الفصل 5 :" ما هو الإسلام ؟ ..."

الفصل 5 :" ما هو الإسلام ؟ ..."

20 0

"اذا كنت في ابتلاء ...فعلم أن الله يحبك"

______________________________

بعد مرور ثلاث ايام :

استيقظت نور الهدى على صوت منبه أذان الفجر الذي يرن في هاتفها، فهي معتادة على صلاة الفجر وملتزمة بها. أبعدت خصلات شعرها البنية عن عينيها، ثم استعاذت بالله من الشيطان بسبب كسلها عن صلاة، وقرأت دعاء الاستيقاظ، واستقامت من فراشها للتحضر لإقامة صلاة الفجر.

خرجت من غرفتها للوضوء، لتجد والدها السيد أليف في الصالون جالسًا على السجادة، في يده كتاب الله وخاتم السباحة. كان يبتسم بخفوت وهو يتلو كتاب الله، ووجهه يشع نورًا. ابتسمت على هذا المنظر وحمدت الله على النعمة والعوض الذي أعطاها إياه، ثم قالت بمزاح:

"دائمًا تسبقني للصلاة، والله حلال عليك…"

ضحك السيد أليف وقال:

"والله يا ابنتي، من ذاق لذة القرب من الله لا يستطيع أن ينام عنها."

جلست نور الهدى بجانبه وهي تبتسم، وقالت برقة:

"صدقت يا أبي، كلما صليت الفجر شعرتُ أن الدنيا كلها تهدأ داخلي."

ربّت على كتفها بحنان وقال:

"صلاة الفجر يا ابنتي ليست مجرد صلاة، إنها عهد بينكِ وبين الله أنك ستبدئين يومك بنورٍ منه، ومن حافظ عليها، حفظه الله في يومه كله."

نهضت نور الهدى لتتوضأ، وبعد دقائق وقفت بجانبه تصلي بخشوع وسكينة، يتردد صدى الآيات في أرجاء البيت كأنها موسيقى من السماء. بعد انتهائها، جلست على السجادة تسبّح بحبات المسبحة التي أهداها لها والدها، وعيناها تلمعان بالطمأنينة. حملت كتاب الله وبدأت تقرأ وتتدبر في سورة البقرة.

قال لها والدها وهو يطوي سجادته:

"كيف حال دراستك يا نور؟ سمعت أنك بدأت مشروعًا جديدًا."

أغلقت الكتاب وأجابت بابتسامة خفيفة:

"نعم يا أبي، المشروع مع فتاة تُدعى فيي…را على حسب علمي… غريبة الأطوار بعض الشيء، لكنها… لا أدري، هناك شيء في قلبها يوجعني كلما نظرت إليها."

نظر إليها والدها باهتمام وقال:

"ربما لأنها تبحث عن شيء تملكه أنتِ يا نور… النور ذاته."

صمتت قليلاً تفكر في كلماته، ثم قالت بهدوء:

"أحسّ ذلك فعلاً. أنت تعلم أن قبل ثلاث ايام كنت مع في المستشفى ، كانت على وشك أن تفقد حياتها… شعرت وكأن الله أرسلني لأكون سببًا في شيءٍ ما."

اقترب منها والدها ووضع يده على رأسها قائلاً:

"إن هدى الله يُؤتى على أيدي من نواياهم صافية. كوني أنتِ ذلك السبب، بالكلمة الطيبة، بالنور الذي في قلبك، لا بالجدال."

أومأت برأسها مبتسمة، ثم قالت بثقة خافتة:

"سأكون كذلك يا أبي… لعل الله يجعل منها بداية خير لها، ولي أيضًا."

وقف السيد أليف ونظر من النافذة حيث بدأت خيوط الفجر تتسلل إلى السماء، وقال بصوت خاشع:

"ما أجمل بداية يوم تُذكر فيها الأسماء في السماء قبل الأرض."

خرجت السيدة زينب من الغرفة مرتدية رداء الصلاة ووجهها مبتسم قائلة:

"حمدًا لله أني استيقظت، كاد الشيطان يلعبها بي…"

صمتت للحظة ثم أكملت:

"أرى أنكم صليتم بدوني؟"

ابتسم السيد أليف وقال:

"آه عذرًا… حاولت أن أقضيك مرارًا لقيام الليل لكن لم تستجيبي، فظننت أنك قد تعبت بسبب عملك البارحة، لذلك تركتك."

ردت السيدة زينب بابتسامة هادئة:

"ولكن لا شيء يتعبني من صلاة، الشيطان صم أذاني على المنبه، لعنه الله."

اعتذر لها مرة ثانية، ثم قال:

"من الآن فصاعدًا سوف نصلي قيام الليل والفجر كلنا معًا."

وافقا الاثنان على هذا، فهذا أحسن لهم، خير من خسارة الحسنات.

استقامت نور الهدى فجأة من مكانها وعينيها على ساعة هاتفها، قائلة:

"ويحك… إنها الخامسة ونصف، يجب أن أحضر الفطور."

استغربت السيدة زينب وقالت:

"لماذا تحضرين الفطور! أنا سأحضره."

ابتسمت نور وقالت:

"لكن الفطور الذي سأحضره لشخص آخر."

اندهشت السيدة زينب وسألتها: "لمن؟"

تنهدت نور وأجابتها:

"تعلمين قصتي مع الفتاة التي اخذتها للمستشفى ؟ ."

ردت السيدة زينب :

" نعم ، لما ؟ "

شعرت السيدة زينب بفضول كبير، فردت نور :

" إنه لها …"

صمتت للحظة ثم أكملت :

"قال الطبيب انها تعاني من فقر دم حاد لذلك أردت ان اهتم بها لعلها تفرح قليلا"

فقالت السيدة زينب لها بعد انتهائها من الحديث :

"مسكينة تلك الفتاة… لعل الله كتب أن تكوني سببًا لهدايتها يا ابنتي."

ابتسمت نور بخفة وقالت:

"هذا ما أرجوه، أن يشرح الله صدرها للإيمان… أردت أن أحضر لها فطورًا منزليًا اليوم لأن الطبيب قال إنها تعاني من فقر الدم حاد، ربما يكون هذا مدخلًا طيبًا لقلبها."

اقتربت أمها وربّتت على كتفها قائلة:

"افعلي الخير يا نور، لكن بحكمة. لا تفرضي عليها شيئًا، فقط دعيها ترى جمال دينك في أفعالك."

هزّت نور رأسها موافقة، ثم اتجهت نحو المطبخ وبدأت بتحضير فطور بسيط لكنه مليء بالحب: خبز محمّص، جبن، تمر، وعصير برتقال طازج. كانت تضع كل شيء بعناية في علبة صغيرة، وكأنها تجهّز هدية ثمينة.

حين انتهت، تنهدت وقالت في نفسها:

"اللهم اجعل هذا اليوم بداية خير لها ولي…"

رتبت الطاولة واستدعت والديها للفطور، فجلس كل منهم متعجبًا، فهي لا تجيد الطبخ، فماذا كل هذا؟

ابتسمت السيدة زينب وقبلت جبين نور:

"ما شاء الله… ما كل هذا الجمال، منذ متى تجيدين الطبخ؟"

ضحكت نور بخجل وردت: "تتذكرين اليوم الذي سافرتم به إلى الجزائر؟"

اتسعت عينا السيدة زينب و تلاشت الإبتسام من وجهها. نظرت مباشرة في وجه السيد أليف و صمتوا للحظة ، ما أثار إستغراب نور الهدى فقالت لهم :

"أبي … أمي ! ، لماذا هم صمتت هل حدث شيء ؟"

نظرت لها السيدة و أجابت بتوتر :

"نا…نعم، لما؟"

استغرقت نور لكنها طنشت الموضوع و قالت :

"آنذاك لم تتركوني آتي معكم بحكم العمل الطارئ، لذلك تعلمت الطبخ قليلًا حتى لا أعيش على المعجنات."

ابتسمت والدتها وقالت:

"خير ما فعلتِ… إذا ستعدين لنا الغذاء أيضًا أليس كذلك؟"

ردت نور بتذمر:

"لاااا، أنا فقط تعلمت أشياء بسيطة، لم أصبح ماهرة في الطبخ."

ضحكوا جميعًا، وقالت أمها:

"اهدئي، أنا أمزح، لما كل هذا؟"

ابتسمت نور، أكملت أكل فطورها، ثم ذهبت لارتداء حجابها الرمادي.

على الساعة السادسة والنصف، خرجت من منزلها متلقية دعوات والديها بالخير، فاستدارت لهم وقبلت وجنتهما، ثم انطلقت إلى الجامعة.

على الساعة السابعة ونصف وصلت نور الهدى و توجهت مباشرة نحو القاعة تنتظر فيرا لإعطائها الفطور .

في الساعة الرابعة صباحًا، في مكان آخر، تستيقظ فيرا من كابوس مزعج. لكنه لم يكن كالكوابيس المعتادة؛ بل رأت نفسها في غابة خضراء جميلة جدًا، ضوء الشمس ينساب على وجهها، والهواء يعطر برائحة عطرة، فابتسمت من جمال المنظر.

لمحت فتاة تجلس على أرجوحة تتأرجح بهدوء، فتقدمت إليها لتتفاجأ بأنها نفس الفتاة التي زارتها في أحلامها. بدأت فيرا تستجوبها لتعرف من تكون، لكن الفتاة اكتفت بالقول إنها بدأت تخطو على المسار المستقيم، وطلبت منها أن تكمل ذلك. لم تفهم فيرا عما تتحدث، وقبل أن تسألها، لاحظت أن كل شيء بدأ يتلاشى، حتى اختفت الفتاة، تاركة فيرا غارقة في شعور غريب من الحيرة والدهشة، وقلبها يخفق بقوة.

عادت فيرا إلى واقعها، يدها ترتجف وقلبها يخفق بشدة. شعرت أن المشهد لم يكن مجرد حلم عابر، بل ترك أثرًا غامضًا في داخلها. ظلت تتساءل:

«هل كان ذلك إشارة؟ أم مجرد صدفة؟»

نهضت ببطء، واتجهت نحو النافذة حيث بدأ ضوء الفجر يخترق الظلمة. رفعت رأسها نحو السماء، وضعت يدها على قلبها، وحاولت أن تخاطب الخالق، لكنها توقفت لأنها تعلم جيدًا أنها ملحدة ولا تعتقد بوجود قوة أعلى. بدا عليها امتزاج من الارتباك والاستنكار، فأغمضت عينيها وقالت بصوت خافت:

"ماذا أريد منك وأنا لا أؤمن بك؟"

ثم فتحت عينيها، ولاحت على وجهها نظرة حيرة قوية، ولا تزال تشعر بأن شيئًا ما يدفعها نحو شيء لا تستطيع تفسيره. انهمرت دموعها بسبب الضياع الذي تعيشه، فتذكرت الآية التي سمعتها من نور الهدى، وكأن صدى كلماتها يرن في قلبها.

نهضت مباشرة وهرعت إلى هاتفها، ضغطت على زر التشغيل، وبدأت تسمع الآية بصوت إسلام الصباحي، ملأ المكان هدوء مشوب بالخشوع. مع كل كلمة، كانت دموعها تزداد، وشعور غريب يملأ صدرها، امتزاج بين الألم والأمل. بعد انتهاء الآية، توقفت عن البكاء، وحدقت في الهاتف، ثم رفعت رأسها نحو السماء، وقلبها يخفق بشدة، وقالت بصوت مخنوق:

"حتى وإن كنت لا أؤمن، أريد أن أجد الطريق."

ظلّت واقفة هناك، مشتتة بين شكها ورغبة غير مفهومة في الاستمرار، والضوء الباهت من الشروق يغمر الغرفة، مما جعل المشهد أكثر واقعية وعمقًا.

ظلت على هذا الحال حتى الساعة السادسة صباحًا. لم تكن تريد الذهاب إلى الجامعة، لكن ما جعلها تذهب هو رسالة من نور الهدى تقول فيها إنها محضرة لها مفاجأة ستعجبها كثيرًا.

قرأت فيرا الرسالة وقالت:

"حسنًا، لن أطيل."

نهضت من مكانها، وعزمت أن لا تتجرع المهدئات بناءً على كلام الطبيب لها، فهي كانت على وشك الموت لو تدخلت نور الهدى بسرعة. ارتدت ملابسها بسرعة، مشطت شعرها، وخرجت من غرفتها دون أن تقول أي شيء لعائلتها. مرت من أمامهم كشبح، وقبل أن تنبس أمها بحرف، أوقفها السيد سيرغي فكتفت بالكتمان.

ركبت فيرا الباص، وقلبها مملوء بالحماس، ارتسم على وجهها ابتسامة خفيفة، لكن سرعان ما تذكرت أندريو، فعبست. شعرت أنه لا يحق لها أن تبتسم وتفرح طالما أخوها تحت التراب

أمام باب الجامعة، كانت تقف فيرا هناك متوترة و مترددة على الدخول ، تشجعت ودخلت .

توجهت فيرا إلى القاعة، قلبها يخفق بشدة وهي تتساءل عن المفاجأة التي أعدتها لها نور الهدى. عندما دخلت، رأت نور جالسة على أحد المقاعد، مبتسمة بخفة، والعلبة الصغيرة بجانبها.

اقتربت نور منها بهدوء، وقالت:

"صباح الخير… أحضرت لك شيئًا."

أشارت فيرا إلى العلبة وقالت مترددة:

"لا… لست جائعة."

ابتسمت نور بخفة، وقالت بهدوء:

"تعالي، فقط جربي قليلاً…"

بعد لحظة من التردد، وبإصرار خفيف من نور، أخذت فيرا قضمة صغيرة. مع كل قضمة، شعرت ببعض الارتياح، رغم التوتر والخوف الذي لا يزال يملأ قلبها.

جلست فيرا مقابل نور، وحافظتا على صمت القصير، يتخللهما أحيانًا ابتسامة خفيفة من نور. لم تتحدث نور عن مشاعر أو اهتمام مباشر، بل اكتفت بوجودها إلى جانبها، وهي تساعدها بطريقة بسيطة وواقعية، كما فعلت سابقًا في المستشفى.

بعد عدة لحظات، قالت فيرا بصوت منخفض:

"شكرًا… لم أتوقع أحدًا يهتم بهذه الطريقة."

ابتسمت نور بخفة، وأومأت برأسها، دون أي كلمات كبيرة عن الاهتمام أو المشاعر، فقط هدوء وحضور بسيط.

نظرت فيرا إلى نور و قالت لها

" بالمناسبة ما إسمك؟…لا تؤاخذيني أنا لا اتذكره"

اجابت نور الهدى بإبتسامة هادئة

" لا يهم ، اسمي هو نور الهدى "

استغربت فيرا من إسمها و حاولت نطقه متلعثمة

" نوووو … اودى !؟"

ضحكت نور الهدى من محاولتها و قالت

"لا ليس هكذا إسمعيني جيدا وحاولي تكرار معي ، نووورر اللهووددااا"

حاولت تكرار معها

"نوووااا اوداااا "

ابتسمت نور الهدى وقالت وهي تضحك

" لا عليك فقط نادني بنور او اي اسم تشائين "

ابتسمت لها فيرا بإرتياح تمعنت في عينيها ثم قالت

" حسنا إذن سأحاول النطق لمرة اخرى "

فرحت نور عند رؤيتها نبتسم و دعت الله في قلبها أن يجعلها دائما مبتسمة .

حاولت فيرا مرة اخرى

" ننن..وو..ااا ، ااااه لا لا يمكنني نطقه "

نظرت لها فيرا وهي تضحك لترى نور الهدى وهي سارحة فيها فإن تاب فيرا الشك و بدأت تفتش في نفسها حتى تسمع نور الهدى و هي تقول لها بصوت هادئ

" تعجبني ابتسامتك !... إن شاء الله دائمة "

اندهشت فيرا من كلامها و تلاشت ابتسامتها و لم تجد ما تقول

اشاحت نور نظرها عنها و قالت

" اه اعتذر… لم اقصد ذلك "

صمت الإثنين لمدة حتى تقطع زجاج الصمت نور وهي تسألها

" و أنت لم أسألك عن إسمك أضن أن اسمك فيرا أليس كذلك "

اجابت فيرا عليها

" بل كذلك إسمي فيرا .."

ابتسمت نور و قالت

" تشرفت بمعرفتك اذن يا فيرا "

نظرت لها فيرا قائلة

" و أنا أيضا " .

جلستا الفتاتان لبعض الوقت، كل منهما تشرب الصمت المريح الذي بدأ يخفف التوتر في القاعة. وضعت نور العلبة الصغيرة أمام فيرا مرة أخرى، وكأنها تقول بلا كلمات: تعالي، لنأخذ لحظة للراحة.

في البداية ترددت فيرا، لكنها أخذت قضمة صغيرة أخرى، هذه المرة بشجاعة أكبر، وشعرت بأن قلبها يبدأ يخف تدريجيًا من الثقل الذي حملته منذ فترة طويلة.

نظرت إلى نور بعينيها، محاولة أن تلتقط أي مؤشر عن شخصية الفتاة التي ساعدتها في المستشفى. لم تجد كلمات كثيرة، فقط حضورا هادئا وابتسامة لطيفة، وهذا وحده كان كافيًا ليشعرها بالراحة.

قالت فيرا بصوت منخفض، لكنها صادق:

"أشعر أن… أنتِ… مختلفة. لم ألتقِ بمثل هذا الهدوء منذ فترة طويلة."

ابتسمت نور بخفة وأومأت برأسها:

"ربما… كل شخص يحتاج لمكان آمن ولو للحظة قصيرة."

حملت فيرا قضمة أخرى، ثم جلست بهدوء، وبدأت تلاحظ التفاصيل الصغيرة في تصرفات نور: طريقة جلوسها، ابتسامتها الخفيفة، الاهتمام البسيط الذي أبدته دون مبالغة.

بعد فترة قصيرة، رفعت فيرا عينيها، وقالت بابتسامة صغيرة:

"شكرًا… على كل شيء… حتى مجرد هذا الفطور البسيط."

ابتسمت نور وقالت بهدوء: "لا شيء… مجرد بداية يوم جديد."

رغم بساطة الكلمات، شعرت فيرا بأن شيئًا ما تغير في داخلها، وكأن هذا اللقاء الصغير فتح نافذة جديدة من الأمل والهدوء وسط كل ما عاشته من صعوبات.

جلسا لبعض الوقت، يتبادلان النظرات بين الحين والآخر، بدون كلام كثير، لكن كل لحظة كانت تبني جسرًا هادئًا بين قلبين في بدايتهما، ويمثلان بداية صداقة ربما تتطور لاحقًا مع الوقت.

بدأ الصف يدخل وامتلأت القاعة بطلاب ، لتتذكر نور الهدى أنها نست إخبارها عن الغذاء فهي اقسمت في قلبها أنها ستهتم بها و ستحاول تغييرها لذلك قالت دون تردد

" اه فيرا كنت على وشك النسيان عن الغذاء "

عقدت فيرا حاجبيها باستغراب و قالت لها

" الغذاااء !"

إبتسمت لها نور و أكملت حديثها

" نعم الغذاء ، من الآن فصاعدا سنتغذى معا ، هكذا أهتم بك لا تنسي ان ليك فقر دم حاد بسبب قلت أكلك "

نظرت لها فيرا بغضب ، وقالت بحدة غاضبة :

"لا… ليس من حقك أن تتدخلي في حياتي بهذا الشكل! الغذاء… كل شيء! أنا أستطيع الاهتمام بنفسي!"

نظرت نور إليها مباشرة، عيناها صادقتان وعازمتان، وقالت:

"فيرا… لا أريد أن أتحكم بك، لكني عازمة على مساعدتك. لن أتركك تتجاهلين نفسك."

هزت فيرا رأسها بعصبية و حاولت أن ترفض بهدوء احتراما لها لكن نيرة صوتها خانتها .

ضحكت نور بخفة وقالت بصوت هادئ:

" أعلم أنكي سترفضين لكني لن اتركك… اعتذر ، لذلك ستأتي "

لم تجد فيرا ما تقل و تركت غضبها يخف ، لكنها لم تبتسم بعد. بقيت صامتة لبعض الوقت، تتأمل نور، وتحاول فهم مشاعرها الحقيقية. شعرت بشيء غريب يبدأ في قلبها، شعور بالراحة، رغم التوتر، وكأن عزم نور على المساعدة أعطاها شعورًا بالأمان لم تعرفه منذ فترة طويلة.

جلسَتَا في مطعم الجامعة الصغير، المكان مزدحم بأصوات الطلبة، لكن الطاولة التي جمعت نور الهدى وفيرا كانت كأنها معزولة عن الضجيج. وضعت نور الصينية أمام فيرا، ثم جلست قبالتها بهدوء، تراقبها دون ضغط.

نظرت فيرا إلى الطعام، ثم رفعت عينيها ببطء وقالت: "أنتِ… تفعلين كل هذا لأنك طيبة فقط؟ أم لأن دينكِ يأمركِ بذلك؟"

توقفت يد نور عن الحركة، لم تتفاجأ، كأنها كانت تنتظر هذا السؤال دون أن تتعجله. ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: "كلاهما… أنا طيبة لأن ديني علّمني أن أكون كذلك، وديني جميل لأن الله رحيم."

سكتت فيرا قليلًا، ثم قالت بنبرة صادقة: "أنا لا أفهم الإسلام… كل ما أعرفه عنه قاسٍ، مليء بالممنوعات."

نظرت نور إليها بعينين هادئتين وقالت:

"الإسلام ليس قائمة ممنوعات، هو طريق… طريق يحميكِ عندما تتعبين، ويذكّرك أنكِ لستِ وحدك."

أطرقت فيرا برأسها، وحرّكت الشوكة في طبقها دون أن تأكل. "وهل… الله يسمع فعلًا؟"

لم تُجب نور بسرعة، بل قالت بعد لحظة:

"أنا لا أراه، لكني أشعر به… في الفجر، في السكينة، في اللحظات التي أكون فيها ضعيفة وأجد قلبي أقوى مما توقعت."

رفعت فيرا عينيها فجأة، كأن شيئًا ما لامس جرحًا قديمًا. "وأنتِ… لم تشكّي أبدًا؟"

ابتسمت نور ابتسامة صادقة هذه المرة:

"شككت… وبكيت… وغضبت، لكني عدت. الله لا يطرد من يسأله بصدق."

ساد صمت خفيف، لم يكن ثقيلاً، بل دافئًا. أخذت فيرا لقمة أخرى، ثم قالت بصوت منخفض:

"لا أعدكِ بشيء… لكني أريد أن أفهم."

أومأت نور برأسها وقالت بلطف: "فقط حوالي الفهم و سترين."

رنّ جرس نهاية الحصة، وبدأ الطلبة بالنهوض. وقفت فيرا وهي تحمل حقيبتها، ثم توقفت والتفتت نحو نور:

"نور… شكرًا لأنكِ لم تحاولي تغييري."

ابتسمت نور وقالت:

"أنا لا أغيّر أحدًا… أنا فقط أفتح نافذة."

خرجت فيرا من المطعم، وقلبها مثقل بأسئلة لم تعرف من أين جاءت، لكنها لأول مرة لم تخف منها.

وفي مكانٍ ما داخلها، كان شيءٌ قد تحرّك…

دون أن تعلم بعد، أن حياتها بدأت تتغير فعلًا.

__________________________________

دخلت نور الهدى إلى المنزل فوجدته يعمّ بالصمت، فاستغربت. نزعت حذائها وطلعت إلى الدور الثاني، فوجدتهم في الصالون. ابتسمت لهم لتطمئن، لكن قبل أن تدخل، سمعت أمها تقول لأبيها:

"هل أقول لها أن والديها ماتوا بسبب حقد أعمامها؟ لا أستطيع… ستتدمر."

تفاجأت نور الهدى من كلام أمها، واشتد فضولها. دخلت مباشرة دون دق الباب وقالت:

"من التي ماتت عائلتها بسبب حقد أعمامها؟"

اندَهشت السيدة زينب وألقت أنظارها على السيد أليف، الذي بدا متحيرًا مثلها. ابتسمت نور الهدى وقالت:

"هيا، قولا لي من هي؟"

أصاب الخوف نور الهدى للحظة، لكن سرعان ما تحدثت السيدة زينب بعد ملاحظة له:

"إ… إنها… فتاة…"

قالت نور الهدى بدهشة:

"أمي، لماذا تتلعثمين في الكلام؟"

تنهدت السيدة زينب طويلًا، ثم نظرت إليها وجلستها على الأريكة، مسكت يدها بابتسامة خافتة:

"لا، ليس الأمر خطيرًا… إنها فقط فتاة من الميتم الذي نحن منضمون إليه، وقد دخلت حديثًا بسبب وفاة والديها في حادث سير مفتعل من طرف أعمامها."

تأثرت نور بكلام أمها، وشعرت بشفقة كبيرة تجاه الفتاة الصغيرة. نظرت إلى أمها بعينين داويتين وقالت:

"قصص الميتم توجعني… خصوصًا مثل هذه القصص. لماذا يحب الناس تفريق إخوتهم هكذا؟ ما الجزاء من يفعل؟ الله المستعان…"

نزلت السيدة زينب بعينيها، وقالت بشفقة:

"الناس أصبحوا يركضون وراء الثروة والمال حتى أصبحت لهم عادة محللة، يقتل بعضهم البعض من أجل الميراث… نسوا الآخرة. كما قلتِ، الله المستعان."

نهضت نور الهدى من الأريكة، وأعطت قبلتين لوالديها، ثم توجهت مباشرة إلى غرفتها لأداء صلاتها الناقصة، ثم إلى الاستحمام.

عند فيرا:

بينما كانت فيرا تمشي في الممر المؤدي إلى غرفتها لتقابل أمها، نظرت إليها بنظرة قتالية. لكن هذه المرة تجاهلت الحزن والاكتئاب، وفكرها كان محصورًا في سؤال واحد:

"ما هو الإسلام؟"

دخلت الغرفة لتغير ثيابها. وعندما نظرت إلى نفسها في المرآة، صُدمت لرؤية الكدمة الزرقاء التي رأتها ذات يوم قد كبرت، وظهر على جسمها كدمات أخرى جديدة. همست لنفسها:

"ربما بسبب فقر الدم والتعب…"

جلست على سريرها وعيناها معلقتان بالنافذة، تتأمل السماء التي بدأت تتلون بلون الغروب. كان الأفق مزيجًا من برتقالي خافت وأزرق حزين، يشبه قلبها تمامًا… نصفه أمل، ونصفه وجع.

مدّت يدها نحو الستارة وفتحتها قليلًا، كأنها تبحث عن نسمة هواء تُخفف عنها ثقل صدرها. لم تكن تفهم لماذا أصبح سؤال الإسلام يلاحقها في كل لحظة. منذ أن سمعته من نور الهدى، وهو يتردد في عقلها كهمس خفي لا يريد أن يسكت.

أغمضت عينيها، واستعادت صوت نور وهي تقول بهدوء:

"الله المستعان…"

تساءلت في نفسها:

كيف يمكن لإنسان أن يجد الطمأنينة وسط كل هذا الألم؟

كيف تستطيع نور أن تبتسم رغم القصص التي تسمعها، ورغم قسوة العالم؟

وضعت يدها على صدرها، تشعر بخفقان قلبها المتسارع. لم يكن خوفًا هذه المرة… بل فضولًا، فضولًا ممزوجًا بحاجة عميقة لشيء تجهله، شيء يشبه النور.

نهضت ببطء، واتجهت نحو مكتبها الصغير. فتحت حاسوبها، وترددت للحظة قبل أن تكتب في محرك البحث:

"ما هو الإسلام؟"

توقفت أصابعها فوق لوحة المفاتيح، كأنها على وشك عبور باب لا عودة منه. ثم تنفست بعمق وضغطت زر الإدخال.

في تلك اللحظة، لم تكن تعلم أن هذه الخطوة الصغيرة ستكون بداية طريق سيغير حياتها بالكامل… وأن الألم الذي تحمله اليوم، سيقودها يومًا إلى نور لم تتخيله أبدًا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رسالة آمل

المؤلف silou_Novels
2026/07/03 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة