خيوط بين أغصان الحب

خيوط بين أغصان الحب

6 0

"الحب هو أجمل ما في هذه الحياة… هو الأمان حين يضيع كل شيء، هو اليد التي لا تتركك مهما قست الأيام، هو الموسيقى التي تصنع من دقات القلب، و هو الهدية الأغلى، و المعنى الأعمق، و الجمال الذي يجعل كل شيء آخر بلا معنى…"

قالت و هي تحدّق في الفراغ، ثم انكسرت ابتسامتها فجأة، و قد انزلقت دمعة من عينيها و هي تهمس:

"يا لها من كذبة…"

و في لحظة خاطفة، دوّى صوت ارتطامٍ عنيف، هوى جسدها إلى الأرض بلا رحمة، أغمضت عينيها لوهلة، لا هروبًا من المشهد، بل لأن خيوطًا باهتة من ماضيها بدأت تتسلل إلى عقلها…

لم يكن أحد يجرؤ على تخيل هذا اليوم، اليوم الذي ستلتقي فيه مملكة الطهارة بمملكة العذاب، حيث لا يجتمع النور و الظلام إلا في لحظة قد تغيّر مصير العوالم إلى الأبد.

في أعالي السماء، حيث تتلألأ النجوم كحبات اللؤلؤ، قامت مملكة الطهارة شامخة كقصيدة من النور، تحرسها الأرواح الطاهرة وتزينها الغيوم البيضاء كأنها عرش للملائكة. في قلب هذه المملكة، سكنت ياقوت، امرأة بجمال خالص، كأنها نُسجت من أنقى ضوء في الكون. طيبتها كانت تسبق خطواتها، وكلماتها كانت كالنسيم، تُهدهد القلوب وتجلب السلام. لم يكن أحد يناديها باسمها وحده، بل لقبوها "المرأة المقدسة"، لأنها كانت رمزًا للنقاء المطلق.

لكن في أعماق العالم، حيث الظلام يُرخي ستائره، كانت مملكة العذاب تزفر الدخان والدماء، وتحكمها قوى لا تعرف الرحمة. هناك، بين الجدران المتصدعة والأراضي الجرداء، كان ستان—زعيم من زعماء الظلام—يمشي ببطء وسط نيرانه المتقدة. قسوته جعلته يخشاه الجميع، وقوته جعلته يحكم دون منازع. غير أن قلبه لم يعرف نبضًا إلا للخراب… حتى ذلك اليوم.

كل عشرة آلاف سنة، يحدث تقاطع غريب بين المملكتين، كأن الكون نفسه يجبر النور والظلام على التلامس للحظات. وحين حلّ الموعد المنتظر، ارتفعت جسور سحرية بين المملكتين، والتقت عوالم النقاء بالعذاب. وبين الحشود، وقعت عيناه القاتمتان على ياقوت. للحظة، شعر بشيء غريب، كأن النور قد اخترق عتمته، كأن الجمال قد أعاد تشكيل ظله.

في تلك اللحظة، لم يكن ستان شيطانًا بعد، ولم تكن ياقوت مجرد امرأة مقدسة… كانا روحين، الأولى وُلِدت من النور، و الأخرى صُنِعت من النار، ولكن القدر سمح لهما بأن يتلاقيا.

فماذا سيحدث حين يحاول الظلام احتضان النور؟

ومع مرور الأيام، بدأ ستان يتبع ياقوت بخطىً ثابتة، عاقدًا العزم على التقرب منها. لكن سرعان ما تحولت تلك الرغبة إلى كابوس بعد أن تقدم بطلب الزواج.

"يا للعار!" كانت كلمات والد ياقوت تتردد في أذنه، كالرصاص الذي يخترق القلب. "أنت، من مملكة العذاب، تريد الاقتران بابنتي؟" صرخ والدها، عينيه تشتعل بالغضب. "أتظن أنني سأعطي ابنتي لشخص مثلك؟ بأي عقل جئتني بهذا الطلب القذر؟! أهذه مزحة أم أنك فقدت عقلك؟!" ثم نظر إليه باشمئزاز، و عيناه تلمعان بالاحتقار، وقال بصوت حاسم :"لو بقي في الدنيا نفس واحد، فلن تكون أنت زوجها!" تجمّد ستان في مكانه، عيناه تضيقان من الغيظ، وملامحه تختلط بين الإهانة والجنون. لم ينطق بكلمة، بل اكتفى بابتسامة باهتة تحمل وعيدًا صامتًا.

استدار ببطء، رداؤه الأسود يجر وراءه ظلًّا كثيفًا كأن الأرض نفسها ترفض لمسه، ثم غادر قاعة الحكم متجهًا إلى مملكة العذاب.

عادت ياقوت إلى غرفتها، حيث استقبلتها جدرانها المغلقة. كانت الغرفة محاطة بجدران بيضاء نقية، لكن تلك النقاء كان يتناقض مع مشاعرها. الأثاث كان فاخرًا، سريرها مغطى بأقمشة حريرية، لكن كل شيء هنا كان كخدعة. لا زهور ولا ألوان، فقط شعور العزلة والوحشة.

ومع مرور الأيام، حُبست ياقوت في برجها، بعيدًا عن جميع الأعين، خاصة عن ستان، بأمر من والدها الذي كان مصممًا على حمايتها. كانت الأيام تمر كالساعات، والشعور بالعزلة يثقل قلبها.

شعرت ياقوت كأنها سجينة في قصرها الفاخر، كانت الدموع تنهمر من عينيها، كما لو كانت تغسل آلامها. جلست على حافة سريرها، وتتساءل كيف يمكن للقدس أن تتحول إلى جحيم.

"لماذا؟ لماذا يجب أن أعيش كل هذا الألم بسببك؟" كانت تبكي، وصوتها يتقطع كأنها تسحب أنفاسها بصعوبة.

"أنا هنا، أعيش في قصر من الذهب، لكنني أشعر كأنني عالقة في كابوس!"

في قلعته المظلمة، جلس ستان على عرشه ، يحدّق في الفراغ، وأصوات النيران من حوله تهمس باسمها… بياقوت.

