ما نحن سوى أرواح تسير في تيه، سنلتقي ذات يوم تحت جسر المحبة
____________________
رنّم عصفور الكناري بألحان عذبة، بعدما حطّت أقدامه على غصن قريب من أحد نوافذ الجامعة.
هناك.. اخترقت ألحانه زجاجها، و نجحت في جذب بعض الأنظار كأنهم وجدوا فيها بساطة، أكثر من ما كان عليه الحال في القاعة.
تسلّلت الألحان و تسرّبت بين الكراسي الزرقاء المصطفة بانتظام، تكسر صمت القاعة. و تتوجّه نحو الأمام لتجد سدّا يمنعها من التقدم...
تلك اللوحة المعلّقة في الجدار الأمامي..!
داخل إطار تتشابك فيه خيوط ذهبية منقوشة، مشهد كان مربكا للبعض، و غير مريح للبعض الآخر. و ساحرا للقليل منهم، بخطوط الفرشاة الدقيقة و الألوان الداكنة؛ صُوّرت الملحمة...
جسدان مقتربان إلى حد الالتصاق.. مشهد محرّم، لا يستطيع أي منهما الاقتراب أكثر ولا حتى الانسحاب..! لا الهجوم ولا التراجع..!
تناقض جميل و مربك في الآن ذاته، فلا هو يبدو صراعا خالصا.. ولا احتضانا دافئا..
هاهو الأستاذ قد حضر، صدى حذائه الجلدي يُمسع في القاعة، يسير بخطوات منتظمة و صارمة تماما كقميصه الأبيض.
وضع مقتنياته على المكتب الخشبي العتيق، و توقف في المنتصف حيث أضحت اللوحة خلفه، متوارية عن أنظارهم في خجل.
عدّل نظارته بيمناه، ثم رفع يده يعيد بها خصلاته الداكنة للخلف.
قبل أن يتكلم بنبرة متسائلة
"أيها الطلاب، ما الذي يتراءى لكم في هذه الصورة؟ ما الفكرة التي أراد ايصالها الرسام، وما المشاعر التي تسيطر عليكم الآن؟ "
لم يجرؤ أحد على رفع يده و الاقدام على الحديث، فقد عُرف القابع أمامهم بصرامته، و عُرف أيضا بميله للفكر و التحليل العقلاني لا العاطفي.
وذلك يؤكد بأنّه لا يرى اللوحة كما يراها البعض منهم، مشاعر متشكّلة بالألوان. بل يعتبرها رسالة مشفّرة تتناول قضية توارى عنها الزمن. لا يُؤمن بأن لكل شيء في هذه الحياة لون، المشاعر، الطقس.. و حتى الأشخاص..
بل و إن سمع تفسيرا مبنيا على الإحساس و العواطف فحتما سيلقى صاحبها درسا لن ينساه طيلة حياته...
أثناء ذلك الركود الموحش، تجوّلت أعينه بينهم كصقر يبحث عن فريسته، تتمعّنهم بتركيز و تبحث عن شخص يبدو عليه الاهتمام رغم خجله. و قبل أن ييأس و يضطر لشرح ما بجعبته، ارتسم شبح ابتسامة جانبية على محياه
قبل أن يشير بذراعه لأحد الشباب الجالسين في الصفوف الأخيرة في هدوء.
يبدو أنّه عثر على ابرته التي أضاعها في كومة من القش!
رغم شعره الفحميّ المنكوش، و عيناه المختبأتين تحت بعض الخصلات الملتصقة بجبينه، وقميصه الأزرق الواسع الذي يخفي كتفيه.
رغم جسده المتقوقع على ذاته كفراشة في قفص زجاجي تخشى مواجهة العالم، فقد كانت نظراته ثابتة؛ تحمل مزيجا من الرغبة و شيئا من الرهبة ..!
رغبته في امعان النظر أكثر، وكانت رهبته من أن يختاره الأستاذ قربانا يبدأ به العام الدراسي الجديد..!
وما خشيه هو ما لقاه حينها، فقد كان له في الرسمة نصيب..
تكلّم الأستاذ بصوت جهوري، وهو يضمّ ذراعيه نحو صدره
"أنت.. ما رأيك أن تشارك زملائك في رؤيتك الخاصة تجاه اللوحة؟"
لحظتها شدّ الفتى على أصابعه حتى ابيضّت، و راح يطرق الأرض بطرف حذاءه، بينما عينه تتهرّب من النظر لهيئة أستاذه التي كانت أشبه بهيئة عزرائيل انذاك!
"أسمعت ما قلته؟"
أعاد صاحب القميص الأبيض بنبرة أعلى من سابقتها. فاستقام الشاب كجذع شجرة منكسر بعد ليلة هوجاء
ابتلع ريقه بتقطّع قبل أن يقول متلعثما وهو يشيح بنظره نحو النافذة الزجاجية تلك
"أ.. أظن بأنّ، لا. بل هي... أعني.."
قاطعه سيف هذه المرة بنبرة هادئة بعض الشيء، وهو يتقدم نحو بخطوات متوازية
"هدّء من روعك، أنت لست في امتحان. لملم شتات نفسك وتكلم عندما تكون مستعدا.."
لم يعلم الاستاذ أنّ لكلماته البسيطة وقع أكبر حجما من الجبال على قلب ذلك الشاب الأسمر، فقد ابتسم بخفّة و فكّ أصابعه المتشابكة، قبل أن يعيد بصوت كالموج؛ يعلو تارة و يهبط أخرى. و نبضات قلبه في تسارع مستمر
" لوحة يعقوب والملاك، الرسمة مستوحاة من قصة يعقوب و صراعه مع الرب المتجسّد في البريّة آناء ذهابه ليلقى أخاه عيسو ثانية؛ وهذا حسب الكتاب المقدس. أمّا عن ما تراءى لي في اللوحة.."
تنفّس الصعداء و قد عادت دقات قلبه عادية، عندما لمح استاذه ينتظر ما سيقوله، و هو يرمقه بتركيز..
أثناء سكوته الذي لم يدم لثوان قليلة، كان الأستاذ سيف قد عاد بالفعل حيث مكتبه.
انحنى قليلا للأمام، وقد أضاق مقلتيه كأنّ العالم من حوله قد أظلم، ولم يبقى فيه سوى هو و ذلك الطالب المتحدث
".. أنا أرى عزم يعقوب على الصراع رغم اختلاف موازين القوى، كأنّه يخشى أن يتّجه ذلك الخطر إلى امرأتيه وبنيه..كان يصراع ذاته قبل الملاك.
و أرى في عين الملاك رحمة و عطفا من الخالق نحو عبده، إن تمعّنت النظر قليلا سترى كيف يتشبّث يعقوب بظهر خصمه بكل ما أوتي من قوة، وكأنه يريد افتراسه.. أما الملاك فجلّ ما يبتغيه هو فقط الهرب قبل بزوغ الفجر... "
تشكّلت عقدة خفيفة بين حاجبيه أثناء حديثه، وقد رفع ذراعيه كذلك حتى يساعد بهما نفسه في الشرح
" ما أراه هو أنّ السيد ألكسندر يريد أن يخبرنا من خلال لوحته، بأنّ الضعف و الخوف؛ من الماضي، المجهول، والغد المختبأ. ليسوا بنقطة ضعف بل هم المحرك الذي يزوّد ابن آدم قوته. و أنّ الرحمة لا تأتي إلا بعد عراك، و البركة لا تعطى إلا بعد صمود.. وكأنه يقول الرب لا يمنحك ما تريد، بل يرشدك نحو الطريق و يمشي معك فيه خطوة تلوى الأخرى.. "
" في الختام؛ يقول الرسام بأنّ الإيمان و العزيمة و التمسّك هم المفاتيح الثلاث لنيل البركة، و ليعيش الإنسان حياة أفضل. إن غاب أحد المفاتيح الثلاثة اختلّ التوازن.. "
بعدما أنهى الفتى كلماته الأخيرة بجلوسه على مقعده ثانية، فرك سيف ذقنه للحظة. قبل أن يستقيم و يتجه نحو الصبورة بخطواته المتزنة كالمعتاد، مصرّحا
" هل يريد أحد غيره المشاركة؟ أم سنكتفي بهذا القدر لليوم؟ "
لم يسمع الأستاذ أي صوت، حتى صفير الريح كان هادئا كأنه يؤازر الطلبة. أو ربما هو لم يسمع شيئا لأن ذهنه غاب بعيدا لهنيهات، يفكر بتمعّن في تحليل الصبي للوحة..
يبدو أنه وجد إجابة غير خاصته منطقية بعض الشيء، الإيمان مقابل الهبة الإلهية.. الخوف من المجهول.. القوة الخفية داخل الجسد..
كل تلك الكلمات كانت متخفّية بين أسطر الطالب، يبدو أنّه هو بذاته لم يستطع قولها هكذا، لكن فكرته قد وصلت.. و تبدو مثيرة للاهتمام.
عاد الاستاذ لوعيه لمّا رنّ الجرس قاطعا حبل أفكاره، صفيره كالإنذار مزعج لطبلة الأذن، لكنه كان كالترنيمة للطلاب أو ربما خيط نجاة ينقذهم من حوار فلسفي مع أستاذهم المولع بالفن..
وحده ذلك الطالب بدت على محياه شيء من الحزن، سيفارق اللوحة، سيفارق أستاذه المثقف، و مادته المفضلة!
أثناء اللغط و الحركة غير المستقرة، سأل سيف ذلك الفتى ذي الخصلات الفاحمة مردفا
"ما اسمك ثانية؟"
نظر له المعني وقد ارتفعت حاجبيه عن مكانها قليلا، أشار بسبابته إلى نفسه و اجابه بسؤال اخر بنبرة مترددة
"انا؟"
أومئ له مع امالة للرآس و هو يتفرّس ملامحه بتمعّن وكأنه ينقشها في ذهنه، في حين ابتلعه الاخر ريقه و تحولت مقلتاه هنا وهناك بحركة سريعة. قبل أن يعيد بتأتأة
"ليل.."
"ليل؟ جميل و هادئ، حسنا يا ليل. ما الذي تظن أنه كان سيحدث لو انسحب يعقوب ليلتها من النزاع ولم يصرّ على نيل البركة من الملاك؟ ألا تظنن أنه تهور عندما فعل ذلك، ربما كان سينال عكس مراده بسبب اصراره او ربما الأسوء، ان يهزم من الملاك و يخرج من ذلك الصراع مدمرا..."
اخذ سيف نفسه أثناء حديثه، وعينه لم تنزل عن ليل ابدا.. بل بالعكس كانت تتجوّل على وجهه القمحي وكأنه ملك لها.. تنفس الصعداء و اكمل وهو يخطو حذو مكتبه
" كلها مجرد احتمالات، وكل واحدة تحمل إجابة مختلفة.. لكن ايهم هي التي تنتبق على عالمنا الواقعي؟"
أخذ صوته يدور في ذهن ليل دون أن يتفطن بذلك، و سرعان ما أدخلته كلماته في دوامة دائرية لا بداية لها ولا نهاية.. يحوم بحثا عمّا يروي ضمأه و فضوله..
يقف ساكنا في مكانه دون حركة، بينما عاد صوت الكناري ليملأ القاعة بعذوبته بعد أن غادرها الطلاب، و بقي فيها جسد ليل المنتصب كشجرة كرز مزهرة، و الأستاذ الذي كان يلملم أوراقه من على المكتب و هو يدندن احد اغاني عبد الحليم..
________
انتهى الفصل الأول..
لكن هذه هي بداية رحلتنا..
أعلم بأنه ليس جيدا، ولا طويلا..
لكنه يفي بالغرض لإدخالكم إلى عالم الرواية..
تجاهلوا الأخطاء الإملائية..
وآمل أن لا يكون الفصل بذلك السوء..
أنتظر قراءة تعليقاتكم يا سكان معبد آمون..