الفصل20

الفصل20

11 0

بقي سامر جامدًا في مكانه، وعيناه معلقتان بالنافذة.

الانعكاس ما يزال يبتسم.

ابتسامة صغيرة جدًا… لكنها ليست ابتسامته.

ثم، بعد لحظة طويلة مرهقة، عاد كل شيء طبيعيًا.

تحرك الانعكاس معه مجددًا.

تزامن اختفت الابتسامة.

لكن الضرر حدث بالفعل.

شعر سامر بأن آخر جزء مستقر داخل عقله بدأ يتشقق ببطء.

لم يعد السؤال:

 “هل ما رأيته حقيقي؟”

بل أصبح:

 “إلى أي درجة هو حقيقي؟”

وهذا كان أسوأ.

لأن الإنسان يستطيع مقاومة الكابوس…

لكن كيف يقاوم شيئًا يتسلل إلى الواقع تدريجيًا؟

نظر إلى والدته النائمة قرب النافذة.

كانت متعبة جدًا.

أكثر مما يتذكر.

شعرها بدأ يمتلئ بخصلات بيضاء لم ينتبه لها سابقًا، ويداها بقيتا متشبثتين بحافة الكرسي حتى أثناء النوم، كأنها تخشى أن يختفي إذا أرختهما.

شعر بالذنب فجأة.

كل ما عاشته بسببه.

كل مرة ركضت فيها إلى المستشفى.

كل ليلة نامت وهي تنتظر اتصالًا قد يأتي في أي لحظة.

خفض عينيه بصمت.

ثم همس لنفسه:

“لا أريد العودة هناك…”

لكن المشكلة لم تكن في الرغبة.

بل في الرابط.

بدأ سامر يفهم الأمر ببطء الآن.

الطابق 13 ليس مكانًا طبيعيًا.

ولا مجرد هلوسة ناتجة عن توقف القلب.

بل مساحة تتشكل من الخوف نفسه.

كلما اقترب الإنسان من الموت وهو خائف… يصبح الباب أوضح.

ولهذا كانت العمارة مختلفة.

ولهذا كان الحارس يعرف.

ولهذا كانت النسخ الأخرى موجودة.

أشخاص دخلوا الحلقة قبله… أو نسخ منه هو بعد دورات كثيرة.

الأمر لم يكن “لعنة” بالمعنى المعتاد.

بل أشبه بممر.

منطقة عالقة بين الإدراك والحياة والموت.

والأخطر…

أن الدخول إليها لا يحتاج للموت الكامل.

يكفي الاقتراب.

يكفي قلب مرهق وخوف مستمر.

وهنا فهم لماذا عاد الباب معه.

لأن الرابط لم ينقطع بالكامل.

خوفه ما يزال موجودًا.

وقلبه… ما يزال هشًا.

في اليوم التالي، حاول التصرف بشكل طبيعي.

الأطباء قالوا إن حالته مستقرة مؤقتًا.

والدته بدأت تستعيد بعض هدوئها.

حتى الشمس التي دخلت من النافذة جعلت المستشفى يبدو أقل اختناقًا.

لكنه بدأ يلاحظ التفاصيل الصغيرة.

الأشياء التي لا ينتبه لها أحد غيره.

مثل:

المصاعد التي تتوقف أحيانًا بلا سبب.

الأجهزة التي تتأخر نصف ثانية.

الانعكاسات التي تتحرك ببطء غير طبيعي أحيانًا.

وأحيانًا…

كان يسمع أنفاسًا خلفه حين يبقى وحده.

في المساء، قرر أن يختبر الأمر.

ليس لأنه شجاع.

بل لأنه تعب من الجهل.

خرج من الغرفة وحده مجددًا.

هذه المرة لم يتجه مباشرة نحو المصعد.

بل راقب الممر أولًا.

كل شيء طبيعي.

ممرضات.

مرضى.

صوت عربة أدوية.

ثم اقترب ببطء.

وقف أمام المصعد.

ضغط الزر.

انتظر.

قلبه بدأ يتسارع تلقائيًا.

دينغ.

انفتح الباب فارغ.

لكنه لم يدخل.

ظل واقفًا مكانه يحدق في المرآة المعدنية.

انعكاسه موجود.

مرهق.

شاحب.

لكن طبيعي.

ثم قال فجأة بصوت منخفض:

“ماذا تريد مني؟”

في البداية لم يحدث شيء.

ثم…

الانعكاس لم يجب.

بل المصعد نفسه.

صوت خافت خرج من الداخل:

 “أن تتذكر.”

شعر سامر بأن الدم تجمد داخل عروقه.

تراجع خطوة.

“أتذكر ماذا؟”

ساد الصمت للحظات.

ثم بدأت الإضاءة تخفت ببطء.

داخل المرآة، لم يعد يرى نفسه فقط.

بل مشاهد سريعة جدًا.

كأن الزجاج تحول إلى ذاكرة مشوهة.

رأى:

نفسه يركض داخل ممر مظلم.

نفسه على أرضية مصعد غارق بالدم.

نفسه عجوزًا يجلس وحده في شقة فارغة.

نفسه ميتًا فوق سرير مستشفى.

ثم ظهر مشهد مختلف.

شخص آخر.

ليس سامر.

رجل يرتدي بدلة قديمة، يقف داخل المصعد وهو يضغط الرقم 13 بيد مرتجفة.

والخوف في عينيه يشبه خوف سامر تمامًا.

توقف المشهد فجأة.

وعاد انعكاسه الطبيعي.

لكن سامر فهم شيئًا مهمًا أخيرًا.

الطابق لم يبدأ معه.

بل أقدم بكثير.

وكل شخص يدخل إليه يترك أثرًا.

نسخة.

صوت

خوفًا عالقًا داخله.

“من كان ذلك الرجل؟”

همس سامر بالسؤال.

فجأة…

ظهر رقم على شاشة المصعد.

ليس 13.

بل سنة:

1987

ثم اختفى.

شعر سامر ببرودة حادة تمر داخل صدره.

وفجأة عاد صوت الحارس إلى ذاكرته:

“العمارة تعرف.”

حينها فقط أدرك شيئًا مرعبًا.

ربما العمارة لم تكن مسكونة.

ربما بُنيت فوق الباب أصلًا.

بدأ المصعد يُغلق ببطء.

لكن قبل أن تنطبق الأبواب تمامًا…

ظهر شيء أخير في المرآة.

النسخة الأكبر سنًا منه.

نفس الرجل الذي ساعده سابقًا.

نظر إليه بتعب شديد.

ثم قال:

 “إذا أردت إنهاء الأمر… عليك أن تعرف كيف بدأ.”

ثم اختفى.

وأغلقت الأبواب.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مصعد العمارة المجهول

المؤلف Jumana||جمانة
2026/05/19 مستمرة
قائمة الفصول (28)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة