خطأ القدر

خطأ القدر

8 0

في معركة حاسمة، استخدم الوصايا "تعويذة الأمل الأخير"، حيث حولت الخطايا إلى حجر كريم ضخم تم حبسهم فيه إلى الأبد، وهكذا أصبح هذا الحجر المدعو "سد الهلاك" رمز السلام الجديد للعالم، فلم يعد هناك خطر من فساد الخطايا.

الوصايا السبع:

كوين (وصية الوفرة)

جوليا (وصية العلم)

اليث (وصية العاطفة)

لورد (وصية الصبر والاجتهاد)

راين (وصية العدل والمساواة)

لارا (وصية الحرية والطمأنينة)

وأخيرًا أنا! كاثرينا (وصية البهجة والسرور)

استطعنا إرجاع السلام للأرض. "فيكتوريا، يا بنيتي، لقد حان الوقت، اليوم ستتعلمين تعويذة الأمل الأخير، هذه ليست مجرد كلمات تُلقى، بل وعد علينا أن نحافظ عليه مهما كان الثمن، الخطايا لن تبقى محبوسة للأبد، وإن خرجوا، سينهار كل شيء."

رفعت فيكتوريا رأسها، تتجنب نظرات والدتها:

"أنا لا أريد هذا، يا أمي. لا أريد أن أرث العرش، ولا أريد أن أكون خليفتك. حياتي ليست مجرد تعويذة أو مسؤولية."

تنهدت كاثرينا وهي تنهض من كرسيها، واقتربت من ابنتها، لتضع يديها برفق على كتفيها:

"فيكتوريا، أعلم أن الأمر ليس سهلاً، ولم يكن سهلاً عليّ أيضًا. لكن هذا ليس اختيارًا، النور والظلام دائمًا في صراع، ونحن من يقف في المنتصف لنمنع العالم من السقوط، التعويذة لن تعمل بدونك، أنت خليفة النور."

نظرت فيكتوريا إلى والدتها، مزيج من التردد والغضب في عينيها قبل أن تصرخ:

"أنتِ تظنين أنني قوية، لكنني لست كذلك. أنا مجرد فتاة، لا أريد هذا العبء."

ابتسمت كاثرينا بحزن، ومسحت دمعة بدأت تسقط من خد فيكتوريا:

"القوة ليست في أن تكوني جاهزة، بل في أن تكوني مستعدة للوقوف رغم خوفك. نحن لسنا أبطالاً، نحن حُماة. اليوم ستتعلمين، وعندما يحين الوقت، ستعرفين أنكِ كنتِ دائمًا الأجدر بهذا الإرث."

بعد مغادرتها القاعة، دخلت فيكتوريا غرفتها بعصبية، أغلقت الباب خلفها بقوة وأخذت نفسًا عميقًا، محاولة تهدئة غضبها، كانت تعلم أن اليوم هو البداية، لكنه لا يزال يبدو كعبء ثقيل لا تريد تحمله، ألقت نظرة على المرآة الكبيرة التي كانت تزين غرفتها، فرأت نفسها بوضوح، فتاة شابة تبدو قوية، لكن داخلها مليء بالتردد، فكرت في كلمات والدتها، في النور والظلام، وفي الوصايا اللواتي ينتظرنها لإلقاء التعويذة. بدون أن تضيع المزيد من الوقت، فتحت خزانتها وسحبت عباءتها الرمادية التي تستخدمها أثناء رحلاتها، ارتدتها بسرعة، ثم نظرت إلى سيفها المعلق على الجدار، كانت تعلم أنها ستحتاجه، فحملته وربطته بحزامها، وضعت يدها على قلبها و همست لنفسها:

"اهدئي... كل شيء سيصبح واضحًا في النهاية... فقط خطوة واحدة كبيرة."

توجهت فيكتوريا إلى المكتبة الملكية، المكان الوحيد الذي تشعر فيه بالهدوء وسط الفوضى. كانت تعلم أن الوقت يمر وأن عليها الاستعداد للتوجه إلى الكهف حيث تنتظرها والدتها وبقية الوصايا، لكنها أرادت لحظات من العزلة قبل مواجهة ما ينتظرها.

دخلت المكتبة الواسعة بصمت، أضواء الشموع تنير الأرفف العالية التي تكدست عليها الكتب القديمة، كانت هذه المكتبة المكان الذي قضت فيه جزءًا كبيرًا من طفولتها، تبحث بين الصفحات عن قصص العالم خارج القصر.

وقت الراحة كان قصيرًا، لكنها شعرت بالفضول تجاه هذه القوة الغامضة التي تتحدث عنها والدتها والوصايا. التقطت كتابًا مغلقًا بجلد أسود، وعنوانه: "أسرار القوى المحظورة". قلبت الصفحات بحذر حتى توقفت عند فصل يتحدث عن "تعويذات الحماية واستدعاء الحلفاء". كان النص مكتوبًا بلغة قديمة، لكنها استطاعت فهم بعض الكلمات بفضل دروسها السابقة. بدأت تقرأ بصوت منخفض، محاولة نطق كلمات غريبة:

"أراسولارين فاستانور أكيس."

شعرت فيكتوريا بهواء بارد يجتاح الغرفة، والشموع بدأت تترنح كأنما هناك شيء غريب يتحدث، لم تكمل فيكتوريا الجملة حتى شعرت بارتجاج قوي يهز الأرض تحت قدميها. أغلق الكتاب فجأة، لكن الأوان قد فات، أمامها بدأت تظهر دوامة من الضوء البرتقالي والذهبي، تتحول تدريجيًا إلى شكل هائل، وفي لحظة خاطفة، كان تنين يقف أمامها، جسمه مغطى بحراشف متلألئة، وعيناه تتوهجان بنار خافتة. نظرت فيكتوريا إليه بفزع قبل ان تصرخ:

"ما الذي فعلته؟! لم أقصد…كيف… كيف أوقف هذا؟!"

بدأ التنين يهدد القصر بأكمله، بدأ يهوي برأسه على السطح ويطلق مادة بنفسجية تشبه المخاط من فمه، مما أدى لتدمير المكتبة. لكن بينما كانت الوصية كاثرينا قيد التجهيز، شعرت فجأة باضطراب في سحر القصر، خرجت من غرفتها لتجد التنين يهاجم القصر، لكن فيكتوريا لم تقف مكتوفة اليدين بل حاولت ردعه، لكن بلا جدوى.

"فيكتوريا!" صرخت كاثرينا، وعيناها مليئتان بالقلق، لكنها لم تنتظر إجابة، وقفت في مواجهة التنين، ورغم حجمه المهول وقوته المدمرة، كانت ملامحها هادئة وواثقة. أغمضت عينيها وبدأت الغناء بلغة قديمة، نغمة عذبة وهادئة، كلماتها لم تكن مفهومة لفكتوريا، لكنها شعرت بسرعة بتغير الأجواء. الرياح هدأت، والسائل الذي أطلقه سرعان ما بدأ يتبخر. توقف التنين فجأة، عيونه بدأت تفقد بريقها، وجناحاه ارتخيا ببطء، كأن الغناء أثقل جسده واخترق قلبه. التنين الضخم، الذي كان يهز الأرض تحت وطأة قدميه، انحنى برأسه ببطء حتى لامست ذقنه الأرض، أطلق زفيرًا هادئًا، ثم استلقى، مغلقًا عينيه، وكأنما وقع في سبات عميق.

اقتربت كاثرينا بحذر من التنين النائم، ورفعت يديها نحو الكتاب الذي أسقطته فيكتوريا أثناء القرائة. استدعت كلمات قديمة من ذاكرتها، وبدأت تتمتم بتعويذة استعادة:

"عد إلى موطنك... حيث تنتمي روحك."

بدأ التنين يتلاشى تدريجيًا، جسده يتحول إلى شرارات من الضوء البرتقالي التي انجذبت إلى صفحات الكتاب. مع آخر شعاع من الضوء، أغلق الكتاب بقوة، تاركًا المكتبة في هدوء غريب.

بعد لحظة من الصمت، التفتت كاثرينا إلى ابنتها. كانت فيكتوريا تقف هناك، وجهها شاحب، وعيناها مليئتان بالخوف والندم. فتحت فمها لتتحدث:

"أمي... لم أقصد... كنت فقط أحاول—"

لكن قبل أن تنهي كلماتها، تقدمت كاثرينا بسرعة واحتضنتها بشدة. كانت المفاجأة واضحة على وجه فيكتوريا، لكنها شعرت بدفء والدتها يطغى على كل شعور آخر.

"لا بأس، يا ابنتي، لا داعي للشرح. أنا أعلم أنك لم تقصدي، وأعلم أنك فقط أردت أن تهدإ من حالك، لكن عليك أن تدركي أن القوة والمعرفة تأتيان بمسؤولية كبيرة."

أدمعت عينا فيكتوريا وهي تقول:

"أنا آسفة، أمي. لم أكن أعلم أن الأمر قد يكون خطيرًا لهذا الحد."

ابتعدت كاثرينا قليلاً، ممسكة بكتفي ابنتها:

"الأخطاء جزء من التعلم، لكن لا يمكننا السماح لها بأن تُحيدنا عن هدفنا. التنين كان اختبارًا لك، والآن عليكِ إثبات أنكِ مستعدة لتحمل المسؤولية، هل أنتِ مستعدة للقاء الوصايا في الكهف؟"

أومأت فيكتوريا بتصميم، وهي تشعر بثقل المهمة التي تنتظرها، لكنها أيضًا ممتلئة بالعزيمة.

وصلت كاثرينا وفيكتوريا إلى مدخل الكهف، حيث كانت الوصايا السبعة ينتظرون بفارغ الصبر، كانت وجوههم مليئة بالتوتر والقلق، وعندما رأوا كاثرينا، أسرعوا نحوها:

"كاثرينا، الوضع يزداد سوءًا!" صرخت وصية العلم، جوليا، وهي تشير نحو الكهف.

"الكريستالة بدأت تتشقق، والطاقة التي تنبعث منها أصبحت غير مستقرة!"

دخل الجميع إلى الكهف بحذر، وكانت الكريستالة العملاقة تقف في مركزه، مشعة بضوء باهت لكنها مشوهة بسبب الشقوق التي بدأت بالانتشار على سطحها. كان بإمكانهم سماع صوت طقطقة مستمر، وكأنه نبض غير منتظم يهدد بانفجار وشيك،

وقفت الوصايا السبعة في دائرة حول الكريستالة، وكل واحد منهم يحمل طاقة خاصة به، في انتظار التعليمات. قال لورد و هو يضرب قبضته بغضب:

"لقد تأخرنا أكثر مما ينبغي! إذا لم—"

فجأة دوى صوت طقطقة عالٍ من الكريستالة، تبعه ضوء أحمر قوي اخترق الكهف بأكمله.

"ما... ما هذا؟" تأتأت اليث:

"هل هذه... هي النهاية؟"

تصدعت الكريستالة بالكامل، وأطلقت موجة من الطاقة الهائلة دفعت الجميع أرضًا. عاصفة من الظلال اندفعت من الكريستالة المحطمة، متجسدة في أشكال بشرية و مشوهة مظلمة، كل واحدة تحمل هالة مخيفة خاصة بها.

"لا!" صرخت كاثرينا، وهي تحاول النهوض:

"لقد تحرروا!"

أمامهم، وقفت الخطايا السبع، كل منهم يشع بهالة من القوة المظلمة، كانت ملامحهم مرعبة ولكن مألوفة، حيث يمثل كل منهم جانبًا من الفساد البشري:

ميرور (خطيئة النرجسية)

إيت (خطيئة الشراهة)

ميرا (خطيئة الكسل)

فرانسيس (خطيئة الطمع)

إيجيبت (خطيئة الغضب)

هيفين (خطيئة الحسد)

وأخيرًا ليليث (خطيئة الشهوة)

القت ميرور نظرة متعالية على الجميع وكأنهم مجرد حشرات تحت قدميها: "أخيرًا، يعود الجمال والقوة الحقيقيتان لهذا العالم!"

ثم ظهرت إيت وهي تمدد ذراعيها بكسل قبل أن تبتسم بازدراء: ""أخ... أخيراً... الحرية... هذا الطعم...!"

مضغت الهواءَ كأنه حلوى، عيناها تتسعان من فرط الإحساس، و تابعت ببهجة:

"لم أكن أعرف... لم أكن أعرف أن شيئاً بهذه الحلاوة موجودٌ أصلاً! كل تلك السنوات وأنا ألتهم أوهامي... بينما العالم الحقيقي... آه...!"

ميرا تمد نظرها إلى إيت بسخرية واضحة ورفعت حاجبها بإستهزاء:"أوه انظروا إليها! كأنها خرجت من الجحيم! هل حقاً تستحق الحرية كل هذا الهياج؟ أنا التي نمت قروناً... لم أشعر حتى بحكة واحدة!"

بدأت ميرا تتثاءب بينما تستمر إيت في التهام الهواء بشراهة، لكنها تتوقف فجأة وتلتفت إليها بغضب:

"ب-بالكاد شعرتي؟! أنتِ... كنتي غائبة عن الوعي! أما أنا فكنت أرى كل شيء دون أن ألمسه!"

تتأفف ميرا بينما تلعب بشعرها الطويل:

"دراماتيكية كالعادة... لو كنتِ حقاً جائعة لكنت عضضت الكريستال و أخرجتينا من ذلك السجن."

و لكن فجأة، خرج إيجبت من الكرستالة و كأن الجحيم قد انشق عنها لتلد وحشًا يخشاه الجميع، كان جسده يتوهّج بشرارات غضب متكتّمة، وعيونه تشتعل كأنها تتذكّر ألف معاناة و ألف معركة. و ما إن لامست قدماه أرض الكهف حتى دوّى صوت احتكاك الارض مع فأسه، وكل من في الكهف سقط صامتًا.

رفع فأسه الضخم بخفة، ثم لوّح به نحو الوصايا مباشرة، وصوته العميق المليء بالكراهية ملأ أرجاء الكهف:

"أنتم!... كم من الزمن؟ كم من القرون ضللنا مكبوتين خلف هذه الكريستالة الملعونة، نراقبكم من وراء هذا السجن البارد؟ كنا نرى عالمكم يستمر، بينما نحن محبوسون، مكبّلون، ومحرومون من حريتنا! لكن الآن... الآن قد تحررنا، وسيعود كل شيء كما ينبغي أن يكون: فوضى، دمار، ونيران لا تهدأ! لقد انتظرنا طويلًا، أطول مما يمكن لأي كائن أن يتحمله... والآن، بعد البعث، جاء وقت الحساب!"

لم تنتظر كاثرينا حتى تتحرك الخطايا. بنظرة ملؤها التصميم والغضب، تقدمت بسرعة نحو ليليث – الشهوة، التي وقفت في مقدمة الخطايا بابتسامتها الواثقة. رفعت كاثرينا يديها، وأطلقت موجة من الضوء الذهبي مباشرة نحو ليليث، محاولةً تحييدها قبل أن يبدأ القتال.

ابتسمت ليليث بخبث، وهي ترفع يدها لتشكّل حاجزًا من الطاقة السوداء أمامها. اصطدم الضوء الذهبي بالحاجز، مما أطلق انفجارًا هز الكهف. تراجعت الخطايا قليلًا، لكن ليليث لم تبدُ منزعجة، بل نطقت بصوت مليء بالسخرية و احتقار:

"أوه، كاثرينا... كم هو لطيف أن تكوني أول من يهاجم. لكنكِ تعرفين أنني أحب الاهتمام... وهذا الهجوم فقط زادني تألقًا!"

التفتت كاثرينا بسرعة نحو فكتوريا، التي كانت تقف خلفها، عيناها متسعتان بالخوف وعدم التصديق. رفعت كاثرينا يدها، وأطلقت تعويذة حاجز قوي يحيط بفكتوريا، حاجبًا عنها أي ضرر خارجي:

"لا تتحركي، يا فكتوريا! سأبقيكِ آمنة... مهما كان الثمن!"

بدأت الوصايا بالتحرك، انقسموا لمواجهة الخطايا كلٌ حسب قوته، لكن سرعان ما أدركوا أن الخطايا أقوى مما توقعوا.

كوين – الوفرة، اشتبكت مع إيجيبت – الغضب، لكن ضربات إيجيبت بالفأس كانت أقوى من دروعها.

راين – العدل، حاولت مواجهة ميرور – النرجسية، لكن بضربة واحدة منها قطعته لنصفين.

لارا – الحرية، وقفت في وجه فرانسيس – الطمع، لكنه سرعان ما بدأ يعبث بالمكان ويغير هيئته مما لم يسمح لها بالقتال بكل قوتها.

الوصايا الآخرون انخرطوا في معاركهم، لكن الظلال كانت تبتلع أي أمل في الانتصار.

من داخل الحاجز، شاهدت فكتوريا المعركة الفوضوية. جسدها يرتعش وهي ترى الوصايا يسقطون واحدًا تلو الآخر. حاولت الصراخ، لكن صوتها لم يخترق الحاجز.

قدم الوصايا كل ما لديهم، لكن القوة الساحقة للخطايا لم تترك لهم فرصة. واحدًا تلو الآخر، سقطوا، تاركين أجسادهم تتلاشى في وهج من الضوء...

بقيت كاثرينا وحدها، تقف بصعوبة أمام الخطايا السبع. نظرت إلى فكتوريا داخل الحاجز، عيناها مليئتان بالحزن والخوف، لكنها كانت تعلم أن هذه اللحظة تتطلب التضحية.

تقدمت ليليث – الشهوة نحو كاثرينا بخطوات واثقة، والابتسامة المغرية لم تفارق وجهها. توقفت أمامها، وهي تميل رأسها بخبث:

"يا عزيزتي كاثرينا، كم كنت رائعة في محاولتك البائسة، لكن المقاومة... مضيعة للوقت."

رفعت ليليث يدها، حيث ظهرت قطرة من لعابها على طرف لسانها. ابتسمت بخبث، قبل أن تفتح فمها و تطلق قطرة من ذلك اللعاب السام مباشرة نحو كاثرينا. تقدمت كاثرينا للهجوم لكن اللعاب أصابها على ذراعها. في اللحظة التي لامس فيها اللعاب جلدها، شعرت بحرارة شديدة تسري في عروقها، بدأت أوعيتها الدموية تنتفخ بشكل مرعب، والألم يمزق جسدها.

بدأت كاثرينا تشعر بجسدها ينهار من الداخل، الأوردة الدموية انتفخت إلى حد الانفجار، وكأن جسدها أصبح ميدانًا للصراع بين الحياة والموت. ومع كل ثانية، شعرت بالطاقة تتلاشى منها.

برغم الألم، التفتت كاثرينا نحو فكتوريا، التي كانت تبكي داخل الحاجز، رفعت يدها بصعوبة، ونطقت بصوت متقطع:

"ف…فكتوريا! ابقي قوية يا ابنتي... العالم… ما زال يحتاج إليكِ… لا تدعي الألم يكسركِ… لا الآن…"

تتلاشى الكلمات، ثم عادت أضعف، محمّلة بحبٍ لا يزول:

"وإن ضاقت بكِ الطرق، وتخلّى عنكِ كل شيء… تذكّري هذا فقط… أمكِ… كانت… وستبقى… تحبكِ، حتى آخر نفس، وحتى ما بعده…"

و مع آخر كلماتها، انفجرت أوعيتها الدموية، وتلاشى جسدها في وهج ذهبي خافت.

وسط هذا الصمت، التفت الجميع نحو ليليث، التي كانت تنظر إلى البقعة التي اختفت فيها كاثرينا. تلك الابتسامة الخبيثة التي لطالما ارتسمت على وجهها تلاشت للحظة. وبينما كانت تحاول التظاهر باللامبالاة، تساقطت دمعة واحدة من عينها اليسرى، تنزلق على خدها بهدوء:

"لماذا... أشعر بشيء؟"

حاولت مسح دمعتها بسرعة، لكنها لم تستطع تجاهل الشعور الذي اخترق قلبها للحظة قصيرة. بقية الخطايا لم يلاحظوا، أو ربما تجاهلوا ما رأوه، و بدأوا في الخروج من الكهف، تاركين فكتوريا وحدها، تحاصرها مشاعر الحزن والخوف، استدارت ليليث مرة أخيرة وهمست لفكتوريا:

"لن يستغرق الأمر وقتًا طويلاً قبل أن نراك تتبعين خطانا، يا صغيرة، استعدي!"

وبهذه الكلمات خرجت آخر الخطايا.

كانت فكتوريا محبوسة في عمق الكهف، محاصرة داخل الحاجز الشفّاف الذي صنعته أمها قبل موتها، حاجز يحمل شكل يد أمٍّ تحتضن ابنتها للمرة الأخيرة. كانت تتألم؛ الألم يضغط على صدرها، لا من الجروح… بل من الذكرى.

رأت بعيني قلبها اللحظة التي سقطت فيها أمها أمامها، كيف امتدّت يدها المرتعشة لتغلق الحاجز حول فكتوريا، مبتسمة بضعف، غير مدركة أن تلك الابتسامة ستكون الأخيرة. كان قلب فكتوريا يختنق. كانت السبب… هي كانت السبب. لو لم تقترب من ذلك الكتاب، لو لم تعارض أمها، لما سال دمها على الأرض الباردة.

والصورة… صورة موت الوصايا أمامها بعد ذلك، كأن العالم نفسه ينهار أمامها، أجسادهم تتساقط كالدمى، وعيونهم تحدّق فيها بعتابٍ لا ينتهي. وبين الألم والظلمة والحاجز الذي لا ينكسر، كان صدى واحد يتمزق في داخلها:

"أنا السبب… وكل هذا بدأ مني."

مرت ثلاث أيام في عمق الكهف المظلم، كانت فكتوريا جالسة على الأرض، محاطة بذلك الحاجز الذهبي الخافت و قد كان اخر أثر تركته والدتها لحمايتها. وجهها كان شاحبًا، وعيناها مثقلتان بذكريات أليمة. الهواء داخل الكهف كان خانقًا، وصوت الانفجار الذي حطم الكريستالة ما زال يتردد في رأسها كصدى لا ينتهي.

خارج الكهف، كانت الغابة تعج بالأصوات، أصوات تصرخ باسمها بين الأشجار المظلمة.

"فكتوريااا!"

بقيت فكتوريا صامتة، لكنها رفعت رأسها قليلًا، محاولة فهم ما تسمعه، الصوت أصبح أقرب ،صوت آخر هذه المرة كان أقرب:

"أين أنت؟!"

كانت الأصوات مليئة بالقلق والخوف، تزداد قربًا كل دقيقة. لم يمر الكثير وأصبحت الأصوات مألوفة، صوت أصدقائها كان أقرب، ولكنه بدا لها كأنه حلم بعيد، لم تكن متأكدة إن كان حلمًا أو مجرد وهم آخر. حاولت التحرك، لكن جسدها كان مرهقًا. ثم عند مدخل الكهف، ظهر مارك، أول أصدقائها، مصباحه يضيء المكان. تبعته لوسي، ثم ليو. وقفوا لوهلة يلتقطون أنفاسهم، ثم رأوها: فكتوريا داخل الحاجز.

"إنها هنا!" صرخت لوسي، واندفعت نحو الحاجز.

"ما هذا الشيء؟" تساءل ليو، وهو يراقب الحاجز الذهبي الذي يفصل بينهم وبين فكتوريا.

"حاجز حماية..." تمتم مارك، بينما يتفحص المكان بحذر.

"لابد أن والدتها وضعته لحمايتها." اقتربت لوسي، وبدأت بإلقاء تعويذة تفكيك الحاجز. كان الضوء الذهبي يتلاشى ببطء مع كل كلمة تنطقها. فكتوريا كانت تراقب بصمت، عيناها تائهتان، وكأنها لم تعد هنا حقًا.

عندما انهار الحاجز أخيرًا، سقطت فكتوريا على الأرض. أسرعت لوسي لاحتضانها، بينما ناول مارك زجاجة ماء لتهدئتها. كانت فكتوريا عاجزة عن الكلام. التقطت زجاجة الماء، لكنها بالكاد شربت. نظرت إليهم بعينين دامعتين، ثم همست بصوت متقطع:

"لقد ماتت... أمي ماتت..."

صمت الجميع. لم يكن هناك كلمات يمكن أن تخفف من ألمها.

بعد لحظات من الصمت، بدأ مارك بجمع بعض الحطب لإشعال نار صغيرة، بينما أخرج ليو طعامًا كان قد أحضره. وضعوه أمامها بلطف، يحاولون بث الأمان في قلبها.

"لن نترككِ وحدك، فكتوريا." قالت لوسي وهي تضغط على يدها.

"ما حدث ليس خطأكِ." أضاف مارك، رغم أنه كان يعلم أن هذه الكلمات قد لا تصل إليها الآن.

جلس الجميع حول فكتوريا داخل الكهف المظلم. مارك وليو كانا صامتين، يعلمان أن ما مرت به يتجاوز الكلمات. كانت فكتوريا جالسة على الأرض، عيناها تحدقان في الفراغ، والدموع تتدحرج بصمت على خديها.

"لقد انتهى كل شيء..." همست اخيرا بصوت خافت:

"الخطايا خرجت، أمي ماتت... لا يوجد من يوقفهم."

مارك حاول التحدث، لكنه تراجع عندما رأى نظرتها الفارغة، و ليو انكمش في مكانه، غير قادر على مواجهة الموقف، امالوسي، التي كانت تراقب فكتوريا بصمت، نهضت فجأة، تقدمت بخطوات ثابتة نحوها، وبدون تحذير، رفعت يدها وصفعتها على جبينها الأيسر.

"استيقظي، فكتوريا!" صرخت بغضب.

رفعت فكتوريا رأسها ببطء، تنظر إلى لوسي بذهول، لكن الأخيرة لم تمنحها فرصة للتفكير. صفعتها مرة أخرى، هذه المرة على جبينها الأيمن. "هل هذا كل ما لديكِ؟!" صرخت لوسي مرة أخرى، والغضب يملأ صوتها. التقطت لوسي السيف الخاص بفكتوريا، ووقفت أمامها، تشير به نحو عنقها.

إذا كنتِ تعتقدين أن كل شيء قد انتهى، فدعيني أخبركِ شيئًا، فكتوريا. إذا لم يقتلنا الخطايا، سأقتلك أنا قبلهم."

حدقت فكتوريا في السيف، ولم تتحدث. كانت عيناها مليئتين بالدموع، لكنها كانت ترى في لوسي شيئًا مختلفًا... شيئًا صادمًا وقاسيًا ولكنه حقيقي."لا يمكنكِ أن تتركي موت والدتكِ يذهب هباءً!" استمرت لوسي:

"أنتِ وريثتها. أنتِ الوحيدة التي يمكنها إنهاء هذا. وإذا لم تكوني مستعدة لتحمل هذه المسؤولية، فلا تستحقي السيف الذي تحملينه!"

كانت كلمات لوسي كالسكاكين تخترق قلب فكتوريا. لم تكن تعرف ما إذا كان بإمكانها المضي قدمًا، لكنها لم تستطع تجاهل الحقيقة في كلمات صديقتها. أغلقت عينيها للحظة، ثم فتحتها ببطء. مدت يدها وأمسكت بالسيف من يد لوسي.

"أنتِ على حق..." همست بصوت مرتجف، مليئ بالإصرار:

"لا يمكنني الهروب…"

ابتسمت لوسي بخفة، ووضعت يدها على كتف فكتوريا:

"هذا هو الصوت الذي أريد أن أسمعه!"

اقتربا مارك و ليو، و وضع كل منهما يده على كتفها الآخر:

"لن تكوني وحدكِ، فكتوريا، نحن معكِ!" قال مارك بثقة، أومأ ليو برأسه، رغم خوفه!

"سنفعل هذا معًا!"

رغم الألم والصدمة التي كانت تشعر بها، شعرت فكتوريا، لأول مرة منذ أيام بأن هناك بصيص أمل. كانت لديهم فرصة، مهما كانت صغيرة، لمواجهة الخطايا وإنقاذ العالم من الخراب.

في نهاية ذلك اليوم المليء بالألم والقرارات الصعبة، قرروا البقاء داخل الكهف. جمع مارك بعض الحطب لتقوية النار الصغيرة عند مدخله، بينما جلس الجميع حولها. كان الضوء البرتقالي الخافت يرقص على الجدران الحجرية، يعكس وجوههم التي اختلطت فيها ملامح الإرهاق بالحذر.

جلست فكتوريا بصمت، واضعة السيف على ركبتها و عيناها مثبتتان على النيران، كانت تفكر في ما ينتظرهم خارج الكهف، وفي الثقل الذي تحمله الآن، كانت لوسي قريبة منها، تتأكد من أنها بخير، بينما مارك و ليو تناوبا على حراسة المدخل، ينصتان لكل حركة في الظلام.

عندما خفتت النيران تدريجيًا، نام ا

لجميع على الأرض الباردة، كل واحد يغرق في أفكاره ومخاوفه. لكن، وسط كل ذلك، كان هناك رابط غير مرئي يجمعهم، وعد بالصمود معًا، مهما كان الثمن!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إنبعاث القدر

المؤلف Medbrawl
2026/06/21 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة