وريث الرماد

وريث الرماد

11 0

وريث الرماد

«لم يكن الدم هو ما جعله منبوذًا، بل الحقيقة التي يرويها ذلك الدم في كل مرة ينظر فيها الملك إلى عينيه».

كان الصقيع الصامت يزحف فوق النوافذ العالية لقاعة التدريب الملكية، خارج جدران القصر الأبيض بالعاصمة "لوراسيون"، كانت "رياح الغرب السوداء" تعزف لحنًا جوفيًا مرعبًا، يبدو مألوفًا في الأجواء الفالورية الشتوية، ريحٌ لا تحمل ثلجًا فحسب، بل تحمل معها همساتٍ قديمة قادمةٍ من المرتفعات المنسية، تجعل الحراس يتشبثون في دروعهم المخملية.

داخل قاعة التدريب، كان صوت تصادم الفولاذ الفالوري يصمّ الآذان، رائحة العرق البارد، المعدن المُشحّم، و نشارة الخشب الرطِبة المختلطة بدماء خفيفة.

يرتطم سيف "ثيودور رينيه" بسيف الدوق الشاب لعائلة مونتكلير النبيلة "جوليان مونتكلير"، الاصطدامات تسري كالتيار الكهربائي في ذراعي ثيو النحيلتين، لكن فتى السابعة عشر لم يتراجع إنشًا واحدًا، كانت أنفاسه تغادر صدره كدخان كثيف مليء بالتوتر، و عيناه المائلتان إلى اللون الرمادي المشابه للون سماء "لوراسيون" تركِز على خصمها بزخمٍ لا يعرِفُ الالتفات، لم يكن ثيودور الأقوى بين الفتية، ولا الأكثر مهارةً في حركات الاستعراض التي يلقنها أساتذة السلاح لأبناء النبلاء، كان يقضي أغلب وقته في التهام كتب الاستراتيجيات الحربية للجنرال رولان، كان يتميز ثيو بشيء واحدٍ لا يملكه أقرانه، إرادةٌ صلبة قد تُبنى منها الأسوار.

"أنت تقاتل كإبن زقاقٍ يبحث عن كسر خبزٍ يا رينيه" بصق الدوق الصغير الكلمات و هو يضغط بثقل جسده على ثيو، كان يرتدي درعًا مبطنًا بالفراء الفاخر الذي تفوح منه رائحة عطر الفالورية القديمة التي لا تستطيع إخفاء رائحة خوفه الكامن، "تنحّ مكانك توجّه إلى المطبخ أو إلى غرف الخدم حيث ولدت"

لم يرد ثيودور، حيث أن الرد في المبارزة ترفٌ يستهلك هواءً تحتاجه رئتاه.

بدلاً من ذلك، يتحوّل ثيو من المدافع إلى المهاجم، تلتف ساقه اليسرى ببطئٍ مدروس، مستغلاً خفة حذائه الجلدي البالي، و سمح لسيف جوليان بالانزلاق على حد سيفه بصوت صريرٍ حادٍ حبس أنفاس الفرسان المراقبين، و في جزءٍ من الثانية يضرب ثيو باستخدام مقبض سيفه الحديدي الثقيل عظم وجنة الدوق الصغير.

سمع الحاضرون صوت تفتتٍ خفيف، تلاها سقوط الدوق الصغير جوليان على ركبتيه فوق الأرض، بينما تناثرت بقع دمائه القرمزية فوق نشارة الخشب بيضاء اللون.

"هذا يكفي"

جاء الصوت قوياً ينضح بكبرياء رجلٍ لم تعرف الهزيمة إلى قلبه سبيلاً.

عند الشرفة المراقبة العلوية، وقف الملك "لويس فالوريان الرابع"، لم يكن العجوز الذي ينهكه المرض، بل كان رجلاً ضخم البنية مرتدياً درعه الحربي المصقول، و عيناه الصارمتان تشّع ببريق الغزاة المخضرمين، كبرياؤه يملك المكان، بجانبه، وقف ولي العهد، "ألكسندر فالوريان"، الأخ الأكبر لثيودور، جسده الضخم المنتصب مغطى بعباءة مطرّزةٍ بخيوط الذهب لكنيسة النور الأبدي، وعيناه تحمل ذلك المزيج النادر من الحنان الحازم.

التقط ثيو أنفاسه و هو يرى نظرات النبلاء من البيوت الأربع الكبرى لفالوريان ، "دو لاروش"، "بيرفال"، "مونتكلير"، و أخيراً لورد آل "لوران" ، نظراتهم كالخناجر التي تطعنه بصمت، كانوا ينظرون إلى إبن الزنا الذي تجرأ على إراقة دماء سليل عائلة مونتكلير النبيلة.

نزل ألكسندر إلى الساحة بخطوات وئيدة، و وضع يده على كتف ثيو، متجاهلاً الهمسات المتصاعدة، "يدك أسرع من المعتاد اليوم يا أخي ".

"لقد ترك جانبه الأيمن مفتوحاً" ، قال ثيودور و هو يعيد السيف إلى الرف الخشبي، "في الجنوب كان ليفقد رأسه".

ابتسم ألكسندر ابتسامةً شاحبةً احتوت على غصة غامضة "فلتأتي معي إلى جناحي يا ثيو"، يومأ ثيو برأسه لأخيه الأكبر و يتبع خطواته الطويلة متوجهين إلى جناح وريث مملكة فالوريان العظيمة، بعد مسير دقيقتين، يتوقف ألكسندر مرسلاً شعورا بالغرابة لثيودور الواقف بالخلف، "سأغادر إلى مملكة هيليونان العظيمة لحضوراجتماع سياسيٍ، سأكون ممثل فالوريان"

شعر ثيودور بانقباض مفاجئ في صدره، رحلة إلى الجنوب في هذا الوقت؟ ألقى نظرة إلى ملامح وجه أخيه الأكبر ألكسندر، وجهه يملأه الفخر الممزوج بصلابة كبرياءٍ ورثها عن أبيه الملك.

غادر ثيودور القاعة متوجهًا نحو الباحة الداخلية للقلعة، حيث كان الثلج يتساقط ببطء، مغطيًا تماثيل القديسين الأوائل لكنيسة النور الأبدي، كانت التماثيل تمتد حول القصر كوحوشٍ رمادية نائمة، أصوات أجراس الكنائس تمتزج بأصوات باعة الحطب المتجولين، ورائحة الفحم المحترق تمتزج بنتانة الزوايا المنسية.

​"كنت أعلم أنني سأجدك هنا، تتأمل الأسوار كأنك تخطط لهدمها".

التفت ثيودور. كانت تقف هناك، ملفوفةً بفراء دافئٍ يناسب منزلتها، سيلين دو لوران. صديقة طفولته الوحيدة، والملكة القادمة لفالوريان، المخطوبة رسميًا لأخيه ألكسندر. عيناها الخضراوان كانتا تحملان ذكاءً حادًا لا يناسب سنها الصغير، وابتسامتها كانت تحمل عتابًا قديمًا.

​"سيلين،" قال ثيودور، محاولاً إبقاء صوته محايدًا. "البلاط مشغول بالاستعداد لرحلة وريث العرش، ما الذي يخرجك إلى هذا الصقيع؟"

​خطت سيلين نحوه، وتوقفت بالقرب منه حتى كاد يشم رائحة الخبز الساخن والقرفة المنبعثة من ثيابها. "البيوت النبيلة تتحدث يا ثيودور. بيت دو لاروش يجمعون السفن، وبيت مونتكلير غاضبون بسبب ما فعلته بجوليان اليوم. ألكسندر يظن أن العالم يدار بالنوايا الحسنة والصلوات للنور الأبدي، لكن والده الملك يعلم أن الحديد هو اللغة الوحيدة المفهومة. رحلة ألكسندر لهيليونان ليست مجرد مهمة دبلوماسية... إنها اختبار".

​"اختبار لمن؟" سأل ثيودور، وعيناه تضيقان.

​"للكل،" همست سيلين، ونظرت نحو البرج الملكي حيث تلوح راية فالوريان. "الملك لويس رتب كل شيء بكبرياء المنتصر الذي لا يقبل شائبة في خطة خلافته. وعندما يعود ألكسندر متوجًا بالولاء الجنوبي، سأكون أنا زوجته، وسيكون العرش مؤمنًا. لكنك... أنت البقعة السوداء في هذا الثوب الأبيض يا ثيودور. احذر من الأيام القادمة. عندما يغيب الظل الذي يحميك، ستجد نفسك وحيدًا في مواجهة الذئاب".

​قبل أن يجيب، التفتت سيلين وغادرت، تاركة خلفها وشاحًا من القلق يلتف حول عنقه أشد من برودة رياح الغرب.

في وقت متأخر من الليل، كان ثيودور يجلس في الجناح الصغير لألكسندر. كان عشاء الوداع صامتًا وثقيلاً. على الطاولة، وُضع طبق من لحم الخنزير البري المشوي بالبرقوق، وحساء الفاصوليا الكثيف مع خبز الشعير القاسي. أكل ثيودور بنهم فتى يعلم أن الأيام القادمة قد لا تحمل وجبات دافئة، بينما كان ألكسندر يقلب كأسه الفضي بفكر شارد.

​"أنت قلق على سيلين؟" سأل ثيودور وهو يمسح فمه.

​"أنا قلق على فالوريان،" أجاب ألكسندر بصوت منخفض. "والدي يرى المملكة من خلال انتصاراته القديمة. يظن أن هيبته ستدوم للأبد. لكنني أرى الشقوق في الجدران يا ثيودور.والناس جياع في الشوارع السفلى. أذهب للجنوب لأجمع الحلفاء الذين سأحتاجهم عندما يحين وقت التغيير".

وقف ألكسندر وتقدم نحو نافذة البرج، متطلعًا إلى الظلام الدامس الذي يبتلع العاصمة. "أريدك أن تبقى قريباً من الملك في غيابي. تذكر، دمي هو دمك، وكبرياؤه هو الذي يمنعه من الاعتراف بك، لكنه لا يستطيع إنكار أنك تحمل صلابته".

​"سأفعل،" قال ثيودور، رغم يقينه بأن الملك لن ينظر إليه حتى لو احترقت القلعة.

بعد منتصف الليل، شق ثيودور طريقه عائدًا إلى غرفته في البرج السفلي عبر الممرات الحجرية المهجورة. كانت الشموع قد انطفأت، ولم يتبق سوى بصيص النور الأبدي المنبعث من التماثيل البعيدة.

​فجأة، تجمّد الهواء.

​لم يكن هذا صقيع الشتاء المعتاد، بل برودة كونية جافة، خالية من أي رطوبة، كأن المكان قد أُفرغ من الحياة دفعة واحدة. توقفت رياح الغرب السوداء عن العويل بالخارج، وحلّ صمت مطبق ومخيف.

​في نهاية الممر المظلم، لم يظهر حارس، ولم يتحرك بشري. بل تنفس الظلام نفسه وتجسد على هيئة خيال طويل للغاية، يرتدي عباءة قرمزية بالية تبدو وكأنها نسجت من دماء جافة. وجهه كان مغطى بقناع خشبي أبيض صقيل، يحمل ملامح مبتسمة بسخرية باردة.

تراجع ثيودور تلقائيًا، ويده تحسست مقبض خنجره، لكن جسده بأكمله تصلب كأنه طُعن بالجليد. شعر بزخم إرادته يتصادم مع حضور هذا الكائن الكوني، حضور يجعل الملوك والممالك يبدون كألعاب طفل في الرمل.

لم يفتح الكائن فمه لكن الصوت انبعث داخل عقل ثيودور، متجردا من العاطفة يحمل صدى ضحكات بعيدة، تحرك القناع الأبيض في الظلام بحركة مائلة ساخرة. "لقد وُضعت الرهانات بيننا الليلة يا رينيه. دماء كثيرة ستسيل في الجنوب، وأخوك المبحر ليس سوى حجر نرد رميناه في لعبة أكبر من عرش فالوريان. أركض أو قف، لا يهم... فالرحلة قد بدأت، والثمن قد دُفع مقدماً، وفي نهاية المطاف، كل ما تفعلونه ليس سوى تسلية للموقرين".

وقبل أن يتمكن ثيودور من إطلاق صرخة أو تحريك يده، تلاشى الخيال القرمزي كدخان أسود ابتلعته الرياح، تاركًا ثيودور راكعًا على الأرضية الحجرية، يلهث بعنف، بينما عاد عويل رياح الغرب السوداء ليضرب النوافذ فجأة، حاملاً معه هذه المرة رائحة خفية ومرعبة... رائحة دم مألوف يأتي من جهة الجنوب.

قبل أن يقوم ثيودور بأي حركة، يفتح عينيه ليجد نفسه مستلقيا على سرير غرفته، "حلم" يقول و هو يضغط على رأسه بشدّة مدركًا أن ما رآه بالأمس كان مجرد كوابيسٍ نابعة من التفكير المتكرر في رحلة أخيه الأكبر.

يلفت نظر ثيودور السحب الرمادية المتشكلة فوق العاصمة لوراسيون و كأنها تنانين تبتلع المملكة ببطئٍ لا يلاحظه إلا القليل.

بعد لحظات...

يكون ثيودور يمتطي خيله الشخصي الأبيض الفاخر، هديةٌ من صديقة طفولته سيلين، متوجها نحو الموانئ خارج العاصمة و على الحدود الجنوب شرقية لمملكة فالوريان.

كانت السفن الحربية الثلاث لبيت "دو لاروش" راسية في الحوض المائي الغربي للميناء الملكي، تبدو كوحوش خشبية سوداء قابعة فوق مياه متجمدة. الجليد كان يطوق الهياكل السميكة، و البحارة بوجوههم الحادة و أجسادهم الخشنة المغطاة بفراءٍ الغليط الذي يحمل ترسباتِ ملح البحر الفالوري، كانوا يتحركون بنشاط محموم، يرفعون براميل اللحم المملح، وصناديق السلاح، وقمح الشتاء المخزّن في أكياس القنب الغليظة.

وقف ثيودور رينيه على الرصيف الحجري المرتفع، متدثرًا بعباءة صوفية رمادية بسيطة لا تحمل شارة ولا لونًا، متأملًا الجلبة الصاخبة بالأسفل. رائحة القطران المحترق، وزيت الحيتان المستخدم لإضاءة الفوانيس، ونفحة الأسماك المجففة كانت تملأ الهواء البارد، تمتزج مع الزفير الكثيف للرجال والخيول.

لم تكن مياه الميناء الملكي في لوراسيون تطيع أحداً، حتى وإن كان المبحر فيها هو وريث عرش فالوريان. الجليد كان يطوق الأرصفة الحجرية العتيقة كأنه أسنان ذئب عجوز، والضباب الرمادي الكثيف كان يتدلى من السماء ليختلط بدخان المداخن الكبريتية المنبعثة من لقطات الحدادين في الأحياء السفلية.

​"لم أركَ يومًا تنظر إلى سفينة بهذه اللهفة، يا ثيودور،" قال ألكسندر وهو يقترب منه. كان ولي العهد في كامل عدته الرسمية؛ درع فضي مصقول يعكس الضوء الشاحب للسماء الرمادية، وعباءة بيضاء حافة بذهب كنيسة النور الأبدي، متدلية فوق كتفيه بثقة تامة. سيفه ذو المقبض العاجي يتدلى عند خصرة، وهو سيف المراسيم الذي استخدمه ألكسندر في الانتصار على أمراء الممالك المعادية في حرب التحالف الثلاثي، الحرب التي استطاع فيها ألكسندر هزيمة ثلاثة أمراء متحالفين، مثبتًا للجميع أنه الوريث الحقيقي و الأحقّ بالعرش.

التفت ثيودور إلى أخيه، وعيناه تضيقان بفعل الرياح التي بدأت تشتد، حاملة نذير "رياح الغرب السوداء" التي بدأت تئن في الأعالي. "الجنوب ليس كالشمال يا ألكسندر. المكان هناك لا يعترف بالقوانين التي تُكتب بحبر لوراسيون. نبلاء تلك المناطق يبيعون ولاءهم لمن يملك حديدًا أكثر، أو سمًا أسرع".

ضحك ألكسندر، ضحكة صافية افتقرت إلى النبرة الجافة التي يتحدث بها رجال البلاط. "والدنا الملك أرعبهم طيلة عشرين عامًا، صحيحٌ أنه لم ينتصر لوجود جنرالاتٍ أقوياءٍ ضدّه، لكنه ترك هيبته كبرياءً لا يجرؤ أحد على خدشه. أنا لا أذهب هناك لأحارب، بل لأذكرهم أن الدم الذي قارعهم ما زال حيًا في عروقي. سأعود قبل أن يذوب جليد الميناء".

​"الملك كان مستعدًا لإحراق مدنهم بمن فيها،" قال ثيودور بصوت خفيض، وعيناه تلاحقان رافعة خشبية ترفع صندوقًا ثقيلاً من رماح الفولاذ إلى سطح السفينة القائدة. "أنت تذهب بنوايا طيبة، يا أخي. والنوايا الطيبة في الجنوب تُشرب مع النبيذ المسموم".

استدار ألكسندر ونظر إلى ثيودور بجدية مفاجئة، واضعًا يده الضخمة المغطاة بالقفاز الجلدي على كتف الفتى. "لهذا السبب تركتك هنا. سيلين ذكية، لكنها محاطة بوالدها اللورد دو لوران الذي لا يرى أبعد من مصالح بيته. أيديك وعيناك هما كل ما أثق به في هذه القلعة المليئة بالهمسات. راقب النبلاء، وكن ظل الملك الذي لا يراه".

​لم يُجب ثيودور. لم يكن يريد أن يخبر أخاه أن الملك لويس الرابع لا يرى في ابنه غير الشرعي سوى خطيئة تجسدت في لحم ودم، وأن وجوده قريباً من العرش يثير حنق مجلس التاج. طأطأ رأسه فقط، مستسلمًا للزخم الذي يدفعه للصمت.

صوت بوق نحاسي حاد انطلق من سطح السفينة الرئيسية "النجم الفضي"، معلنًا اكتمال الشحن. خطا ألكسندر خطوة للخلف، وضرب صدره بيده في التحية الفالورية القديمة تحية المحاربين، لا الملوك.

​"النور الأبدي يحفظك يا ثيودور،" قال ألكسندر.

​"والحديد يحميك يا ألكسندر،" أجاب ثيودور، مراقبًا أخاه وهو يهبط الدرج الحجري نحو الرصيف السفلي، حيث كان قادة الحرس الملكي وفرسان بيت "دو لاروش" ينتظرونه بعباءاتهم القرمزية.

تأمل ثيودور السفن وهي تفك حبالها الغليظة. تحركت الهياكل السوداء ببطء، تشق المياه المليئة بقطع الجليد الطافية، متجهة نحو عرض البحر حيث الأفق يغرق في ضباب رمادي كثيف. أحس ثيودور ببرودة تسري في عموده الفقري، برودة لم تكن وليدة الرياح السوداء التي بدأت تضرب وجهه، بل كانت حدسًا مبهمًا، كأن تلك السفن لا تبحر نحو الجنوب، بل تبحر نحو حتفها.

وقف ثيودور رينيه على الممشى الخشبي المرتفع المشرف على الحوض الغربي يتأمل خيال أسطول أخيه المسافر، كانت أصابعه العارية تلامس حد خنجره القصير المخفي تحت حزامه، بينما كانت عيناه، اللتان تحملان لون رصاص السماء، تلاحقان الجلبة الصاخبة بالأسفل.

​"الجنوب لا ينسى خيول الشمال يا ثيودور، لكنه يفضل أن يراها ميتة."

​التفت ثيودور ببطء. لم يكن بحاجة للنظر ليعرف صاحبة الصوت. كانت سيلين دو لوران تقف على بعد خطوتين، متدثرة بفراء ثعالب القطن الأبيض الفاخر الذي لا يرتديه إلا صفوة النبلاء. عيناها الخضراوان اللتان تشبهان أوراق شجر الغابات القديمة قبل أن يقتلها الشتاء، كانتا تحملان ذلك البريق الحاد الذي عرفه فيه منذ الصغر؛ بريق فتاة وُلدت وفي فمها ملعقة من ذهب، لكنها تعلم تمامًا كيف تحول ذلك الذهب إلى خنجر إذا لزم الأمر.

​"سيلين،" قال ثيودور، وصوته يحمل جفاف الشتاء. "مخطوبة وريث العرش لا يجب أن توجد في مكان تفوح منه رائحة عرق البحارة والأسماك الفاسدة، و أيضًا نحن ننتمي للجنوب لكننا فقط في الجهة الغربية من القارة، نحن لا نختلف كثيرًا عن ما نصفه بالجنوب حقًا"

اقتربت سيلين حتى غدا أنفاسها الدافئة مرئيًا في الهواء القارس، وتوقفت عند الحافة الخشبية لتنظر إلى البحرالضبابي الفالوري المكسي بقطع الصقيع التي تطفو على سطحه. "ألكسندر يظن أن العالم يُدار بالوعود الشرفية ونشيد كنيسة النور الأبدي. إنه يرحل اليوم ليثبت لوالدك الملك أنه يستحق التاج، لكنه لا يدرك أن الحكم في عصر الحروب لا يحتاج إلى قديس، بل يحتاج إلى جزار يرتدي تاجًا."

نظر ثيودور إلى الجزء الجانبي لوجهها، إلى الخطوط الدقيقة لفكها المحكم. سيلين لم تكن مجرد صديقة طفولة قاسمته ذات يوم كسر الخبز في حدائق القلعة الخلفية بعيدًا عن أعين الحراس؛ لقد كانت "الملكة القادمة"، المرأة التي تم إعدادها لتكون عقل ألكسندر وقوته السياسية.

​"والدي الملك لويس الرابع حارب أولئك الوحوش بالحديد والنار عندما كان في سن ألكسندر،" قال ثيودور بجفاء، وعيناه تعودان إلى السفن. "إنه يعيش اليوم بكبرياء رجل لم يهزم قط، رجل يرى أن ذريته يجب أن تسير على ذات الدرب أو تُسحق تحت الأقدام. ألكسندر يعلم ذلك."

​"ألكسندر يعلم ما يريد والده أن يعلمه فقط،" همست سيلين، والتفتت بكامل جسدها نحو ثيودور، وأصابعها المغطاة بالقفاز الجلدي الناعم لمست ذراعه بخفة، لمسة دافئة بدت غريبة وسط كل هذا الصقيع. "لكنك أنت... أنت ترى الحقيقة كاملة لأنك تقف في الظل دائمًا. عندما يبحر ألكسندر، سأكون وحدي في مجلس النبلاء. لاروش وبيرفال ومونتكلير ينتظرون أي عثرة لبيت دو لوران. أريدك أن تكون عيني في الشوارع السفلية يا ثيودور. لا تثق بأحد، ولا حتى بالصلوات التي تقرأ في الكنائس."

​"أنا لا أثق إلا بالحديد الذي أصنعه بنفسي، يا سيلين،" أجاب ثيودور، بينما سرت في جسده طاقة مألوفة، زخم داخلي دفعه لانتزاع يد سيلين برفقٍ عن يده، موضحًا عدم ثقته في أيٍ من البيوت النبيلة حتى لو كانت العائلة التي تنتمي لها سيلين نفسها.

بعد حلول الظلام...

لم يكن الليل في الأحياء السفلية لمدينة "لوراسيون" مجرد غيابٍ للضوء، بل كان كائنًا لزجًا يتنفس فحمًا محترقًا وجثثًا منسية تحت الأنقاض. هنا، حيث تنحدر الشوارع مائلةً بحدة كأنها تسقط في الجحيم، لا تصل صلوات كنيسة النور الأبدي. إنها تتلاشى عند الأسوار العالية للقلعة الملكية، تاركةً "حارة الطين" تواجه صقيع الشتاء وسموم المداخن وحدها.

تغلغل ثيودور رينيه في الأزقة الضيقة التي تكاد جدرانها الحجرية المتآكلة تلتقي في الأعلى لتخنق السماء. كانت خطاه وئيدة، صامتة، ومحسوبة كخطى قط بري يدرك أن كل حجر زلق قد يخفي تحته خنجرًا. رائحة الجلود المدبوغة الفاسدة، وبول الخيول المتجمد في الزوايا، ودخان الحطب الرطب كانت تسد الأنوف. على جانبي الطريق، انكمش المتسولون حول براميل حديدية تشتعل فيها بقايا الصناديق الخشبية؛ وجوههم المسودة بالرماد كانت تلمع تحت الضوء الشاحب للنار، وأعينهم تحترق بحقد قديم تجاه كل من يرتدي ثيابًا تقي برد الشتاء.

دلف ثيودور إلى حانة "المرساة الصدئة". كان القبو يقع تحت الأرض، يُنزل إليه بسلالم خشبية متآكلة تئن تحت الأقدام كأنها عظام رجل ميت. فور دخوله، هاجمت حواسه موجة ثقيلة من الهواء الساخن المحمل برائحة العرق القارصة و نبيذ الشعير الرديء، التبغ الرخيص، وشحوم الخنزير المقلي الفاسدة. كان المكان يعج بالصخب؛ ضحكات خشنة، شتائم مقذوعة باللغة الفالورية القديمة، وصوت ارتطام الكؤوس النحاسية على الطاولات.

في الزاوية الأكثر عتمة، حيث لا يصل ضوء الشموع الذائبة إلا كظلال باهتة، كانت تجلس جماعة تختلف عن أي جند أو حرس يرتدي شعار الملك. كانوا أحد الكتائب ل"فرقة الأوغاد".

​"انظروا من تذكر أن لديه إخوة في الوحل،" قال صوت أجش تهكمي.

​كان المتحدث رجلًا ضخم الجثة، عريض الكتفين يُدعى "جاك القاطع". كان يرتدي سترة جلدية مهترئة مليئة ببقع الدم الجاف، ووجه تملأه الندوب القديمة التي تروي قصص معارك الشوارع. أما ذراعه اليمنى، فقد كانت مبتورة من المرفق، ومستبدلة بخطاف حديدي حاد، يعبث به الآن في قطعة لحم قديمة كانت أمامه.

جلس ثيودور على مقعد خشبي متأرجح، ووضع يديه على الطاولة ببرود شديد. لم يكن ثيودور الأقوى في هذه الغرفة، ولا الأكثر دراية بفنون الغدر البارعة التي يتقنها هؤلاء، لكنه كان يملك في عينيه الرماديتين ذلك الزخم الدائم والإرادة التي تجعل الرجال الأشد قسوة يتراجعون خطوة للوراء. هؤلاء هم رجال ونساء؛ اليتامى، اللقطاء، الأبناء الذين وُلدوا من نزوات النبلاء والخدم، والذين لم يعترف بهم قانون ولا كنيسة. فرقة مرتزقة تعرّف ثيودور عليها سرًا على مدى عامين من القسوة الخالصة.

"الأوغاد"

​"ألكسندر أبحر اليوم إلى الجنوب،" قال ثيودور، وصوته المنخفض جعل الصخب المحيط بطاولتهم يخمُد فجأة.

​سخر جاك، وغرس خنجره في الخشب المصقول بحدة. "الأمير البار. يظن أن المناطق الجنوبية يمكن إخضاعها بالكلمات اللطيفة والصلوات. والده الملك لويس الرابع يعلم أن الحديد والنار هما الطريقة الوحيدة لجعل هؤلاء الكلاب يركعون، لكن ألكسندر يملك قلبًا طيبًا جدًا... والقلوب الطيبة في عالمنا تُبتر أولاً، سبق لفرقة الأوغاد التواجد بتلك الحروب مراتٍ عديدة بل و حتى أن أغلب قادة فرقة الأوغاد ساهموا في قتلِ الكثير من جنرالاتهم، لكنّنا بالنهاية أوغاد".

"جئتك بمهمةٍ يا جاك، مهمة قد تناسب رجالك الأصغر حجما و الأبرع في المراقبة من الخفاء" قال ثيودور دون أن يظهر أي علامةٍ على التردد.

​"وما هو المطلوب منا يا ابن الملك؟" سأل جاك، وهو يرفع خطافه الحديدي ليصوب به نحو وجه ثيودور بسخرية. "الأوغاد لا يقاتلون من أجل العروش، نحن نقاتل من أجل كسر الخبز ونبيذ الشعير الذي يبقينا أحياء في هذا الصقيع".

​أخرج ثيودور من تحت عباءته كيسًا جلديًا ثقيلًا وألقاه في منتصف الطاولة. أحدث الكيس رنينًا معدنيًا ثقيلًا أسال لعاب الحاضرين. ذهب حقيقي، مدموغ بشعار الخيول الملكية، كان قد حصل عليه بذكائه وزخمه من أشغال الإسطبلات الملكية.

التقط جاك الكيس، وفتح طرفه بأسنانه، لينظر إلى البريق الأصفر اللامع. ابتسم ابتسامة خبيثة أظهرت سنًا فضية في فكه الأيسر. "هذا كلام يفهمه الأوغاد. ما هي الأوامر؟"

​"أريد عيونًا في كل مكان،" قال ثيودور بصرامة حجرية. "تتبعوا حركة جند بيت مونتكلير في الأحياء السفلى. راقبوا أرصفة الميناء التابعة لبيت دو لاروش. إذا همس لورد في البلاط بكلمة عن الجنوب، أو إذا تحرك فصيل من الحرس دون أمر ملكي علني من الملك لويس، أريد أن أعرف قبل أن يجف الحبر على الأوراق".

​وقف جاك، وأعاد الخنجر إلى غمده الجلدي عند فخذه. "اعتبر الأمر قد قُضي يا رينيه. طالما أن ذهبك يتدفق، فإن الأوغاد سيكونون ظلك الذي لا يرحم".

خرج ثيودور من الحانة عائدًا إلى الشارع. كانت رياح الغرب السوداء قد بلغت ذروة جنونها، تعصف بيافطات الحانات الخشبية وتطلق عويلاً حادًا في الأزقة كأنه صراخ الأرواح المفقودة. أحس بالبرد يخترق عظام صدره، لكن داخله كان يغلي بزخم دائم. لقد رمى حجر النرد الأول في خطته الخاصة؛ لم يعد مجرد فتى يتلقى الضربات في قاعة التدريب الملكية، بل أصبح رأس الأفعى التي تتحرك في ظلام لوراسيون.

في صباح اليوم يستيقظ ثيودور على صوت طأطأة في باب غرفته، يستعد ثيو ليلف يده حول مقبض الباب بنيّة فتحه، لكن الزائر لا ينتظره و يدفع الباب بقوة مرسلا شعورا بالغرابة إلى ثيو، رسولٌ ملكي "الملك يطلب مقابلتك يا أيها النذل".

كان الممر المؤدي إلى قاعة العرش الضيقة في برج التاج أشبه بنفق محفور في جبل من الثلج والنسيان. لم تكن الشعلة المقدسة لكنيسة النور الأبدي المشتعلة في المشاعل البرونزية قادرة على طرد الظلال التي خلفها غياب الأمير. تنفس ثيودور رينيه بعمق، فامتصت رئتاه هواءً ينبع برائحة الشمع المذاب والحديد البارد، وهما رائحتا لوراسيون المفضلتان.

عند نهاية الممر، وقف اثنان من حراس النخبة لبيت "بيرفال"، بدروعهم الفولاذية الثقيلة التي تحمل نقوش الأسود الجاثية. لم يتحركا، لكن أعينهما تلاحقت الفتى ذي السبعة عشر عامًا بنظرات لم تحاول حتى إخفاء احتقارها. بالنسبة لهما، وللبلاط بأكمله، لم يكن ثيودور سوى تذكير حي بنزوة ملكية قديمة، ولطخة سوداء في سجل عائلة فالوريان لا يمحوها سوى الموت.

دفع ثيودور الباب الخشبي الثقيل ودخل.

​لم يكن الملك لويس الرابع محاطًا بسحرته أو مستشاريه هذه المرة. كان يجلس بمفرده على العرش الحجري المرتفع، متدثرًا بعباءة من فراء الذئاب الشمالية، واضعًا يده الضخمة ذات العروق النافرة على مقبض سيفه الحربي القديم "محرر العبيد". كبرياؤه العسكري، الذي شُيّد على مدى عقود من الانتصارات والحروب التي لا ترحم، كان يملأ القاعة كالملح الذي يمنع اللحم من العفن. لم يكن رجلًا ينهكه المرض، بل كان صخرة عاتية قاومت الزمان، وإن بدت عليها شقوق قاسية.

​"تأخرت يا رينيه،" قال الملك، وجاء صوته عميقًا، أجش، كارتطام الحجارة في قاع بئر جافة. لم يقل "يا بني". لم يقلها قط.

​"الممرات السفلية كانت مزدحمة بعربات الموتى الذين حصدتهم الرياح السوداء يا جلالة الملك،" أجاب ثيودور، ووقف بثبات، يديه متدليتين بجانبه، وزخمه الداخلي يمنعه من إظهار أي علامة على التردد أو الضعف أمام الرجل الذي يملك حياته بإيماءة واحدة.

​نظر الملك إليه، وتأمل عينيه الرماديتين اللتين تشبهان سماء لوراسيون قبل العاصفة. "أخوك ألكسندر أبحر إلى الجنوب بكثير من الوعود والصلوات. يظن أن الممالك تُحكم بالعدل والمواثيق. ما رأيك أنت؟"

​"العدل هو الترف الذي يملكه المنتصر بعد أن ينتهي من إحراق مدن أعدائه،" قال ثيودور بجفاء، مستدعيًا النبرة الرمادية التي تعلمها من مراقبة هذا الرجل نفسه.

​التوت شفة الملك في شبه ابتسامة قاسية، امتدت لتصل إلى النصل القديم لفكّه. "إذن، لست غبيًا تمامًا كأمهات الطين اللواتي جئت منهن. النبلاء من بيوت مونتكلير ولوران يتهامسون في المجالس. يظنون أن غياب الأمير فرصة لإعادة اقتسام الغنائم. واللورد دو لاروش أوقف شحنات القمح القادمة من الغرب بحجة الصقيع. إنهم يختبرون حديدي، يظنون أن السنين قد جعلت السيف ثقيلاً على يدي".

قبل أن يتمكن ثيودور من الرد، انفتح الباب الخلفي لقاعة العرش بعنف.

​دخل اللورد رينارد دو لاروش، رئيس مجلس التاج، وجهه شاحب كالثلج الذي يغطي الأسوار، وثيابه الحريرية الفاخرة مبعثرة كأنه ركض لمسافة طويلة. خلفه، كانت سيلين دو لوران تخطو بخطوات سريعة، وعيناها الخضراوان تحملان رعبًا مصمتًا لم يره ثيودور فيها من قبل.

​"مولاي الملك..." تعثرت الكلمات في حلق اللورد رينارد، وسقط على ركبتيه فوق السجاد القرمزي. "جاء طائر زاجل... من الساحل في المناطق الجنوبية".

​لم يتحرك الملك لويس إنشًا واحدًا، لكن قبير يده على مقبض السيف تحول إلى اللون الأبيض. "تكلم يا رينارد، قبل أن أجعل لسانك قربانًا للنور الأبدي".

​"الأسطول... أسطول الأمير ألكسندر صُدم بعاصفة غير طبيعية في مضيق الدم،" قال رينارد وصوته يرتجف بكامل فزعه. "السفن تحطمت على الصخور البازلتية. البحارة الذين رافقوه لم ينجو منهم ... البقية اختفوا يبدو أنها خيانة من الداخل. لقد وجدوا حطام سفينة 'النجم الفضي'، يا مولاي... والأمير..."

​"تكلم!" زأر الملك، ووقف فجأة بكامل هيبته العسكرية الضخمة، كأنما انبعثت فيه روح شاب في الثلاثين.

​"الأمير ألكسندر قد مات،" قطعت سيلين الصمت بصوت حاد كالشفرة، رنينه خافتٌ ومستقر في أركان القاعة. كانت تعصر وشاحها المخملي بين يديها، وعيناها مثبتتان على ثيودور بنظرة مرتعبة خفية وسط الفجيعة. "لقد وجدوا جثته معلقة على حطام الصاري، وقد ثُقبت بطنه ووضعت فيها عملة من الذهب الجنوبي".

​سقطت القاعة في صمت مطبق، صمت أشد قسوة من رياح الغرب السوداء.

نظر ثيودور إلى أبيه. رأى وجه الملك كأنه قناع نحاسي نُحت قبل آلاف السنين؛ لم تدمع عيناه، ولم ينحنِ ظهره، لكن كبرياءه المنتصر قد تلقى ضربة لم يتوقعها. التفتت عينا الملك لويس ببطء نحو ثيودور، ونظرة الاحتقار القديمة قد استُبدلت بشيء آخر... شيء يشبه الحسابات الباردة لرجل يرى رقعة شطرنج وقد تحطمت قطعها الرئيسية.

لم تدمع عينا الملك لويس. بدلاً من ذلك، تشنّج فكّه العريض، وصدرت من حنجرته أصواتٌ مكتومة كصوت درع فولاذي يُسحق تحت حافر جواد. تحركت يده الضخمة المقبوضة على سيف "محرر العبيد"، لا لتستلّه، بل لتبحث عن شيء مادي يفرغ فيه ثقل الكبرياء المهدور. تحولت عيناه مرةً أخرى ببطء نحو ثيودور. فورانٌ غريزي لرجل حرب هُزم في عُقر داره فاحتاج إلى دمٍ يدفع الثمن فوراً.

بخطوة واحدة هائلة خرق الملك المسافة الفاصلة بين العرش وثيودور. قبل أن يتمكن الفتى من رمش عينه، امتدت يد الملك الثقيلة المقرحة بندوب المعارك لتلتف حول عنق ثيودور، ورفعه بقوة غاشمة دفعت جسده النحيل ليرتطم بالعمود الرخامي خلفه.

​"مولاي!" صرخت سيلين، وتقدمت خطوة مدفوعة برعب حقيقي، لكن نظرة خاطفة حادة كخنجر مسموم من اللورد رينارد جمدتها في مكانها. كان الحراس عند الباب قد أحكموا قبضاتهم على مقابض سيوفهم، متأهبين، ليس لحماية ثيودور، بل للإجهاز عليه إن أمر الملك.

​"مات الصقر... وبقي ابن الخطيئة،" فحيح الملك لويس خرج مشبعاً برائحة الخمر المعتق والغل القديم. ضغطت أصابعه على مجرى تنفس ثيودور حتى بدأت عينا الفتى تظلمان، لكن ثيودور لم يستجدِ. بجهد مستميت، ظلّت عيناه الرماديتان تحدقان في عيني أبيه الطاغية بذات الزخم الصلب الذي يرفض الانحناء.

​بصق الملك الكلمات في وجهه: "لقد صليت... نعم، صليت للآلهة القديمة ولكنيسة النور أن تكون بهذا الجمود يوماً ما! كنت لتكون ابناً صلباً... جداراً حديدياً يحمي إرث فالوريان لو أن دماءك لم تكن ملوثة بطين العاهرات! كنت أوقفت هذه البيوت اللعينة وخسأت خلفاً لأخيك!"

​ثم، كمن تذكر حقيقة مقززة، ارتخت قبضته فجأة ليتراجع خطوة إلى الوراء، تاركاً ثيودور يسقط على ركبتيه، يسعل بعنف محاولاً استعادة الهواء.

​نظر الملك إلى كفه وكأنه لمس جيفة، ومسحها بعباءة فراء الذئاب. تحولت نبرته فجأة من الغضب العارم إلى برود قارس، متناقض ومخيف، كأن العاصفة التي زأرت قبل ثوانٍ لم تكن سوى وهم. التفت بجسده نحو سيلين ورينارد، ظهره مفرود بكبرياء لا ينكسر.

​"ولكنني نسيت..." قال الملك بصوت هادئ، هدوء المقابر بعد المذبحة، وهو يمشي ببطء عائدًا إلى عرشه. "فالوريان لا تفتقر إلى الدماء الشرعية. لديّ ستة أبناء شرعيين آخرين ينتظرون في القلاع الشمالية. ستة ذئاب بأسماء نقية، يملكون الحق في هذا الكرسي قبل أن يفكر هذا الحثالة بالاقتراب منه."

​التفت مرة أخرى إلى ثيودور القابع على الأرض، وكانت عيناه قد خلتا تماماً من أي شحنة عاطفية، عادتا لتصبحا عيني عاهل ينظر إلى أداة مستهلكة. "اخرج من وجهي يا رينيه. اخرج قبل أن أتذكر أن موتك قد يرضي كنيسة النور الأبدي كقربان تكفير عن خطايا شبابي."

​نهض ثيودور ببطء، واضعاً يده على عنقه المحتقن. لم ينظر إلى سيلين الشاحبة، ولم ينظر إلى رينارد الذي أفرجت شفتاه عن شبه ابتسامة تشفٍّ. نظر فقط إلى الرجل الجالس على العرش، والتقط وشاحه القذر، ثم استدار وسار نحو الباب بخطوات وئيدة، تاركاً خلفه قاعة العرش التي تفوح برائحة الموت والوعود الميتة.

على طول الممر الممتد من برج التاج إلى البوابة الخارجية، كان صدى خُطوات ثيودور رينيه يبدو كضربات نعش يُغلق ببطء. كانت يده لا تزال تضغط على عنقه المحتقن، حاملاً وشم أصابع أبيه الملك، لكن عينيه الرماديتين كانتا تتأملان الظلال بدقة أشد.

​خلفه، لم تكن سيلين دو لوران تمشي فحسب، بل كانت تقود عاصفة صامتة. تحت أنظار والدها اللورد رينارد الذي وقف عند الشرفة العلوية يراقب ابنتها بنظرة محتقنة، كانت سيلين تخطو بثبات. لم يجرؤ أحد من حراس النخبة على اعتراض طريقها؛ فاسم بيت لوران كان ثقيلاً كالفولاذ في هذا البلاط.

​"إلى أين يا ثيودور؟" سألت بصوت منخفض حين بلغا ساحة التدريب المهجورة، حيث تتراكم الثلوج فوق أهداف الرماية الخشبية.

​"إلى القاع،" أجاب ثيودور دون أن يلتفت، ونبرته تحمل ذلك الزخم الجاف الذي لا ينكسر أمام الضربات. "الملك تذكر أبناءه الستة في الشمال. البيوت النبيلة لن تنتظر حتى يجلس أحد أولئك الذئاب النواعم على العرش. ابناءه الآخرون لم يحققوا ما حققه ألكسندر، سيتقاتلون على العظام قبل أن تبرد جثة ولي العهد الراحل. وأنا لن أكون أحد العظام التي يمضغونها لتسوية نزاعاتهم."

أمسكت سيلين بذراعه، بقوة غير متوقعة، وأجبرته على مواجهتها. "ما الذي تخطط له يا ثيو؟ أنت لا تفكر بجدية في المغادرة و الهرب من قدرك المحتوم صحيح؟ لقد أرسل والدك الملك الجنرال "مورغن ووث" إلى مضيق الدم للتحقيق في مقتل الأمير حتى لو كان ذلك يعني نزاعًا و اتهامًا مباشرًا لمملكة هيليونان العظيمة.

"لا تهمّني كل هذه التفاصيل، ليس لي مكانٌ في هذا القصر، أنا سأنتقم سأنتقم بطريقتي الخاصة، لا شأن للملكة القادمة بأفعال الإبن الغير الشرعي للملك" قال ثيودور، وانتزع ذراعه بلطف قاسٍ، متوجهاً نحو البوابة الحديدية التي تؤدي إلى الموانئ السفلى.

في عمق الرصيف التاسع، حيث تفوح رائحة القطران، والسمك العفن، والدم المتخثر من جثث البحارة الذين حصدتهم الرياح السوداء، كان القبو يبدو كمذبح سفلي.

​اجتمع الأوغاد، الذين تضخم عددهم في فالويان بوجوه جديدة قذرة جاءت من كل حدب وصوب؛ مرتزقة من بقايا حرب "العامين"، أوغاد من بيوت النبلاء المنشقين، ورجال يحملون وشوم كنيسة النور الأبدي المقلوبة على رقابهم.

​في صدر القبو، كانت تجلس "النقيب ماريان الخارقة". امرأة قصيرة القامة، ذات ملامح شابة لكن التهمتها اجواء الحروب، تضع رجلها الخشبية فوق صندوق حديدي وتنفث دخان غليونها القذر. كانت تقود كتيبة "الكلاب المسعورة"، وهي فصيل صغير لكنه من بين الأكثر دموية في فرقة الأوغاد التي تضم أكثر من أربعمائة جندي ينتشرون في الموانئ الفالورية.

​"إذن، هذا هو الجرو الملكي؟" سخرت ماريان، وصوتها يشبه صرير خشب سفينة تُسحق وسط الصخور. "سمعنا أن الملك لويس قد علمك أدب البلاط بيده العارية اليوم."

​ضحك الأوغاد المحيطون بها، لكن ثيودور لم يرمش. سار بخطوات ثابتة ووقف أمام الطاولة الخشبية مباشرة. استل خنجره القصير، وبحركة واحدة سريعة لم يتردد فيها للحظة، غرس النصل في ظهر كفه اليسرى.

انفجر الدم القرمزي، متدفقاً فوق الطاولة ليمتزج ببقايا النبيذ الرخيص. لم يتحرك وجه ثيودور، ولم يصدر عنه أنين، بل ظلت عيناه الرماديتين مثبتتين على ماريان بزخم مرعب.

​"أنا لا أحتاج إلى شفقة، ولا أحتاج إلى اسم عائلتي،" قال ثيودور وصوته أثبت من الجليد الذي يغلف المدينة. "هذا دمي الملكي، القربان الذي تطلبه البحار. سأكون واحداً من 'الكلاب المسعورة'. أبحث عن رأس قاتل أخي، وأمنحكم الذهب الذي يعجز ملوككم عن الحلم به."

تلاشت الضحكات من القبو. نظرت ماريان إلى الدم السائل، ثم إلى عيني الفتى. رفعت يدها الخشنة المليئة بالندوب، وضغطت على كتف ثيودور المدمى بقوة جعلت الجرح يفتح أكثر.

​"أنت مجنون يا رينيه، وهذا بالضبط نوع الأوغاد الذين نبحر معهم إلى الجحيم،" قالت ماريان وهي تقف على رجلها الخشبية. "لكن ما عليك فهمه هو أن الأوغاد لا يعملون لمصلحة أو إرادة شخصٍ ما، إذا أردت أن تفرض إرادتك في هذا الفصيل عليك أن تصبح عضوًا مهمًا ليس داخل الكلاب المسعورة بل في الكتائب الأساسية للأوغاد، اربط جرحك. ابتداءً من الغد أنت أحد الكلاب المسعورة و لا تتوقع أي معاملة خاصة فأنت وغدٌ مثلنا في النهاية"

في اليوم التالي...

و في "برج الحصاد" الذي يعتبر مركز عمليات الكلاب المسعورة،

كان الكاردينال "مالاكي دو مونتكلير" يجلس خلف طاولة البلوط العريضة، متدثراً بعباءة من الحرير الأبيض المقصب بالذهب، والتي تلوثت أطرافها بطين الميناء قذر اللون. لم يكن رجل دين يوزع البركات، بل كان محاسباً يبحث عن أرباح الفتنة، وعيناه المحاطتان بجيوب من الجلد المسترخي لم تنظرا إلى ثيودور إلا ككلب صيد جربان جلبته الضرورة.

كانت تقبع أمامه ورقة مرسوم الكنيسة الموقعة بحبرٍ لزج من هباب الفحم و مصل الخنازير.

​"إنها ليست معركة من أجل الأرض يا أيتها النقيب،" قال الكاردينال، وجاء صوته صفيرياً، متهجياً الكلمات كمن يمضغ حصىً طينياً. "إنها تسوية حسابات مع السماء. قرية 'أورلوف' تقع على حافة مستنقعات الغرب. منذ ثلاثين عاماً، دُفن هناك الأسقف 'أغسطين التائب'، رجل قضى نحبه وهو يلعن خطايا البلاط. الكنيسة تحتاج رُفاته الآن في العاصمة لجمع شتات المؤمنين بعد فاجعة الأمير. لكن هؤلاء الرعاة القذرين يرفضون تسليمه."

​"يرفضون؟" سألت النقيب ماريان الخارقة، وهي تتكئ على رجلها الخشبية التي أحدثت صريراً حاداً فوق البلاط الحجري البارد، بينما كان غليونها ينفث دخاناً رمادياً بطيئاً تزكم رائحته النفوس. "الرعاة لا يرفضون أوامر الكنيسة إلا إذا كانت بطونهم فارغة أو جيوبهم مليئة، يا صاحب السيادة."

ابتسم الكاردينال ابتسامة شاحبة خلت من الأسنان الجانبية. "الأمر أسوأ من الذهب. إنهم يعتقدون أن الأرض تأكل من بركته. منذ اليوم الذي وُضع فيه جسده المتفسخ في ترابهم، لم تضرب المجاعة حقول القمح الخاصة بهم قط، بينما القرى المجاورة تقتات على جذور الشجر ولحوم الجرذان. إنهم يربطون خبزهم بعظامه. إذا أخذنا الأسقف، فهم يرون أننا نأخذ أرواح أطفالهم."

​خطا ثيودور للأمام. كان الطوق الأحمر حول عنقه، الناجم عن قبضة والده الملك، قد تحول إلى اللون الأزرق القاتم، وبدا كأنه قيد غير مرئي يربطه بقسوة هذا العالم. نظر إلى كيس الذهب الثقيل الذي ألقاه الكاردينال على الطاولة؛ رنين العملات لم يكن موسيقياً، بل كان له صدى ارتطام الدروع في ساحة المذبحة.

​"وتريد منا أن ننبش القبر وننتزع العظام، حتى لو اضطررنا لإحراق القرية فوق رؤوسهم؟" سأل ثيودور، وجاءت نبرته خالية من أي وازع أخلاقي، نبرة رجل جُرّد من خياراته بالكامل.

​"الكنيسة تدفع للمرتزقة على شاكلة فرقة الأوغاد لكي تتحمل الآثام التي تترفع عنها أيدي الفرسان الشرعيين يا بني،" أجاب الكاردينال ببرود، وهو يختم المرسوم بشمع أحمر بدا كأنه قطرة دم طازجة. "أحضروا الجسد. وإن وقف الفلاحون بمقاشعهم في طريقكم... فاجعلوا من دمائهم سماداً جديداً لحقولهم."

عند الفجر، كانت كتيبة "كلاب البحر" قد تحركت. ثمانون رجلاً من أصل أربعمائة يمثلون القوة الضاربة للأوغاد في المدينة، يجرون خلفهم عربة خشبية مغطاة بجلود الثيران المشحمة، مخصصة لحمل الصندوق المقدّس.

 ​لم يكن الطريق إلى "أورلوف" مجرد مسافة، بل كان نزيفاً مستمراً وسط الضباب الكثيف الذي يخرج من المستنقعات. الأرض كانت عبارة عن مزيج من الوحل المتجمد والجليد الهش الذي يخترق الأحذية الجلدية المهترئة للجنود. الرائحة كانت ثابتة: رائحة النباتات الميتة المتخمرة تحت الثلج، ونفَس الرجال الخائفين، ولزوجة الخوف الصامتة.

​كان ثيودور يمشي في المقدمة بجانب ماريان. يده اليسرى المضمدة بخرقة قذرة كانت تنبض بألم حاد كلما لامستها الرياح الشمالية، لكنه كان يرحب بهذا الألم؛ لقد كان الدليل الوحيد على أنه ما زال حياً ولم يتحول بعد إلى تمثال من جليد فالوريان.

​"هناك حركة في الضباب،" همس أحد جنود ماريان وهو يستل سيفه القصير ببطء، متراجعا وراء جذع شجرة بلوط متفحمة.

انقطع عويل الرياح فجأة، وحلّ محله صوت مقزز: صرير حبال تُشد، ووقع حوافر خيول لم تُغسل أظلافها منذ أشهر.

​من بين حجب الضباب الرمادي، ظهر قطاع الطرق. لم يكونوا لصوصاً عاديين، بل كانوا بقايا "جيش العظام المكسورة"، المرتزقة الذين تسرحوا بعد حرب الجنوب ولم يجدوا ما يقتاتون عليه سوى لحوم المسافرين.

كانوا يرتدون قطعاً من دروع فالورية صدئة، وجلود ذئاب جرباء تعيش فيها البراغيث، ووجوههم مغطاة برماد أسود ظنًا منهم أنها لطرد الأرواح.

تقدم قائدهم، رجل ضخم الجثة غارت عينه اليمنى إثر طعنة قديمة وتركت مكانها فجوة وردية مقززة تفرز مادة لزجة. كان يحمل فأساً حربياً ثقيلاً تلطخ حده ببقايا شحم بشري جاف.

​"أوه، انظروا ماذا أحضرت لنا الرياح البيضاء!" زأر الأعور، وبصق لثاماً من اللعاب الأصفر على الثلج. "عربة مقفلة، وامرأة برجل خشبية، وجرو يرتدي خِرقاً ملكية! اتركوا العربة والذهب الذي تحملونه، وسنسمح لكم بالموت تجمداً بدل أن نطعم كلابنا بأحشائكم وهي دافئة."

كان الجليد تحت الأقدام لا يرحم، يتشقق بصوت يشبه كسر الوعود القديمة.

​لم يكن هناك وقت لترديد شعارات الحماس؛ فالقتال في مستنقعات الغرب مجرد وحل ودم وخوف تصل رائحته إلى الأنوف. اندفع القائد الأعور، الملقب بـ "مطرقة العظام"، صاباً ثقله كله في ضربة بفأسه الحربي الضخم. شق الفأس الهواء بصفير حاد، لكن ثيودور لم يتراجع إلى الخلف كما يقتضي منطق المبارزة النبيلة؛ بل غاص بركبتيه فوق الطين المتجمد، تاركاً النصل يمر فوق رأسه بإنشات قليلة، لتتطاير خصل شعره المقصوص بفعل الهواء المضغوط.

​"جرو فالوري سريع!" زأر الأعور، والتفت بجسده الضخم محاولاً ركل ثيودور بنعله الحديدي الملطخ بفضلات الخيل.

لكن ثيودور كان قد تحرك بالفعل بزخمٍ غريزي أعمق من الخوف. انتصب جسده كركيزة فولاذية، وبدلاً من استخدام سيفه الطويل للدفاع، استل خنجره القصير بيده اليمنى ودفعه بكل قوته في الفجوة الوردية المقززة لعين القائد المفقودة. غاص النصل في اللحم الميت والصديد، واندفع سائل لزج أسود حار ليلطخ وجه ثيودور وعينيه.

​صرخ الأعور صرخة همجية مزقت هدوء الضباب، صرخة لم تكن من الألم بقدر ما كانت من الذهول لأن هذا الفتى اليافع يملك دناءة كافية ليقاتل ككلب شوارع قذر. تراجع العملاق وهو يترنح، يده الضخمة تحاول نزع الخنجر المغروس في جمجمته، بينما كان الدم يتدفق من فمه.

لم يعطه ثيودور فرصة لالتقاط الأنفاس. وبحركة دائرية سريعة، استدار وضرب بسيفه الطويل ساق الأعور السليمة من الخلف، قاطعاً الأوتار الحيوية. سقط القائد الضخم على ركبتيه في الوحل، ليصبح بمستوى الفتى الرمادي.

وقف ثيودور فوقه، والدم الأسود يقطر من ذقنه، وعيناه الرماديتان تخلوان من أي شفقة أو زهو. وبضربة رأسية قاطعة، غرس سيفه في ترقوة الأعور حتى نفذ من الجانب الآخر، ليثبته في الأرض المتجمدة كوتد خيمة. تشنج جسد العملاق ثم سكن، مطلقاً زفيره الأخير الذي تحول إلى بخار رمادي في الصقيع.

التفت ثيودور إلى بقية قطاع الطرق، وكان وجهه المغطى بالدم والرماد يبدو كقناع شيطان صغير. تراجع المرتزقة بخطوات مرتعشة؛ لم يذهلهم موته، بل أذهلهم أن ابن الملك يملك هذا المستوى من الوحشية الخالية من التردد. حتى النقيب ماريان بصقت غليونها ونظرت إليه بنظرة أعادت فيها تقييم الفتى بالكامل.

ارتفع غبار الساحة مع صمت ثقيل لم يقطعه سوى أنين الجرحى. حدقت النقيب ماريان في ثيودور لبرهة طويلة، ثم انحنت لتلتقط غليونها من التراب، نفخت عنه الرماد، وأعادته بين شفتيها وكأن ما حدث لم يكن سوى تقرير عسكري آخر.

أطلقت سحابة دخان باردة، ثم قالت بصوت حاسم، "اقضوا على من تبقى. لا أريد أسيرًا واحدًا."

لم يتردد رجالها. اندفعت الكلاب المسعورة كالسهم، والسيوف تلمع تحت ضوء الشمس المغطاة بالسحاب. حاول قطاع الطرق الهرب نحو الأشجار، لكن الخيول لحقت بهم في لحظات. دوى صليل الحديد، وتعالت صرخات قصيرة سرعان ما انقطعت. من استل سيفه سقط، ومن ألقى سلاحه لم يجد رحمة؛ فقد كانوا خارجين على القانون، وقد صدر حكمهم منذ اللحظة التي نصبوا فيها الكمين.

وقف ثيودور يراقب المشهد بصمت. لم يعد يملك القوة لرفع سيفه، وكانت أصابعه المرتجفة بالكاد ما تزال تقبض على مقبضه الملطخ بالدم. شعر بأن ساقيه أثقل من الرصاص، وأن كل نفس يسحبه يحرق صدره. لم تستغرق المطاردة طويلًا.

بعد دقائق، عاد آخر الفرسان وهو يمسح نصل سيفه بقطعة قماش خشنة، ثم أومأ للنقيب.

"انتهى الأمر."

ساد السكون من جديد، ولم يبقَ في المكان سوى رائحة الدم والدخان، وأجساد متناثرة فوق الأرض الموحلة.

تقدمت ماريان حتى وقفت أمام ثيودور، وتأملته بعينين ضيقتين. لم ترَ طفلًا في السابعة عشر من عمره... بل رأت وحشًا شرسًا امتلك مهارات النبلاء في استخدام السيف و دناءة المرتزقة في القتال بقذارة

نفثت دخان غليونها ببطء، ثم قالت بنبرة يصعب تمييز إن كانت تحمل إعجابًا أم قلقًا:

"يبدو أن أحدهم لم يبالغ في تقدير نفسه و مهاراته كما ظننت"

أما ثيودور، فلم يجب. كانت عيناه مثبتتين على الجثة التي قتلها بيديه، بينما أخذ التعب أخيرًا ينتصر على الأدرينالين الذي أبقاه واقفًا.

بعد مسيرة ثلاث ساعات أخرى عبر ممرات الموت البيضاء، انقشع الضباب فجأة ليكشف عن قرية "أورلوف".

​لم تكن قرية عادية تئن تحت وطأة الشتاء؛ كانت تبدو كحقل قمح ذهبي شاذ يرتفع وسط بحر من الوحل والجليد الفالوري. المحاصيل هنا كانت وافرة، السنابل ثقيلة وممتلئة برائحة الخبز الطازج، وهي رائحة بدت غريبة ودنيئة في عالم يموت أطفاله جوعاً. لكن هذه الوفرة لم تكن مجانية؛ فالسياج المحيط بالقرية لم يكن مصنوعاً من الخشب، بل من جذوع شجر عُلقت عليها عظام حيوانات وبقايا ملابس ملطخة بالدماء، كقرابين لحماية هذا الرخاء الأسود.

عند مدخل القرية، وقف القرويون.

​لم يكونوا فلاحين خائفين يحملون عدةً صَدئة؛ كانوا رجالاً ونساءً بأجسادٍ قوية فتلها الشبع، وعيونهم تشع بنوع من الهوس الديني المظلم. كانوا يحملون فؤوساً مخصصة لقطع اللحم، ومناجل حادة تلمع تحت السماء الرمادية.

​وفي مقدمتهم، كان يقف عمدة القرية، رجل عجوز يدعى "برونو"، يرتدي عباءة مصنوعة من خيش القمح المتسخ، ويداه المليئتان بالقشور ممسكتان برمح حربي قديم.

​"توقفوا مكانكم يا كلاب الكنيسة!" زأر برونو، وجاء صوته قوياً يحمل ثقل الأرض التي يدافع عنها. "نعلم لماذا جئتم. تريدون سرقة الأسقف أغسطين! تريدون إرجاع العظام العتيقة لكي يملأ الكهنة خزائنهم بذهب الحجاج!"

خطت النقيب ماريان للأمام، ورجلها الخشبية تغوص في الطين الوافر. "الأسقف مات منذ ثلاثين عاماً يا شيخ. حان الوقت لكي ترقد عظامه في معبد النور الأبدي بالعاصمة."

​"عظامه هي خبزنا!" صرخت امرأة من الخلف، وهي ترفع منجلاً تلطخ بطين الحقل. "منذ أن وضعناه في هذا التراب، والأرض لا تكف عن العطاء. إذا أخذتموه، فإنكم تحكمون على أطفالنا بالموت جوعاً وتجمداً! لن تأخذوا عظام القديس إلا إذا سقيتم هذا القمح بدمائكم أولاً!"

تقدم ثيودور ووقف بجانب ماريان، يده المضمدة تنبض، وعيناه الرماديتان تتأملان السنابل الذهبية التي نمت فوق رفات رجل ميت. كان يعلم أن هذه ليست معركة بين الخير والشر؛ بل هي مجرد مجزرة أخرى يفرضها الجوع، حيث تتصادم قداسة الكنيسة الجشعة مع غريزة البقاء القذرة للفلاحين.

​أحكم الأوغاد قبضاتهم على سيوفهم، بينما بدأت تراتيل القرويين المظلمة ترتفع، تطلب من تراب الأسقف أن يمنحهم القوة لذبح القادمين الجدد.

​"تراجعوا!"

​لم يأتِ الأمر من النقيب ماريان، بل قذفه ثيودور رينيه بصوت حاد، صلب، كضربة نصل فوق ترس نحاسي.

​التفتت إليه ماريان، وعينها السوداء اللامعة تضيق بالشك وهي تنفث نفخة تبغ قذرة. "ماذا تقول يا جرو؟ الأوغاد لا يتراجعون أمام الفلاحين!"

​"هؤلاء ليسوا فلاحين، هذه كتلة لحمية متلاحمة تدافع عن بقائها،" قال ثيودور، ونبرته الجافة تحمل وزناً غريباً استدعاه من مئات المجلدات العسكرية التي التهمها في قبو مكتبة لوراسيون المهجورة، حيث كان يدرس خطط القادة القدامى الذين أبادوا جيوشاً بكسر الخطوط. "إنهم يملكون الأرض والعدد، وإذا اندفعنا عبر البوابة الضيقة، سيطوقوننا بالمناجل ويهرسوننا تحت أقدامهم. تراجعي بالكتيبة مئة خطوة إلى الوراء، نحو الممر الضيق بين المستنقعات."

​نظرت إليه ماريان لبرهة، رأت الدماء السوداء لقطاع الطرق ما زالت تجف على خده الرمادي، ورأت في عينيه حسابات باردة خالية من التردد. رفعت يدها الخشنة وأشارت لرجالها: "تراجع تكتيكي! اسحبوا العربة خلف التلة!"

​ظن القرويون أن الأوغاد يفرون خوفاً. تعالت صيحات النصر المقززة من أفواههم، واندفعوا كالموج الهائج، تاركين تحصينات سياجهم العظمي، يجرون خلف المرتزقة في الوحل الممتد.

​وهنا بدأت هندسة المذبحة التي صممها ثيودور.

​لم يكن قد قرأ كتب الاستراتيجية ليتسلى، بل ليتعلم كيف يُحكم الخناق. نعم إنها استراتيجيات الجنرال العظيم الفالوري رولان، بمجرد أن دخلت طليعة القرويين في الممر الضيق المحصور بين برك المستنقعات الآسنة، انقسمت كتيبة "الكلاب المسعورة " إلى ثلاثة أقسام وفقاً لإشارات يده الصارمة.

​"ماريان! خذي عشرين رجلا بالسهام واصعدي التلة اليسرى، لا تطلقي على الصدور، اصعقي سيقانهم المقتربة!" أمر ثيودور.

​بعد لحظات السماء تغطى بوابل أسود وانطلقت السهام. لم تكن معركة شريفة؛ كانت عملية جزارة دقيقة. السهام اخترقت الركب والفخاد، فسقط القرويون في المقدمة يصرخون ويتخبطون في الوحل المتجمد، ليتحولوا إلى جدار من اللحم الحي يعيق تقدم من خلفهم.

​في تلك اللحظة، تحرك ثيودور مع القسم الرئيسي من الرجال. لم يندفع من الأمام، بل نفذ تكتيك الالتفاف الصارم الذي طبقه "رولان" الجنرال الفالوري الأعظم؛ استغل ثقل عربة جلود الثيران المشحمة، ودفع بها الفرسان من المنحدر لتصطدم بقلب كتلة القرويين المتجمعة.

​صوت تحطم العظام واختراق المناجل للأجساد كان يضج في الآذان. رائحة الأحشاء الدافئة المتفجرة في الصقيع الفالوري امتزجت برائحة الطين العفن. كان ثيودور يتحرك كآلة حاسبة من الفولاذ؛ يضرب حيث يجب، يوجه النصال نحو الثغرات، مستغلاً ضيق المساحة الذي جعل أعداد القرويين الكبيرة نقمة عليهم، حيث بدأوا يدهسون بعضهم بعضاً في محاولة للهرب.

​العمدة برونو، العجوز الذي كان يحمل الرمح الحربي، وجد نفسه محاصراً بين جثث رجاله. قبل أن يرفع رمحه، كان سيف ثيودور الطويل قد أطاح برأس الرمح الخشبي، وبحركة خاطفة، ضربه ثيودور بمقبض السيف الثقيل على فكه، ليسقط العجوز مغشياً عليه وسط سنابل القمح التي تلوثت باللون القرمزي.

​انتهت المعركة في أقل من نصف ساعة. القرية أصبحت مفتوحة، مستسلمة، يغلفها نحيب النساء وصوت النيران التي اشتعلت في الأكواخ الخارجية لطرد أي ظهورٍ للمقاومة.

​سار ثيودور نحو كنيسة القرية الصغيرة المصنوعة من الحجر الخشن. في الداخل، خلف المذبح، كان القبر محفوراً. لم يتردد الأوغاد؛ نبشوا التربة السوداء بأظافرهم وفؤوسهم حتى ظهر الصندوق الخشبي المتآكل للأسقف أغسطين.

عندما فُتح الصندوق، انبعثت رائحة غريبة؛ لم تكن رائحة تعفن كامل، بل رائحة تراب رطب ممتزج بملح أسود جاف. كانت العظام تلمع ببريق رمادي غير طبيعي.

​أخذ ثيودور الرأس، العظام، والرقوق الجلدية المتبقية، ووضعها في الصندوق الحديدي المقدّس الذي أحضروه.

​خارج الكنيسة، كانت النقيب ماريان تنتظره، متكئة على صندوق الذهب الثاني الذي سلمه إياهم مبعوث الكاردينال الذي كان يراقب المعركة من بعيد بخوف مقزز.

​نظرت ماريان إلى ثيودور وهو يخرج حاملاً إرث الميت. بصقت على الأرض ببطء، ثم تقدمت نحوه، والرِجل الخشبية تُحدث وقعاً رزيناً فوق الطين المشبع بالدم.

​"لم أرَ قط ابن ملك يقاتل بعقل عاهرة ويد جزار، يا رينيه،" قالت ماريان، ونبرتها خلت تماماً من السخرية القديمة، وحلّ مكانها اعتراف ناري خشن بالولاء والمهابة. "لقد وفرت علينا نصف رجالنا اليوم بتلك الحيلة اللعينة. فرقة الأوغاد لم تعد ترى فيك مجرد كيس ذهب هارب... أنت واحد منا الآن، والرجال قد صاروا يثقون بك الآن"

​لم يبتسم ثيودور. أخذ كيس الذهب الخاص بحصته، ونظر نحو الجنوب حيث الغيوم السوداء تتجمع.

​المهمة انتهت، والعظام انتُزعت، لكن في عمق المستنقعات خلفهم، كانت الظلال البيضاء وسحر الملح الأسود يتهامسان باسمه؛ فالدم الذي أراقه اليوم كان دليلاً على رمادية العالم و قساوته و أنه لا يوجد طرفٌ للخير و طرفٌ للشر. كل شخص يخدم مصالحه.

لاحقاً في قصر عائلة مونتكلير...

و في الجناح الشرقي من القصر، حيث تُحجب الشمس بستائر مخملية ثقيلة عافها الزمن، كان الكاردينال "مالاكي دو مونتكلير" يقرأ رسالة المبعوث بصوت خفيض، أشبه بصرير الخشب تحت وطأة النمل. أمامه، جلس اللورد رينارد دو لاروش، رئيس مجلس التاج، واضعاً يده ذات الخواتم الذهبية الكثيرة على مقبض كرسيه العاجي، وعيناه تلاحقان شفتي الكاردينال وكأنهما تبحثان عن سهم مسموم.

​"لقد أخذ العظام،" قال الكاردينال، ورفع عينيه المحاطتين بجلد مسترخٍ كأنه رداء ميت. "مبعوثنا يكتب هنا... الفتى لم يتردد في غرس خنجره في جوف جمجمة 'مطرقة العظام'. ولم يكتفِ بذلك، بل قاد 'الكلاب المسعورة ' بتكتيك صارم، طوّق القرويين كأنه يقرأ من كتاب 'الحصار الأعظم' للجنرال رولان. لم يترك لهم مجالاً للأنفاس. الرعاة ذُبحوا في حقولهم، والذهب استقر في صناديق ماريان الخارقة."

​صمت اللورد رينارد لبرهة، وتلمس لحيته بدقة. "إذن، الذئب الصغير ليس مجرد لطخة طين على ثوب فالوريان. إنه يحمل حديد أبيه وخبث أمهات الأرض."

كانت أصابعه ذات الخواتم الكثيرة تتلمس حافة الخريطة بريبة. أمامه وقف الكاردينال الأعلى "مالاكي دو مونتكلير"، ممسكاً بالرقّ الجلدي دون أن يقرأ منه.

​"الفتى رينيه لم يذهب للجنوب كما توقعنا يا مالاكي،" قال اللورد رينارد، ونبرته هادئة تحسب كل كلمة بوزن الفضة. "تقارير فرساننا تؤكد أنه ما زال يجمع الرعاع عند أطراف المستنقعات الغربية. هو لا يملك نَسَباً يُذكر، ولا ينتمي لعرش فالوريان قانوناً، لكنه يملك شيئاً أندر من ذلك... إنه يعرف كيف يجعل الرجال يحسمون المعارك بأقل الخسائر و بأدنى الجهود"

​طوى الكاردينال الرقّ بعناية وضعه جانبًا. "وما الذي تريده من ابن زنا لا يعترف به أحد؟"

​ارتسمت ابتسامة باردة على شفتي رينارد. "أريده تحت رايتي. بيت 'دو لاروش' بحاجة إلى حديد نقي لا يتبعه كبرياء النبلاء. سأرسل إليه مبعوثاً قبل أن يترك الغرب؛ سأعرض عليه رتبة 'فارس التاج' وعباءة بيتي. رجل بمثل قسوته وانضباطه التكتيكي سيكون سيفاً مثالياً لحماية حقولنا الشمالية... أو لقطع رقاب من يفكرون في مساس خزائننا. الفتى يبحث عن اسم، وأنا أملك الأسماء والذهب."

​نظرت عينا الكاردينال الغائرتان ببرود. "الذئب المائع قد يقبل طوقك يا رينارد... ولكن حذارِ أن تظن أن الكلب الجائع ينسى طعم الدم لمجرد أنك أطعمته من يدك."

"لا داعي لنصائحك الفارغة يا مالاكي، أنت في النهاية من عائلة مونتكلير لكنك عميل سري و خائن لصالحنا نحن بيت دو لاروش، لكنك تأخذ ما يكفي من الذهب لترضخ".

حدّق الكاردينال مالاكي باللورد الذي كان واقفًا يتأمل في الشمس التي كانت من النادر أن يراها تحت سحاب فالوريان

بالتزامن مع حديث الكاردينال و اللورد.

في القاعة الكبرى للحصن، كانت النار تتأرجح في الموقد الضخم، ترسم ظلالاً راعشة على الجدران الحجرية السوداء.

​على رأس الطاولة، جلس الملك لويس الرابع كجبل من العظام والعضلات الذابلة. يده المترهلة ذات العروق البارزة تستريح على قبضة سيفه الثقيل. حول الطاولة، وقف أبناؤه الستة الشرعيون؛ كل منهم يمثل نصلاً موجهاً نحو الآخر.

تطلع غاريت، الأكبر حجماً، ونزع مطرقته الحربية الضخمة ليضعها على الخشب الصاج بصوت كسر صمت القاعة. كانت مطرقة من الفولاذ الأسود، مكسوة بقشرة جيرية جراء تهشيم الدروع. غاريت رجل لا يعرف سوى القوة العارية؛ جثة هائلة ووجه مشوه بالندوب، يرغم الخصوم على الركوع بوزن حديده.

"ألكسندر سقط لأن سيفه كان نحيفاً يا أبي!" زأر غاريت ونبرته تشبه تهشم الصخور. "أعطني الكتائب الشمالية، وسأهشم أسوار الجنوب بهذه المطرقة كما أهشم عظام الجرذان!"

​"القوة بلا عيون ليست سوى غباء يسهل قتله بسهم واحد يا أخي،" قال أولريك ببرود، وهو يجلس على حافة النافذة ويمسك بقوسه المركّب. كان أولريك الابن الثاني؛ نحيلاً، عيناه زرقاوان كجليد البحيرات، ومشهوراً بالدهاء القاتل. يحسب زوايا الريح ومسارات السهام قبل أن يفكر الآخرون في سحب خناجرهم. "المعاطف الفاخرة والجيوش الجرارة هدف سهل لسهم مسموم يُطلق من مسافة ثلاثمائة ياردة في ليلة مظلمة. إذا أردنا تحطيم أعدائنا، فنحن بحاجة للحيلة، لا للصراخ."

في الزاوية المقابلة، وقف كونراد، الابن الثالث، متكئاً على سيفه العريض. كان يرتدي درعاً خفيفاً المقاييس، ويمتاز بسرعة حركة خاطفة. مبارز بلا رحمة، يمتلك صفة السرعة المطلقة؛ يتسلل بين صفوف الأعداء كالظل وينزع الأحشاء قبل أن يرتد النصل إلى غماده. "بينما تتجادلان حول القوس والمطرقة، أستطيع قطع شرايين قادتهم ونحن ننتظر العشاء،" زمجر كونراد بابتسامة قاسية.

أما والتر، الابن الرابع، فكان يقلّب بين أصابعه درعاً زردياً سميكاً. كان صفته الصلابة والمقاومة؛ رجل بُني كالجدار، لا يشعر بالألم، ويمتلك قدرة على الصمود في الحصار تحت أصعب الظروف دون أن ينحني. "اتركوهم يضربون كما يشاءون. الجدران الصليبة لا تتكسر بعواصف المرتزقة."

وبينما كان إدغار، الابن الخامس، يمسك ببلطة قتال قصيرة وهو صامت، ممثلاً الشراسة العمياء والقتال المباشر في المساحات الضيقة... كان هناك الابن السادس.

​توماس.

​كان يتكئ على جدار الحجر، شاحب الوجه، يرتدي ثياباً فضفاضة تفوح منها رائحة قطران خفيفة وأعشاب مجففة. توماس لم يكن يحمل سيفاً، وكانت يداه ترتجفان بوهن يبدو للجاهل كأنه رعب خالص. كان جباناً يخشى صليل الحديد، ويتجنب نظرات إخوته. لكن تحته تلك الهالة الضعيفة، كان يختبئ ذهن شيطاني بارع في تركيب السموم والذعائر الكيميائية. يزن قطرات نبتة "شوكران الموت" بخبرة تجعل قارورة صغيرة في يده أشد قتلاً من مطرقة غاريت وقوس أولريك مجتمعين.

​"قتالكم... قتالكم جلي،" همس توماس بصوت خفيض متردد ويده المرتجفة تلمس قارورة زجاجية سوداء في جيبه. "الدم الجاري يثير الكثير من الضجيج... قطرة واحدة في آبارهم كفيلة بجعل جيش كامل يتقيأ أحشاءه في الظلام دون أن نرفع سيفاً واحداً."

تطلع الملك لويس إلى أبنائه الستة. خمسة نِصال حادة وجروٌ مسموم.

​"خمسة فرسان وجرذ مسموم... ومع ذلك تقفون هنا كالكلاب المربوطة،" قال الملك بصوت كصخور تطحن بعضها. "ألكسندر مات، والجنوب يحتفل بابتلاع أطرافنا. إذا لم تفعلوا شيئاً بسلاحكم أياً كان هذا السلاح فسأطعم أحشاءكم لمرتزقة مملكة ألبيون الحديدية قبل أن يحل الشتاء. لا نزال نجهل هوية الجاني لكن عندما أفعل، سأطلب منكم استعراض مهاراتكم و هو ما يحدد هوية الملك القادم"

لم يتحرك أحد الأبناء الحاضرين، دليلٌ على عزم كل واحد منهم لانتزاع العرش من أسنان إخوته.

في العاصمة...

كان الضباب الكثيف يغرق الشوارع في ظلالٍ بيضاء ترسل همسات مريبة، في ساحة "المصلب السفلي" القريبة من أرصفة الشحن، لم يكن هناك مكان للرحمة. تجمهر المرتزقة والبحارة في حلقة دائرية قذرة، مشكلين جداراً من الأجساد التي تفوح منها رائحة العرق والنبيذ الرخيص. في وسط الحلقة، كان ثيودور رينيه يخوض مبارزة طاحنة ضد "كيليان ذو الذراع الموشومة"، قائد مرتزقة "الرماد الأسود" الفصيل المنافس للأوغاد في العاصمة.

كان كيليان ضخماً، يحمل سيفاً عريضاً ذو حدين، ويتحرك بخطوات ثقيلة تترك آثاراً عميقة في الطين المتجمد. كل ضربة من سيفه كانت تقذف بشظايا الجليد في الهواء. بينما كان ثيودور يتحرك بسيفه الطويل بخطوات رتيبة، دفاعية، وعيناه الرماديتان تراقبان حركة كتف الخصم دون إبداء أي رغبة في الهجوم السريع.

وعلى شرفة حانة "المرساة الصدئة" المطلة على الساحة، كانت تقف كاثرين بلاكوود.

​نبيلة تنتمي لمملكة ألبيون الحديدية العاتية، وابنة البيت النبيل الثالث في تلك البلاد البعيدة. كانت ترتدي معطفاً طويلاً من الصوف الأسود المقوى بالجلد، وشعرها الداكن ملموم وراء رأسها بدبوس فضي يحمل شعار شجرة البلوط الميتة. كانت عيناها الرماديتان، الشبيهتان بعيون ثيودور، تقرآن القتال بمنظور مختلف تماماً عن بقية الرعاع المحيطين بالحلبة.

من خلال عينيها...

​"الضخم يظن أنه ينتصر، ضرباته ثقيلة وتملك وزناً كافياً لكسر درع حصان، لكن الفتى... الفتى لا يدافع لأنه خائف. إنه يقيس. انظر إلى حركة قدميه؛ إنه يترك الخصم يستهلك أنفاسه الصقيعية في الهواء البارد. تلك العيون الرمادية... ليست عيون مرتزق يبحث عن فضة. إنها عيون جندي درس خطط التراجع والتطويق الصارمة. إنه يتحرك بريتم عسكري جاف، يخفي وراءه وحشية لم تنضج بعد ولكنها جاهزة للانبثاق. هذا ليس قتال شوارع، هذا حصار مصغر لجثة ستسقط بعد قليل."

في تلك الأثناء ثيودور كان يدرس كل تحركات خصمه، يخوض حوارا داخليا يحلل كل ثانية من المعركة ​"أنفاس كيليان أصبحت قصيرة، شحم كتفه الأيمن يرتفع بإنش واحد كلما ضرب، مما يترك فجوة تحت إبطه غير المحمي بالحديد. السيف العريض ثقيل، وفي هذا الوحل اللزج، الوزن يصبح عدواً. لقد قرأت في كتاب 'النِصال والمناورات' أن الرجل الضخم يسقط دائماً بفعل جاذبيته الخاصة إذا تم جره إلى الأرض غير المستقرة. حان الوقت لإنهاء هذا العرض الرخيص.

فجأة، تغيرت حركة ثيودور بالكامل. زال التراجع الرتيب، وحلّ محله زخم حاد ومرعب.

​أصبح جاداً.

​تفادى ضربة كيليان الهابطة بحركة جانبية سريعة كادت تلمس معطفه القذر. وبدلاً من كسر السيف، تقدم خطوة كاملة إلى داخل المساحة الشخصية للعملاق، وضغط بكوع يده اليمين المضمّدة مباشرة على حنجرة كيليان. صدرت حشرجة مكتومة من فم المرتزقة، وبحركة لولبية صارمة، ضرب ثيودور مؤخرة سيفه الثقيلة في ركبة كيليان الجانبية.

صوت تحطم الغضاريف كان واضحاً وسط صمت الحلقة المفاجئ. سقط كيليان على الأرض، محاولاً رفع سيفه، لكن نصل ثيودور الطويل كان قد استقر بالفعل عند رقتبه، ملامساً الجلد النحيل فوق شريانه التاجي مباشرة.

​"انتهى القتال،" قال ثيودور بصوت بارد، قاطع، لا يحمل أي علامة على التعب أو الزهو العسكري.

أعاد سيفه إلى غمده ببطء، وتطلع نحو الشرفة حيث تقف النبيلة الألبينية. التقت عيناهما الرماديتان وسط الضباب الكثيف؛ كانت كاثرين بلاكوود تبتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة امرأة أدركت للتو أن فالوريان تملك مواردا بشرية هائلة راغبةً في جعل ثيودور رينيه أحد أدواتها الحديدية.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سجلات الأراضي الملعونة

المؤلف sergio ink
2026/07/26 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة