ما مفهوم الحب - 02

ما مفهوم الحب - 02

10 0

قد يحرق اللهيب قلبك، لكن دوما هناك من يخمده

_______________

توارت الأيام واحدة تلو الأخرى، في تقلّب..

أحيانا تمرّ هادئة تحمل رائحة الربيع، وفي أيام أخرى تكون متوترة و مرهقة، تماما مثل ليل، الذي ظهر بين ظلال رفاقه، و هو يلملم شتات نفسه أثناء هرولته بخطوات متباعدة، و يتمتم بنفس متقطع وكلمات غير مسترسلة جراء فؤاده الذي يخفق بقوّة..

"سأتأخر عن الحصة.. لابد أنني بالأمس.. هل كنت أتخيل؟.. لا يعقل سوف أتعرض للتوبيخ.. موتك على يدي يا وفاء.."

 

قرع الجرس، فملأ صدى صوته الأروقة، و تجوّل بين اللوحات المعلّقة بمختلف أساليبها.. يتبختر بينها  بحرية.

و ليل يتعثّر بين الفينة والأخرى بسبب سروال الجينز الواسع الذي يرتديه!

بدأت حصة الفنون، و تسارع الطلاب نحو الداخل في فوضى عارمة..  فمن سيُمسك به الأستاذ متأخرا، سيصبح على الأرجح عبرة لبقية زملائه ..

أثناء ذلك الضجيج، صرخت إحدى الفتيات عندما اقترب منها صديقها ذي الشعر المجعد وحالته رثة، "ما لك تبدو ككلب ضلّ طريقه؟"

قلب المعنى عينيه بضجر و هو يستريح على المقعد الأزرق حذوها، بينما أجاب بنبرة ساخرة "كم انت مضحكة.."

رمى حقيبته على الطاولة أمامه، و استدار نحوها مسترسلا حديثه "بربك وفاء، ما نوع الشاب الذي ألححتِ عليّ لأسبوع حتى أوافق على الخروج معه.. "

نجح حقا في جذب انتباهها، تركت المعنية قلم حُمرتها و استدارت نحوه.. رفعت يديها بحركة سريعة و أمسكته من كتفيه و هي تصرخ " ماذا!! هل قابلته حقا؟ تكلم، ما الذي حدث.."

نظرت له عن كثب، فأبعدت رأسها للخلف قليلا وشكّلت تعبيرا مضحكا سائلة إياه" ويلاه، لماذا تحت عينيك بهذا السواد.. لا تقل لي أنكما!!"

قاطعها فورا و هو يحاول جاهدا إصلاح ظنها، فهو لن يتحمل إشاعة بتلك البشاعة بالانتشار في الوقت الراهن

" قطعا لا! بجدية، تتكلمين وكأنك لا تعرفينني.."

هربت شتيمة من فمه دون شعور منه قبل أن يكمل تبريراته" حتى و لو كنت شخصا اقوم بعلاقات عابرة، لن أرضى أبدا أن أفعل شيئا مع شخص غريب الأطوار كذلك!!"

وقبل أن يتوه في دوامة حججه التي لا تنتهي، باغتهما صوت ذكوري آخر من العدم، صوت مألوف

" غريب إنها الثامنة و عشر دقائق و الأستاذ لم يدخل بعد.."

إلتفت ليل لصاحب الصوت، و صرخ فرحا بينما لمعت أعينه بخفّة" آدم، لقد عدت.. "

كان آدم شاب متوسط الطول، ما يميّزه عن أقرانه هو تفاؤله الدائم و دعمه لدائرة أصدقائه .. و ذلك وحده كان يكفي ليصبح مقربا من ليل و وفاء في وقت وجيز..

تعرّف عليهم في إحدى الحفلات في العاصمة، في حانة مختبأة في أحد الأزقة. ومن يومها، وهم رفقة جيدة..

حطّت مقلتي ليل على الصبورة آنذاك، فتكلم هو الآخر بإستغراب

"كذلك، هو لم يعلّق أحد اللوحات اليوم؟ هذا ليس من عادته.."

كان سؤاله نابع من الشعور بالفضول لا غير، لكنه  استحوذ عليه كالعادة.. و استبدل هدوءه بعاصفة هوجاء من الأسئلة داخل عقله..

ليردف بنبرة شبه هامسة حينها "تفطنت بذلك توا، ترى ما الذي يخبأه ذلك الأرنب ذي النظارة.."

وقبل أن يكمل تسلسل أفكاره حتى، و نقاشه الصغير الذي بدأ ينمو بينه وبين آدم، أفزعتهما ذات النمش بشهقة طفولية عالية.. سرت نتيجتها القشعريرة في بدنه، وانتفض من مكانه وهو يحملق بها في استغراب تام.

بينما رفعت يدها تخفي بها فمها. و تردف و قد أصبحت مقلتيها الخضراوين مثل آبار فارغة" أيعقل أنه امتحان فجئي.. إلهي أنا لست في مزاج جيد للإجابة عن تاريخ الفن! ولا حتى للرسم.. أنا راسبة لا محالة يا ليل.."

انهمرت عليهما بسيل من الشكاوى، كمن ترمّلت لتوّها..

ضحك آدم على طفوليتها و تذمرها المستمر، فرك لحيته الخفيفة قبل أن يردف مهدئا اياها "لا تقلقي، لم يمر شهران منذ بدأت الدراسة.. لا اتوقع انها مدة كافية حتى نخضع لإمتحان .. "

سكت قليلا وهو يناظرها، قبل ان يسترسل حديثه بنفس النبرة "ربما حدث له أمر ما.."

وقبل أن يكمل طرح فرضيته، هرع جميع من بالقاعة إلى مجالسهم بعد أن صرخ أحدهم بقدوم الأستاذ

وما لبث حتى دخل عليهم الأستاذ و هو يمشي بخطوات غير متّزنة، شعره غير مرتب للخلف هذه المرة. ونظاراته؟ هو لا يرتديها..

أسرّ ليل لنفسه عندما تمعّن فيه النظر " غريب، هل حدث شيء ما؟"

عادت وفاء إلى مضجعها دون صوت، عندما صرّح الأستاذ بصوت عالٍ" أستسمحكم عذرا.. كانت لي بعض الأمور لذا تأخرت عنكم.."

ثم أشار لأحد الطلبة بإصبعه مواصلا حديثه وهو يرفع كومة من الورق بيده الأخرى "نور، هل تسمح بتوزيع الأوراق على بقية زملائك؟"

جحظت أعين وفاء و هي تولول في مكانها، و آدم يكتم ضحكاته بصعوبة، في حين ليل.. هو لم يكن ههنا. بل كانت كستنائيتاه تترقّبان يد سيف وهو يقفل زرّ قميصه العاجيّ أثناء جلوسه في مكانه.

يبدو مختلفا، لونه رمادّي مشتّت.. هو لا يبدو كالمعتاد، بل كنهر كان ساكنا حتى صفعته الريح، فأجازت بموجه و تلاعبت بخباياه..

وجهه متجمّد، صحيح أنّه لا يبتسم في العادة. لكن لمعة عينه مختفية، لا بد من أنّ هناك شيء غريب حدث..

"ليل؟"، همس بها صاحب الصلات الكستنائية وهو يميل بجذعه قليلا.. "أنت بخير؟"، و قبل أن يتمادى ذلك الأشقر و يفتح الحديث أكثر. قاطعته وفاء

تناولت الورقة من بين يديه، و ابتسمت له متملّقة تزعم بأنّ صديقها يعاني من الأرق فحسب.. يبدو أنّه لا يروق لها..

عاد ذلك الأشقر إلى مكانه، بقفزات مرحة على الدرج.. استرق نظرة سريعة حيث يجلس ليل في سكونه المعتاد

ابتسم و التفت عندما تكلّم أستاذه "هذا ليس امتحانا .. بل شيء أكثر أهمية.."

استقام سيف من مكانه، بعد أن ارتدى نظارته ذات الإطار القاتم و اخذ الورقة بيده الأخرى، حطّ بصره عليها و استرسل ما سبق

"في هذه الورقة بعض الأسئلة التي تخصّ ما درسناه عن الفن و الأساليب المختلفة، والهدف منها أن نعلم إلى ما يميل منه كل طالب منكم.. اكتبوا فيها ما تريدون، انتقدوا اللوحات، تحدّثوا عن الفنانين.. و الأهم من ذلك اذكروا فيها أكثر لوحة أسرتكم.."

"الممتع في الأمر أنه بعد تلقي الإجابات منكم، سنقوم برحلة صغيرة إلى عالمي الخاص.."

سكت قليلا و رفع ابصاره عن الورقة، ليجد نفسه تلقائيا ينظر إلى كستنائيتي ليل. التي كانت تحمل دفئا غريبا.. للحظة خانته الكلمات، و طالعه في صمت تام..

ليتحمحم سريعا ويعيد" سأحملكم نحو عالمي الصغير، حيث تختبأ لوحاتي في الظل. وبعد ذلك سأعطيكم مشروعا مدرسيا لتقوموا به على طريقتكم الخاصة.. هل راقت لكم الفكرة أم نلغيها؟"

تغيرت نبرته في كلماته الأخيرة لتتحول إلى نبرة متسائلة، أيّد الكل طلبه.. لكنه كان ينتظر إجابة صاحب الخصلات الفحمية .. لم ينزل بنظره عنه حتى رآه يبتسم عندما سمع حديثه..

ابتسم بدوره لا اراديا، و أدخل يده في جيب سرواله الكريمي القماشي، و هو يسير بين الطلبة صعودا..

أوقفه آدم عندما اقترب منه، و استفسره قائلا "أستاذ، مكتوب هنا.."

أشار بيده في مكان ما على الورقة و استرسل حديثه بعد أن خطف الأنظار نحوه " اسم المشروع هو (ما هو الحب)..."

" هذا صحيح، أردت أن أعرف تعريف الحب و قيمته بالنسبة لكم، كل شخص فيكم يرى الحب في شيء أو شخص بطريقة ما.. و نحن بشر لذا فالإختلاف طبيعي بيننا.. "

رفع ليل أبصاره عن صديقه، و اتجه بها نحو الواقف على يمينه. يختلس النظر للخصلات البنية التي التصقت بجبينه، حتى نزلت رويدا نحو شفته..

هذه أول مرة يلاحظ فيها شفة الأستاذ، كأنها مرسومة باليد.. لا هي دائرية منتفخة، ولا مسطحة.. بل هي مزيج من الاثنين، لا تبدو وردية فاتحة ولا حمراء قاتمة.. بل لون يجمع كلاهما، يجمع بين نار الأحمر وشغف الوردي..

وهنا هربت الكلمات من فم الأسمر دون ادراك منه "وما هو الحب من منظورك انت، أستاذ؟"

لم يكن مجرد سؤال عادي، فقد ضغط على الزناد مباشرة..

سؤاله كان عن أكثر شيء يحاول سيف جاهدا تجنبه،هو يرفض الحديث عنه.. لم يفتح قلبه ولم يفصح عن مشاعره قط.. لكنه الآن؟ على مرأى من كل طلابه!

لاحظ نظرات الفضول و الاهتمام تشعّ من أعينهم، وقد اختفت همساتهم ليصبح الفصل فجأة صامتا بشكل موحش، وكأنه قبر يضيق عليه شيئا فشيئا

نظر حوله بعد أن نبض قلبه بتسارع، حكّ بأصابعه عنقه من الخلف.. تمالك نفسه و أفاد "الحب.. لطالما شعرت بأنه سلاح ذو حدّين، هو مخيف بقدر ماهو جميل.. كالسم في العسل، أو ربما كزهرة البيلادونا.. الشكل جميل و المكنون مرعب، إنّه نقطة ضعف للإنسان لكنها محببة لقلبه...كل قصص العشق انتهت بمأساوية.. قيس و ليلى، عنتر و عبلة، حتى روميو و جولييت.. ما قتلهم هو الحب... "

" لكن ألا يستحق الحب التضحية؟ "

" بلا هو يستحق، إن كان من أجل نظرة من محبوبك يستحق.. لو كان بسبب رائحة جسمه يستحق.. في سبيل قبلة؟ يستحق.. و لكن ذلك الحب اختفى في هذا الزمن! أنا لا أمقت الحب بذاته، بل أنا لا أعترف بوجوده في الوقت الراهن.. لقد مات الحب مع العشاق انذاك.. الحب في زمننا الحالي الشمعة، يشتعل في ومضة و يخمد سريعا.. يوهمك بالأحاسيس، لكنها مؤقتة... "

ساد الصمت في القاعة، كأن كلماته الأخيرة لم تجد مكانا تستقر فيه..

تبادل بعض الطلاب نظرات صغيرة، بينما خفتت الهمسات قبل أن تخرج أصلا. حتى وفاء التي كانت تعلّق على كل شيء، اكتفت برفع حاجبها في استغراب، و نظرت إلى ليل تبحث عن تعليق.. لكنها لم تجد شيئا. بل كل ما رأته هو نظرات يتبادلها مع سيف..

أما سيف بذاته، فقد ظلّ واقفا مكانه لثواني، كأنه نسي ما كان بصدد فعله..

رفع يده وحدّق في ساعته، ثم اعتدل قليلا

"حسنا.. أظنّ أنّ هذا يكفي لليوم."

كانت نبرته أخفّ من المعتاد، أقر إلى قطع الحديث من إنهائه.

بدأ الطلبة يجمعون أغراضه، و امتلأت القاعة بحركة خفيفة غير متناسقة، كأنّ كل واحد منهم يحاول الخروج بشيء مختلف عمّا دخل به

نهض ليل ببطء ، حمل حقيبته، و بدأ في النزول من على الدرج قاصدا الباب دون أن يلتفت

وقبل أن يعبر العتبة "ليل"

توقّف في مكانه دون أن يلتفت، كان صوته هذه المرة أخفض، لا يحمل تلك الحدة التي اعتادها منه الجميع

استدار الاسمر قليلا، دون أن يقترب.

تقدم سيف خطوة نحوه، ثم توقف كأنه أعاد التفكير في المسافة بينهما "سؤالك.."

سكت لحظة، ابتلع ريقه ثم أضاف بنبرة أكثر اتزانا

"سؤالك،أنت لم تجب عليه.."

لم يتغير التعبير على وجه ليل، لكنه رفع ابصاره نحوه أخيرا. لحظة قصيرة مرّت بينهما، صامتة لكنها ممتلئة بالأحاسيس

ليتمتم بهدوء "ستعرف إجابتي.. عندما أسلّمك مشروعي.."

ثبتت نظراته عليه لثانية إضافية تمكّنه من قراءة وجهه، قبل أن يستدير و يكمل طريقه نحو أصدقائه.

بقي سيف متجمدا مكانه، يتبعه بعينيه دون أن يلحق به هذه المرة، وكأنّه قد حصل على إجابته بالفعل..

_________

انتهى..

أعرف أنه فصل قصير، لكنه مربوط بالأحداث..

لو كان أطول قليلا لصار مملا..

متشوقة لقراءة تعليقاتكم..

ما رأيكم في إجابة سيف؟

توقعاتكم للفصل القادم؟

دمتم سالمين.. ❤️🦊

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

القـرمزي

المؤلف الكاتبة أكـومـة
2026/06/02 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة