الفصل الثاني: الدخيل

الفصل الثاني: الدخيل

25 0

لبرهة من الزمن، وقف راكان متجمدًا في مكانه، عاجزًا عن استيعاب ما تراه عيناه.

شعر وكأن عقله قد توقف عن العمل.

- "أنا وين؟ وش هالمكان؟ أكيد قاعد أحلم... إي صح، يمكن نمت وأنا أنتظر اللعبة تحمل."

مد يده وقرص ذراعه بقوة.

تأوه من الألم.

لم يكن حلمًا.

الألم حقيقي.

وبرودة الهواء التي تلامس أطرافه حقيقية.

وصوت حفيف الأشجار العملاقة من حوله لم يكن مجرد مؤثرات صوتية داخل لعبة.

وجد نفسه وسط غابة موحشة، تحيط به أشجار شاهقة الارتفاع كأنها جدران سجن أخضر لا نهاية له.

أمضى الأيام الثلاثة التالية في محاولات يائسة للخروج منها.

سار في كل اتجاه ممكن.

تبع أصوات المياه أحيانًا.

وصعد مرتفعات صغيرة أحيانًا أخرى.

لكن النتيجة كانت واحدة.

الضياع.

بدأ الجوع ينهش أحشاءه شيئًا فشيئًا.

1

وشحب وجهه.

وتثاقلت خطواته.

وفي اليوم الثالث، بينما كان يجر قدميه المنهكتين، استوقفته شجرة ذات أوراق عريضة بدت مألوفة بشكل غريب.

اقترب منها بتردد.

وفرك عينيه غير مصدق.

- "أنا من الجوع قمت أهلوس؟ هذي كأنها ورق عنب... ولا أنا أتخيل؟"

حدق فيها للحظات.

ثم استسلم للجوع.

قطف عدة أوراق وحشاها في فمه.

لم يكن طعمها جيدًا.

لكنه لم يهتم.

كان بحاجة لأي شيء يبقيه واقفًا.

تابع سيره بصعوبة.

وبعد وقت قصير، لمح انعكاس ضوء بين الأشجار.

تسارعت نبضات قلبه.

واتجه نحوه بسرعة.

حتى وصل إلى بحيرة صغيرة ذات مياه صافية.

ارتمى على ركبتيه وأخذ يشرب بنهم.

شعر وكأن الحياة تعود تدريجيًا إلى جسده المنهك.

وفجأة...

التقطت عيناه حركة خلف الأشجار.

انتفض واقفًا.

والتفت بسرعة.

ثم اتسعت عيناه.

إنسان.

كان هناك رجل يسير بخطوات هادئة بين الأشجار.

ركض راكان نحوه بلا تفكير.

لكن كلما اقترب منه، بدأت سرعته تتباطأ.

حتى توقف تمامًا.

كان الرجل يرتدي رداءً طويلًا يشبه العباءات القديمة، يشده حزام جلدي عريض يتدلى منه سيف حقيقي.

أما الرجل نفسه، فكان يحدق في راكان بالقدر نفسه من الدهشة.

كانت ملابس راكان غريبة تمامًا بالنسبة إليه.

تيشيرت قطني خفيف.

وبنطال منزلي مريح.

وساعة رقمية سوداء تلمع على معصمه.

تحدث الرجل فجأة.

لكن الكلمات التي خرجت من فمه كانت غريبة تمامًا.

لغة لم يسمعها راكان في حياته.

بلع ريقه بصعوبة.

وتراجع خطوة للخلف.

- "وش قاعد يقول ذا؟"

نظر إلى السيف المعلق عند خصره.

ثم ابتلع خوفه.

- "أحسن لي أسكت... يمكن لو تكلمت يحسبني مجنون ."

اكتفى بهز رأسه علامة على عدم الفهم.

تنهد الرجل وكأنه أدرك المشكلة.

ثم أشار بيده نحو الغابة بإشارات تحذيرية.

وكأنه ينبهه من البقاء هنا.

وبعدها أكمل طريقه.

واختفى بين الأشجار.

وقف راكان يراقبه حتى غاب تمامًا.

ثم عاد ببطء إلى جوار البحيرة.

ومع حلول الليل، بدأت الغابة تتحول إلى مكان أكثر رعبًا.

اختفت الألوان.

وتحول كل شيء إلى ظلال سوداء.

جلس على الأرض الباردة.

وضم ركبتيه إلى صدره.

ثم نظر إلى ساعته الرقمية.

تلك الساعة التي أهدتها له والدته يوم دخوله الجامعة.

في تلك اللحظة...

انهارت مقاومته.

امتلأت عيناه بالدموع.

وتذكر والدته.

وصوتها وهي توقظه كل صباح.

وتذكر أخته.

ومنزله.

والصورة العائلية القديمة.

والرياض.

وكل شيء تركه خلفه.

شعر بوحدة خانقة.

وبكى بصمت.

ثم همس بصوت مرتجف:

- "ليتني سمعت كلامك يا يمه..."

ابتلع غصته.

- "ليتني قريت الأذكار بالطريق..."

أغلق عينيه.

وشعر لأول مرة بالخوف الحقيقي.

ليس خوف الاختبارات.

ولا خوف المستقبل.

بل خوف إنسان لا يعرف أين هو.

ولا كيف سيعود.

ولا إن كان سيعود أصلًا.

لكن فجأة...

اختفت أصوات الحشرات.

كلها.

في لحظة واحدة.

فتح عينيه.

وتجمد مكانه.

ساد صمت ثقيل ومريب.

وشعر بقشعريرة تسري في جسده.

ببطء...

التفت خلفه.

ومن بين ظلام الأشجار ظهر شيء ضخم.

شيء لا يشبه أي حيوان عرفه من قبل.

لم يستطع تمييز تفاصيله وسط العتمة.

لكن عينين حمراوين متوهجتين كانتا كافيتين لبث الرعب في قلبه.

ثبتت العينان عليه.

ثم دوى زئير هائل مزق سكون الغابة.

واندفع الكائن نحوه بسرعة مرعبة.

تجمد راكان.

لم يكن يملك سلاحًا.

ولا طريقة للهرب.

ولا حتى فرصة للنجاة.

وفي لحظة يأس مطلق...

أغمض عينيه وصرخ بأعلى صوته:

- "بسم الله!"

ثم صرخ مرة أخرى:

- "بسم الله!"

وفجأة...

دوى انفجار هائل.

1

اهتزت له أرجاء الغابة.

فتح راكان عينيه ببطء.

وشاهد ما لم يكن يصدق.

اندلعت نيران بيضاء ساطعة من العدم.

التفت حول جسد الوحش في جزء من الثانية.

أطلق الكائن عواءً مرعبًا.

ثم بدأ جسده يتآكل ويحترق.

ثانية بعد ثانية.

حتى تحول إلى كومة من الرماد الأسود.

بعثرتها الرياح في الظلام.

سقط راكان على ظهره.

يلهث بعنف.

وعيناه متسعتان من الصدمة.

لم يفهم ما حدث.

ولم يعرف كيف نجا.

لكنه كان متأكدًا من شيء واحد فقط.

أن حياته لم تعد طبيعية منذ اللحظة التي ظهرت فيها تلك اللعبة.

وبينما كان يحاول استيعاب ما جرى...

كانت هناك عينان أخريان تراقبانه من بعيد.

عينان امتلأتا بالصدمة.

ثم بالدهشة.

ثم اختفى صاحبهما بين الأشجار بصمت.

"أما راكان، فلم يكن يدرك أن أحدًا كان يراقبه منذ البداية."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أصبحتُ مهمًا بسبب ما أهملت: آران – الدخيل إلى الممالك الثلاث

المؤلف wand wn
2026/07/03 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة