استيقظ راكان على شعور ثقيل يجثم فوق صدره ورأسه، بينما كانت أصوات حادة ومجهولة تخترق وعيه المضطرب.
فتح عينيه بصعوبة.
كان ضوء الفجر يتسلل بين أغصان الأشجار العملاقة، ناشرًا خيوطه الذهبية في أرجاء الغابة.
حاول النهوض.
لكن ألمًا حادًا اجتاح قدميه فور تحريكهما.
أطلق تأوهًا خافتًا ونظر إلى أسفل.
كانت قدماه مليئتين بالجروح والخدوش، وقد التصق بهما التراب والحصى بعد أيام من السير الحافي بين الأشجار والصخور.
ضغط على أسنانه محاولًا تحمل الألم.
ثم حدث نفسه:
- "معقولة كل اللي صار حلم؟ يمكن كنت أهلوس من الجوع... والوحش والنار كلها مجرد تخيلات."
لكن تلك الفكرة اختفت فورًا عندما اتضحت الرؤية أمامه.
كان هناك رجل يقف فوقه مباشرة.
تراجع راكان بسرعة.
ثم اتسعت عيناه.
إنه الرجل نفسه الذي رآه بالأمس قرب البحيرة.
الرجل ذو العباءة القديمة والسيف.
في ضوء الصباح ظهرت ملامحه بوضوح أكبر.
كان رجلًا مسنًا، خط الشيب جانبي رأسه، وامتلك جسدًا قويًا رغم تقدمه في العمر.
كما امتدت ندبة قديمة على وجنته اليمنى.
كان يتحدث بصوت مرتفع وهو يشير إليه بغضب واضح:
- "أرينكا! تايو ميراد؟!"
لم يفهم راكان كلمة واحدة.
لكنه أدرك أن الرجل يسأله عن شيء ما.
ارتبك للحظات.
ثم خطرت له فكرة.
إذا تكلم بلهجته المعتادة فلن يفهمه الرجل.
وربما يثير الشكوك حوله.
لذلك قرر التظاهر بفقدان الذاكرة.
وضع يده على رأسه.
وأخذ يهزها بتعب متصنع.
ثم أشار إلى نفسه وإلى الغابة من حوله بعجز.
وكأنه يقول:
"لا أعرف من أنا... ولا كيف وصلت إلى هنا."
تأمله الرجل طويلًا.
ثم عقد حاجبيه.
وأشار إلى صدر راكان قائلًا:
- "ناما؟"
فهم راكان أن الرجل يسأله عن اسمه.
لكنه استمر في تمثيل دوره.
نظر إليه بتيهٍ وحيرة.
ثم هز رأسه بالنفي.
تنهد الرجل ببطء.
وبدأت ملامحه القاسية تلين شيئًا فشيئًا.
هبطت عيناه نحو ملابس راكان الغريبة.
ثم توقفتا عند ساعته الرقمية.
كانت الشاشة ما تزال تعمل.
وتعرض الوقت بضوء خافت.
امتدت يد الرجل نحو الساعة بفضول.
لكن راكان سحب ذراعه بسرعة.
وضم الساعة إلى صدره دون وعي.
كانت تلك الساعة آخر ما يربطه بأمه.
وبمنزله وبحياته السابقة كلها.
فهم الرجل الرسالة.
فسحب يده بهدوء.
ثم نظر إلى قدمي راكان المصابتين.
وتنهد بأسف.
بعدها غمد سيفه ومد يده إليه.
تردد راكان قليلًا.
ثم أمسك بها.
ساعده الرجل على الوقوف.
وعندها لاحظ راكان شيئًا مهمًا.
كان الرجل يعرج أثناء سيره.
بدت إصابة قديمة في ساقه تؤثر على حركته.
ومع ذلك ظل ثابتًا وقويًا.
أشار إليه الرجل أن يتبعه.
وبدآ السير عبر الغابة.
استمرت الرحلة لساعتين تقريبًا.
كانت كل خطوة مؤلمة بالنسبة لراكان.
لكن لم يكن لديه خيار آخر.
وأخيرًا...
خرجت الأشجار الكثيفة من طريقهما.
وظهر أمامهما كوخ خشبي صغير محاط بسور حجري متواضع.
وخلفه امتدت سهول واسعة يكسوها الضباب.
أما في الأفق البعيد، فقد ارتفعت قلاع ضخمة تلامس السماء.
وقف راكان يحدق فيها بانبهار.
لم يرَ شيئًا مشابهًا لها في حياته.
قاد الرجل ضيفه إلى داخل الكوخ.
ثم أحضر وعاءً من الماء الدافئ وبعض الأعشاب الطبية.
وجلس أمامه.
وبدأ ينظف جراح قدميه بعناية.
كان ينتزع الحصى الصغيرة من الجروح .
ويضع عليها ضمادات من القماش.
ورغم الألم، شعر راكان براحة غريبة.
فهذا أول تصرف إنساني حقيقي يلقاه منذ وصوله إلى هذا العالم.
بعد ذلك اختفى الرجل داخل الكوخ.
ثم عاد حاملًا مجموعة من الملابس.
رداء رمادي واسع.
وحزامًا جلديًا.
وحذاءً سميكًا مناسبًا للسفر.
أشار إليه أن يبدل ملابسه.
دخل راكان خلف ستار خشبي.
ونزع ملابسه القديمة ببطء.
شعر وكأنه يخلع آخر ما تبقى من حياته السابقة.
ثم ارتدى الرداء الجديد.
وعندما انتهى، حرص على إخفاء ساعته تحت الكم الطويل.
خرج من خلف الستار بخطواتٍ هادئة .
فتفحصه الرجل للحظات.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
وأجلسه أمام مائدة بسيطة.
وضع عليها خبزًا ساخنًا وحساءً تفوح منه رائحة الأعشاب.
لم ينتظر راكان.
وانقض على الطعام بجوع شديد.
بينما كان يأكل، ضرب الرجل صدره بكفه وقال:
- "بارق."
رفع راكان رأسه.
أدرك أن ذلك هو اسم الرجل
أومأ برأسه.
- "بارق."
ارتسمت ابتسامة رضا على وجه الرجل.
ثم أشار إلى راكان، وتأمله للحظات.
قبل أن يقول:
- "آران."
رمش راكان باستغراب.
أعاد الاسم في ذهنه محاولًا استيعابه.
"آران"
ثم ابتسم بخفة.
- "قريب من راكان... مو سيئ."
أومأ موافقًا.
ومنذ تلك اللحظة أصبح اسمه في هذا العالم:
آران
لكن فترة الراحة لم تدم طويلًا.
فمع حلول العصر، خرج بارق إلى الساحة أمام الكوخ.
وكان يحمل سيفين خشبيين.
ألقى أحدهما نحو آران.
التقطه بصعوبة.
فقد كان أثقل مما توقع.
تغيرت ملامح بارق تمامًا.
تلاشت تلك اللطافة التي بدا عليها قبل لحظات.
وحلت محلها صرامة المحاربين القدامى.
اقترب منه.
ثم عدل وقفته بطرف سيفه الخشبي.
وقال بصوت قوي:
- "في عالم الممالك الثلاث... الضعيف يموت."
لم يفهم آران الكلمات.
لكن نبرة الصوت كانت كافية.
وفي نفس اللحظة التالية...
اندفع بارق نحوه بسرعةٍ مذهلة.
ورغم عرجه، كانت حركته أسرع مما توقّع.
هوى السيف الخشبي على كتف آران.
فسقط مباشرة على الأرض.
اتسعت عيناه من الصدمة.
وأفلت السيف من يده.
بينما وقف بارق فوقه بثبات.
في تلك اللحظة فقط...
اشتاق راكان إلى سريره الدافئ.
و محاضراته المملة.
وحتى إلى المنبه الذي كان يكرهه كل صباح.
إذ بدت حياته السابقة أسهل بكثير من العيش في عالم مليء بالوحوش والتدريبات القاسية.
أما بارق...
فلم يكن ينوي منحه وقتًا طويلًا للحنين.
لقد بدأ التدريب.
وبدأت معه حياة جديدة بالكامل.
wand wn