حاول أن يطرد صورتها من عقله، لكن ملامحها كانت تعود كل ليلة، تقتحم أحلامه كأنها لعنته الجديدة، كانت ياقوت تطارده في أحلامه، ككائن نور ينجذب إليه بشغف، يراها تبتسم في الحلم، ثم تدير ظهرها له، فتشتعل في قلبه نار لم يشهد مثلها حتى في جحيمه.

بدأت الفكرة تنمو داخله… إن لم يستطع أن يكسبها برغبتها، فسيأخذها بالقوة.

وهكذا، في ظلام الليل، كانت مملكة الطهارة على وشك أن تدخل في أعمق كابوس لها.

توجه ستان نحو قصرٍ مظلمٍ مليء بالخمور والسرور المحرم. دخل قاعة واسعة، تعج بالتماثيل العارية والشموع السوداء، وهناك جلست لارا، تجسد الشهوة بكل فخر وغطرسة، تتلاعب بشعرها الذهبي وتبتسم ابتسامة تحمل تحديًا وسخرية.

رفعت نظرها ببرود وسألت بصوت ماكر:

"ستان، يا له من شرف أن تزورني بنفسك... ما الذي جاء بك إلى عرين اللذة؟ هل تعب قلبك من الوحدة؟"

ابتسم ستان بابتسامة نصف خفية وقال بثقة:

"لم أتي لأمزح يا لارا، بل لأنني بحاجة لمساعدتك! هناك أمرٌ لا يطاق في مملكة الطهارة، وأنت الوحيدة التي تستطيعين أن تجعل الأمور تسير لصالحنا."

ضحكت لارا ضحكة قصيرة، ثم ردّت بسخرية:

"آه، أحتاج إلى معرفة تفاصيل أكثر، أو هل تعتقد أنني سأقف إلى جانبك بدون ثمن؟"

نظر ستان إليها بعينين تتقدان، وقال بهدوء:

"ستكون المكافأة على قدر ما تطلبينه. ولكن أولًا، أريد أن أضمن أنك معي."

قهقهت لارا ضحكة طويلة، ناعمة في ظاهرها لكن تحمل شيئًا من المكر العميق، ثم قالت وهي تتكئ للخلف على عرشها:

"أحب هذا… أنت تفهمني حقًا."

اعتدلت في جلستها، وعيناها تضيقان بفضول ماكر، ثم سألت بصوت يقطر بالسخرية:

"فلتخبرني… هل الأمر يتعلق بياقوت؟"

تجمد ستان لحظة، وكأن قلبه توقف، لكن سرعان ما ارتسمت ابتسامة بطيئة على وجهه، تلك الابتسامة التي تجمع بين التحدي والإعجاب، قال بصوت منخفض:

"كنت متأكدًا أنك الشخص المناسب… وأعترف، ذكاؤك يسبق كل من في هذه المملكة."

حدقت فيه لارا بعينيها اللامعتين، وابتسمت ابتسامة ساخرة وكأنها تزن كلماته، ثم مالت للأمام وهمست:

"هيا، فاجئني بشيء لا اعرفه عن نفسي."

فجأة تغيرت ملامح ستان، صار وجهه قاسيًا وجديًا، وعيناه تتلألأان بنيران الإصرار. رفع صوته قليلاً، محملاً بالأمر والتهديد:

"لارا… لا وقت لدينا للمماطلة أو اللعب بالكلمات، ما أطلبه منك يحتاج إلى تنفيذ فوري، ابدئي بالعمل الآن!"

ابتسمت لارا ابتسامة غامضة، تعبيرها يمزج بين الغرور والفتنة، نظرت إليه بعيون تلمع فيها نيران الشهوة، ثم نطقت بصوتٍ ناعمٍ:

"ستان، أنت تعلم أن الحب عندي ليس مجرد لعبة عابرة… إنه أغلى كنز يمكن أن يمتلكه المرء، وكل شيء له ثمنه، إذا أردت مني أن أضع قلبي و روحي في هذا الأمر، فعليك أن تدرك أن المقابل سيكون أثمن مما تتصور، وربما أكثر مما يمكنك تحمله."

أمالت رأسها قليلاً، وأضافت بنبرة تكاد تهمس:

"لا تتعجل، فالمشاعر… حتى في عالمنا المظلم، هي سلاح ذو حدين."

قطّب ستان حاجبيه، وانخفض صوته إلى نبرة غاضبة حادة:

"ما هو الثمن إذن، لارا؟ تكلمي بوضوح، فأنا لا أساوم على المجهول."

لكن لارا لم تُجبه مباشرة، بل أطلقت ضحكة ناعمة، مفعمة بالثقة والسخرية، وهي تتكئ على ذراع عرشها وكأنها تشاهد عرضًا مضحكًا. نظرت إليه نظرة طويلة، عيناها تتفحصه من أعلى رأسه حتى قدميه، ثم قالت بسخرية باردة:

"أوه ستان… أنت لست معتادًا على أن يُترك عقلك معلقًا في الهواء، أليس كذلك؟ دائماً تريد الإجابات السريعة… كم أنت لطيف حين تغضب."

ازدادت ملامحه صرامة، واشتعل الغضب أكثر في عينيه، لكن لارا، وكأنها لا ترى بركانه، نهضت من مجلسها بخطوات بطيئة محسوبة، واتجهت إلى طاولة صغيرة في زاوية القاعة، جلست بهدوء، أخذت إبريقًا من الفضة الداكنة، وصبت القهوة في فنجان أسود فاخر، رائحة البن المحمص تنتشر في الجو، رفعت الفنجان إلى شفتيها، وأخذت رشفة بطيئة وهي تنظر إليه بعينين نصف مغمضتين، ثم قالت بابتسامة مثيرة و ملغومة:

"الثمن… سيكون مفاجأة، يا ستان. وحين يحين الوقت، ستعرف… ولن تنساه ما حييت."

ساد الصمت في القاعة، لم يبقَ سوى صوت القهوة وهي تتدفق ببطء في فنجان لارا، جلس ستان مكانه، مائلًا برأسه قليلًا، عيناه تحدقان في الفراغ وكأن معركة تدور داخله، كان يعرف أن التعامل مع لارا مثل اللعب بالنار… لكن نارها كانت أحيانًا السبيل الوحيد للوصول إلى ما يريد.

في ذهنه، كان يوازن بين كرامته وكبريائه، وبين رغبته الجامحة في امتلاك ياقوت، كل الاحتمالات تتزاحم في رأسه، يضغط أسنانه، يزم قبضته، ثم يتركها ببطء.

أما لارا، فكانت تراقبه من بعيد، جالسة على كرسيها، فنجان القهوة في يدها، وعلى وجهها ابتسامة ساخرة تزداد اتساعًا كلما طال تردده، عينها تحملان مزيجًا من الاشمئزاز والتسلية، وكأنها ترى ملك الظلام نفسه مترددًا كطفل أمام قرار مصيري.

أخيرًا، تنهد ستان بعمق، رفع نظره إليها، وصوته خرج هادئًا:

"حسنًا… سأوافق. لكن لتعلمي، لارا… إذا خانتني هذه الصفقة، فستكونين أول من يدفع الثمن."

ضحكت لارا ضحكة قصيرة، وضعت فنجانها على الطاولة، واقتربت بخطوات بطيئة، قائلة:

"اتفقنا… يا ستان."

بفضل تدخل لارا، بدأت ياقوت تشعر بشيء غير مفسر. رغم كرهها لستان، بدأت فجأة تشعر بانجذاب غريب نحوه. كانت هذه المشاعر تجتاح قلبها، كعاصفة مفاجئة لا يمكنها السيطرة عليها.

"لماذا أشعر بهذه الطريقة؟"

تساءلت، وهي تتأمل في سماء الليل، حيث كانت النجوم تلمع كأنها تشاركها ألمها. كان العقل يحذرها، لكن القلب كان يسحبها نحو ستان.

"هل هذه مشاعر حقيقية؟ أم أنني أتوهم؟"

كانت تحاول التصالح مع مشاعرها المتناقضة، لكن كلما حاولت مقاومة هذا الانجذاب، زادت قوة سحره.

في تلك اللحظة، كانت ياقوت عالقة في دوامة من العواطف، لكن سرعان ما بدأت الأخيرة تشعر بأن تلك العواطف الغريبة، رغم كونها مزيفة، قد أصبحت جزءًا من حياتها. كانت في البداية تحاول مقاومة تلك المشاعر، لكنها وجدت نفسها تتأرجح بين الكراهية للرجل الذي أثر عليها وبين رغبة غامضة في الاقتراب منه. كان قلبها يضج كعاصفة، بين الرغبة في الهروب وبين الحاجة إلى الحب و القبول.

قررت ياقوت أن تخبر والدها بكل شيء، وفي تلك الليلة، كانت الغرفة مظلمة ومحاطة بسكون يقطعه فقط صوت أنفاسها المتقطعة. وعندما سمع والدها عن مشاعر ابنته تجاه زعيم مملكة العذاب، انفجر غضبًا، وقد امتلأ وجهه بشعلة من الغضب تتلألأ في عينيه.

"مستحيل أن يكون ذلك! كيف يمكنك التفكير في شخص من تلك المملكة؟"

كانت كلماته كالصواعق تتردد في أرجاء الغرفة، تُشعل النيران في قلب ياقوت.

"كيف تجرئين على أن تمنحي قلبك لابن عدونا؟ ألم تعرفي أن مجرد التفكير بذلك خيانة لمملكتنا؟ دماؤنا الملكية ليست لتُهدر بجهلك وغبائك!"

كانت الكلمات تتدفق من فمه كأنه يدافع عن شرف مملكته، شعرت ياقوت وكأنها محاصرة في زوايا الغرفة، جدرانها تصغر من حولها، تذكرها بأنها محتجزة بين رغبات قلبها و بين قيود والدها.

تدافعت المشاعر في قلب ياقوت، وكان الشعب أيضًا في حالة من الفوضى. نظروا إليها بنظرات تحمل القلق و الرفض، كأنهم يرون في ارتباطها بستـان خيانة لقيمهم. "مستحيل!" "كيف يمكن أن تفكري في ذلك؟" كانت همساتهم تتسرب كالأشباح في أرجاء المملكة، بينما كانت تشعر بشيء من الوحدة في قصرها. لكن ستان، زعيم مملكة العذاب، لم يكن مستعدًا للتخلي عن ياقوت بسهولة. كان يتنقل بين ظلال المملكة الكثيفة، يحيط به هالة من الغموض والقوة. عاد ستان إلى مملكة الطهارة هذه المرة بخطوات ثابتة، ووجهه يقطر بالتصميم، دخل قاعة الحكم، وأعين الحراس تراقبه بحذر، وقف أمام العرش، حيث جلس والد بياقوت، ورفع صوته بثقة:

"جئتُ مجددًا… لأطلب يد ابنتك."

ضحك الملك ضحكة ساخرة، هز رأسه وكأنه يسمع نكتة قديمة:

"أوه، ألم نتفق أنك لست أهلًا لذلك؟ يبدو أن مملكتك لا تكفيك، فجئت لتبحث عن المستحيل!"

لكن ستان لم يبدُ متأثرًا بالسخرية، بل نظر إلى الملك بثبات، وعيناه تتلألأان كجمرين متقدين، وصوته ارتفع بنبرة باردة و حازمة:

"هذه المرة، أريدك أن تفهم جيدًا أنني لا ألعب بالكلمات أو التهديدات الفارغة. إن لم توافق على هذه الزيجة، فسأ ظلخذها بالقوة، ولن أتردد في ذلك."

سكت الملك للحظة، كأن الكلمات قد صدمته بقوة غير متوقعة، واتسعت عيناه في لحظة من الصدمة والرهبة، وهو يدرك أن هذا التهديد ليس مجرد كلمات تقال عبثًا، بل وعود من ملك العذاب نفسه، يحمل في صوته قوة لا يمكن تجاهلها.

تجمعت مملكة الطهارة في حالة من الفوضى، خائفة من احتمال نشوب حرب. كانت أجواء القلق تملأ المملكة، وأصوات الهمسات تتصاعد كأنها نداءات استغاثة. كانوا يعرفون أن دخولهم في صراع مع مملكة العذاب يعني فقدان الكثير، بينما كانت مملكة العذاب ستستفيد من غنائم الحرب والمعونات. أدركوا أن الرغبة في الحفاظ على ياقوت قد تؤدي بهم إلى خيبة الأمل.

مع مرور الوقت، بدأت الضغوط تتزايد على والد ياقوت، بينما كانت ابنته تعاني من تشتت مشاعرها. كانت تراقب من نافذتها المناظر الخلابة لمملكة الطهارة، حيث السماء الزرقاء تتلاقى مع الأشجار الخضراء اللامتناهية، لكن لم تعد تستطيع الاستمتاع بجمالها، كان كل شيء حولها يذكرها بأن مستقبلها مهدد.

في تلك اللحظة، أدرك والدها أنه إذا لم يتخذ قرارًا حاسمًا، فستكون عواقبها وخيمة على مملكته. بدأ يشك في قدرته على حماية ابنته من ستان، وكان قلبه يئن تحت وطأة الخوف. لكن ما كان يدور في ذهنه كان أبعد من مجرد حماية ابنته. كان يخشى على مملكته من حرب قد تكون لها عواقب لا تُخمد نيرانها.

وبعد مناقشات وصراعات داخلية، استسلمت ياقوت و أبوها للأمر الواقع، وقررت أن تتزوج من ستان. تم الزواج في احتفال مهيب، حيث كانت الأضواء تتلألأ كالنجوم في سماء الليل، والجميع يتظاهرون بالفرح، لكن ياقوت كانت تحمل في قلبها غصة كبيرة، كانت تتزين بفساتين زفاف زاهية، لكن تلك الألوان لم تكن تكفي لتخفي مشاعر التناقض التي كانت تمزقها من الداخل.

وقفت ياقوت في وسط القاعة، بين الزهور المتلألئة والعروسين الآخرين، بينما كانت أفكارها مشوشة، كانت تعرف أنها ستدخل عالمًا جديدًا، لكن كان هناك شعور مؤلم بأنها فقدت شيئًا لا يمكن تعويضه، كأن قلبها انفصل عن جسدها، كانت تقف بين رغباتها والواجبات المفروضة عليها، مما جعل قلبها يزداد تشتتًا، وهو يئن تحت وطأة الضغوط.

لحظة الارتباط، كانت بداية فصل جديد من حياتها، فصل مليء بالغموض والصراع، حيث كانت القوة تلاقي الشغف، والتضحية تلتقي بالحب المزيف.

بعد زواجهما، انتقلت ياقوت مع ستان إلى قلب مملكة العذاب، مكان حيث السماء دائمًا مظلمة والأرض مشبعة بدرجات الأحمر والبرتقالي، تمتزج لتشكل لوحة فوضوية. جدران القصر كانت مزينة بنقوش مخيفة ومنحوتات لرؤوس حيوانات و وحوش متوحشة، مما منح المكان مظهرًا لعالم تسكنه الشياطين.

في البداية، كان التغيير هائلًا بالنسبة لها، فقد انتقلت من الصفاء المطلق في مملكة الطهارة إلى ظلمة قلب مملكة العذاب. ومع ذلك، بدأت تكتشف أمورًا جديدة عن نفسها وعن ستان، أيامها في القصر كانت مليئة بأنشطة جعلتها تشعر وكأنها تكتشف عالمًا مختلفًا تمامًا، كان ستان دائمًا إلى جانبها، يرشدها عبر أنحاء المملكة، ويُريها أماكن وأشخاصًا لم تكن لتتخيل وجودهم.

بينما كان ستان وياقوت يعيشان سعادتهما، كانت الظلال تتجمع في أماكن أخرى. لم يكن كل شيء هادئًا كما يبدو. في غرفة مظلمة، بعيدة عن أعينهم، جلست لارا أمام مرآتها الكبيرة، على وجهها ابتسامة غامضة، وعيناها تشعان بوميض مظلم.

"تظنان أنكما بأمان، أليس كذلك؟" همست لارا، ثم أطلقت ضحكة كانت أكثر قسوة مما يمكن تصوره.

نظرت إلى انعكاسها في المرآة، ثم حولت نظرها إلى الأمام، حيث كان ستان قد وقع في فخها.

"ستان، أوه ستان..." قالت وهي تمرر أصابعها على شعرها المرتب بعناية:

"تعتقد حقًا أنك تملك قلب ياقوت؟ تظن أنني سمحت بذلك؟"

ثم ضحكت، ضحكة قاسية، و مملوءة بالغطرسة:

"لن تدرك شيئًا، ستان... ستكون مجرد دمية بين يدي." صوتها كان هادئًا لكنه مشبع بالقوة والاحتقار. "لكن لن تفهم معنى الألم... إلا حينما تُسحق تمامًا."

وقفت بخطوات بطيئة نحو الباب، نظرت إلى صورتها مرة أخيرة، ثم أضافت بصوت بارد:

"أترقب اللحظة التي أراك فيها تموت بين يدي، لكن قبل ذلك... عليك أن تتذوق طعم الخيانة."

كانت كلماتها صادمة، وكأنها تقول أمرًا عاديًا، لكن وقعها كان عميقًا ومدمرًا، و في لحظة، كما لو أن الزمان والمكان تداخلا، تحولت أضواء غرفة لارا إلى ظلال قاتمة، وعندما رفعت رأسها، وجدت نفسها في مملكة الطهارة، حيث كانت الأرض مغمورة بطوفان من الظلام الداهم.

لحظة دخول لارا إلى مملكة الطهارة كانت أشبه بانفجار مفاجئ في قلب القاعة الملكية. لم يتوقع أحد ظهورها، خاصة في تلك اللحظة بالذات. لكن لارا، واثقةً تمامًا، دخلت القاعة تحت أنظار الجميع المذهولين. اتسعت ابتسامتها أكثر مع كل خطوة تقطعها باتجاه العرش حيث كان والد ياقوت جالسًا.

"أخيرًا، تحقق كل شيء كما أردنا." قالت لارا بصوت مليء بالسخرية، وابتسامة واسعة تغطي وجهها.

كان والد ياقوت، الجالس بجوارها، يبدو مسرورًا، عيناه تتلألأ بفرح، وكأنه فاز بجائزة عظيمة.

"كنا واثقين أن هذه هي الطريقة الوحيدة لضمان مملكة الطهارة لنا وحدنا." قال بابتسامة باردة.

في تلك اللحظة، تغير الجو في القاعة تمامًا، الجميع كان يراقب، ولم يتوقع أحد هذه الزيارة المفاجئة وما تحمله من كشف صادم.

التفتت لارا إلى والد ياقوت وقالت بصوت خافت ممزوج بسخرية لاذعة:

"أليس من الممتع رؤية كيف أن جميع خططنا قد نجحت بدقة متناهية؟"

ضحك والد ياقوت:

"نعم، كل شيء سار كما خططنا له. لا يوجد وريث للعرش، لا أحد يستطيع تهديد قوتنا. ياقوت لن تتمكن أبدًا من استعادة مكانتها!"

ابتسم، وكأن حملًا ثقيلًا قد أُزيح عن صدره، و راقبته لارا، أخذت نفسًا عميقًا، ثم تابعت:

"كان الأمر أسهل مما تخيلت، أليس كذلك؟ كل ما كان علينا فعله هو إزالة العوائق واحدة تلو الأخرى، زواج ستان من ياقوت لم يكن سوى قطعة في هذه اللعبة الكبيرة."

توقفت لحظة، ثم أضافت بنبرة ساخرة:

"وأنت، أيها الملك ، لم يعد بإمكانك فعل شيء الآن. كل شيء بين أيدينا. نحن هنا، أخيرًا، لنحكم!"

ضحك والد ياقوت مجددًا وربت على كتف لارا، قائلًا:

"لقد نجحنا في التخلص من ياقوت والسيطرة عليها بالكامل، لن تستطيع تهديدنا مجددً، نحن نتحكم في هذه المملكة الآن!"

"تمامًا، لم يعد هناك أي عواقب." قالت لارا، بينما عيناها تشعان احتقارًا وتحديًا و بدأت بالضحك، ملتفتةً نحو الخارج، حيث كانت السماء تزداد ظلامًا.

"كان الأمر أسهل مما توقعت. والآن، مملكتنا ستصبح أقوى."

في تلك اللحظة، كان انتصارهم كاملًا، كل شيء سار وفقًا لما خططوا له، وها هم الآن يصلون إلى هدفهم دون أي عقبات.

كان قصر ستان غارقًا في فرحة زائفة، حيث واصلت ياقوت وستان حياتهما الجديدة، يضحكان ويعتقدان أن كل شيء على ما يرام، لم يكن هناك ما يعكر صفو حبهما الوهمي، ذلك الحب الذي لم يكن سوى خيوطًا غير مرئية تحركها يد لارا، المختبئة وراء الستار.

لكن وسط هذا الهدوء المخادع، وصلت رسالة مختومة بشمع أحمر إلى ستان.

كانت دعوة موقعة باسم أريانا -تجسيد النرجسية-، تدعوه إلى اجتماع طارئ مع قادة مملكة العذاب. لم يكن من المعتاد أن يجتمعوا إلا عند الضرورة القصوى.

"اجتماع؟" تمتم ستان وهو ينظر إلى الرسالة، حاجباه معقودان. "لماذا الآن؟"

راقبته ياقوت بفضول، لكنها لم تقل شيئًا، لم تكن تعرف كيف تسير الأمور في مملكته، لكنها شعرت أن هناك شيئًا خاطئًا.

"يبدو أنني مضطر للذهاب..." تمتم ستان وهو ينهض من مقعده.

لكنه لاحظ شيئًا غير معتاد... لارا لم تكن في أي مكان، بحث عنها في القصر كله، سأل الخدم، لكن لم يكن هناك أي أثر لها. كان هناك شيء مريب. لم يكن ليفزع عادة، لكنها دائمًا كانت تسيطر على كل شيء، والآن، اختفت.

"غريب..."

لكن لم يكن لديه وقت للتفكير في الأمر. كان عليه حضور الاجتماع.

وصل ستان إلى القلعة حيث كان القادة الآخرون قد تجمعوا حول طاولة كبيرة، وجوههم تحمل مشاعر تتراوح بين البرود والاحتقار، أريانا، بجمالها المتعجرف، جلست في رأس الطاولة، تتفحص أظافرها كأن الأمر لا يعنيها.

"أوف، أخيرا قد ظهر… الغبي الذي لا يفشل أبدا في جلب المشاكل!" قالت أريانا بضحكة خفيفة، وعيناها تلمعان بسخرية.

لم يعرها ستان اهتمامًا، وجلس على مقعده، وعيناه تمسحان الغرفة.

"لماذا هذا الاجتماع؟" سأل بصوت حاد.

"لكي ترى إلى أي مدى أنت غبي"، أجاب صوت قادم من زاوية أخرى من الطاولة، وكان هو مومون، الطمع، الذي كان يلعب بخاتم ذهبي.

تجمد ستان، غير متوقع لهذه الإجابة:

"ماذا؟"

"ألم تدرك بعد؟" قالت أريانا وهي تميل للأمام، وعينيها تتألقان بالسرور.

"يا له من أحمق أنت، ستان. كان الزواج من ياقوت مجرد خطة خبيثة نسجتها لارا، وأنت لم تكن سوى قطعة شطرنج في لعبتها."

"ماذا تقصدين؟ كفى مزاحا!"، قال ستان، لكن صوته كان يفتقر إلى القوة.

"مزحة؟" ضحك مومون:

"لارا لم تخدعك فقط، بل خدعت المملكة بأكملها! لقد عقدت صفقة مع والد ياقوت، وبفضلك، لم يعد هناك وريث لعرش مملكة الطهارة، هل تعرف ماذا يعني ذلك؟ يعني أن مملكتنا ستظل دائمًا في المرتبة الثانية، مجرد تابع لهم!"

شعر ستان بدمه يغلي. كيف يمكن أن يكون هذا صحيحًا؟ كيف يمكن أن يكون مجرد دمية؟ لم يكن بحاجة للإجابة، لأن أريانا دفعته أكثر نحو الهاوية بكلمة واحدة:

"وأكثر ما في الأمر، أن لارا اختفت، لقد تركتك بعد أن أخذت كل ما تريده منك!"

صمت مميت.

"كفى!"

في تلك اللحظة، عندما بلغ ذروة غضبه، لم يكن لستان سوى أن يشعر بنيران الغضب تحترق في صدره. كان الألم الذي يشعر به كعاصفة هوجاء، تتحرك في جسده وتغزو عقله. "الحرب... حرب ضد مملكة الطهارة!" همس بصوت خشن، كما لو أن هذه هي الطريقة الوحيدة للتخلص من هذا الشعور العميق بالخيانة والإهانة. كان صوته منخفضًا، لكنه حمل تهديدًا لا يمكن تجاهله.

في الصمت الذي ساد الغرفة، بدأ باقي أعضاء المجلس يرفعون أعينهم نحو ستان، ثم ضحكوا... ضحكًا ساخرًا. كانوا يراقبون حركاته التي أصبحت أكثر تهورًا، وأكثر انفصالًا عن الواقع، نظر غارد، الذي كان معروفًا بحسده وقدرته على اقتناص الفرص، إليه بنظرة غبية، كما لو كان يرى أحمقًا ينطق بكلمات فارغة من المعنى"

"هل تعتقد حقًا، على سبيل المثال، أنني مستعد لقيادة حرب ضد النقاء؟"

و تابع ضاحكًا، خافضًا نظره نحو ستان بنظرة متعالية:

"هل تعتقد أن الحرب ضد مملكة الطهارة ستكون في مصلحتنا؟ أو حتى في مصلحتك؟ أنا أرى التأثير الذي تتركه هذه الفكرة على عقلك."

ضحك باقي الأعضاء أيضًا من كلام غارد، لكن رد فعلهم لم يكن مختلفًا كثيرًا. مومون، الذي كان دائمًا يحب الاستفادة من الآخرين لجمع الثروات، صاح:

"هل تعتقد حقًا أن لدينا القوة لمواجهتهم؟ نحن نحتاج إليهم أكثر مما تعتقد. لدينا مصالح اقتصادية في كل ما يفعلونه، لا يوجد أي فائدة من تدمير ذلك!"

أما دانييل، الذي لم يكن يهتم أبدًا بقضية السلطة أو الهيمنة طالما كان يستطيع الاستمتاع برضاه الشخصي، فقد نظر إلى ستان و في يده قطعة كبيرة من اللحم، ثم قال بصوت هادئ وساخر:

"الحرب؟ لا أعتقد أنني سأستمتع بها."

كما لو كان كل منهم يتحدث عن مسألة عادية، أصبحت الأجواء في الغرفة أكثر برودة، وكأن مصير مملكة العذاب لم يعد يهمهم، و بدلاً من دعم ستان في هذه اللحظة الحاسمة، تفرقوا من حوله كالأوراق التي تتبدد تحت ريح عاتية، غير مبالين بارتفاع غضبه.

"أنتم جميعًا خونة!" صرخ ستان وهو يرفع ذراعيه إلى السماء، كما لو أن العاصفة التي كانت تجتاح قلبه كانت تبتلع عقله بالكامل:

"أين أنتم جميعًا؟! هل كان كل ما عشته خيانة؟"

ثم، وكأن شيئًا ما انفجر بداخله، اجتاحت لحظة من الجنون التام عقله. سكت جميع أعضاء الغرفة. لم يكن هناك سوى الصوت الثقيل لأنفاسه، في تلك اللحظة من الغضب الذي لا يمكن السيطرة عليه، اندفع ستان عبر الغرفة بعنف هائل، بدأ في ضرب الطاولة، وانكسرت الزجاجات، وتوزعت الأوراق في كل مكان، وكأن العالم من حوله كان ينهار.

كانت قوته هائلة. يضرب كل ما أمامه، غير قادر على التمييز بين الواقع والخيال، كانت يداه تمسح حواجز الزمن والمكان، كما لو أنها تختصر كل تاريخه في لحظة من الغضب. الأثاث يطير، والجدران تتشقق، وكل شيء في الغرفة يبدو وكأنه ينكسر تحت ضرباته.

وفي لحظة الجنون تلك، سيطر عليه شعور آخر، العزلة. "لم يعد هناك أحد." فكر في نفسه، "لا أحد يهتم بي. لا أحد يستمع إلي!"

ثم، في اللحظة التي كانت فيها الحجارة تسقط من حوله، وكان الظلام يغلف الغرفة شيئًا فشيئًا، اختفى جميع القادة، وكأنهم تبخروا في الظل نفسه. كان غضبه هو المسيطر.

"أنتم جميعًا خائفون!" صرخ وهو يلتفت، لكن لم يكن هناك أحد ليجيب. وجد نفسه وحيدًا في تلك الغرفة المدمرة، وحيدًا في هذا الغضب الذي كان يلتهمه.

قرر حينها العودة إلى القصر. غاضبًا، متألمًا مما حدث للتو، وذكرى القادة الذين خانوه لا تزال تحترق ذاكرته. تمتم لنفسه وهو يخرج من الأنقاض: "لن أسمح لهم باللعب بي مرة أخرى."

بهذه الكلمات، خرج من الغرفة المدمرة، متجهًا إلى قصره، حيث سيعيش الآن وحيدًا في هذا الغضب.

عاد ستان إلى قصره، بغضب لا يمكن السيطرة عليه، فبدأ بلوم ياقوت على سقوطه، معتقدًا أنها هي المسؤولة عن فقدانه لشرفه و مكانته، و كان يواجهها على كل ما حدث له، وتحت تأثير هذا الغضب المتزايد، كان يضربها ويهينها. ومع ذلك، رغم كل هذا، لم تستطع ياقوت التخلص من الحب الذي كانت تشعر به تجاهه، حبًا مسمومًا بواسطة سحر لارا. كانت تتحمل الضربات، والألم، لكنها كانت لا تزال مرتبطة به، أسيرة لهذه اللعنة التي كانت تمنعها من تركه أو كراهيته.

ثم أنجبت أربعة عشر طفلًا، سبعة منهم كانوا يمتلكون قوى استثنائية وفريدة. أما السبعة الآخرون فكان لديهم قدرات قوية أيضًا، لكنها ليست مثل قدرات إخوانهم وأخواتهم. قرر ستان دون تردد أن يسمي هؤلاء السبعة الأطفال حكامًا مستقبليين لمملكة العذاب و لقبهم بالخطايا.

مرت مئة سنة على حكم ستان المطلق في مملكة العذاب، ورغم مرور هذا الزمن الطويل، لم يشعر أبداً بالرضا التام عما حققه، كان قلبه مليئاً بالندم والغضب بسبب ما شعر به من خيانة و خداع من زوجته ياقوت، التي كانت موضوع حبه واهتمامه. ورغم كل الألم الذي مر به. كان يعتقد أن القوة المطلقة لن تتحقق إلا من خلال السيطرة على مملكة الطهارة، التي كان يراها المملكة التي ستمنحه القوة التي يبحث عنها.

في أحد الليالي، وهو يقف أمام نافذة قصره في الظلام، اتخذ ستان قراره أخيرًا. سيستخدم أبنائه السبعة، الذين يمتلكون قوى خاصة، لغزو مملكة الطهارة. كان يراها فرصته الأخيرة لاستعادة شرفه وموضعه المفقود.

قبل تنفيذ خطته، دخلت إحدى بناته إلى الغرفة، التي كانت على علم بنوايا والدها. "أبي، هل أنت متأكد من هذا القرار؟" سألته بحذر. "مملكة الطهارة ليست كما تعتقد، هناك الكثير من المخاطر على هذا الطريق." لكن ستان كان مصمماً، وعيناه تشتعلان بالغضب، فأجاب:

"هذه فرصتي الأخيرة، لن يوقفني أحد الآن. سأحصل على كل ما أستحقه."

بعد حديثه مع ابنته، قرر أن يسجن ياقوت وأبناءه كي ينفذ خطته دون عوائق.

في تلك الليلة، وبينما كان الظلام يغطّي القصر، اقترب جنود بستان من ياقوت وأبنائها. كانت ياقوت تشعر بشيء غريب في قلبها، كأن عاصفة على وشك أن تضرب، لكنها لم تجد الوقت الكافي للاستعداد لما سيحدث.

"أمي، ماذا يحدث؟" سأل أحد أبنائها، الخوف واضح في عينيه، لكن ياقوت لم تجب، كانت تنظر إلى ستان، الذي بدا مختلفًا عن الرجل الذي أحبته، كان الغضب يسيطر على عينيه وكان من الواضح أن الظلام قد بدأ يتحكم في قلبه.

"أمي!! هل سنكون في أمان؟" سأل طفل آخر، يبحث عن إجابة في عينيها.

لكن ياقوت كانت في حالة من الحيرة، وعندما اقترب الجنود، تم رميها هي وأبناؤها إلى السجن، حيث كانت عيونها تلاحق ستان، الذي ظل صامتاً طوال الطريق. كان قلبها محطمًا، لكن هناك شعاع صغير من الأمل ظل موجودًا، أمل أن الأمور قد تتغير في ما بعد.

بعد أن سجن ستان ياقوت وأبنائه، بدأ في التحضير لغزو مملكة الطهارة. كان يعتقد أن هذه فرصته الأخيرة ليصبح أقوى من أي وقت مضى. جمع أبنائه السبعة، كل واحد منهم يمتلك قوة خاصة، وبدأ في وضع خطة الهجوم.

"هل أنتم مستعدون؟" سألهم ستان بنظرة حادة، ثم صاح:

"جميعا! اليوم، أريدكم أن تذكروا من يقودكم، ومن يحمل إرادة القوة في دمه… أنا ستان، زعيم مملكة العذاب، الذي يُفرض اسمه على كل من تجرأ على تحديه! اليوم سنأخذ كل ما هو لنا بالقوة، وسنكسر كل من يقف في طريقنا! دعوا كل من ظن أنه قادر على الوقوف أمام إرادتنا يندم على جهله! ارفعوا راياتنا عاليًا، ليشهد العالم أن دماءنا لا تُقهَر، وأن إرادتنا أقوى من كل قوة! اليوم، أنا وسلالتي سنكتب التاريخ على أقدام أعدائنا، ولن يجرؤ أحد على تحدينا أو التلاعب بنا مرة أخرى!"

أجاب أحد أبنائه، الذي كان الأقوى بينهم:

"نحن مستعدون، لكن هل أنت متأكد من هذا القرار؟ هناك قوى ستقف ضدنا، والأمر سيكون أكثر تعقيدًا مما تتوقع."

لكن ستان لم يعر أي انتباه لكلامه، نظر إليه بغضب وأجاب بصوت حاسم:

"لقد فات الأوان للشكوك، لدينا هدف واحد: النصر والانتقام، لا مكان للكلام الفارغ."

في تلك اللحظات العصيبة التي سكنها الحزن والتورط في الألم، كانت ياقوت في زنزانتها، بعيدة عن العالم، تكاد لا تستطيع التحمل أكثر. كان قلبها محطمًا، روحها مستنزفة، والذكريات تتهاوى في عقلها كأنها شظايا زجاجية محطمة. لقد عاشت في جحيم ستان، حبيسة في قفص من الذكريات المسمومة التي زرعها هو بيده. كان يظن أن كل شيء كان بسببها، بسبب وجودها في حياته، كأنها هي من سلبته قوته ومكانته. لكن الحقيقة كانت أبشع بكثير مما يمكنه تخيله. لقد كان ستان ضحية لدرجة أكبر، للشيطان الذي سيطر عليه؛ ولكن ياقوت كانت دائمًا هناك، تحاول التماسك، تحاول الهروب من معاناتها.

اقتربت ياقوت ببطء من أحد أبنائها، وكأن كل خطوة تثقل قلبها أكثر من السابقة، كانت يداها ترتجف برفق حين لمست كتفه، وبرودة الزنزانة تقطر في عظامها كما لو كانت تحمل معها كل وحشية المكان، حولها الصمت يصرخ، وصدى الألم في أنفاس أبنائها ينهش قلبها بلا رحمة.

دمعة واحدة، ثقيلة كالصخر، انزلقت على خدها، لتسقط على الأرض الباردة و تشتعل في قلبها وجعًا لا يوصف. نظرت إليهم، عيونهم المظلمة، وجوههم المرهقة، وهمسات الألم التي لم يستطيعوا نطقها، فارتجف صوتها حين همست بصوت مكسور، كأنه يقطر من أعماقها:

"يا إلهي… كيف وصلنا إلى هذا الحد؟"

شعرت فجأة بصرخة تتوهج داخلها، صرخة تقول لها: لا يمكنك البقاء هنا مكتوفة اليدين… لا يمكنك السماح لهم بالانكسار أكثر، كانت لحظة مرعبة، قلبها يضرب في صدرها بعنف، كأنه يريد الخروج، كأنه يعرف أن الوقت ينفد.

اقتربت أكثر، وضعت يديها على كتف أصغر أبنائها برفق، كل لمسة كأنها تحاول أن تمنحهم دفءً لا يمكنها تأمينه، شدّت أنفاسها بصعوبة، وكأن كل شهيق هو صراع مع اليأس، ثم همست بعزم مكلوم:

"لا… لن أدعهم يبقون هكذا… لن أتركهم ينهارون أمامي… عليّ أن أفعل شيئًا الآن… مهما كلفني الأمر… مهما كلفني قلبي و روحي!"

كانت لحظة إدراك مروعة، لحظة التقاء الحب العميق بالخوف الذي يكاد يبتلعها، مع العزم الذي يشق طريقه عبر الدموع والآلام. في تلك اللحظة، صار كل شيء واضحًا: الحركة الآن ليست مجرد خيار… بل واجب حارق لا يرحم، يفرض عليها الوقوف أمام الألم مهما كان الثمن.

وفي لحظة كانت أقدامها تخطو بخطى ثابتة، وعقلها مشوش بين الألم والحب، اتخذت قرارًا نهائيًا:

"لن أتركهم ليدفعوا الثمن."

كان الباب صلبًا، مغلقًا، ولكن ياقوت شعرت بشيء أعمق في داخلها، نوع من القوة التي لا يمكن تفسيرها، تلك القوة التي جُمِعت من سنوات من المعاناة، من حب لا يتوقف، من خوف على أبنائها لا حد له. و بينما كان قلبها يخفق بشدة، نظرت إلى الباب، وعيناها تحدق فيه بإصرار ثم قالت بصوت عميق:

"لن أكون سجينة بعد الآن…"

كأنها كانت تتحدى كل شيء، حتى الموت نفسه. وأطلقت ضربة من داخلها، كسرت الباب، ثم خرجت.

وفي اللحظة التي انطلق فيها ستان في الجسر العملاق الذي يؤدي لمملكة الطهارة، بكل قوته وجنوده، لبدء الحرب التي كان يعتقد أنها ستستعيد مكانته، كان قلب ياقوت ينفطر.

طارت في السماء، وكأن كل جزء من جسدها يحترق من أجل أبنائها، كل شيء كان معدًا لهذا القرار الذي لن تعود فيه. وفي لحظة واحدة، وقف أمامها بستان، غضب عينيه يراه الجميع في الأفق.

"أنتِ، ماذا تفعلين هنا؟!" صرخ في وجهها، وكأنها هي السبب في كل معاناته.

لكنها لم تكن تهتم. كل ما كانت تعرفه في تلك اللحظة كان أن الحياة لا تعني شيئًا إذا لم تكن قادرة على حماية أبنائها.

"لن تلمسهم، لن تدمرهم!" قالت بصوتٍ قوي، رغم أن كل شيء كان ينهش قلبها.

ثم، وبكل ما تبقى لها من قوة، أطلقت قوى لم يعرفها ستان من قبل. شعاع من الضوء، يتساقط كالأمطار من الفضاء، يمتد ليأخذ كل شيء في طريقه. وحينما نزل شعاعها فوق أرض المملكة، انتقلت أرواح أبنائها إلى الأرض، بعيدًا عن والدهم، حيث لن يستطيع الوصول إليهم.

عندما بدأ نورها يضيء، شعرت كل خلية في جسدها وكأنها تنفصل عن العالم المادي، وكأن جسدها يذوب في الضوء نفسه. وكل شيء حولها بدأ يختفي، بما في ذلك ستان الذي كان يصرخ باسمها في عجز: "أنتِ خنتِني! أين ذهبتِ؟!" صرخ بصوت يائس، لكنه لم يكن يسمع سوى صدى كلماتها في قلبه.

مع انفجار الضوء، تحول جسم ياقوت إلى نور ساطع، يحاصر مملكة العذاب بالكامل. الحاجز الذي خلفته كان غير مرئي، لكنه كان موجودًا بقوة غير متناهية، يمنع أي كائن من الخروج من المملكة. كانت قد فعلت ما لا يمكن لأي شخص آخر أن يفعل.

قبل أن تختفي كليًا، نظرت ياقوت إلى أبنائها الذين نُفوا إلى الأرض، وهم يركضون في عالم جديد، بعيدًا عن جحيم أبيهم. كانت تعرف أن هذا القرار كان قاسيًا، ولكنه كان الأفضل لهم.

ومع صمت قلبها، تحولت إلى نور، وتلاشى كل شيء. لم تعد ياقوت موجودة كما كانت، لكن الحب الذي زرعته في قلوب أبنائها سيظل حيًا للأبد، وهمست في قلبها، قبل أن تختفي نهائيًا:

"لقد فعلت ما يجب عليَّ فعله، سأظل أراقبكم، أحبكم للأبد... أبنائي."

وهكذا، رحلت ياقوت، تاركة خلفها عالمًا يتألم بفقدانها، وعالمًا جديدًا لأبنائها، الذين سينمّون على الأرض، بعيدًا عن قبضة أبيهم.

و لكن في الأرض، كانت الخطايا تنتشر بين البشر كالنار في الهشيم، كانوا يتسببون في فساد لا يمكن تصوره. كل واحد منهم كان يترك بصمة مدمرة. ميرور شقت القمر و هيفن تحول كل ما حولها إلى رماد. لم يكن هناك أحد يستطيع الوقوف في وجههم، فكل خطيئة كانت تمارس قوتها على البشر وتشهر بالفساد، تجذبهم إلى عوالمهم المظلمة وتغيرهم إلى أسوأ.

حاولت الوصايا الوقوف في وجههم، لكنهم فشلوا في البداية. تكررت محاولاتهم و لم تنجح. و مع مرور الوقت، أصبحوا يدركون أن القوة الوحيدة التي يمكن أن تقف ضد هذه الخطايا هي السحر.

فقاموا بجمع أفضل السحرة من جميع أنحاء العالم، واختاروا تعويذة قوية لحبس الخطايا في مكان بعيد عن البشر، و بعد جهود كبيرة، تمكنوا من اختراع "تعويذة الأمل الأخير".

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إنبعاث القدر

المؤلف Medbrawl
2026/06/21 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة