الماء فاترٌ، يميل إلى القشرة الحليبية المصفرّة التي تتركها أحجار الكلس في قاع المِغسل الحجري العتيق.
لم يكن هناك استجمام؛ كانت العملية أشبه بـ تجريد جثة من خيوطها قبل دفنها. جلس ثيودور رينيه في الحوض الخشبي العريض المجلوب من أقبية الميناء، وساقاه المبتلتان تصطدمان بحوافه المتهالكة، بينما كان بخار الماء الشحيح يرتفع ملتصقًا برائحة الرطوبة والعفن المستوطن في جدران الخمارة عند أحواض السفن في لوراسيون.
أخذ القطعة المتبقية من الصابون القاسي المصنوع من شحم الخنزير الرخيص والصودا التي تحرق الجلد وحكّ بها صدره بضراوة، احتكاك خشن، أشبه بسحب سكين حافية على جلد جاف.
انتشرت رغوة بيضاء ملوثة بالرماد الأصفر والدم المجفف الذي علق بمسامه خلال معركة الفجر. تحت الشحم والدم، ظهرت الندوب القديمة كخريطة متداعية: أثر الجرح على الكتف الأيسر، وخط سفلي أبيض بطول أضلاعه من ضربة شفرة قصيرة نجا منها في الحصار السابق.
انحنى ثيودور، وغمر وجهه في الماء.
في الظلمة المائية المغلقة وراء جفنيه، لم يستمع لخرير الماء وهو يتدفق حول أذنيه. بل سمع الصوت ذاته الذي لا يغادره منذ أسابيع.
«لقد قتلوا ألكسندر.»
عاد الصوت. لم يكن صوته هو، بل صوت الكاردينال حين نطقها في قاعة العرش، صداءً حادًا يتكسر على الأعمدة الرخامية الباردة لبلاط الملك لويس الرابع.
في تلك اللحظة قبل أسابيع، لم يتسنَّ لـ «ثيودور» حتى أن يرمش. لم يُمنح النبيل الشاب ثانية واحدة لتستوعب روحه معنى أن أخاه الأكبر، الشجرة التي ظللت على صغره، وولي العهد الذي بُنيت عليه آمال السلالة، قد ذُبح في قذارة الجنوب كأي جندي مشاة جائع.
قبل أن تنزل الدمعة الأولى من عينيه، قبل أن تنقبض عضلات وجهه بالصدمة، كانت يد الملك ذاتها، يد والده الغليظة المغطاة بخواتم الختم الثقيلة تطوق رقبته وخنقته حتى انقطعت أنفاسه.
تذكر ثيودور طعم النحاس والدم في فمه حين رطمه الملك بالجدار الرخامي ليرسخ سطوته الباردة أمام النبلاء والأساقفة.
فتح ثيودور عينيه فجأة تحت الماء.
انتفض خارقًا السطح، والماء القذر يتطايَرُ على الأرضية الخشبية. تنفس بصعوبة، وصدره يعلو ويفرغ. كانت حنجرته تستعيد حشرجة الخنق القديمة، وكأن أصابع لويس الرابع لا تزال مطبوعة على رقبة ولديه الحيّ والميت.
«ألكسندر...» همس بها للظل المعتلي في زاوية السقف.
لم يكن الاسم رثاءً، بل كان حسرة مسمومة. لقد تركوه يتعفن هناك، والآن يطاردون عظام الأساقفة في الموانئ الخربة ليغسلوا بها شرف السلالة الملوثة.
مسح وجهه بكفه الخشنة، وقفز خارج الحوض. قطرات الماء تساقطت بانتظام كدقات ساعة لا ترحم. جفف جسده بخرقة كتانية جافة، وارتدى السروال الجلدي الثقيل والقميص الناعم المقوى بالنحاس. عندما قبض على مقبض سيفه القصير ليربطه حول خصره، سمع الحركة خلف الباب المغلق.
لم تكن حركة جندي. كانت خطوة هادئة، موزونة، لا ترتكب خطأ الارتطام بالخشب.
سحب ثيودور خنجره الداخلي ببطء، وقفز ثقله إلى مقدمة قدميه.
«الباب ليس مغلقًا بمفتاح يا صاحب السعادة،» جاء الصوت من خلف الخشب.
صوت نسائي، لكنه يسير على خط فاصل بين الرقة المصنوعة والصلابة المعدنية الباردة. صوت يحمل لهجة الشمال الألبيني حيث تُنطق الحروف المتحركة بكثافة تذكر بجليد القمم وصليل الفولاذ الذي تنصهر فيه السفن الحربية.
فتح ثيودور الباب بدفعة واحدة.
كانت تقف هناك.
كاثرين بلاكوود.
لم تكن تنتمي إلى هذا الفندق الدنس في لوراسيون. بدت وكأنها اقتُطعت من لوحة زيتية ثرية رُسمت في بلاط "المملكة الحديدية"، ثم أُسقطت وسط رائحة الشحم والدم الخائر.
شكلها ألبيني بامتياز: بشرة بيضاء ناصعة إلى حد الشفافية، تظهر تحتها العروق الزرقاء الدقيقة كخطوط حبر على ورق بردي قديم. شعرها أسود فحمي، مصفف بعناية في ضفائر متداخلة. وأما عيناها... فكانتا رماديتين برداءة خفيفة، كأرضية جمر يُحتضر في ظلام دائم.
كانت ترتدي مخملًا أسود ثقيلًا مقلمًا بخيوط الفضة الصافية، يحيط بعنقها طوق عالي العاج، وياقة معطفها الفراء المجلوب من المناطق الثلجية تمنحها هيئة بومة جوارح تراقب جثة من فرع عالٍ.
خلفها في الممر المظلم الضيق، وقف حارسان ضخمان من حرس بلاكوود، يرتديان المظلات الصدرية الفولاذية الثقيلة المميزة للشمال الحديدي، وأيديهما مستقرة بثبات على مقابض المطارق الحربية.
«طرقُ الأبواب عادةٌ يتعلمها السادة قبل أن يتعلموا قطع الأعناق، يا سيدة بلاكوود،» قال ثيودور، وصوته خشن من أثر الخنق القديم والماء البارد، ولم يخفض خنجره سوى بضعة بوصات.
ابتسمت كاثرين. لم تكن ابتسامة ود، بل كانت تحريكًا ميكانيكيًا لشفتيها الشاحبتين.
«الذين يقطعون الأعناق في الموانئ المظلمة لا ينتظرون الطرقات يا سلفي،» قالت وهي تتجاوزه ببرود متناهٍ، وخطت إلى داخل الغرفة الصغيرة دون أن تنتظر دعوة.
جالت بعينيها الرماديتين في المكان: الحوض الخشبي الممتلئ بالماء الأسود، القميص الملطخ بالدم على الأرض، السيف المائل على كرسي مكسور. لم تظهر على وجهها أي علامة تقزز، بل كان إعجابًا باردًا.
«المكان يفوح برائحة النبلاء عندما يحاولون التخفي في أزياء القتلة،» تابعت، وهي تتوقف عند النافذة المغلقة وتسترق النظر عبر الفجوات الخشبية نحو الرصيف البحري. «ثيودور رينيه. الابن الغير شرعي. السيف الذي طُرِح جانباً لأن السلالة قررت أن تضع كل رهاناتها على الذئاب الست.»
انقبضت يد ثيودور على مقبض الخنجر حتى أبيضّت أطراف أصابعه.
«إن جئتِ إلى هنا لتلاوة أنساب الموتى يا بنت آل بلاكوود، فقد أخطأتِ العنوان. الموتى ينامون في الميناء السفلي تحت أقدام الكلاب المسعورة.»
التفتت إليه ببطء. سكنت عيناها الفضيتان عليه، وضغطت بيدها المرتدية لقفازٍ بالجلد الأبيض على المقبض العاجي لعصا قصيرة تحملها.
«أنا هنا لأن آل بلاكوود لا يحبون الاستثمار في الموتى، يا ثيودور. نحن نستثمر في بقايا الأحياء الذين يمتلكون الشغف بالانتقام.»
«ألبيون لا تستثمر بدون فواتير دم،» رد ثيودور وهو يخطو خطوة نحوها، مائلًا بجسده الضخم ليشكل ظلاً يغطيها. «ما الذي تفعله بنت الأساطيل الحديدية في أزقة فالوريان القذرة؟ الملك لويس الرابع لم يوقع معاهدة التجارة البحرية مع ملككم في الشمال بعد. هل تظنين أن حضوركِ هنا ينطلي على جواسيس "لوك لوران"؟»
أخرجت كاثرين تنهيدة قصيرة، أشبه بنسيم يتكسر على الشوك.
جلست على الكرسي الخشبي الوحيد السليم في الغرفة، ونفضت طرف معطفها المخملي ببساطة متناهية.
«إليك العرض يا وريث الرماد،» قالت وهي تنظر إليه بتركيز شديد. «آل بلاكوود مستعدون لتزويدك بالدعم المالي الكامل. ثلاث أسطول من السفن الحربية ذات القواعد الفولاذية التي لا تخترقها المدافع الساحلية، خمسة آلاف من السهام المسلحة من جديد التصاميم الألبينية، والغطاء السياسي الكامل لفتح جبهة مستقلة في الجنوب الغربي تحت رايتك الخاصة. سنمنحك الموارد لتبني جيشك الخاص، بعيداً عن أشقائك الستة الأغبياء الذين يتصارعون في العاصمة على كعكة مسمومة.»
صمت ثيودور.
كانت رائحة عطرها مزيج من البارود الجاف وورد الجليد تصطدم برائحة الصابون الخنزيري والدم المتبقي في الحوض. العرض لم يكن مجرد مساعدة؛ كان تاجاُ يُقدم على طبق من شفرات.
«والثمن؟» سأل ثيودور صوته خفيض كحفيف الأوراق الميتة. «ما الذي تطلبه المملكة الحديدية مقابل جعل الابن المنبوذ ملكاً على الركام؟»
«لا شيء كثير،» أجابت بهدوء قاطع. «حين تجلس على العرش في العاصمة أو تؤسس مملكتك الخاصة، نحصل على الامتياز الحصري لمناجم الفحم والحديد في إقليم "فيرفيل"، وتنازل تام عن حقوق الجمارك البحرية لجميع سفن بلاكوود في كل موانئ فالوريان لمدة مائة عام. إضافة إلى... عقد زواج ينتهي بتوحيد بيتينا.»
قهقه ثيودور. كانت ضحكة جافة، خالية من أي فرح، أشبه بكسر أغصان يابسة تحت جزمة ثقيلة.
«زواج؟» مسح فمه بظهر يده. «أنتِ لا تبحثين عن حليف يا كاثرين. أنتِ تبحثين عن كَلبِ حراسة يرتدي تاجا مكسوراً ويحمل الختم الملكي ليوقع لكم على بيع فالوريان قطعة قطعة.»
«أنا أقدم لك النجاة والنصر يا ثيودور!» ارتفع صوتها للمرة الأولى، وظهرت الشراسة الألبينية الباردة من خلف القناع العاجي. «أخوك ألكسندر مات لأن الملك أرسله بجيش خشب وحجارة ضد قوى لا تفهمونها. سيلين دو لوران تلعب بك كقطعة شطرنج في مجالس الذئاب. بدون أسطولنا وبنودنا، أنت مجرد مرتزق مأجور يحمل اسماً نبيلًا وسينتهي به المطاف برأس مقطوع على أسوار العاصمة!»
خطا ثيودور نحوها حتى أصبحت تفصلهما بوصات قليلة. انخفض بقامته حتى أصبحت عيناه الرماديتان الباردتان في مستوى عينيها المشتعلتين.
استنشق الهواء الملوث بينهما.
«أنتِ لا تعرفين شيئاً عن الموت يا بنت الشمال،» قال لها بصوت حاد كالصلب المنصهر. «أنتِ ترين الحرب كجدول في دفتر تجاري: كم سفينة، كم سلاحا، كم إقليماً سنشتري. لكنني أيضًا رأيت أصابع أبي تعصر حنجرتي وهو يخبرني أن الدم أخصب من المعاهدات.»
وقف منتصباً، وأشار بيده نحو الباب المفتوح.
«خذي فولاذكِ، وبارودكِ، وعقد زواجكِ الملعون، وارحلي إلى سفنكِ الصقيعية. أنا لا أعرفكِ، ولا أثق بامرأة تجرؤ على مساومة وعدي لأخي.»
تصلبت كاثرين في مكانها. احمرت وجنتاها الشاحبتان بلون الغضب. نهضت ببطء شديد، واستعادت كل وقارها البارد في ثانية واحدة.
«الغرور هو الفضيلة الوحيدة التي يبقيها آل فالوريان قبل أن يسقطوا،» قالت وهي تعدل قفازها الأبيض. «ستزحف إلينا يا ثيودور. عندما تجد أن أشقاءك قد أغلقوا أبواب الشمال في وجهك، وأن الجنوب يأكل جنودك أحياء... ستسعى خلف آل بلاكوود. لكن السعر حينها لن يكون مجرد مناجم جمر وعقد زواج. سيكون رأسك بنفسه.»
استدارت ومشت نحو الممر بخطوات موزونة، وحراسها الضخام يحيطون بها كظلال فولاذية.
وقف ثيودور عند الباب، يراقب اختفاءهم في العتمة.
لم يكن هناك شعور بالفخر أو النصر. كان هناك فقط الجوع، والبرد، واليقين التام بأن الشتاء القادم لن يرحم أحداً.
انحنى، أخذ القميص الملطخ بالدم من على الأرض، وضغطه على وجهه ليستنشق رائحة البارود والحديد المالح.
في ركنٍ آخر من فالوريان...
كانت رائحة البخور في كنيسة "النور الأبدي" ثقيلة، حادة، ومصنوعة لتخنق رداءة العرق البشري الممتد في المظهر المظلم للكاتدرائية.
لم تكن الكاتدرائية مجرد بناء من الحجر المقطوع وسقف شاهق تزينه الموزاييك الذهبية، بل كانت قلعة من الرخام الأسود الذي جُلب من جبال "فالوريان" الشرقية قبل ثلاثة قرون. كانت العروق المذهبة تحترق تحت ضوء آلاف الشموع الشمعية المصنوعة من دهن الخنزير والمصفاة بالمسك، لتضفي على الفضاء الهائل هالة من الجلال الذي تفوح منه رائحة الترف القاسي.
خلف الأبواب النحاسية العظيمة، احتشد الآلاف. الفقراء، المزارعون الذين طُردوا من حقول الجنوب المشتعلة، تجار الموانئ، والحجاج الذين قطعوا المئات من الأميال وهم يحملون ندوب الطاعون والأقدام الدامية. كانوا يتدافعون كالماشية بين السلاسل الحديدية التي تفصل الشعب عن المذبح الرئيسي.
تنهد القس لوسيان مونتكلير وهو ينظر إليهم من فوق المنصة المرفوعة.
كان لوسيان يقف كامتداد مباشر للحجر الأسود. عميد عائلة مونتكلير، والرجل الذي تحسد القوى السياسية في فالوريان دهاءه قدر ما تخشى صلاوته الدينية. لم يكن يرتدي الثياب الصوفية الرخيصة التي يلبسها رهبان الأقاليم؛ بل عباءته الكهنوتية تكونت من الحرير الأرجواني الثقيل، مطرزة بخيوط من الذهب الصافي الذي يمثل أشعة النور الأبدي، يمسك بيده اليمنى "صولجان الاستقامة"، وهو ثعبان ذهبي يلتف حول شعلة من الكريستال الخام.
على يسار المذبح، وفي كرسيه العاجي العالي المقوس، جلس الملك لويس الرابع.
لم يكن الملك يبتسم. عيناه الغائرتان تراقبان حركة الهواء في القاعة. تاج فالوريان، الفولاذي المطعّم بالياقوت الداكن، كان يبدو ثقيلاً فوق رأسه الشائب، وكأن كل جوهرة فيه هي قطعة جثة من أجداده. يداه المكسوتان بالقفازات الجلدية الخشنة كانت ترافقان مقبض سيفه الملكي العريض، ولم يتحرك منه انش واحد سوى تنفسه البطين الخفيض. كان حضور لويس الرابع في الكاتدرائية يمنح الكهنة مباركة السيف، لكن عيناه كانتا تقرآن القس لوسيان بحذر حيوان مفترس.
«يا أبناء النور...»
تردد صوت القس لوسيان عبر القبة العالية. كان الصوت عميقاً، مشحوناً بنبرة هادئة لكنها تمتلك قوة اقتحام خشب الأبواب.
«إن الظلمة التي تلتهم أطراف فالوريان لن تطال قلب هذه المملكة، لأن النور لا يختار الأضعف ليحمي مذبحه... بل يختار الفولاذ الذي أُعيد صقله في النار ثلاث مرات.»
سكت لوسيان لثوانٍ، تاركاً صوت البخور وهو يحترق والموسيقى الفالورية الباردة ينفذان إلى أجساد الحجاج البؤساء. في تلك اللحظات، ساد صمت مطبق إلا من صرير الدروع الثقيلة عند البوابات.
«لقد رحل الأسقف أغسطين إلى رحمة النور الأبدي، تاركاً خلفه سياجاً من الإيمان... واليوم، نضع تقاليد هذا السياج في يد مَن يجري في عروقه دم الذبح والتقوى معاً.»
التفت القس لوسيان بنظرة متيبسة نحو درجات المذبح السفلى.
«اقترب يا سيلفان.»
من بين الظلال الناتجة عن أعمدة الرخام، خطى الفارس سيلفان مونتكلير، حفيد الأسقف الراحل، إلى الأمام.
كان سيلفان تجسيداً للغرور القاتل حين يُكسى بالفولاذ المصقول. درعه لم يكن فيه خدش واحد؛ كان من الفولاذ الناصع الذي حُفرت عليه رموز النور والنسور الصاعدة، معطَف بلون بياض الثلج ينسدل من كتفيه الحادين. كان يمتلك الخصلات الحمراء ذاتها التي تميز البيوت النبيلة، ووجهه المنحوت بدقة خالٍ من أي ندبة حربية ليس لأنه لم يقاتل، بل لأنه كان قوياً بشكل مفرط يمنع الأعداء من لمس جشعه.
طريقة سيره لم تكن خاشعة أمام الكنيسة، بل كانت مسيرة رجل يستلم ملكاً طال انتظاره. كانت نظرات عينيه الزرقاوين الباردتين تتجاوز المذبح، تتجاوز القس لوسيان، لتستقر لثانية واحدة بثبات وقح على الملك لويس الرابع نفسه.
جثا سيلفان على ركبة واحدة أمام لوسيان، لكن رأسه ظل مرفوعاً، ودقنه البارز لم ينخفض كما تنص أعراف الرسامة الدينية.
وضع القس لوسيان يده الثقيلة بخواتمها الزمردية فوق رأس حفيد صديقه الراحل.
«سيلفان مونتكلير، هل تقسم بدم الأسقف أغسطين، وبكل الحجارة التي رُفعت لمجد النور، أن تذود عن الكاتدرائية وعن عروش هذا الإقليم بالدم والفولاذ، ولا تنحني أمام مقصلة أو تاج؟»
كان التلميح للتاج صريحاً، لدرجة أن الملك لويس الرابع شدّ قبضته على سيفه حتى سمع الكهنة المحيطون به صرير الجلد تحت الخاتم الملكي.
ابتسم سيلفان. ابتسامة خفيفة، ساخرة، لا تليق بمذبح مقدّس.
«أقسم بالنور الذي يُنير حافات سيفي،» قال سيلفان، وصوته يقطع صمت القاعة بنبرة واثقة، حديدية، لا تعرف التردد. «وأقسم بأن القوة التي وُهبت لآل مونتكلير لن تُخضع رأساً يقف فوق هذه الأرض... ما دمت أحمل الشفرة.»
رفع القس لوسيان "حسام الحرس المقدس" سيفاً عريضاً ذو قبضة مصنوعة من عاج الفيل ومرصع بالذهب والفضة ووضعه بين يدي سيلفان.
استلم سيلفان السيف، ووقف بدفعة واحدة دون أن يظهر عليه أدنى أثر لثقل الدرع الثقيل. سحب الشفرة من غمدها ببطء؛ فتردد صرير الصلب الحاد في أرجاء المكان، قبل أن يرفع السيف عالياً نحو القبة إلى زاويةً يمر بها ضوء الشمس الباهت عبر الزجاج الملون.
سقط ضوء احمر وأزرق على شفرة السيف النظيفة، وانعكس الضوء مباشرة في عيني الملك لويس الرابع.
الصرخات في الخلفية؛ الحجاج والفقراء يرتطمون بالسلاسل وهم يهللون لـ "قائد الحرس المقدس الجديد"، بينما كان الكهنة يلقون زهور الليمون المجففة والماء حول المنصة.
في وسط هذا الهتاف الجماهيري الخانق، ظل ثلاثة رجال صامتين كالأصنام:
القس لوسيان مونتكلير، الذي كان ينظر إلى الكاتدرائية كمن يملك ملكيتها الخاصة.
وسيلفان مونتكلير، الذي مسح السيف بطرف عباءته البيضاء بكبرياء لا يرحم.
والملك لويس الرابع، الذي أغلق عينيه لبرهة واحدة، مستنشقاً رائحة البور والدم المرتقب.
صمتت الموسيقى الكنسية لفترة خاطفة، وكأن الموسيقار العظيم قد اختنق بدخان البخور والمحارق المشتعلة.
في تلك الثواني الفاصلة، ظل سيلفان مونتكلير واقفا فوق درجة المذبح العليا، ويده لا تزال تطوق مقبض "حسام الحرس المقدس" العاجي.
لم ينحَنِ سيلفان. لم يرفع جفنه باحترام، بل ترك ابتسامته الزائفة تتسع على وجهه الوسيم كطعنة صامتة وجهها إلى التاج أمام محفل الأمة بأكمله.
تحرك الملك ببطء شديد.
صوت زفير خشن صدر من صدره العجوز، ثم أمال رأسه الشائب نحو القس لوسيان مونتكلير.
«تتحدث عن الفولاذ الذي أُعيد صقله ثلاث مرات يا رئيس المجلس...»
كان صوت الملك منخفضاً، لكنه مسكون بنبرة صدئة تمشي على الأعصاب كشفرة مكسورة. تردد الصوت عبر الأعمدة ليتلاشى هتاف الحجاج والمساكين عند السلاسل الحديدية، وساد صمت مشحون بالخوف.
«تمنح السيف لعاجز يرتدي الفولاذ المصقول ليحمي المذبح، لكن الفولاذ الحقيقي لا يُعرف بنصاعة الدروع يا لوسيان... بل بمرارة الدم الذي يلحسه عند أول مواجهة.»
اتسعت عينا القس لوسيان تحت حواجبيه الشائبتين. قبض بسرعة على "صولجان الاستقامة"، وخطا خطوة واحدة نحو الأمام محاولاً تطويق الخطر السادي قبل أن يتفاقم في قلب حرم الكاتدرائية.
«يا جلالة الملك،» قال لوسيان بنبرة دينية حازمة تشوبها محاولة مناورة دافئة، «هذا يوم مبارك لتكريس خادم النور الأبدي، والسيوف التي تُرفع هنا إنما تُرفع لحماية عرشكم و...»
«اخرس يا لوسيان.»
قطع الملك الكلمة بدفعة واحدة من يده المغطاة بالجلد، دون أن يرفع صوته، لكن القوة السياسية الخالصة في النبرة جعلت الرهبان المحيطين بالمذبح يتراجعون خطوة للوراء.
أوقف الملك لويس الرابع من كرسيه العاجي. سمع الجميع صرير الفولاذ القاسي وهو يتعدل فوق جسده المنحني قليلاً من ثقل السنين والمصائب. نظر بثبات مباشر نحو الفارس الشاب سيلفان، الذي لم تزل ابتسامته المتكبرة عالقة على شفتيه، وإن أصبحت أكثر حذراً.
«لدينا سياف في العائلة المالكة يظن أيضاً أن الشفرات لا تُقهر،» قال الملك، والتفت بنظره نحو الكواليس المظلمة وراء المذبح. «أظهر نفسك يا كونراد.»
من بين ظلال المصلى المظلم، خنق ضجيج خطوة ثقيلة لا ترحم صمت المكان.
أبرز الأمبراطور الصغير والابن الثالث للملك: كونراد فالوريان.
كان كونراد تجسيداً للوحشية المكتومة. أعرض كتفاً وأكثر تحفزاً من بقية إخوته؛ لا يرتدي دروع الزينة العاجية كـ سيلفان، بل كان يلبس مظهر الفرسان الميدانيين: درع صدر فولاذياً داكناً مصفحاً بنحاس قديم، تحيط به عباءة ممزقة الأطراف بلون الفحم، ووجهه يحمل قسوة سلالة آل فالوريان: عينان رماديتان نفاذتان، وفك عريض ينم عن ثقة عمياء، ثقة رجل لم يجد بعدُ من يستطيع إيقاف شفرته الطويلة في ساحات القتال.
ظل كونراد صامتاً. كلماته دائماً قليلة، لكن حضوره يلغي وجود من حوله. يسحب قدميه بكبرياء هادئ، ويده تتكئ على مقبض سيف عريض ثقيل لا يحمل أي نقوش زينة.
وقف كونراد إلى جوار والده، ونظر إلى سيلفان مونتكلير كمن ينظر إلى عبدٍ رخيص أُلقي في حلبة مصارعة.
«هذا ابن الملك الثالث،» قال لويس الرابع وهو يشير بسبابته نحو كونراد، «السياف الذي يتنفس الفولاذ. ونحن هنا في كنيسة النور الأبدي، والشعب يرغب في التأكد من أن قائد حرسهم الجديد ليس مجرد غلاف مذهب لحصان ملكي.»
اعترض القس لوسيان مجدداً بحدة، وصوته الجوهري يملأ القبة:
«جلالتك! هذا بيت الصلاة والتكريس، وليس ساحة نزال أو سفكٍ للدماء! النور يمنع سفك دماء النبلاء فوق هذه الحجارة المقدسة!»
جمد الملك نظراته على لوسيان، وارتسمت على شفتيه الشاحبتين ابتسامة مسمومة، قاسية، لا أثر للرحمة فيها.
«سَمّر لسانك يا لوسيان،» قال الملك بصوت كالمبرد الحديدي، ليُسمِّر القس في مكانه بحجة لا تصد. «أنا لا أطلب دماً ولا أطلب الموت... أنا أطلب استعراضاً للمهارات. نزال شريف بالأسلحة الحادة ليرى هذا الشعب الجائع مَن يمتلك القوة لحمايته بحق. أليس هذا ما تعظون به من على منابركم؟ أن القوة من السماء؟»
احمرّ وجه القس لوسيان بالحنق الدفين، لكنه لم يجد ثغرة قانونية أو دينية ليجيب. كان الملك قد حاصره أمام آلاف الحجاج الذين بدأوا بالهمس والتطلع بشغف حاد لنزال بين سلالة الملك وسلالة الكنيسة.
خطا كونراد خطوة إلى الأمام، متجاوزاً والده بالكامل. حدق سيلفان بنظرة رمادية خالصة، ونطق بكلماته القليلة بصوت خفيض حاد كصرير الخنجر على العظم:
«السيف العاجي جميل يا مونتكلير... سنرى إن كان ينكسر حين يصطدم بفولاذ آل فالوريان.»
تغيرت ملامح سيلفان. اختفت الابتسامة المائعة، وحلت مكانها نظرة كبرياء جريح وشراسة فارس يدرك قدراته العالية. أطبق على مقبض سيفه العاجي حتى سمع الكهنة صرير الجلد، وقال بنبرة ناصعة الجفاف:
«في أي وقت تختاره يا ابن الملك. الفولاذ المصقول يعرف كيف يقطع الرؤوس العريضة.»
تذكار الملك لويس الرابع نحو الحشود المحتشدة في أطراف الكاتدرائية، ورفع يده الملكية لتسود السكتة المطبقة في الفضاء الهائل.
«في غروب اليوم الخامس من هذا الأسبوع،» أعلن الملك لويس، وصوته يقطع الضباب والمستنقعات السياسية في القاعة، «في الساحة الكبرى لبلاط الشمال، أمام العائلات الكبرى والجيش... سيلتقي كونراد فالوريان وسيلفان مونتكلير. وهناك سنعرف إن كانت الكنيسة تحمينا بفوارس من حديد... أم بعرائس من زجاج.»
استدار الملك دون أن ينتظر ختام القداس، وخطا بخطواته الثقيلة نحو المخرج الملكي الخفي، ومعه ابنه الصامت كونراد الذي لم يرفع عينيه عن سيلفان حتى توارى في الظلال.
تركت الكلمات أثراً كدخان الحرائق في صحن الكاتدرائية. وقف القس لوسيان ممسكاً بصولجانه والمقت يغلي في عينيه المعتمتين، بينما رفع سيلفان رأسه بشراسة مسكوبة، عالماً أن معركته الأولى لتثبيت سطوته لن تكون ضد أعداء الكنيسة... بل ضد سيف آل فالوريان نفسهم.
تزامنًا مع ذلك...
و في "مضمار ألموند" لسباقات الخيول، كسر شروق الشمس ضباب الموانئ و فككها إلى حبيبات رطبة تتلألأ فوق المسار الترابي المحفور بأقدام الأحصنة.
في الشرفة الملكية المرتفعة، الشرفة المكسوة بالمخمل الأرجواني المزين بشعار الشعلة الملكية، لم يكن الجشع الديني الذي شهدته كاتدرائية "النور الأبدي" سوى صدى بعيد. هنا، حيث تفوح رائحة الروث المخلوط بالعرق الخيلي، والخمر المعتق، وسجائر التبغ الألبيني المستورد، تجلس القوة التي تحرك الساطور الحقيقي لمملكة فالوريان.
على مقعدين عريضين من الخشب الأسود المطعّم بالعاج، جلس رجلان تنحني لرغباتهما الأسطول والخزائن و المجالس السياسية.
إلى اليمين، كان اللورد لوك دو لوران، رئيس مجلس النبلاء، والد سيلين، وأخ الملك لويس الرابع الذي سفك معه الدم في حروب "التخوم الشمالية" قبل ثلاثة عقود. كان لوك يشبه نسخة أكثر قسوة وحكمة من الملك؛ يمتلك الشعر الرمادي القصير المقصوص بعناية عسكرية، وندبة قديمة تخترق جانبه الأيسر لتنتهي عند فكه العريض تذكار صامت من رمح ألبيني كاد يقطع حياته في نزال قديم. يرتدي عباءة ثقيلة من فراء الذئاب الرمادية، ويده المغطاة بجلد الفقمة تتكئ بضعف مصنوع على عصا من أبنوس.
وإلى جواره، جلس اللورد رينارد دو لاروش، رئيس مجلس التاج، وعميد عائلة "دو لاروش" التي تمسك بأسنانها على الحبوب، الموانئ، والذهب المصكوك في فالوريان. كان رينارد قرين لوك في السن، لكنه نقيضه في الهيئة؛ رجل ناعم الملمس برداء من المخمل العنابي المقصب بخيوط الفضة، بذقن مشذب بدقة، وعينين حادين كعيني صقر يزن جثة على جانب الطريق. أطراف أصابعه المترعة بخواتم الزمرد الكبير كانت تداعب كاساً زجاجياً صغيراً يطفو فيه نبيذ أبيض بارد.
خلفهما، بمسافة خطوات تحترم الهرمية القاتلة، وقف شلة من عمالقة الدولة: دوقات الإقليم الغربي، وقادة أساطيل الموانئ، وأساقفة بارزون يحاولون التقاط خيط من حديث الرجلين.
في أسفل الشرفة، كان الخيال المرتدون لقمصان حمراء وبيضاء يقودون جياد السباق الأصيلة ذات الأنساب العريقة نحو خط البداية. صهيل الخيول وتصادم حوافرها بالتراب كان يصنع خلفية إيقاعية لحديث لم يخُض إلا في الدماء والأرقام.
«حصانك الأشهب يترنح في قدمه اليسرى يا لوك،» قال رينارد دو لاروش دون أن يلتفت نحو جليسه، وعيناه تتابعان الفارس وهو يعدل السرج. «يبدو أن الجياد التي تولد في أقاليمكم الشمالية تفقد صلابتها حين تشم زفر الموانئ الجنوبية... تماماً كما يحدث لسيوفكم.»
أخذ لوك دو لوران نفساً عميقاً من سجارته المصنوعة يدويًا، وصعد دخان رمادي كئيب ليتلاشى في الضباب.
«القدم اليسرى المترنحة تُقطع يا رينارد، ثم يركض الحصان على ثلاثة أقدام حتى يبلغ الهدف،» رد لوك بصوت جاف، مسكون بصوت صرير الحبال البحرية. «أما أحصنتك الجنوبية المذهبة، فتسقط عند أول زخة مطر لأن فرسانها يتعلمون حساب الدنانير قبل أن يتعلموا القبض على الأسلحة.»
ابتسم رينارد دو لاروش ابتسامة هادئة، فيها كل الود المسموم الذي يتشاركه رفيقان قاتلا في الخنادق ذاتها، ثم اختلفا على تقاسم الجثث.
«الدنانير هي التي اشترت البارود الذي أنقذ كتيبتك في "حصار الفج" قبل ثلاثين عاماً، أتذكر؟» أمال رينارد رأسه نحو لوك. «يومها كان شقيقك لويس يصرخ طلباً لمدد الفولاذ، ولولا أسطول "دو لاروش" الذي عبر بالذخيرة وسط عاصفة الموت، لكانت جمجمتك اليوم زينة على أسوار ألبيون.»
انقبضت أصابع لوك دو لوران على عصاه الأبنوسية لثانية، وضغطت على الخشب حتى سمع من خلفهما صوت صرير حاد.
«البارود الذي بعته لنا بضعف ثمنه يا رينارد،» قال لوك ونبرة الضحك الخفيفة تخرج من حنجرته المجهدة. «أنت لم تنقذنا لأنك تحب لويس أو تحبني. أنت أنقذتنا لأنك علمت أن موتنا يعني أن آل "دو لاروش" سيدفعون الضرائب لملك ألبيني لا يعرف الرحمة في جمع الديون.»
«وتلك هي الحكمة التجارية الوحيدة التي تبقي هذا التاج مقاوماً للانهيار،» رد رينارد وهو يرشف نبيذه بنعومة.
انطلق صفير الحارس، ومع ضجة صرخات المراهنين في المدرجات المجاورة، انطلقت أربعة جياد كالشُهب، تثير عاصفة من التراب الأصفر في المسار الدائري.
التفت لوك نحو رينارد، وعيناه الرماديتان الثقيلتان تركزان مباشرة في وجه رئيس مجلس التاج.
«ابنتك سيلين تتجول في الميناء السفلي يا لوك» قال رينارد فجأة بكلمات قليلة هادئة، لكنها سقطت كقطعة حجر في الماء الرائع. «تنسج الخيوط مع الابن المنبوذ ثيودور رينيه. تظن أنني لا أرى تحركات بيت لوران وراء ظهورنا؟»
راقب الحصان الأدهم وهو يتجاوز الحصان الأشقر عند المنعطف الأول.
«ثيودور ليس قطعة شطرنج تحركها أرقامك يا رينارد،» قال لوك وهو يتكئ بظهره على المقعد الرخامي، ومرت على وجهه طيف ذكريات المعارك القديمة. «إنه يحمل الدم المسموم ذاته الذي يجري في عروق والده لويس. ثيودور ولد في القتال، والذين يولدون في القتال يقطعون الأيدي التي تحاول إطعامهم إذا شموا فيها رائحة الخيانة.»
علا الهتاف في المضمار مع وصول الحصان الأسود العائد لعائلة "دو لوران" أولاً إلى خط النهاية، وهو يجر زفيره المشتعل وسط غبار الحلبة.
ابتسم لوك دو لوران ابتسامة ثقيلة، وأشار بعصاه الأبنوسية نحو الميدان المشتعل بالتراب.
«الحصان الأشهب سقط يا رينارد، لكن الأسود وصل،» قال لوك ونبرة التحدي الحربي القديمة تتأجج بين نبراته. «مجلس النبلاء سيظل هو السيف الذي يحمي فالوريان. اصرف ذهبك كما تشاء على الموانئ والبنادق، لكن حين تتصادم الدروع في النهاية... فالكلمة الأخيرة هي لمن يمتلك الفرسان الذين لا يخشون الموت.»
أفرغ رينارد دو لاروش كأسه، ووضعه على الطاولة الخشبية المجاورة بصوت جاف قاطع.
انحنى رينارد بوقار مصنع لرفيق سلاحه القديم، واستدار ليمشي بين حراسه، تاركاً لوك دو لوران يراقب الغبار المتصاعد من المضمار.
لاحقًا تلك الليلة...
لم تبدأ الرؤيا بظلام، بل بنور حاد مائل إلى الحمرة، يسقط كالشفرة فوق أفق ممتد من الصخور المفتتة.
كان مضيق الدم يتنفس.
لم يكن مجرد جغرافيا، بل خندقاً عميقاً تجري فيه مياه لزجة بدت وكأنها أُشبعت بالنحاس والحديد الصدئ. السحب في الأعلى لم تكن سحباً، بل كتل متكاثفة من غبار رمادي أحمر، تدور ببطء كأنها شائبة تصعد من جرح مفتوح في جسد الأرض.
كان ثيودور واقفا عند الحافة الملساء للمضيق. لم يكن يرتدي درعه الجلدي ولا قميصه المقوى، بل كان حافياً، ويداه الملطختان بطين جاف تصدران حفيفاً جافاً كلما تحركت أصابعه.
وعلى المسافة الفاصلة بين الحافة والمياه اللزجة، رأى الكائن.
كان يرتدي العباءة القرمزية الثقيلة ذاتها التي يلتصق أطرافها بالرماد. ولم يكن له وجه؛ بل القناع الخشبي الأبيض. قناع محفور ببساطة بدائية، ترتسم عليه ابتسامة هادئة، واسعة، ميتة، تجعل تجاعيد الخشب تحت حدقتيه الفارغتين تبدو وكأنها ضحكة مكتومة تسخر من كل السلالات البشرية.
كان الكائن يجرّ جثة.
كان يسحبها من معصمها الأيسر فوق الحجارة الحادة، وصرير العظام المرتطمة بالحجر يتكرر بإيقاع منتظم. كانت الجثة ترتدي المخمل الملكي الممزق، والأكتاف المذهبة الملوثة بالقذر.
ألكسندر.
كان وجه ألكسندر شاحباً كالعاج الميت، وعيناه الناصعتان مفتوحتين ومثبتتين على السقف الأحمر المشتعل. لم يكن ينزف، لأن الدماء في جثته قد جفت منذ زمن بعيد، لكن عنقه كان يحمل أثراً أزرق داكناً لافتراس أو خنق مروع.
سحب القناع الخشبي الجثة نحو جزيرة صغيرة من الطين الأسود تتوسط المياه اللزجة. وحين استقرت الجثة فوق الجزيرة، التفت القناع الأبيض نحو ثيودور.
لم يتكلم الكائن، لكن الابتسامة الخشبية بدت وكأنها تتسع وتتمدد.
ثم، ابتلت الأرض تحت أقدام ثيودور.
من خلف القناع، ومن وراء الركام الجبلي الحاد المحيط بالمضيق، بدأت الأشكال تخرج.
لم تكن بشراً. كانت ظلالاً لعمالقة هائلين، أجسادهم ضخمة كأنها مصنوعة من الحجر والحديد الصدئ، ينبثقون من الضباب الأحمر كأعمدة هادمة. كانت رؤوسهم تجرجر في السحاب، وأقدامهم الثقيلة عندما تطأ الأرض لا تصدر صوتاً، بل تهز عظام ثيودور الداخلية هزاً مكتوماً يخلع النفس.
زحفت الحشود العملاقة وتجمعت حول الجزيرة الصغيرة، و بقيت تحدق فوق جثة ألكسندر كطيور جوارح صامتة انتظرت السقوط دهراً.
انفتح فم ألكسندر الميت. ولم يخرج منه صوت، بل انبعث منه سائلٌ أحمر بارد جرى على ذقنه الشاحب ليرسم خطاً نحو طين الجزيرة.
حاول ثيودور أن يصرخ، لكن حنجرته كانت مملوءة بالتراب الجاف. أراد أن يركض نحو الجزيرة ليستل سيفه، لكن قدميه كانتا قد انغرزتا في الحجر الأملس الذي تحول فجأة إلى عجين من الشحم البشري البارد.
انحنى القناع الخشبي فوق الجثة، وأسقط يده القرمزية داخل صدر ألكسندر الأجوف...
«استيقظ يا صاحب السعادة! أم أنك قررت الموت في القذارة لتوفر علينا ثمن السفر؟»
انشق العالم الأحمر بدفعة واحدة.
قفز ثيودور جالساً على الفراش القشدي الخشن، وصدره يرتفع ويهبط في نوبات متلاحقة كمن يطالع الموت. كان عرق بارد كالثلج يتدفق من جبهته ويفسد لياقة قميصه الكتاني، وطعم النحاس القديم يملأ حلقه وكأنه ابتلع قطع عملات صدئة.
عضلات ذراعيه كانت مشدودة، ويده اليمنى تقبض بشراسة على الهواء حيث يفترض أن يكون مقبض خنجره.
كان السقف الخشبي المتداعي لخمارة الميناء هو أول ما استقرت عليه عيناه الرماديتان المتسعتان. شعاع ضئيل من شمس الصباح الرمادية ينفذ عبر النافذة المغلقة، ويبرز حبيبات الغبار وهي تسبح في الهواء الملوث برائحة السمك الجاف والرطوبة.
أمامه، كانت تقف النقيب ماريان.
كانت تتكئ بظهرها على إطار الباب المفتوح، ترتدي معطفها الجلدي الثقيل الملطخ بملح البحر، وسيفها القصير يتدلى على وركها باستهتار حربي. كانت تمسك بكتفها تفاحة حمراء صغيرة، تقطع منها أجزاء بسيطة بخنجر حاد وتضعها في فمها وهي تمضغ ببطء، وعيناها الخارقتان تطالعانه بسخرية حادة لا ترحم.
«تأخرت في الاستيقاظ يا رينيه،» قالت ماريان وصوتها يتهادى ببرود، ثم أشارت بخنجرها الملطخ بعصير التفاح نحو جسده المرتعش بالعرق. «كنت تتلوى كدودة أُلقيت في جمر، وتصدر أصواتاً تشبه صرير الخنازير عند الذبح. هل كان الكابوس عن أشقائك الستة؟ أم أن ملك فالوريان زارك مجدداً ليخنقك في أحلامك؟»
مسح ثيودور وجهه بكفيه الخشنتين، محاولاً طرد حرارة السماء الحمراء ورائحة النحاس من مخيلته. أخذ نفساً عميقاً، خشناً، واستعاد ثباته التدريجي وهو يتدلى بساقيه فوق الأرضية الخشبية الباردة.
«الكلاب المسعورة لا تهتم بأحلام جنودها يا ماريان،» قال ثيودور، وصوته خشن، حاد، يغلب عليه جفاف النوم المرعب. «ما الذي أتى بكِ إلى الغرفة قبل الفجر؟»
رمت ماريان بقية التفاحة نحو الطاولة المجاورة، واعتدلت في وقفتها وهي تطوق حزامها الجلدي
«المد يبدأ بعد ساعة يا وريث الرماد،» قالت ونبرة السخرية تختفي ليحل محلها صوت الضابط الميداني القاسي. «هذا يعني أنه وقت التدريب»
وقف ثيودور، وارتدى معطفه الثقيل وهو يحس ببرودة الصلب الملتصق بخصره. نظرت إليه ماريان نظرة خاطفة أخيرة عند الباب، ثم قالت وهي تستدير:
«اغسل وجهك يا ثيودور. أنت تبدو كجثة نسيتها الحرب في الطريق.»
في الساحة الكبرى للقصر...
الساحة المقابلة للمرفأ الغير مخصصة للمبارزات الترفيهية، بل للنزاعات التي لا تجد حلاً في نصوص القوانين؛ مكان تُسوى فيه الحسابات المسكوبة بالدم تحت مظلة "المبارزة الشريفة".
كان جدار الحجارة السوداء المحيط بالساحة يرتفع بزاوية حادة، يلقي بظلاله الثقيلة على التراب الممزوج ببرادة الحديد والملح. السماء المغطاة بسحب رمادية كانت تنذر بمطر وشيك، والبرودة القارسة تجعل الأنفاس تخرج على شكل سحب بيضاء تتلاشى في الهواء الرطب.
في المنصة المرتفعة الظليلة، بعيداً عن أقدام العامة والرعاة، كان يجلس الدوق هنري بيرفال.
كان الرجل أشبه بكتلة صخرية نُحتت على عجل من الجرانيت الميت.
معطفه العسكري الفاخر المبطن بالفراء الداكن لم يفلح في إخفاء ضخامة كتفيه، والندوب التي تقطع خدّه الأيسر وتمر فوق شفته السفلى لم تكن زينة حربية، بل تذكارات حية من معارك الحد الصارم. عيناه الغائرتان تحت حواجب بيضاء كستنائية كانت تتموجان بذكاء بارد ومخيف ذكاء الرجل الذي يرى البيادق والملوك في لوحة شطرنج واحدة، ولا يتردد في التضحية بالجميع في سبيل رقعة الحرب.
بجانبه، وبثبات يثير الحفيظة، كانت تجلس كاثرين بلاكوود.
كانت ترتدي فستاناً شامخاً من المخمل الأزرق الداكن الموشى بالسواد، يلتف حول جسدها بدقة متناهية. وجهها الحاد المصقول وشعرها الفحمي الملموم بأناقة متكلفة لم يظهرا أي أثر للتعب أو التأثر بالهواء القارس. كانت تمسك بمروحة يدوية مغلقة من عاج الفيل، تطرق بها ببطء على كف يدها المغطاة بالقفاز الجلدي الناعم.
لم ينظر إليها الدوق هنري مباشرة. كانت عيناه الباردتان مثبتتين على الساحة في الأسفل، حيث كان الرجال يُعدّون العدة، لكن صوته خرج عميقاً، أجشاً، يحمل وزن أربعين عاماً من القيادة العسكرية المطلقة:
«تغطية السفن الحربية لمملكة ألبيون في ساحلنا ليست مجانية، يا ابنة بلاكوود،» قال الدوق دون أن يلتفت إليها. «والحضور الشخصي لوريثة أحد العروش الحديدية في ساحة مبارزة دموية بداخل فالوريان ليس مجرد نزهة بحرية. ما الذي تبحث عنه سيادتكِ في طين ساحتنا؟»
لم تبتسم كاثرين، بل أمالت رأسها بكبرياء طفيف، ونبرة صوتها جاءت هادئة كالزجاج:
«الرجال في ألبيون يحاربون لغزو البحار، يا سيادة اللورد» أجابت، وعيناها تتنقلان بلمعان خاطف نحو أطراف الساحة. «لكن رجال فالوريان يحاربون لأنهم لا يعرفون طريقة أخرى للتنفس. القتال هنا ليس مجرد سفك دماء... إنه عرض مسرحي ممتاز لمعرفة من سيبقى حياً عندما تسقط المملكة.»
أصدر الدوق هنري همهمة ساخرة، نغمة قصيرة تحفل بقلة الاكتراث.
«الملك لويس يُطعم الشائعات، وحفنة الملوك والنبلاء يعتقدون أن الصلب مجرد لعبة مجالس،» قال وهو يضغط بيده الضخمة على مقبض سيفه الميداني المعتاد. «إن كنتِ هنا لجمع معلومات لأسطول والدكِ، فاعلمي أن العظم الذي تحاولين اختباره قد يكسر يدكِ أولاً.»
في تلك اللحظة، وقعت عين كاثرين بلاكوود على زاوية الساحة السفلى.
كان ثيودور يقف هناك، مسنداً ظهر معطفه الثقيل على أحد الأعمدة الخشبية المرتفعة. كان وجهه شاحباً، وشعره المبتل بالعرق البارد يتشبث بجبهته. لم يحاول أن يتخفى، لكنه يقف بأسلوب من يعرف تماماً أنه ليس في موضع قوة.
التقت عيناهما لثانية واحدة.
تذكرت كاثرين رفضه الصريح والقاسي لطلبها السابق، الكبرياء الذي أظهره رغماً عن قذارة موقفه وشجاعته الهشة. تحول خط عينيها العاجيتين إلى القسوة، ثم شاحت بإدارة وجهها نحو مركز الساحة ببرود تام، وكأن ثيودور لم يكن سوى ظلال جدارية لا تستحق رمشة عين إضافية.
أما ثيودور، فلم تهتز حدقتاه. كان يعلم أن النفوذ الذي يحيط بهذه المنصة أبعد بكثير من قدراته الحالية. كان يرى الفرق الشاسع بينه وبين هؤلاء الحكام؛ الدوق هنري الذي يقود العساكر بكلمة واحدة، وكوب الملك البارد، وكاثرين التي تحرك الأساطيل بأموال أبيها. لكن نظرته تحولت سريعاً إلى وسط الساحة، حيث النزاع الحقيقي، حيث تتجلى الفوارق بالقوة الخالصة والدماء.
ساد الصمت المتوتر الساحة مع خروج المبارزين.
من الجانب الأيمن، برز كونراد فالوريان. الابن الثالث للملك، والسياف الذي لا يبتسم أبداً. كان يرتدي درعاً خفيفاً من الصلب الأسود، مصقولاً بدرجة تمنع انعكاس الضوء. سيفه طويل، ذو حدين، ومقبضه ملفوف بجلد ثعبان مبشور. كانت خطواته متزنة، محسوبة، وقامتُه مائلة إلى الأمام قليلاً كفهد يستعد للانقضاض.
ومن الجانب الأيسر، وقف الفارس سيلفان. حفيد الأسقف الراحل أغسطين، وصديق رئيس عائلة مونتكلير. كان سيلفان يرتدي درعاً يدمج بين الفضة والمخمل الأبيض المزين بشعار عائلته. كان أطول من كونراد، وعريض المنكبين، وعيناه المحتقنتان بالدماء تفيضان بحقد دفين ومشتعل. لم يكن يحمل سيفاً واحداً، بل سيفاً متوسطاً في يده اليمنى وخنجر مبارزة طويل بأنصال حادة في يده اليسرى.
في وسط الساحة، وقف المارشال المسؤول عن النزاع، يحمل ساعة رملية نحاسية ضخمة.
«عشر دقائق فقط،» هتف المارشال بصوت جاف تتردد أصداؤه بين الجدران الحجرية. «لا انسحاب، لا استسلام، والقتل مسموح إن فرضته ضرورة الحد! فليشهد القديسون على حق الدم!»
قلب المارشال الساعة الرملية، واندفعت حبيبات الرمل الذهبية الداكنة لتسقط بإيقاع بطيء ومميت.
انطلق القتال دون تنبيه.
لم يكن هناك استعراض أو لوحات تكتيكية هادئة. اندفع سيلفان كالمجنون، يقطع المسافة بينهما بخطوات واسعة، وضربته الأولى بالسيف المتوسط جاءت من الأعلى بإصرار على شق رأس كونراد.
ارتقى كونراد بخطوة جانبية خاطفة، ورفع سيفه بطلب زاوية حادة.
طرق!
انبعثت شرارة نارية حادة عندما احتك الفولاذ بالفولاذ. استغل سيلفان الاندفاع فوراً، وطعن بخنجره الأيسر نحو أحشاء كونراد. كان هجوماً خبيثاً ومتقناً، لكن كونراد سحب درعه الصدري إلى الخلف بمليمترات، ليمر رأس الخنجر الحاد ويخدش طبقة الجلد الخارجية لكتف كونراد، مخلفاً خطاً أحمراً يشتعل بالدم.
دار كونراد حول نفسه كالذئب، وردّ بضربة ارتدادية سفلى استهدفت ركبة سيلفان. اضطر سيلفان للقفز إلى الخلف، لكن حافة سيف كونراد قطعت حزام حمايته الجانبية، ليتدفق الدم الأول على الأرض الترابية.
«إنه سريع جداً،» زمجر ثيودور بصوت غير مسموع من موقعه. كان يشاهد كل حركة، يحلل المسافات، ويعلم في قرارة نفسه أنه لو كان مكان سيلفان لكانت تلك الطعنة السفلى قد شلت حركته تماماً. هؤلاء الرجال لم يتدرّبوا في الحانات؛ لقد صُقلوا في مسالخ الملوك.
استمر الصدام بدقائق من الجحيم الميكانيكي.
سيلفان، المُحفز برغبة الانتقام الشديدة لعائلته وللأسقف الراحل، استخدم أسلوباً شرساً يعتمد على التغطية بالخنجر والضغط بالسيف الطويل. كان يصرخ مع كل ضربة، ونشيج أنفاسه المجهدة يملأ الساحة.
عند الدقيقة الخامسة، تتالت الضربات بسرعة جنونية.
قدم كونراد خدعة متقنة؛ تظاهر بالتعثر في الطين المبتل، ومال بجسده إلى اليسار. اندفع سيلفان للإنهاء بطعنة مستقيمة في الصدر، لكن كونراد صحح موقعه في أسرع من الرمش، واندفع إلى الأمام مقترباً من جسد سيلفان ليشل حركة سيفه الطويل.
ضرب كونراد بمقبض سيفه الثقيل وجه سيلفان مباشرة.
طرق خشن!
تهشم أنف سيلفان، وتدفق الدم بغزارة في فمه وعينيه. تراجع سيلفان يترنح، ورؤيته مشوشة بالدماء الحمراء. لكنه لم يسترخِ؛ بل أرجح خنجره الأيسر بشكل عشوائي ويائس في الهواء.
مرّ الحد المشرشر للخنجر عبر يد كونراد اليمنى التي كانت تمسك بالمقبض.
صحة صرخة مكتومة من كونراد وهو يتراجع خطوات إلى الخلف.
على الأرض الترابية، سقط إصبع كونراد الخنصر الأيمن، ملقى في الطين يرتعش بشكل لا إرادي، تتبعه قطرات غليظة من الدم الداكن.
«كونراد فقد إصبعه!» هتف أحد النبلاء في المنصة المجاورة.
لكن كونراد لم ينظر حتى إلى يده المشوهة. تجهم وجهه فقط، وعدّل قبضته على السيف باستخدام أصابعه الثلاثة الباقية والإبهام، معتمداً على قوة ساعده الرهيبة. عيناه لم تعودا بشريتين؛ بل أحاط بهما برود لا يرحم.
في المنصة العليا، انحنى الدوق هنري بيرفال قليلاً، وعيناه تتسعان باهتمام عسكري نادراً ما يظهره. «الأمير لا ينزف مشاعره،» قال للكونتيسة بلاكوود. «إنه يتحول إلى آلة قتل بمجرد أن يتذوق ألمه الشخصي.»
لم تجب كاثرين، لكن قبضتها على المروحة العاجية اشتدت حتى ابيضت مفاصلها.
اندفع كونراد الآن بالهجوم. لم يعد ينظر إلى الخنجر ولا إلى سيف سيلفان. بدأ يوجه سلسلة من الضربات السريعة، المتلاحقة، والثقيلة، كأن كل ضربة هي مطرقة حداد تنهال على غصنٍ متداعي.
سيلفان، الملطخ بدمائه ونصف أعمى، كان يتراجع خطوة بعد خطوة، ودرعه الفضي يتهشم تحت وطأة الضربات. حاول الكتائم والتغطية بالسيف، لكن كونراد ضرب بحد سيفه الشديد على سيف سيلفان وكسره من المنتصف بموجة قوة صادمة.
تطاير نصل السيف المكسور ليغرس في التراب.
وفي الحركة المتصلة ذاتها، وبسرعة مرعبة تخالف الفيزياء، أدار كونراد نصله بحركة نصف دائرية، وجرّ الحد الحاد لسيفه مباشرة عبر الجانب الأيسر لرأس سيلفان.
صرخة تمزق الحلق انطلقت من سيلفان.
تطايرت أذن سيلفان اليسرى في الهواء، مع جزء من جلد الفك والشعر، واندفعت نافورة من الدم الحار لترش السور الحجري القريب.
سقط سيلفان على ركبتيه، يضع يده المرتعشة على جانب رأسه المفتوح، والدماء تسيل بين أصابعه كالمياه المفتوحة من سد مكسور. كان يتنفس بجهد مروع، وعينه المتبقية تفيض بحقد أسود، حقد يشتهي الموت على أن يتقبل الهزيمة.
رفع سيلفان خنجره المتبقي بيده المترعشة، وحاول النهوض، وهو يصرخ بصوت ممزوج بالدم: «لَم... لَمْ أنتهِ بعد! تعال يا ابن الملك! سأشرب من حنجرتك!»
تقدم كونراد بخطوات ثقيلة، وسيفه الملوث بالدم يتدلى بنقط حمراء على التراب. رفع سيفه إلى الأعلى، مستعداً لقطع رأس سيلفان بضربة واحدة ناهية...
طرق! طرق! طرق!
ضرب المارشال على الدرع النحاسي الضخم بثلاث ضربات مدوية ارتجت لها جوانب الساحة.
«انتهى الوقت!» صرخ المارشال. «عشر دقائق! انتهت المبارزة!»
توقف سيف كونراد على بعد بوصة واحدة فقط من عنق سيلفان العاري.
ساد صمت خانق في الساحة، لا يقطعه سوى صوت حشرجة أنفاس سيلفان المصلوبة وقطرات الدم التي تتساقط من سيف كونراد ومن أصبع يده المبتور.
تراجع كونراد خطوة إلى الخلف ببطء شديد. نظر إلى سيلفان الجاثي على ركبتيه، الملطخ بدماء أذنه المقطوعة وأنفه المهشم.
لم يكن في عين كونراد أي احتقار، بل نوع من الاحترام البارد، احترام السياف لخصم استطاع أن يأخذ منه جزءاً من جسده.
«أنت فارس حقيقي يا سيلفان،» قال كونراد بصوت منخفض، متزن، رغم العرق والدم الذي يكسو وجهه. «قليلون هم الرجال الذين يستطيعون أخذ قطعة مني والمطالبة بالمزيد. احتفظ بحياتك اليوم... ستحتاجها لتكرهني أكثر.»
مسح كونراد نصل سيفه بملابس سيلفان الممزقة، ثم أعاده إلى غمده بصوت حديدي جاف. انحنى وأسرع بالتقاط إصبعه المبتور من الطين، ولفه بقماش قميصه دون أن ينبس ببنت شفة، ثم استدار وسار بعيداً نحو مقرات الحراس بخطوات ثابتة.
أما سيلفان، فقد انهار بجسده على التراب، ويداه تتخبطان في دمائه الخاصة. كان يصرخ ويلعن، وصوته يمتلئ بمرارة لا تطاق: «كونراد! لن تنتهي هذه القصة هنا! سأقتلك! سأقطع رأسك!»
في المنصة العليا، وقفت كاثرين بلاكوود ببطء. عدّلت قفازاتها الجلديين، ونظرت إلى الدوق هنري بيرفال الذي كان يتأمل الدماء المتبقية على الأرض بجمود تام.
«عرض ممتاز، يا سيادة اللورد» قالت كاثرين بنبرة خالية من أي انفعال.
«يبدو أن فالوريان تملك الكثير من الدماء لتسفكها قبل أن تبدأ الحرب الحقيقية.»
وقف الدوق هنري، وضخامة جسده تحجب الضوء القليل المتبقي. «الدماء هي العملة الوحيدة التي لا تفقد قيمتها هنا يا كونتيسة،» قال ببرود.
«والآن، أستأذنكِ... لدي جيوش أحتاج لإعدادها للوحوش المقبولة.»
على طرف الساحة، انسحب ثيودور ببطء بين ظلال الأعمدة الحجرية.
كانت يداه في جيوب معطفه، وعقله يدور في دوامة متلاطمة. لقد رأى المهارة، الشراسة، والتضحية بلا طائل. كان يعلم أن النزاع بين هؤلاء العمالقة ليس مجرد خصام شخصي، بل هو الانفجار الأول لبركان سيأكل الجميع.
وهو يخرج إلى أزقة الميناء الضيقة تحت السماء الحمراء المظلمة، كانت أصداء صرخات سيلفان الحاقدة ورائحة النحاس الصدئ تلحق به، تتشابك مع ذكريات القناع الخشبي المبتسم في أحلامه... وتذكر بأن الصراع الحقيقي قد بدأ للتو.
عند الخروج من الممر الظليل نحو الفناء الداخلي المكسو بالحصى، لم يكن الصمت خالياً.
كان هناك رجل يقف عند حافة النافورة المكسورة، متكئاً على قوسه الطويل المصنوع من خشب الأبنوس المقوى بالحديد. أولريك فالوريان.
الابن الثاني للملك، ورجل السهام الذي يحسب أنفاس الريح قبل أن يطلق نصله. لم يكن يرتدي زركشة الملوك، بل درعاً جلدياً مفصلاً بدقة، وثعالب الجبال تتوسد كتفيه لتقاوم برودة الساحل.
وبجانبه، تجلس على حافة حجرية تكسوها الأشنات، أختهم الصغرى إيزابيل فالوريان.
كانت ترتدي عباءة بسيطة من الصوف الخفيف، وشعرها الكستنائي المنسد على كتفيها يتحرك مع نسيم الميناء البارد. كانت عيناها الواسعتان، المليئتان بتوتر دائم لا يلائم سنها، تتنقلان بين أخيها أولريك والممر المغلق. وحين أطل ثيودور، انتصبت في جلستها فوراً، وبرقت في عينيها نبرة خوف امتزجت بلهفة مكتومة.
توقف ثيودور على بعد بضع خطوات.
كان يعلم تماماً كيف يقرأ أولريك. في طفولته المظلمة بين أسوار القصر، عندما كان الجميع ينظرون إلى ثيودور كإثم يجب محوه أو كأداة متسخة، كان أولريك يحافظ على خط فاصل حاد. لم يمد له يداً بالرحمة، ولم يمنحه كسرة خبز أو كلمة مواساة، لكنه على عكس أشقائه الآخرين لم يضعه مسرح السخرية ولم يرفع عليه عصا، كان يمر به كأنه شجرة جافة في الطريق، حياداً قاسيًا لكنه لم يكن مسموماً.
«لقد رأيت مبارزة كونراد إذاً،» قال أولريك بصوت هادئ، منخفض، يحمل جفاف الأوتار المشدودة. لم يلتفت بكامل جسده، بل اكتفى بمسح ظهر سهمه بقطعة شمع زيتي. «أخي لا يعرف كيف يقاتل دون أن يترك تذكاراً من لحمه على التراب. يظن أن الفولاذ وحده من يبني العروش.»
«لكنك لا توافقه الرأي،» أجاب ثيودور، وصوته يخرج مبشوحاً من جفاف الحلق.
«الفولاذ يقطع الرؤوس يا ثيودور، لكن الريح هي التي توجه السهم،» التفت أولريك أخيراً، وكانت عيناه الصقريتان الحادتان تتأملان ثيودور بدقة تحسب كل إنش من إجهاده.
خطت إيزابيل خطوة نحو ثيودور، ويدها المترعشة تطوق طرف عباءتها. كان صوتها يحمل رجاءً طفولياً مشوباً بوعي مرير بالخطر:
«ثيودور... أرجوك،» قالت بنبرة خافتة، وعيناها تتوسلان حدقتيه الجليديتين. «أولريك ليس مثلهم. إنه يرى ما هو قادم. كونراد سيحرق الأرض، والآخرون سيمزقون المدن. نحن بحاجة إلى من يعرف قذارة القاع... نحن بحاجة إليك. لا ترفض يده.»
نظر ثيودور إلى إيزابيل لثانية. كان يعلم أنها تحبه، أو ربما تحب الصورة التي تخيلتها عنه لتهرب بها من قسوة عائلتها، لكن المشاعر في هذا القصر كانت ترفاً يقتل صاحبه قبل الفجر.
ثم أعاد نظره إلى أولريك، الذي ظل واقفا بثبات كالجدار الحجري.
«تحالف؟» قال ثيودور بنبرة حادة يخالطها تهكم خفيف. «أنا لست دويلة أو دوقاً يملك فرساناً وأساطيل يا أولريك. أنا مجرد جثة تؤجل موتها يومياً، وأنت تعرف ذلك أكثر من غيرك.»
«أنت ابن أبيك، مهما قيل عن أمك أو عن الدم الذي يجري في عروقك،» رد أولريك ببرود لا يلين. «والرجال الذين لا يملكون أساطيل هم بالضبط من ينفذون الطعنات التي لا تتوقعها الخرائط.... أما أنا، فأحتاج إلى شخص يملك عيناً في الظلام ولا يتردد حين يقع الصلب على العظم.»
ساد صمت ثقيل بين الثلاثة، لا يقطعه سوى صرير حبل القوس حين شدّ عليه أولريك ليتفحص قسوته.
كان ثيودور يزن كل كلمة. أولريك لم يكن حنوناً يومًا، ولكنه لم يكن خائناً لعهوده الجافة. الانضمام إليه يعني الخروج من ظلال الحانات إلى منتصف العاصفة السياسية، ورفضه بصرامة الآن قد يحوله إلى هدف مباشر لسهم يتسلل من فوق جدار الميناء.
«السماء تحمرّ يا أولريك،» قال ثيودور وهو يرجع خطوة إلى الخلف، مضيقاً عينيه. «والقرارات التي تُتخذ تحت المطر غالباً ما تتلطخ بالطين.»
«هذا ليس رفضاً،» قال أولريك دون أن يرمش.
«وليس موافقة،» رد ثيودور بثبات جاف. «سأفكر في الأمر. لكن إن حانت اللحظة وسقط العرش، لا تتوقع أن أكون بيدقاً في لعبة شطرنج لا أملك فيها قطعة واحدة.»
نظرت إليه إيزابيل بخيبة أمل خفيفة، لكنها لم تتكلم، بينما اكتفى أولريك بهزة رأس واحدة قصيرة، نغمة مغلقة تعلن نهاية الحديث.
استدار ثيودور وسار عبر الظل المتبقي من الجدار، يداه في جيوب معطفه القاسي، بينما أنفاسه الباردة تصعد في الهواء المظلم، وعقله يصارع بين تحالفات الملوك وعملاق كوابيسه المنتظر في المجهول.
في القاعة الكبرى لمجلس النبلاء...
انبعثت رائحة جلد قديم و حبر بركاني أسود، يتخللها برودة حجرية تشق العظام.
كانت القاعة دائرة مغلقة من الحجر الأزرق المصقول، تحيط بها مقاعد خشبية مرتفعة تتدرج كمسرح سولارومي قديم. في المنتصف، ترتفع طاولة دائرية ضخمة من خشب الأبنوس، حُفرت عليها خريطة القارة الممتدة من سواحل فالوريان البردية شمالاً إلى القفار البافارية الشاسعة جنوباً.
على رأس المقعد الرئاسي المصنوع من حديد البارد، لم يكن يجلس اللورد لوك لوران.
كان مقعد رئيس المجلس خالياً، يُلقي بظله الثقيل على الجلسة كمرض مكتوم. وبدلاً عنه، ترأس الجلسة شقيقه، المدير أوريلي لوران، رئيس أكاديمية "سانت لوريون" أعظم صرح لعلوم السحر والفنون المحرمة في فالوريان.
كان أوريلي يرتدي رداءً حبرياً غامقاً، يخلو من أي زركشة ذهبية، وأكمامه واسعة تنتهي بحواف مطرزة بخيوط فضية باهتة. وجهه دقيق، شاحب، يكسوه جمود تحليلي صلب، وعيناه خلف نظارته النحاسية الصغرى تنظران إلى النبلاء المجتمعين ليس كرجال دولة، بل كعينات اختبار قيد الدراسة.
«إن غياب اللورد لوك عن هذه الجلسة الطارئة ليس ترخيصاً للفوضى،» قال أوريلي، وصوته يقطع همهمات النبلاء بنبرة هادئة، جافة، لكنها تملك ثقل السلطة الأكاديمية المطلقة. «أوراق الاعتماد التي وصلتنا قبل ساعتين من الحدود الشمالية الغربية تُحتم علينا الخوض في الدم قبل أن يطال أعتابنا.»
«سقطت ملكية هابسبيرغ،» تابع أوريلي وهو يمرر نظره فوق الوجوه المتوترة للبارونات والماركيز الحاضرين. «الملك دوين هابسبيرغ قُتل في مضجعه. لم تكن ثورة شعبية، ولم تكن طعنة من حراس القصر... بل كانت انقلاباً عسكرياً خاطفاً نفذه رئيس بيت فولدريك النبيل.»
ارتفعت شهقة مكتومة من زاوية الكونتات الشرقية، بينما اعتدل ماركيز دو لاروش في جلسته وهو يضرب بقبضته المغطاة بالقفاز على الطاولة.
«كارل فولدريك؟» صرخ الماركيز بنبرة يمتزج فيها الذعر بالقرف. «ذلك السفاح البربري؟ كيف للوردات هابسبيرغ أن يرضخوا لغطرسة بيت فرعي؟»
«رضخوا لأن نصل خنجره كان أسرع من خطاباتهم القانونية، و بيته ليس فرعيا بل بمكانة بيت بيرفال في فالوريان» أجاب أوريلي ببرود، وهو يقلب الصفحة. «كارل أصدر بياناً للدويلات الشمالية يطالب فيه بالعرش العالي، مدعياً أنه الوريث الشرعي الوحيد الذي يجمع بين الدم النقي لعائلة هابسبيرغ الرئيسية وسلالة فولدريك الحربية. وقد توج نفسه بالفعل ملكاً جديداً على أطلال السلالة القديمة.»
ساد صمت خنيق في القاعة، تخللته زفرات متقطعة.
كان الجميع في الساحة السياسية يفهمون ماذا يعني اسم "كارل فولدريك". لم يكن مجرد قائد عسكري آخر؛ بل كان الشبح الذي حارب جلالة الملك لويس الرابع في حرب التخوم السابقة. كانت تلك المعركة مجزرة طاحنة خرج منها الملك لويس بجراح لا تلتئم وحلق يعتصر بالسعال الدموي، بينما خرج منها كارل بجسد مشوه وندوب حفرت في كبريائه، مدركاً كلاهما أن الآخر هو الوحش الوحيد الذي يستحق أن يخشاه في هذه القارة.
انحنى أحد نبلاء الأكاديمية المجاورين لأوريلي، وقال بنبرة قلقة: «إذا صح هذا الانقلاب، فإن التوازن في المنطقة البافارية قد انتهى تماماً. كارل لن يكتفي بحدود هابسبيرغ التقليدية.»
«الأمر أسوأ من مجرد توسع إقليمي يا حضرات النبلاء،» قال أوريلي وهو يضع يده الطويلة النحيلة فوق طرس ملطخ بخطوط ومخطوطات جغرافية. «جواسيس عائلة لوران في الأراضي البافارية أكدوا تحركات عسكرية غير مسبوقة. كارل فولدريك حشد ثلاثة أرباع جيشه في المرتفعات الجبلية المحيطة بالإقليم البافاري... ليس لقتال جيرانه، بل لعملية ترويض واسعة النطاق.»
«ترويض؟» سأل كونت من آل مونتكلير بصوت مشدود.
«قطيع النسور المجنحة الضخمة،» ضرب أوريلي بإصبعه فوق الخريطة تحديداً عند الهضاب البافارية المظلمة. «تلك الوحوش الجبلية التي لم يستطع أحد السيطرة عليها منذ أكثر من قرنين. إن تمكن كارل وسحرته من فرض السيطرة السحرية أو العسكرية على هذا القطيع وتطويعه كوحوش للجيل جديد، فستكون لديه قوة جوية ضاربة قادرة على تخطي جبال فالوريان العاتية وإسقاط الحصون الشمالية في أيام معدودة.»
ارتفعت الفوضى في القاعة. أصوات النبلاء تداخلت في جلبة عارمة، والبعض بدأ بالصراخ بضرورة إعلان الطوارئ وتسيير الفيلق الأول نحو الحدود.
ضبط أوريلي لوران نظارته ببطء شديد، ورنّ جرس المجلس النحاسي ثلاث مرات بإيقاع منتظم حاد أعاد الصمت الجبري إلى القاعة.
«الملك لويس يعلم،» قال أوريلي بصوت يخلو من أي مشاعر، وعيناه تخترقان الجالسين. «ولكن حتى يتخذ البلاط قراراً بحجم هذه الكارثة، فإن أكاديمية "سانت لوريون" والمجلس سيبدءان فوراً بفرض مراقبة سحرية مكثفة على حدود بافاريا. إننا لا نواجه مزارعاً استولى على تاج يا أصحاب السعادة... إننا نواجه رجلاً ذاق دم ملكنا من قبل، وهو الآن يجمع المخالب ليجهز على الجسد كله.»
أغلق أوريلي السجل الثقيل بصوت ارتطام جاف أشبه بإغلاق تابوت، مستنداً بقامته النحيلة وهو ينظر إلى المقعد الخالي للورد لوك، مدركاً في قرارة نفسه أن العاصفة القادمة من بافاريا لن تترك أحداً حيادياً في فالوريان.
أما في الناحية الأخرى...
و في قاعة الملك لويس الرابع...
توسطت الطاولة الخشبية العريضة المصنوعة من أخشاب الأبنوس المعتقة تتوسط قاعة الحارس الملكي المقفلة، تضيئها شموع زيتيّة تنبعث منها رائحة القطران الشديدة. لم تكن هناك حراسة عند الأبواب؛ فالحراس الخارجون وُجهوا إلى الساحات البعيدة، فالحديث داخل هذه الغرفة المظلمة لم يكن يتسع لأكثر من خمس رئات تُعاني من ثقل الدولة.
كان الملك لويس الرابع جالساً في أريكة جلدية منخفضة، وساقاه الملتفتان تحت عباءته الفاخرة الملطخة بالرماد تبدوان ضعيلتين على نحوٍ مرعب.
وجهه الشاحب، كان يشبه قناعاً جصياً تشقق تحت ظلال الشموع.
وبجانبه مباشرة، يتكئ على المسند النحاسي، كان اللورد لوك لوران.
كان لوك لوران، رئيس مجلس النبلاء الشقيق الأصغر لأوريلي، يرتدي ثياب القضاة الثقيلة ذات اللون الرمادي الفحمي. كانت عيناه الضيقتان تحبسان نظرات تحليليّة لا ترمش، يده اليسرى تعبث بختم العائلة الفضي فوق الطاولة، بينما كَفّه الأيمن يستريح قرب مجموعة من الخرائط المطوية.
«كارل فولدريك حشد فرسانه على التخوم البافارية يا لويس»
قال لوك بصوت خفيض، يخاطب الملك باسمه المجرد دون ألقاب، صيداً لحميمية عقود من المكر المشترك.
سعل لويس بسخرية حادة، ورفع عينيه الميتتين نحو سقف القاعة.
. «كارل لا يريد التخوم. كارل يريد أن يضع يده المقطوعة فوق رقبتي مجدداً...»
قبل أن يجيب لوك، انفتح الباب الثقيل بصرير معدني حاد.
دخل ثلاثة رجال يتجسد فيهم كل النفوذ والعنف الذي يدير فالوريان.
في المقدمة، كان اللورد رينارد دو لاروش، حاكم الإقليم الشمالي وممول الأساطيل. رجل في أواخر أربعينياته، ذو شوارب دقيقة وعينين صقريتين تتألقان برغبة التوسع. كان يرتدي زيه المخملي الفاخر المزين بسلاسل من الذهب الخالص، وخطواته على البلاط تُحسد على ثقتها القاسية.
خلفه، وقف الدوق هنري بيرفال، الممثل العسكري الأول للمملكة. كان يبدو كالوتد، بجسده الضخم والمعطف العسكري المبطن بالفراء الذي يلقي بظلاله الحجرية على الأرضية. الندبة الممتدة عبر خده الأيسر كانت تزداد قسوة في ضوء الشموع خافت الرؤية.
وأخيراً، دخل القس لوسيان مونتكلير، ممثل الكنيسة العليا وحارس العقيدة. كان يرتدي الرداء الكنسي الأبيض الموشى بالفضة المطفأة، ويحمل في يده عصا أبنوية تعلوها جمجمة نحاسية صغيرة. وجهه الهادئ الناصع، الذي يخلو من أي خطوط تجاعيد، كان يحمل قسوة من يعتقد أن قراراته تتخذ بلسان الآلهة.
اجتمع أقوى خمسة رجال في فالوريان حول الطاولة الدائرية. لم يجلس أحد باستثناء الملك ولوران.
«أظن أننا لسن بحاجة لمقدمات المائدة يا جلالة الملك،» بدأ رينارد دو لاروش حديثه بلهجة سريعة، نافدة الصبر، وهو يضع يديه المغطاتين بالقفاز الفاخر على حافة الخريطة. «كارل فولدريك ارتقى عرش هابسبيرغ بالدم، وهو يجمع النسور في بافاريا. أساطيلنا في الميناء جاهزة، ورجالي يطالبون بالتحرك. الوقت هو وقت الحرب. يجب أن نضربه قبل أن يستقر التاج فوق رأسه البربري.»
«الحرب تسفك الدماء، والدم يلوث الأرض يا لورد دو لاروش،» تدخل القس لوسيان مونتكلير بصوت ناعم كالحرير، لكنه يحمل تهديداً مكتوماً بوزن المؤسسة الدينية. «الكنيسة العليا استفتت مجالس القداسة. الشعب في فالوريان منهك من ضرائب الحروب السابقة، والآلهة لا تبارك نفوذاً يُبنى على جثث الفلاحين في هذا الوقت. رأي الكنيسة واضح: نرفض الحرب، ونطالب بدبلوماسية الحد والتصلب الديني.»
التفت الملك لويس ببطء شديد نحو الدوق بيرفال، الذي ظل واقفا كالصخرة، يد يده الضخمة تستريح على مقبض سيفه الثقيل.
«وماذا يقول العسكر يا هنري؟» سأل لويس بصوت جاف.
نظر الدوق هنري بيرفال إلى الملك بعينين سرديتين تتجاهلان حماس دو لاروش وتقوى الكنيسة المزعومة. «دفاعاتنا في الحصون الشمالية متينة بما يكفي يا جلالة الملك،» قال بيرفال بنبرة حازمة لا تقبل الجدال. «تسيير الفصائل العسكرية نحو بافاريا في هذا الفصل استنزاف للمؤن، وكارل يعلم أن اقتحام حصون "بيرفال" سيكلفه نصف جيشه على الأقل. السيف المتماسك يرهب الأعداء أكثر من السيف المكسور في الجبال. العسكر يرفضون الخروج للحرب المفتوحة.»
انحاز لوك لوران إلى موقف بيرفال فوراً، فضغط بإصبعه على الطاولة قائلاً: «مجلس النبلاء يؤيد موقف الدفاع والدبلوماسية. خزينة المملكة حسب كلامي مع دو لاروش سابقا لن تحتمل حملة عسكرية جديدة، والانقلاب في هابسبيرغ شأن داخلي حتى يتعدى حدوده.»
«شأن داخلي؟» ضرب دو لاروش قبضته على الطاولة بغضب مكتوم. «حين تطير نسوره فوق قصورك يا لوران، سنرى إن كانت سياستك تستطيع شراء سقف جديد!»
اشتعلت القاعة بالجدال. تحول المشهد إلى صراع إرادات؛ لويس الرابع ودو لاروش يصران على خوض الحرب وإبادة الخطر في مهده، بينما تقف الكنيسة بزعامة مونتكلير، والعسكر بزعامة بيرفال، والسياسة بزعامة لوران، في جبهة رفض صلبة تمنع إعلان الجهاد العسكري.
اشتعل وجه الملك لويس بحمرة غاضبة، ونهض ببطء من أريكته، المسند النحاسي يهتز تحت يده المترعشة.
«تصويت إذاً!» هتف الملك، وصوته يخرج كحشرجة افعى جرحت في مأمنها. «تصويت النبلاء الأربعة العظماء و الملك على هذه الطاولة!»
رفعت الأيادي ببطء شديد.
لويس الرابع (الملك): مع الحرب.
رينارد دو لاروش: مع الحرب.
لوك لوران: ضد الحرب.
القس لوسيان مونتكلير: ضد الحرب.
الدوق هنري بيرفال: ضد الحرب.
استقرت النتيجة فوق الطاولة كقطعة ثلج مسمومة.
«جيد...» قال لويس بعد ثوانٍ من الصمت الخنيق، ونبرة صوته انخفضت إلى مستويات مخيفة من الهدوء المتربص. «تفضلون الانتظار حتى يضع كارل مخالبه في أعناقنا. لست بصدد إعلان حرب ترفضونها... لكنني لن أجلس هنا لأنتظر موتي وموت مملكتي.»
انحنى لويس فوق الطاولة، مشيراً بأصابعه الشاحبة نحو المرتفعات البافارية في الخريطة.
«إن كانت الجيوش ستظل في حصونها، فإن السُمّ سيرحل في الليل،» قال لويس وعيناه المجهدتان تبرقان بشرارة جنونية. «أقترح تشكيل كتيبة اغتيال خاصة. فرقة من المحترفين القتلة، السحرة المطرودين، والمبارزين الذين لا يملكون أسماء ليدنسوا بها شرف المملكة.»
تطلع اللوردات ببعضهم البعض. كانت الفكرة خبيثة، قذرة، لكنها تجنب الميزانية والحصون ويلات المواجهة الشاملة.
«كيف ستختار هؤلاء الرعاع يا جلالة الملك؟» سأل القس مونتكلير ببرود.
«مسابقة سرية،» رد لويس بابتسامة صفراء كشفت عن أسنانه الملطخة بالدم. «اختبار مروع في أفقر مناطق العاصمة، مسابقة لا ينجو منها سوى من استطاع. من يفعلها ويصل للنهاية... سيكون جزءاً من النصل الذي سأغرسه في قلب كارل فولدريك وهو يتفحص نسوره.»
ساد الصمت مجدداً في القاعة، وهز الدوق بيرفال رأسه بهدوء. «إن كانت الدماء ستراق بعيداً عن أفيال الفرسان، فالجيش لن يعترض على لعبة ظل.»
«ولا الكنيسة،» أضاف مونتكلير وهو يطوق عصاه. «طالما أن خطايا هؤلاء القتلة ستدفن معهم في بافاريا.»
غادر الرجال الأربعة القاعة واحداً تلو الآخر، يتركون الملك لويس مع صديقه القديم لوك لوران تحت ضوء الشموع المحتضرة.
مسح لويس وجهه المبلل بعرق الحمى، ونظر إلى لوك بابتسامة متهدمة.
«أتعلم من سأرسل لهذه المسابقة يا لوك؟» زمجر الملك بصوت خفيض.
«من؟» سأل لوران.
«ابني الملعون... ثيودور،» قال لويس، وضحكة مكتومة خشناً خرجت من صدره المريض. «إن كان يريد أن يثبت أنه يحمل دمي، فليقتطع طريقه عبر جثث القتلة أولاً... أو فليمت وينحِ عني عبء رؤية وجهه.»
في اليوم التالي
تمشى ثيودور في أزقة العاصمة المكسوة ببرودة الملح. خلفه، بفاصل خطوتين غير متطابقتين، كانت ماريان تسير ببرودها المعتاد. سيفها القصير يلتطم بفخذها الجلدي كإيقاع حارس لا ينام، وفي يدها طرس من الرق الثقيل، ذو حواف مكفوفة بالذهب الرخيص المخصص للمهمات الرسمية الصادرة عن مكاتب الاستخبارات التابعة لعائلة لوران.
توقفت ماريان فجأة عند مدخل زقاق مظلم تنبعث منه رائحة الزفت والسمك المالح. لم تلتفت نحو ثيودور، بل كسرت الشمع الداكن المنسكب فوق الأطراف بظفر إبهامها.
«وصلت المهمة، يا أيها الفتى الملعون» قالت ماريان ونبرتها تحمل تلك النغمة الساخرة المطعمة بالمقت. «توجيه مباشر موثق بختم الإدارة الشرقية. ليس مبارزة شريفة كالمسرحية التي شاهدتها للتو، بل مهمة إعدام جافة ومباشرة.»
توقف ثيودور، ويداه المغمورتان في جيوبي معطفه القاسي تشدان على القماش الممزق. «من الهدف؟»
«رجل في القرى الشرقية للمملكة،» رفعت ماريان عيناها الملونتان بالبرود تمسحان الأسطر المكتوبة بحبر بركاني أسود في الرق. «لا ألقاب، ولا اسم عائلة يرصّع مدفنه. حكم بالإعدام الصريح صدر بحقه منذ أسبوعين، والتهمة مرسومة كالعادة تحت بند الخيانة العظمى وتهريب طقوس حظرها المجلس التابع للكنيسة.»
ثم قلبت الرق، وقرأت السطر الأخير بابتسامة تهكمية استقرت على شفتيها:
«وهناك ملاحظة غريبة ملحقة بالحبر الأحمر من حارس السجن الإقليمي... الرجل المحكوم عليه بالموت لا يحاول الهرب، ولا يصرخ طلباً للمغفرة. إنه يجلس في قطاع الخراب الإقليمي، ويشكر كل من يمر بجنبه، كأنه كان ينتظر قدوم سيافه منذ سنين.»
لم يجب ثيودور. كلمة "ينتظرك" أحدثت رنيناً مكتوماً في أعماق صدره، مساوياً لرائحة النحاس التي لم تفارق حلقه منذ استيقاظه من الكابوس. أومأ برأسه إيماءة جافة واحدة.
«لنجهز الدواب،» قال ثيودور ببرود. حدقت ماريان نحوه بنظرة اخترقت جوهره «لا تُصدر الأوامر أيها الغِر»
بعد ثلاثة أيام من السفر عبر الأراضي الوسطى المجهدة، تحولت الأرض الخضراء تدريجياً إلى سهوب جافة، تتخللها صخور جيرية ومجموعات من الأشجار الميتة التي تقف كأصابع تشير إلى سماء رمادية لا تمطر.
كانت الطريق الشمال شررقية القادمة من حدود بافاريا شبه خالية، باستثناء بقايا عربات مهجورة وعظام حمر أكلتها الجوارح.
فجأة، ارتدت خيولهم إلى الخلف بصهيل خائف، وهزت الأرض تحت أقدامهم دقات متلاحقة، غير منتظمة، تشبه قرقعة حجارة هائلة تتدحرج على منحدر.
من خلف التلة الصخرية المرتفعة، اندفعت عربة تجارية ضخمة. كانت مقطورتها الخشبية المغطاة بالقماش المفتت تترنح بزوايا حادة، يجرها زوج من الأحصنة البافارية العريضة التي يتدفق اللعاب والرغوة البيضاء من أفواهها المجهدة.
وخلف العربة... كانت الكارثة.
سحابة هائلة من الغبار الأسود والأحمر تصعد في الهواء، ينبعث منها صخير، وشخير جاف، وصدمات دبابيس عظمية على التراب. قطيع ضخم من الغوبلن. لم تكن حفنة من قطاع الطرق الضالين، بل حشد هائل يضم العشرات، أجسادهم الضامرة المكسوة بالحرشوف الأخضر الميت تتحرك بكثافة كائنات جائعة لم تذق اللحم منذ أسايع. أعينهم الصفراء الصغيرة برقت تحت شمس الصباح الباهتة، وهم يلوحون بأنصال حديدية صدئة ورماح مصنوعة من عظام الحيوانات.
على مقعد السائق في العربة المترنحة، كان يجلس رجل عريض المنكبين، يرتدي ثياب تجار متسخة بالزيت والشمع المسكوب. كانت ثيابه تحمل أثر أكمام واسعة لمطرزات قديمة، مطرزات تخص طلاب أكاديمية سانت لوريون للعلوم السحرية لكن الأكمام كانت ممزقة وممزوجة بقاذورات الطريق.
يوحي مظهره بأنه رجل درس السحر في الصرح الأعظم، لكنه فشل في التخرج، فنبذته الأكاديمية ليتحول إلى تاجر يتجول بين المدن بالبضائع والبهارات المسروقة.
«إنهم يطوقون الطريق!» صرخت ماريان وهي تستل سيفها القصير ومقبض خنجرها، مكشرة عن أسنانها.
لكن التاجر على العربة لم ينادِ بالنجدة فوراً. كان وجهه الملطخ بالرماد يبدو متصلباً بتركيز رهيب ومريض.
لم يكن السحر في هذا العالم مجرد كلمات تُقال في الهواء أو إشارات بالأصابع؛ السحر كان طقساً عسكرياً ثقيلاً يتطلب ثوفيراً مادياً، ووقوداً حياً، وألماً يتكفل بفتح الثغرة بين الجسد والعناصر.
كان التاجر قد أعدّ كل شيء مسبقاً لمثل هذه اللحظة اليائسة.
على غلاف ذراعه الأيسر كاملاً، من المعصم حتى الأعلى، كانت هناك دائرة سحرية معقدة محفورة بالوشم الأسود، وقد غرس في مساماتها خرزات صغيرة من زجاج الفوسفور والبارود الخام. وفي يده اليمنى، كان يقبض على كيس جلدي مفتوح ينبعث منه غبار أصفر وأحمر بهارات سحرية نادرة ومكلفة تُستخرج من جذور نباتات المسطحات البركانية، تُستخدم كمحفز حراري ناري يزيد من اشتعال الدوائر السحرية بدرجات خرافية.
عندما أدرك التاجر أن عجلة العربة الخلفية أوشكت على الانكسار تحت ثقل القطيع المقترب، اتخذ قراره.
سكب الكيس الجلدي بالكامل فوق ذراعه اليسرى الموشومة. اختلط الغبار الأصفر بالزيت والعرق المحتبس فوق جلده.
ثم، بصوت بحاح لا يشبه أصوات البشر، صرخ كلمة تفعيل باللغة الفالورية العتيقة!
استل التاجر خنجراً عريضاً بيده اليمنى، وبحركة واحدة قاسية خالية من التردد، قطع شرايين وأنسجة ذراعه اليسرى عند المفصل تماماً، ليقدم دمه وذراعه كقربان كيميائي للدائرة المحفورة!
تأوهت الأرض!
لم ينبعث ضوء عادي. انطلقت من ذراعه المقطوعة والدائرة المشتعلة بالبهارات والدم موجة صدمة حرارية هائلة! رائحة شحم بشري محترق، وكبريت، ونحاس منصهر انفجرت في الهواء دفعة واحدة.
انقبض جدار الهواء، ثم اندفعت كتلة نارية ضخمة، جدار من اللهب المائل للون الأحمر الداكن، زأر فوق التراب كوحش بركاني انطلق من سجن حجري.
الضربة السحرية لم تكن استعراضاً؛ بل كانت مجزرة حيوية.
جدار النار بلع الصف الأول لقطيع الغوبلن. تشوهت أجساد القتلة الصغار في أسرع من الرمش، واستحالت أسلحتهم الحديدية إلى كتل جمر ذائبة تقطر فوق طين الطريق. صرخاتهم المكتومة تحولت إلى صرير جاف يتلاشى تحت وطأة الحرارة التي جعلت الهواء حول ثيودور وماريان يحترق، حتى إن عباءتيهما كادتا تتفحمان من شدة الإشعاع الجانبي.
نصف القطيع أكثر من ثلاثين كائناً تبخروا واستحالوا إلى رماد أسود ورائحة لحم محترق تملأ السهوب.
لكن الثمن كان ماحقاً.
سقط التاجر إلى الخلف داخل مقعده، وجذعه الأيسر ينزف بغزارة مروعة، بينما وجهه تحول إلى لون الكلس الميت. انكسرت عجلة العربة الرئيسية أخيراً تحت وطأة الانفجار الحراري والسرعة، لتنقلب العربة الضخمة على جانبها بركام مدوٍّ، وتستقر الأحصنة تحت الأحبال الممزقة.
توقفت العربة المنقلبة في الطين، على بعد بضع ياردات من ثيودور وماريان.
من تحت القماش المشتعل وركام الصنادق المسكوبة، برز رأس التاجر الملطخ بدمائه وبقايا البهارات الصفراء المحترقة. كانت يده اليمنى المتبقية تضرب على الخشب المكسور بضعف شديد، وعيناه المحتقنتان بالدم تحومان بين ثيودور الجامد وماريان التي تعيد سيفها ببطء.
«أنقذوني...» حشرج التاجر بصوت يتنازع مع الموت والنزيف الجارف. «البقية... بقية الغوبلن سيعودون عندما يزول الدخان... أنقذوني من تحت العربة... وسأعطيكم... سأعطيكم كل ما أملك من بضائع وسحر... أي شيء تريدونه!»
من بين سحب الغبار الدامس، لم يتوقف الصرير.
ثلاثون أو أربعون كائناً من الغوبلن الذين نجوا من أطراف الكتلة النارية لم يتراجعوا. السحر بالنسبة لهذه المخلوقات البرية لم يكن معجزة تُهاب، بل كان إشارة على أن الفريسة قد استنزفت أحشاءها وقدمت أثمن ما لديها.
تعالت صرخاتهم المزمجرة، صرير جاف يشبه احتكاك سكاكين صدئة على صفائح زنك. بدأوا يلتفون حول العربة المنقلبة كجراد جائع، عيونهم الصفراء الميتة تلمع فوق جلودهم الحرشفية داكنة الخضرة.
كان التاجر المحتضر يئن تحت ثقل خشبة العربة الرئسية، يده المتبقية تخربش في الطين، محاولاً ايقاف نزيف ذراعه المبتورة الذي يسيل منه الدم الأرجواني الداكن كالزيت المسكوب.
«ثيودور،» قالت ماريان بصوت منخفض، خالي تماماً من أي تسارع في أنفاسها.
تراجع ثيودور خطوة إلى الخلف، يده على مقبض سيفه الثقيل، وعيناه تقيسان المساحة. كان يتوقع منها أن تتخذ موقعاً دفاعياً، أن يستلا سيفيهما معاً ويشكلان حائطاً ضيقاً يحمي ظهورهما أمام هذا الحشد الهائل الذي يتزايد ضغطه كل ثانية.
لكن ماريان لم تكن تحسب الحسابات بالطريقة التي تعلمها الفرسان في القلاع.
خلعت عباءتها الثقيلة بلمحة عين وألقتها على الأرض الجافة. ظهرت بنية جسدها تحت درعها الجلدي المصفح بصفائح الصلب الرخيص لم تكن ضخمة القامة، لكن عضلات كتفيها وظهرها كانت متداخلة ومشدودة كحبال المراكب التي خاضت آلاف العواصف. لم تستل سيفها القصير المعتاد.
بدلاً من ذلك، انحنت ونزعت عن ظهر العربة المنقلبة فأس هدم خشبية ثقيلة أداة قطع جذوع ضخمة ذات رأس حديدي مربع ومقبض يتجاوز طوله أربعة أقدام، من المرجح أن التاجر كان يستخدمها لكسر الحجارة وفتح الطريق.
فأس لا يملك أي فارس ترسانته تحتوي الجرأة على استلالها في مبارزة.
«ابقَ خلفي يا شقي سأريك بعض الحركات الأنيقة التي لن يعلمها لك نبلاء القصر» قالتها ودون أن تنتظر رداً، تركزت بقدمها الخشبية على الأرض الصلبة و اندفعت نحو القطيع.
لم يكن اندفاعها خطوة فارس، بل كان اقتحام ثور هائج أُطلق في حلبة مغلقة.
أول كائن غوبلن قفز نحوها برمح عظمي لم يجد وقتاً لإصابة هدفه. ماريان لم تفادِ السلاح ببراعة، بل دارت بجذعها كاملاً، ممررة الفأس الثقيلة بقوس سفلي هائل.
طاخ!
صوت كسر العظام لم يكن ناعماً. الفأس لم تقطع؛ بل طحنت القفص الصدري للكائن، مفجرة أحشاءه الخضراء ومطيحة بجثته لتصطدم بثلاثة كائنات خلفه. الحرارة المنبعثة من جسدها والسرعة التي تتحرك بها أحدثتا إرباكاً مدمراً في نسق الهجوم.
اندفع اثنان آخران من الجانب، يلوحان ببلطات حديدية صغيرة. أحدهما غرس بلطته في درع فخذها الجلدي. السلاح اخترق الطبقة الأولى وترك خطاً أحمر من الدم الساخن على جلدها، لكن ماريان لم ترمش، ولم يتغير إيقاع عينيها الميتتين.
تركت الفأس مغروسة في رأس الغوبلن الأول، وبيدها العارية يمنى، قبضت على فك الغوبلن المهاجم الثاني.
بضغطة واحدة من أصابعها القاسية التي تشبه كماشات الحدادين، كسرت فكه الأسفل بفرقعة مسموعة، ثم دفعته بقوة خرافية نحو الأرض، لتغرس ركبتها بكل ثقل جسدها فوق جمجمته، فاستحالت إلى عجينة من العظم والتراب.
«ما هذه القوة...؟» زمجر ثيودور بين أسنانه، وعيناه تتسعان في ذهول صامت.
كان يعرف أنها مقاتلة قاسية، لكن ما يراه الآن لم يكن مهارة سيف أو مبارزة أكاديمية؛ كانت وحشية غاشمة ومطلقة، طاقة خام تجعل كل ضربة تنتهي بتمزيق عضلي أو تهشيم عظام. كانت تتحرك بمرونة مدمِرة، تستخدم ثقل أجساد الغوبلن أنفسهم كدروع، تضرب جثة بجثة، وتستغل كل بوصة من المساحة للقتل المباشر.
قضم كائن آخر عضلتها الخلفية بسلسلة أسنانه المدببة. انتزعت ماريان خنجرها الجانبي القصير ودقته في عين المخلوق حتى أُخرج رأس الخنجر من خلف جمجمته. سحبت الخنجر بفتلة عنيفة متسببة في تناثر سائل مخ وأنسجة دموية على وجهها وجبينها، لتلتفت نحو الحشد المتبقي وهو يتقهقر خطوتين إلى الخلف في ذعر غير مسبوق.
الدم الأسود للغوبلن والدم الأحمر النازف من جروحها هي المتقاطعة تحولا إلى طبقة من الطين المظلم الملتصق بجلدها.
استعادت الفأس الضخمة بسحبها من جثة مشطورة إلى نصفين. رقعت الفأس على صخرة قريبة لتمحي عنها بقع اللحم الملتصقة، ونظرت إلى كبير القطيع كائن ضخم ذو أذنين ممزقتين تكسوه خطوط من أسنان البشر البشر و كأنه جعلها جائزة له على كل بشري يقتله.
قفز كبير القطيع ملوحاً بسيف عريض صدئ.
ماريان لم تتفاد السيف. استقبلت الشفرة بساعدها المصفح بالحديد، فغرزت الشفرة الصدئة في اللحم فوق معصمها، لكنها استخدمت هذا الالتحام المباشر لتثبيت خصمها. بابتسامة كشرت عن أسنانها الملطخة برذاذ الدم، رفعت الفأس الضخمة بيد واحدة بقدرة عضليّة هائلة تتجاوز النمط البشري الطبيعي هوت بها رأسياً من الأعلى إلى الأسفل.
شَقّ!
الفأس قطعت كبير القطيع من منتصف هامته، مراراً بالرقبة والترقوة، حتى استقرت الحافة الحديدية في الأرض بين قدميه. انشق الكائن إلى شطرين متماثلين تقريباً، وانفجرت الأحشاء على شق الطريق في بركة ساخنة تنبعث منها البخارات.
عند هذه اللحظة، تحطمت إرادة القتال لدى من تبقى من القطيع.
تراجع النواة المتبقية من الغوبلن، يصرخون بذعر ويلقون بأسلحتهم وهم يفرون نحو السهوب الجافة، يختفون خلف الصخور كالجراد المذعور.
استقر الصمت المريب على الطريق، باستثناء صوت طقطقة النار التي تأكل بقايا خشب العربة، وزفير ماريان المجهد.
كانت تقف وسط المذبحة. أكثر من عشرين جثة ممزقة ومقطعة الأوصال تنتشر في مساحة لا تتجاوز عشرين خطوة. الأرض تحولت إلى مستنقع من الدم الأخضر والأحمر والرماد البركاني.
وقف ثيودور مدهوشاً، يده لا تزال على سيفه الذي لم يستله حتى. كانت عيناه تنتقلان بين جثث الغوبلن المشطورة بعنف غير بشري، وبين ماريان التي كانت تجثو على ركبة واحدة لاستعادة أنفاسها. لفت ذراعها المصابة بقطعة قماش ممزقة من عباءتها، وشدت العقدة بأسنانها دون أن تصدر عناداً أو تأوهاً واحداً.
«تأخرت في الاستلال، يا غِر» قالت ماريان وهي تمسح الدم الملتصق بجفنها الأيسر بظهر يدها الملوثة. «لو انتظرنا قوانين المبارزة لكانت هذه المخلوقات تأكل عيوننا الآن.»
«ذلك لم يكن قتالاً...» قال ثيودور ونبرته هادئة لكنها مشبوشة بالصدمة. «تلك كانت مجزرة غريزية. من أين لكِ هذه القوة؟»
رمقته بنظرة جانبية باردة كالفولاذ، ثم قامت بسحب الفأس الثقيلة وإلقائها جانباً بركام كئيب. «الموت لا يهتم بكيفية إدارتك لسيفك، يا ثيودور. يهتم فقط بمن يقف على قدميه عندما يهدأ الدخان.»
التفت كلاهما نحو التاجر المنكوب.
كان الرجل التاجر يئن تحت جدار العربة المنقلبة. ذراعه اليسرى المبتورة بطقس السحر كانت قد توقفت عن النزيف الجارف بسبب اكتواء العروق بالحرارة، لكن آثار حروقه كانت تتفحم بلون أسود كريه. وجهه مغطى برذاذ البهارات الأصفر المحترق والتراب.
اقتربت ماريان منه، ووضعت حذاءها الثقيل على قطعة الخشب المكسورة التي تحبس قدمه، ثم رفعتها بضغطة واحدة ليتحرر جسده المجهد.
سحب التاجر نفسه على التراب وهو يسعل دماً ومادة صفراء مريرة. نظر إلى ماريان برعب يتجاوز هربه من القطيع كان قد شهد اقتحامها المدمِر للقتال.
«شكراً... شكراً لكم...» حشرج التاجر، ويده اليمنى المتبقية ترتجف وهي تلمس الأرض. «أنا... أنا فان... تاجر بهارات وتصاميم... خذوا العربة... خذوا ما بقي من الحمولات... هناك حجر كبريت نادٍر في الصندوق الخلفي...»
جثت ماريان أمامه، وأمسكت بتلابيب ثيابه الممزقة لتجبره على النظر في عينيها الملونتين بالبرود.
«لا نريد بضاعتك الفاسدة يا طالب الأكاديمية الفاشل،» قالت ماريان ونبرتها قاطعة كالشفرة. «سنأخذ الدواب السليمة، وسنأخذ مؤونتك و نترك لك الماء. وأنت... ستربط ذراعك المبتورة جيداً وتنكمش تحت ظل تلك الصخرة حتى تمر أول قافلة تجارية. إن عشت، فهذا حظك... وإن مت، فالسهوب لا تشتكي من كثرة العظام.»
نفضته عنها ليتساقط على التراب كالخرقة المبللة.
وقف ثيودور فوق الرجل المنكوب، ينظر إلى الوشم الأسود المحترق على ذراعه المقطوعة، مدركاً الثمن المروع الذي دفعه هذا التاجر لمجرد شراء بضع دقائق من الحياة في هذا الشرق القاسي.
بعد مسيرٍ طويل في المستنقعات الشرقية لإقليم يوصف بالخراب، حيث تحوّلت قلاع الحراسة القديمة إلى سجون حجرية غارقة في الطين المسودّ، لم يكن هناك فارق يذكر بين الليل والنهار. السماء كانت عبارة عن غطاء مظلم من السحب الداكنة التي تتلقح برائحة النشاء المائل لفساد النباتات البرية.
توقف ثيودور عند عتبة الباب الحديدي في حجر قلعة "الرأس المقطوع". صرير المقابض الصدئة أحدث صفيراً يشبه احتكاك الشفرات بالمسنات. خلفه بفاصل خطوة واحدة، كانت ماريان تزيح عن جبهتها طين السفر المختلط بالدم الجاف الناجم عن قتال القطيع؛ درعها الجلدي ما زال يفوح منه زهم الغوبلن والرماد الحراري الكبريتي الذي أحدثه سحر التاجر فان.
«الحارس يقول إنه لم يثنِ ركبتيه منذ ثلاثة أسابيع،» قالت ماريان وهي تعيد حزام سيفها القصير إلى مقره بضغطة جافة من إبهامها. «يتناول كسر الخبز اليابس، ويشرب الماء الكدر، ويرفض أن يخلع القيود ليغسل تقرحاته. كأنه يخشى أن تمر لحظة الإعدام دون أن يكون جاهزاً لها.»
لم يجبها ثيودور. شدّ حزام عباءته الثقيلة، ونزل السلالم الحجرية الزلقة بخطوات محسوبة.
في القاع، داخل زنزانة ضيقة لا تتعدى أربعة أذرع، يتخلل أركانها تقاطر الماء القذر من شقوق السقف، كان يجلس المحكوم عليه بالإعدام.
لم يكن رث الشأن كما يتوقع المرء من خائنٍ مرصود لمقصلة المملكة. كان يرتدي قميصاً كتانياً ثقيلاً، تمزقت حوافه عند الذراعين لكنه خالي من بقايا الطعام أو القمل. وجهه نحيل، بوجنتين بارزتين، ولحية قصيرة شائبة خُطت بدقة بكسرة زجاج جافة كأنه كان يستعد لاستقبال ضيف جليل، لا لقطع رأسه بواسطة سياف الاستخبارات.
على ذراعيه المصفحتين بالحديد الصدئ، خُطت نفس الأوشام السحرية الدائرية التي رآها ثيودور على ذراع التاجر فان، لكن أوشام هذا الرجل كانت غائرة، محفورة بعمق في اللحم الحقيقي حتى استحالت إلى ندوب بيضاء كلسية تروي تاريخاً طويلاً من السحر الممنوع.
عندما انفتح الباب الحديدي وتسلل ضوء مشعل ماريان الضعيف إلى وجهه، لم ينكمش الرجل، ولم يصرخ، ولم يحاول تغطية عينيه.
بل ابتسم.
ابتسامة بطيئة، جافة، كشفت عن أسنان صفراء نخرة، وانحنى بجذعه المجهد إلى الأمام حتى قرقعت السلاسل الثقيلة المسحوبة من حلقة الجدار الحجري.
«أخيراً...» تنفس الرجل، وصوته يخرج كحشرجة ورقة يابسة تسحقها الأقدام. «أهلاً بك، يا صاحب السعادة. أهلاً بالموت المكتوب بخط اليد الرسمية.»
«أتساءل إن كنت تعرفني، أم أن الخيانة تُكسب الخطّائين طالعاً في التنبؤ؟» قال ثيودور، ونبرته هادئة لا تخفي حساسية أذنيه لتلك الرائحة الكريهة المنبعثة من رطوبة الجدران.
«لا أحتاج للتنبؤ كي أعرف السياف الذي لا يرتدي أي شارة» رد المحكوم عليه، ونظراته تتجاوز ثيودور لتقف لحظة عند ماريان التي وقفت مستندة إلى إطار الباب، ويدها تمس مقبض خنجرها ببرود مريب.
ثم رفع يديه المقيدتين، وشبكهما معاً في حركة إجلال غير متوقعة، وهز رأسه بنشوة مريضة:
«شكراً لك يا بني... شكراً لأنك جئت في الموعد. لقد خفتُ أن يبعث المجلس بسيافٍ مبتدئ ينكسر سيفه عند الفقرة الثالثة ويتركني أنزف في الطين حتى الصباح. الشرف في القتل متعة لا يتقنها سوى أولئك الذين يحملون مرارة النحاس في أقدارهم.»
«شكراً؟» خطت ماريان خطوة للداخل، وصوت حذائها الثقيل يطحن الحصى المقشور. «الرجال في وضعك يتبولون على ثيابهم ويقدمون رشاوى بأسماء عائلاتهم ليحصلوا على ليلة إضافية في هذا العفن. ما الذي يجعلك مشتاقاً لشفرتنا إلى هذا الحد، و لماذا قد تفترض أن الفتى ثيودور هو من سينفذ حكم إعدامك؟»
ضحك الرجل بصوت مكتوم، متحررة من صدغه قطرة عرق باردة انزلاقت عبر ندبة السحر المحفورة على خده.
«لأنكم لا تفهمون طبيعة الدين الذي أحمله، يا سيدتي ذات الفأس الثقيلة،» قال الرجل وعيناه تثبتان على ثيودور بثقل يبعث على القشعريرة. «أنا لا أنتظر القتل لأنني أحب الفناء... أنا أنتظره لأن الدائرة السحرية التي رسمها أولئك الأسخاص في عروقنا لا تغلق إلا بدفق الدم الأخير تحت سيف فارس نظامي. موتي ليس عقاباً لي... موتي هو آخر طقس أستكمل به حريتي من أغلال أولئك الأشخاص.»
ساد صمت خنيق داخل الزنزانة، تخلله فقط صوت قطرات الماء التي تسقط من السقف، تطقطق فوق حذاء ثيودور الملطخ بطين السفر.
خطا ثيودور خطوة واحدة للأمام، وانحنى قليلاً ليكون على مستوى عيني الرجل المنكوب.
«ما اسمك؟» سأل ثيودور، وصوته يقطع الهواء الرطب.
«الأسماء تسقط على العتبة الخارجية للبوابة يا صاحب السعادة،» أجاب المحكوم عليه وهو يغمض عينيه براحة مريبة، ويمد عنقه النحيلة للأمام، كاشفاً عن موضع الضربة بين الفقرتين الثانية والثالثة. «نادِني بالرماد... فنحن جميعاً ننتهي إلى نفس الطعم في نهاية المطاف. هل ستستل سيفك هنا في هذه الظلمة؟ أم ستمنحني مشهد السماء الرمادية قبل أن تأخذ حقي؟»
نظر ثيودور إلى ماريان. كانت يداها مستقرتين على حزامها، وعيناها الميتتان تخبرانه بوضوح أن المهمة أصبحت جافة ومكشوفة، وأن الشكوك التي رافقتهما منذ مغادرة الميناء بدأت تتشكل كحقيقة مريرة تحت هذا السقف الحجري المنهار.
تراجع ثيودور خطوة للخلف، ووضع يده على قبضة سيفه الثقيل دون أن يسحبه.
«غداً عند الشروق،» قالت ماريان ببرود ينافس جدران السجن. «تحت السماء الرمادية...ستنفذ الحكم يا ثيودور، في وضح النهار حيث يمكن للدم أن يجد طريقه إلى التراب دون أن يحبسه هذا السقف.»
تبسم الرجل المحكوم مرة أخيرة، وأسند رأسه إلى الحجر الرطب خلفه، واغلق عينيه كمن يتهيأ لنوم عميق طال انتظاره.
في اليوم التالي...
طلعت الشمس جافة، بيضاء كالعظم المقشور، تسكب ضوءاً مبهراً وغير متوقع على ساحة الإعدام الحجرية في ساحة قلعة "الرأس المقطوع".
ضوء ساطع، يتعارض بقسوة مع برودة الهواء النحاسي ورائحة العفن المنبعثة من الخندق السفلي. كانت الساحة المكونة من بلاط جيري مكسر خالية إلا من ثيودور، وماريان، والمحكوم عليه الذي أُخرج من زنزانته تحت حراسة صامتة.
كان الرجل يحث الخطى بثبات غريب. قميصه الكتاني الممزق بدا مشدوداً فوق صدره المنهك، وحذاؤه المتهالك يطحن الحصى بزاوية مستقيمة. عندما وصل إلى الكتلة الحجرية السوداء في منتصف ساحة المذبح المخصص لبتر الرؤوس لم ينتظر أمراً.
جثا على ركبتيه بوقار مريض، ووضع عنقه فوق الحجار الباردة.
أزاح ثيودور عباءته الثقيلة إلى الخلف. الشمس الضاحكة فوق رأسه كانت تضيء السيف الفولاذي الثقيل القابع في حزامه. استله ببطء؛ صوت احتكاك المعدن بالغمد الغائر أحدث حفيفاً قاطعاً جرد الساحة من أي همسة.
على بعد ثلاث خطوات، كانت ماريان تقف وساقاها متباعدتان، يداها مطويتان فوق مقبض سيفها القصير، وعيناها البرتقاليتان تفحصان المحكوم، والسماء، وثيودور بنفس الحيادية الميتة.
«هل من كلمة أخيرة للمملكة؟» سأل ثيودور، وصوته يخرج جافاً، مستقراً في المساحة الفاصلة بين ضوء الشمس وعفن الأرض.
رفع المحكوم عليه رأسه قليلاً عن الحجر، والتفت بعين واحدة محتقنة بالدم نحو ثيودور. كانت الندوب البيضاء الكلسية للأوشام السحرية على خديه وعنقه تنبض بضوء خافت تحت حرارة الشمس.
«لا مملكة هنا يا ثيودور...» حشرج الرجل، وابتسامة قاسية تشد شفتيه المشققتين. «أنت لا تقطع رأسي... أنت تفك الرابطة الأخيرة. اضرب بنية جازمة... ولا تجعل ييدك ترتجف عندما تلامس الشفرة الرماد.»
أعاد الرجل رأسه إلى الحجر.
ثبت ثيودور قدمه اليمنى على التراب المالح. رفع السيف بكلتا يديه فوق كتفه الأيمن، القوة تتركز في عضلات ظهره وسواعده. في هذه اللحظة الخاطفة، انكسر الضوء الأبيض للشمس فوق صفحة الفولاذ، ليرمي ظلاً طويلاً ومستقيماً على عنق الرجل المكشوفة.
أغمض ثيودور عينيه لنصف ثانية، استرجع فيها رائحة كوابيسه الكبريتية، ثم فتحهما وهو يهوي بالسيف بقوة مدمِرة ومحسوبة.
صوت الشفرة وهي تشق الهواء كان زفيراً قاطعاً.
غرز الفولاذ الثقيل نفسه بين الفقرتين الثانية والثالثة من العنق. اصطدم بالحجر الأسود تحته بفرقعة معدنية حادة أحدثت شرراً يتطاير في الهواء المشمس.
انفصل الرأس.
تداعى الجذع المقطوع على جانبه الأيسر، واليدان المقيدتان بالسلاسل الصدئة اختلجتا ثلاث مرات قبل أن تسكنا بالكامل على التراب.
لكن الدم لم ينسكب بالطريقة التي يعرفها السيافون.
لم ينبثق شريان أرجواني دافئ يلحس الحجر؛ بل خرج من العنق المبتورة ومن جرح الرأس المقطوع المرمي على بعد أقدام سائل داكن، كثيف، لزج يتشبع برائحة الشمع المحترق والكبريت والرماد.
انقبض قلب ثيودور. خطى خطوة إلى الخلف تلقائياً، وسيفه الملوث متدلٍ في يده المرتجفة.
فوق البلاط الجيري الأبيض وتحت ضوء الشمس الساطع، لم يسل الدم بغير انتظام. كان السائل الداكن يندفع بضغط داخلي مريب، يتمدد ويمشي على الأرض في مسارات بزوايا هندسية حادة وكأنه كائن حي يرسم مقاديره بذاته.
تدفق السائل ليشكل في منتصف الساحة خطوطاً عريضة متقاطعة...
اتسعت عينا ثيودور في رعب، وتجمدت دماء حلقه.
الدم الداكن لم يرسم دائرة سحرية ولا رمزاً؛ بل ترسب فوق الحجر الجيري مشكلاً تفاصيل محددة وواضحة جداً:
وجه قناع خشبي عريض... ذو عينين مفرغتين كحلقتين سوداوين، وشفتين منفرجتين عن ابتسامة متسعة، مريضة، ساخرة بلا حدود.
نفس القناع الخشبي المبتسم الذي يسكن كوابيس ثيودور منذ سنوات. القناع الذي يظهر دائماً عند حافة كل مجزرة وكل خيانة، القناع الذي طالما استيقظ وهو يتصبب عرقاً بارداً لمجرد استحضار خطوطه الميتة.
كان القناع المرسوم بالدم النحاسي يبتسم له من التراب تحت الضوء المباشر للشمس.
«ثيودور؟»
جاء صوت ماريان حاداً، غير مألوف، وهي تخطو نحو الرأس المقطوع بحذر، سيفها القصير مسلول ونظرتها تثبت على رسم الدم غير الطبيعي. «ما هذا السحر اللعين؟ هل كان ينزف خائناً أم طقساً؟»
لم يستطع ثيودور الإجابة. كان يتنفس بجهد، ورائحة الكبريت الصادرة من الدم المنسكب تخنق وسطه. تثبتت عيناه على القناع المرسوم، ليبدو له وفي لحظة توهم مريضة، أن رسم الدم يرتفع قليلاً عن البلاط، وأن الابتسامة الخشبية تتسع أكثر تحت الضوء الباهر، وكأن المحكوم عليه لم يُقتل... بل أطلق القناع من سجنه.
مسح ثيودور جبهته بساعده الملوث بالتراب، ونظر إلى السيف المقطر بالزفت الأسود في يده.
«انتهت المهمة يا قائدة» قال ثيودور بصلابة مشوبة بمرارة قاتلة وهو يثبت نظره على الابتسامة الدموية.
sergio ink