنزل.

بعد دقائق قليلة، كنت أقود سيارتي في طريقٍ قصير إلى منزل زميلي الملازم يحيى، الذي لا يبعد عن منزلي سوى أقل من خمسين مترًا.

وصلت إلى منزل يحيى، وطرقت الباب بقوةٍ قاصدًا أن أفزعه، لكن في الحقيقة كانت الطرقات أقوى مما أردت.

أرجو ألا يُصاب بأزمة قلبية بسبب مزاحي.

مرت بضع ثوانٍ قبل أن يفتح يحيى الباب، وما إن رآني حتى تنفس الصعداء، ثم قال بضيق:

- إيه يا يونس؟! هو في حد يصحي حد بالطريقة دي؟

ابتسمت ابتسامةً ساخرة وقلت:

- وأنا مالي؟ وبعدين، إنت مبتردش على تليفونك ليه؟

نظر إليّ باستغراب وقال:

- إنت اتصلت بيا؟

هززت رأسي نفيًا وأجبته:

- لا، مش أنا... الزفت صالح. يلا البس بسرعة، عندنا جريمة قتل.

زفر بضيق وهو يمرر يده بين خصلات شعره، ثم قال:

- في الوقت ده؟

ابتسمت بسخرية وقلت:

- ليه؟ هو الجريمة ليها معاد معين؟

بعد دقائق، كان يحيى قد ارتدى زيه الرسمي، فانطلقنا على عجل بسيارتي متجهين إلى مسرح الجريمة.

ساد الصمت طوال الطريق، فقد كان كلٌّ منا غارقًا في أفكاره، يتساءل عما ينتظرنا هناك.

وبعد ربع ساعةٍ بدت وكأنها دهرٌ كامل، وصلنا إلى منطقة أرض الجولف، إحدى مناطق مصر الجديدة.

ترجلت من السيارة، فإذا بعددٍ كبير من سيارات الشرطة والإسعاف يحيط بفيلا فخمة، وقد فُرض شريط أمني حولها، بينما وقف الفضوليون على مسافةٍ يحاولون معرفة ما حدث.

كانت تلك الفيلا تعود إلى المطرب الشهير يوسف الراوي... مطربي المفضل.

لكن الليلة، لم تعد فيلته مجرد منزلٍ لفنانٍ مشهور...

لقد تحولت إلى مسرح جريمة.

دخلنا إلى الفيلا، فاتجهت مباشرةً نحو صالح وقلت:

- من المبلِّغ؟ والبلاغ وصل الساعة كام؟

أجاب وهو يقلب صفحات دفتر ملاحظاته:

- المبلِّغة زوجته، كارما... بلغت النجدة الساعة الثالثة وأربعٍ وعشرين دقيقة.

صمت لحظة، ثم قال بنبرةٍ آمرة:

- أنا انتهيت من معاينة مسرح الجريمة. إنت ويحيى روحوا استجوبوا الشهود، ولو حد فيهم قال حاجة مهمة، بلغوني فورًا.

هززت رأسي موافقًا، بينما سأله يحيى:

- حد دخل غرفة المجني عليه بعد اكتشاف الوفاة؟

أجاب صالح بضيق:

- لا. أول قوة وصلت أمّنت المكان، ومحدش دخل بعدهم.

لم يُضف شيئًا آخر، فاكتفينا بالانصراف إلى غرفة المعيشة، حيث كان الشهود ينتظرون.

وقعت عيناي أولًا على كارما.

كانت تجلس على الأريكة، ترتجف بشدة، ووجهها غارقًا في الدموع، بينما جلست إلى جوارها شرطية تحاول تهدئتها.

قلت بهدوء:

- السلام عليكم. أنا الملازم أول يونس عبد الوهاب، من مباحث قصر النيل. أعلم أن الوقت صعب، لكننا نحتاج إلى أن نطرح عليكِ بعض الأسئلة.

هزت رأسها موافقة.

فسألتها:

- متى كانت آخر مرة رأيتِ فيها يوسف على قيد الحياة؟

أجابت بصوتٍ متقطع:

- كان... كان راجع من عند آدم، وكان مرهقًا جدًا... دخل غرفته علشان ينام.

ارتشفت رشفةً صغيرة من كوب الماء الموضوع أمامها، ثم أضافت بصوتٍ متعب:

- دي كانت آخر مرة شوفته فيها.

دونت ملاحظتي، ثم رفعت بصري إليها وسألت:

- كان ذلك في حدود الساعة كام؟

أغلقت عينيها لثوانٍ وكأنها تسترجع ما حدث، ثم قالت:

- تقريبًا... الساعة الثالثة فجرًا.

سألها يحيى بهدوء:

- وإمتى اكتشفتي وفاته؟

ازداد بكاؤها، ومدت يدها المرتجفة نحو كوب الماء الموضوع أمامها، ثم ارتشفته دفعةً واحدة، وكأنها تحاول أن تستجمع قواها.

قالت بصوتٍ مبحوح من شدة البكاء:

- كنت... كنت مع سليم...

قطب يحيى حاجبيه وقال:

- سليم مين؟

مسحت دموعها بطرف كمها، ثم أجابت:

- ابني.

ساد الصمت لثوانٍ، ثم تابعت:

- كان... كان خايف ينام لوحده، فقعدت معاه شوية...

توقفت عن الحديث، وانخفض رأسها، بينما انهمرت دموعها من جديد.

لم أطلب منها أن تكمل.

كانت بحاجة إلى دقيقةٍ واحدة تستعيد فيها أنفاسها، لكن يحيى لم يمنحها تلك الفرصة، وقال بجدية:

- كملي.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت بصعوبة:

- سمعت صوت جاي من أوضة يوسف...

توقفت مرةً أخرى، وأجهشت بالبكاء، فلم تستطع إكمال حديثها.

ظللت أنظر إليها في صمت، منتظرًا أن تهدأ قليلًا قبل أن أطرح عليها السؤال التالي.

انتظرنا قليلًا حتى هدأت، وحتى يحيى لم يطلب منها أن تكمل، فقد بدا أنه شعر بالشفقة عليها هو الآخر.

وبعد مرور بضع دقائق، قلت بهدوء:

- بقيتي أحسن دلوقتي؟

هزت رأسها بالإيجاب.

فسألتها:

- إيه هو الصوت اللي سمعتيه؟

أطرقت برأسها للحظات، وكأنها تحاول استرجاع ما حدث، ثم قالت بتردد:

- معرفش...

ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن ترفع رأسها وتضيف:

- هو كان... زي صوت كسر باب... بس الباب مكنش مكسور. كان... كان صوت خَبطة جامدة، لدرجة إني افتكرت الباب اتكسر.

سألها يحيى:

- الصوت ده حصل مرة واحدة ولا أكتر من مرة؟

فكرت للحظات، ثم قالت:

- تقريبًا... تلات مرات.

دوَّنت ملاحظتي، ثم سألتها بهدوء:

- إنتِ لمستي الجثة؟

وما إن سمعت كلمة "الجثة" حتى عادت إلى البكاء من جديد.

سحبت منديلًا من فوق الطاولة، ومسحت دموعها بصعوبة، ثم قالت:

- آه... علشان...

توقفت، وكأن الكلمات تخونها، ثم أضافت بصوتٍ متهدج:

- هو... هو كان لسه عايش.

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم تابعت وهي تخفض رأسها:

- حاولت أساعده... وكلمت الإسعاف... لكن قبل ما توصل...

اختنق صوتها، وانهمرت دموعها مرة أخرى، ثم همست:

- كان مات...

سألتها:

- مين كان موجود في الفيلا ساعة الجريمة؟

أجابت بصوتٍ خافت:

- الخدم... وسليم... وروفان بس.

سألتها:

- روفان دي بنتك؟

هزت رأسها بالإيجاب.

فقلت:

- تمام... شكرًا على وقتك.

ابتسم لها يحيى ابتسامةً خفيفة وقال:

- البقاء لله.

غادرنا غرفة المعيشة، وما إن ابتعدنا عنها حتى لم أستطع كبت ضحكتي.

نظر إليّ يحيى باستغراب وقال:

- بتضحك على إيه؟

قلت مبتسمًا:

- دي أول مرة أشوفك بتتعاطف مع حد.

هز كتفيه وقال:

- حالتها تصعب على الكافر.

ثم غيّر مجرى الحديث وسأل:

- شاكك في حد معين؟

هززت رأسي نفيًا وقلت:

- لسه بدري... بس غالبًا اللي عمل كده راجل بنيته قوية.

عقد يحيى حاجبيه وقال:

- ومين قالك كده؟

أجبته:

- كارما قالت إنها سمعت تلات خبطات جامدة. لو كانت ناتجة عن اعتداء مباشر، فده معناه إن الجاني كان عنده قوة بدنية كبيرة... لكن دي مجرد فرضية.

سألني:

- هو صالح هيسمح لنا نعاين مسرح الجريمة؟

ابتسمت ابتسامةً جانبية وقلت:

- مش من حقه يمنعني. حتى لو رتبته أعلى مني، من حقي أعاين مسرح الجريمة بنفسي.

اتجهنا نحو صالح، وما إن رآنا حتى قلت:

- عاوزين نعاين مسرح الجريمة.

نظر إليَّ وقال:

- ليه؟ وصلتوا لحاجة؟

أجبته:

- شاكك في حاجة... بس لسه مش متأكد.

ظل ينظر إليَّ لثوانٍ، ثم قال بنبرةٍ ساخرة:

- وأنا مش قولتلكم إني عاينت المكان؟ ولا شايف إن شغلك أحسن من شغلي؟

زفرت بضيق وقلت:

- أنا مقولتش كده... بس من حقي أعاين مسرح الجريمة.

لم يجد ما يمنعه به، فأشار بيده نحو الطابق العلوي وقال:

- اتفضلوا... لكن محدش يلمس الجثة أو يحرك أي حاجة من مكانها. والبسوا القفازات والكمامات، ومحدش يلوث الأدلة.

وأنا أرتدي القفازات، تذكرت شيئًا، فالتفت إليه وقلت:

- على فكرة... إنت قولتلي إن محدش لمس الجثة، صح؟

هز رأسه بالإيجاب.

فقلت:

- مدام كارما قالت إنها لمسته علشان تتأكد إنه لسه عايش، وكانت بتحاول تتحسس نبضه.

انعقد حاجباه وقال بدهشة:

- إيه؟! وهي عملت كده؟

أومأت برأسي وقلت:

- أيوه... وقالت إنه كان لسه فيه نفس، لكن قبل ما الإسعاف توصل كان مات.

ساد الصمت لثوانٍ، ثم قال بضيق:

- ليه محدش بلغني بالمعلومة دي؟

راقبته للحظات، وقد بدا الانزعاج واضحًا على ملامحه.

ابتسمت ابتسامةً خفيفة، ثم قلت:

- عن إذنك.

اتجهنا إلى غرفة يوسف... أو بمعنى أدق، إلى مسرح الجريمة.

وفي طريقنا، ضحك يحيى وقال:

- شوفت وش صالح لما عرف إن مدام كارما لمست يوسف؟

ابتسمت وقلت:

- يستاهل... يمكن يبطل تكبر ومايشوفش نفسه علينا.

اختفت ابتسامتنا بمجرد أن دخلنا الغرفة.

ساد المكان صمتٌ ثقيل، بينما كانت بقع الدماء متناثرة على الأرض.

تقدمت ببطء، وأخذت أتفحص المكان بعيني قبل أن أوجه نظري إلى يوسف.

توقفت للحظة.

كانت هناك آثار ضغط واضحة حول عنقه، كما بدت الإصابة في رأسه شديدة، ولم ألحظ وجود أي أداة يمكن أن تكون استُخدمت في الاعتداء.

همست:

- غريبة...

نظر إليّ يحيى وقال:

- في إيه؟

أشرت إلى عنق يوسف وقلت:

- بص هنا... آثار الأصابع دي واضحة.

اقترب يحيى قليلًا، ثم قال:

- أيوه... كأن حد كان بيخنقه.

أومأت برأسي، ثم نظرت إلى الأرضية الملطخة بالدماء وقلت:

- كارما قالت إنها سمعت تلات خبطات جامدة... ولو ربطنا ده بآثار الخنق، وعدم وجود أداة جريمة في الأوضة...

سكتُّ لثوانٍ، ثم أكملت:

- فأنا أرجح إن القاتل خنقه الأول، وبعدها رفعه وخبطه في الأرض أكتر من مرة.

ظل يحيى صامتًا وهو يفكر في كلامي، ثم قال:

- لو استنتاجك صح... يبقى اللي عمل كده راجل طويل وبنيته قوية، لأن رفع شخص بطول ووزن يوسف مش هيكون سهل.

قلت وأنا أواصل النظر في أرجاء الغرفة:

- ده مجرد استنتاج... لو الأدلة والطب الشرعي أكدوه، يبقى إحنا ماشيين في الطريق الصح.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قضيه وثلاثه قتله {سلسله تحقيقات يونس عبد الوهاب}

المؤلف Retal Ahmed
2026/07/29 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة