"سيأتيك العوض الجميل يوما... فصبر لغيابه ولا تيئس من رحمة الله "
__________________________
قاطع تفكيرهم الطبيب وهو يدخل الغرفة بخطوات هادئة وابتسامة خفيفة على وجهه، قائلاً:
"اليوم نجوتِ بأعجوبة، حالتك مستقرة الآن، لكن يجب أن تعتني بنفسك أكثر. الغذاء والنوم المنتظم أمران لا غنى عنهما. ستبقين عندنا الليلة لضمان سلامتك."
أومأت فيرا بصمت، وأغمضت عينيها لبرهة، بينما كانت نصائح الطبيب تتردد في ذهنها كأنها تحاول ترسيخ شعورٍ بالأمان.
نهضت نور الهدى من مقعدها مترددة، ثم سألت بعذوبة:
"هل يمكنني البقاء معها الليلة؟ أريد التأكد من سلامتها."
أومأ لها الطبيب بنعم، ثم خرج بعد الاطمئنان. أما فيرا، فقد انزعجت من الاهتمام الزائد من نور بها، فقالت بغضب:
"لا أريد بقاء أي شخص معي، لا أحتاج شفقة، أستطيع إدارة أمري، اذهبي أنتِ، لا أريدك."
تعجبت نور الهدى، لكنها اكتفت بالصمت والنظر إليها، ثم قالت:
"كما تريدين، لن أُجبرك على بقائي."
ثم خرجت، لكن قلبها لم يطاوعها على تركها، فجلست تنتظر أمام الغرفة. أما فيرا، فقد أصابها الندم من حديثها لنور الهدى بتلك القسوة؛ فهي قد أنقذت حياتها قبل ساعات، وبدلًا من شكرها، كسرتها.
حلّ الليل، وكانت نور أمام الباب تنتظر، بينما فيرا مستلقية على سرير المشفى، عقلها مشوش، مئات التساؤلات أتتها دون جواب. كان عقلها يفكر في كلماتها لنور، وقلبها يتذكر الآيات والصوت المريح.
نظرت نور الهدى إلى الساعة فوجدتها السابعة مساءً، ولم تتصل بعائلتها لتطمئنهم عليها، فسارعت بالاتصال، لكن هاتفها نفدت بطاريته ولم تأخذ معها الشاحن، لذلك جابت أرجاء المشفى كلها لكنها لم تجد.
وأثناء تجوالها، دخلت غرفة صغيرة مخصصة للتعقيم، فوجدت شاحنًا، فسارعت لشحن هاتفها. وبينما تنتظر امتلاء البطارية قليلًا، تذكرت صلاتها، فأسرعت في الوضوء وبدأت الصلاة مباشرة.
فجأة، دخل عليها طبيب طويل القامة، أخضر العينين، بنيّ الشعر. استدارت سريعًا خجلًا، فاستغرب الطبيب، وظنها لصّة، فقال وهو يصرخ:
«هاااي! ماذا تفعلين؟ هل تسرقين أدوات التعقيم أيتها الحرامية؟ كبشتك!»
انصدمت بما قاله، فحاولت التبرير قائلة:
"ل… لا، لم أسرق أي شيء، هاتفي فقط في الشحن، والله لم أسرق!"
لكنه لم يصدقها، وحاول الإمساك بذراعها لأخذها إلى أمن المشفى، لكنها بدأت تصرخ:
"لا تلمسني! لا تلمسني! سأذهب وحدي وأثبت براءتي!"
استغرب من رد فعلها، وتركها تمشي بمفردها.
عند وصولهم إلى الأمن، طلبت نور فتح الكاميرات لإثبات براءتها، وكما كان الحال، لم تسرق شيئًا، بل كانت تشحن هاتفها فقط. خجل الطبيب كثيرًا وقال:
"اعذريني آنسة، في هذه الآونة نتعرض كثيرًا للسرقة، لذلك أسأت الظن بكِ."
أومأت نور بصمت، وعيناها في الأرض، ثم أسرعت بالابتعاد عنه، فهي تخشى أن تكون قد عصت الله في حديثها معه. استغفرت الله، وعادت إلى الغرفة فوجدت هاتفها قد امتلأ شحنه قليلًا.
اتصلت بأمها، وأخبرتها بما حدث وببقائها مع فيرا، ثم أغلقت الهاتف، وأعادت الوضوء وهي متوترة مما حدث قبل قليل، ثم أدت صلاتها وذهبت إلى فيرا.
عند دخولها الغرفة وجدتها نائمة. جلست على الكرسي المجاور للسرير، وبقيت تتأمل في فيرا وتتحسر عليها قائلة في نفسها:
"آه… فتاة كالوردة، ما الذي يجعلها حزينة هكذا؟ أسأل الله أن يهديها ويريها طريقها الصحيح."
ثم وقفت أمام النافذة، وضمت ذراعيها إلى صدرها كأنها تحتمي من بردٍ لا علاقة له بالطقس. كان الليل كثيفًا، والسماء ملبدة بالغيوم الداكنة، تتخللها قطرات مطر خفيفة تنساب على الزجاج ببطء، كأنها دموع مؤجلة.
رفعت رأسها قليلًا وهمست بصوت يكاد لا يُسمع:
"يا الله… أنت تعلم أني لم أرد إلا الخير. تعلم خوفي منك، وضعفي، وارتباكي. إن أخطأت فاغفر لي، وإن أصبت فثبّتني."
تنفست بعمق، وشعرت بثقل غريب في صدرها، ثقل لم يكن حزنًا خالصًا ولا خوفًا، بل مزيجًا موجعًا من الشفقة والعجز. عادت بنظرها إلى فيرا النائمة، وجهها الشاحب، أنفاسها الهادئة التي لا تشبه العاصفة التي تعيشها روحها.
اقتربت منها بخطوات خفيفة، وجلست قرب السرير، ومدّت يدها بتردد ثم سحبتها قبل أن تلمسها، واكتفت بالدعاء:
"اللهم إن كانت تائهة فاهدها، وإن كانت مكسورة فجبر خاطرها، وإن كانت خائفة فامنحها سكينة لا تزول."
انسابت دمعة دافئة على خدها دون أن تشعر، فمسحتها سريعًا واستغفرت الله بصمت. لم تكن تعرف لماذا تعلقت بهذه الفتاة الغريبة، ولماذا يؤلمها حالها كأنها أختها، لكنها كانت تشعر أن وجودها هنا ليس صدفة.
جلست على الكرسي وأسندت رأسها إلى الجدار، وأغمضت عينيها. كان قلبها مثقلًا، لكن في داخله طمأنينة خفية.
وبين همس الدعاء وصوت المطر، غلبها النعاس…
نامت جالسة، وقلبها معلّق بين السماء وتلك الفتاة التي لم تعلم بعد أن حياتها على وشك أن تتغير.
مرّت ساعات الليل ببطء، ثقيلة، كأن الزمن تعمّد أن يختبر صبرهما معًا. كان ضوء المصباح الخافت يرسم ظلالًا باهتة على الجدران، وصوت الأجهزة الطبية يتردد بإيقاع منتظم، كنبض يحرس الحياة.
فجأة، اضطرب تنفّس فيرا. انعقد حاجباها، وتشنجت ملامحها وهي تتقلب في النوم. بدأت تهمس بكلمات غير واضحة، ثم ارتفع صوتها فجأة، مبحوحًا ومرتجفًا:
"لا… لا تتركني… أندريو!"
انتفض جسدها، وفتحت عينيها على اتساعهما، فزعة، تلمعان بالدموع. شهقت بقوة، كأنها خرجت للتو من أعماق بحر مظلم، وراحت تبحث بعينيها في الغرفة، تائهة، خائفة.
استفاقت نور الهدى على الصوت، ونهضت مذعورة من مكانها. اقتربت فورًا من السرير وقالت بصوت منخفض لكنه ثابت:
"يا فتاة…، اهدئي…اهدئي، أنتِ في أمان."
لكن فيرا لم تكن تسمع، كانت أنفاسها متلاحقة، ويداها ترتجفان، وذاكرتها ما تزال عالقة في كابوس جمع بين الماضي والحاضر؛ وجه أخيها، الألم، الخوف، ثم الآية التي سمعتها تتردد في أعماقها دون أن تفهم معناها، لكنها كانت تحاصرها بقوة:
ألا بذكر الله تطمئن القلوب…
وضعت نور يدها على حافة السرير دون أن تلمسها، احترامًا لحاجزها، وقالت بهدوء ممزوج بالرجاء:
"انظري إليّ… أنتِ هنا، في المشفى، الكابوس انتهى."
تعلّقت عينا فيرا بعينيها أخيرًا، كان فيهما شيء مختلف… ثبات غريب ودفء لم تعهده من قبل. ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت مكسور:
"كان… كان هنا. رأيته. ثم اختفى… وسمعت صوتًا يلاحقني."
سألتها نور برفق:
"ماذا قال الصوت؟"
سكتت فيرا لحظة، ثم همست وكأنها تخشى أن تسمع نفسها:
"قال إن الطمأنينة قريبة… لكني لا أعرف الطريق."
شعرت نور بقشعريرة تسري في جسدها، جلست قربها، وقالت بنبرة صادقة:
"أحيانًا… لا نحتاج أن نعرف الطريق كاملًا. خطوة واحدة تكفي، والباقي يهديه الله."
أدارت فيرا وجهها نحو النافذة، حيث بدأ الفجر يلوح بخيوط باهتة، وقالت بصوت خافت:
«هل… هل تعتقدين أن الله يسمع من مثلي؟»
ابتسمت نور ابتسامة دافئة، فيها يقين لا تردد:
«لو لم يكن يسمعك، لما أبقاكِ حيّة إلى الآن.»
ساد صمت قصير، لكنه لم يكن ثقيلًا هذه المرة، كان أقرب إلى استراحة بين وجعين. أغمضت فيرا عينيها مجددًا، لكن دون خوف، بينما بقيت نور إلى جانبها، تقرأ في سرها ما تيسر من الدعاء.
ومع أول أذان للفجر يتسلل من بعيد، لم تكن أيٌّ منهما تعلم أن هذه الليلة… لم تكن مجرد كابوس عابر، بل كانت أول صدع في جدار قديم، وبداية طريق لن يكون كما قبله شيء.
مع اقتراب الفجر، خفَت ضجيج المشفى أكثر، وكأن المكان كله حبس أنفاسه انتظارًا لشيء مقدس. كانت فيرا مستلقية بصمت، عيناها مفتوحتان تحدّقان في السقف، لكن عقلها لم يكن هناك. كان لا يزال عالقًا عند كلمات نور:
"لو لم يكن يسمعك، لما أبقاكِ حيّة."
تحرّكت نور بهدوء، خشية أن توقظها، نهضت من الكرسي واتجهت نحو النافذة. السماء بدأت تتلوّن بلون رمادي ناعم، ذلك اللون الذي يسبق ولادة الضوء. أخرجت من حقيبتها سجادة صلاة صغيرة، مطوية بعناية، ونشرتها قرب النافذة حيث ينسكب أول خيط للفجر.
راقبتها فيرا دون أن تنطق، كانت تظن أن نور ستغادر الغرفة، لكنها توقفت، خلعت حذاءها، ثم وقفت ساكنة… ساكنة بشكل غريب، كأن العالم كله توقف عند تلك اللحظة.
رفعت نور يديها وهمست:
"الله أكبر…"
ارتجف شيء في صدر فيرا. لم تكن هذه أول مرة ترى شخصًا يصلي، لكنها المرة الأولى التي تشعر فيها أن الصلاة ليست مجرد حركات… بل حالة. كانت نور تقف بثبات، رأسها منخفض، كتفاها مسترخيتان، كأنها تلقي بكل أثقالها على الأرض وتتركها هناك.
حين ركعت، شعرت فيرا أن ظهرها انحنى معها دون أن تتحرك، وحين سجدت، شعرت—لأول مرة منذ زمن—أن هناك من يضع جبهته عن العالم طواعية، لا هروبًا… بل ثقة.
انهمرت دمعة بصمت من عين فيرا، فسارعت بمسحها على عجل، منزعجة من نفسها.
لماذا أبكي؟ ما الذي يحدث لي؟
كانت كلمات نور في سجودها خافتة بالكاد تُسمع، لكن أثرها كان واضحًا:
"يا رب… إن كانت هذه الفتاة قد تعبت من الحياة، فأرِح قلبها بك… لا بي."
ارتجفت فيرا. بك… لا بي؟ لم يسبق لأحد أن دعا لها دون أن يضع نفسه في المنتصف.
انتهت نور من صلاتها، وجلست على سجادة الصلاة لحظة قصيرة، تسبّح بهدوء. لم تلتفت فورًا، كأنها تمنح فيرا مساحة لتتنفّس ما رأت، ثم التفتت أخيرًا، فوجدت عيني فيرا معلقتين بها.
لم تقل فيرا شيئًا، لم تستطع. فقط نظرت… وكأنها ترى النور لأول مرة، لا بعينيها، بل بشيء أعمق بكثير.
قالت نور بصوت منخفض ودافئ:
"هل أيقضتكِ؟"
هزّت فيرا رأسها نفيًا ببطء، ثم همست بصوت مكسور لكنه صادق:
"كنتِ… مختلفة. وأنتِ تصلي."
ابتسمت نور ابتسامة هادئة، لا فخر فيها ولا دعوة مباشرة:
"لأنني أكون أقرب ما أكون لنفسي… وأنا أصلي."
سكتت فيرا طويلًا، ثم قالت فجأة، كأن السؤال أفلت منها دون تفكير:
"هل… هل يمكن للإنسان أن يبدأ من جديد؟ حتى لو كان متأخرًا؟"
نظرت نور إليها نظرة يقين وقالت:
"مع الله… لا يوجد شيء اسمه متأخر."
في تلك اللحظة، أدار الفجر وجهه كاملًا نحو الغرفة، وامتلأت بنور خافت… نور لم يكن من الشمس وحدها.
على الساعة العاشرة صباحًا، استيقظت فيرا من نومها، فوجدت نور نائمة أمامها على الكرسي، كالملاك الصغير نائمة ببراءة. سبحان الله، أيّ جمال! بقيت سارحة فيها وهي تقول في نفسها:
"هل هذه ستكون سبب تغييري؟ هل ستوجهني للطريق الصحيح؟ ما سرها؟"
نهضت ببطء، خشية إيقاظها، وغطتها باللحاف الذي كانت متغطية به، ثم دخلت الحمام. فجأة نهضت نور الهدى، وأصابها الذعر عندما لم تجدها في مكانها، خشي أن تفعل شيء لنفسها. بدأت تلقي بعينيها في كافة أرجاء الغرفة حتى رأت ضوء الحمام مشتعلًا، فهدأ قلبها وطمأنت.
بعد مدة، خرجت فيرا من الحمام، فابتسمت لها نور قائلة:
"صباح الخير، أرى أنكِ استيقظتِ."
ابتسمت فيرا لها، وردت:
"لم أقضِ عليك، لقد شعرت بذعر عليك."
ضحكت فيرا لها لأول مرة:
"لم أرد إزعاجك، و لماذا شعرتِ بالذعر ؟ ، أنا لست طفلة، ولا أعرفك!"
فرحت نور لرؤية ضحكة فيرا، ثم قالت لها:
"ابتسامتك… جميلة!"
خجلت فيرا منها، وأنزلت عينيها، وظلت صامتة، إلا أنه جاء الطبيب لتفقد فيرا، ثم أعطاهم إذن الخروج.
بدلت فيرا ثيابها، ثم خرج الاثنان معًا. قبل خروجهم، وقعت إجراءات نور كصديقة، ثم خرجوا من المستشفى، وفي انتظار سيارة الأجرة، نطقت نور فجأة:
"آه… لقد نسيت أن أسألك، أين تسكنين لأوصلك؟"
فقالت فيرا بانزعاج:
"لا، لا شكرًا، يمكنني تدبير نفسي."
رفضت نور في البداية، لكنها لم ترغب في الضغط عليها، فتركتها في حالها، وقالت لها أن تطمئنها على نفسها عند الوصول. أومأت فيرا بإيجاب، وجاءت السيارة وأخذت فيرا، بينما بقيت نور في انتظار سيارة أخرى.
وأثناء جلوسها تنتظر، لمحت من بعيد ذلك الطبيب، الذي كان يناظرها. أسرعت نور بإبعاد نظرها، فتعجب هو الآخر من تصرفها ، و ظل مذهولا للحظة فهي قد ازالت انظارها عنه
للمرة الثانية .
silou_Novels