4

4

16 0

يُقال إنّ ثمة لحظاتٍ موغلة في الغموض، لا ندرك كنهها ولا ميقاتها، لكنّ وخزةً في الروح وحدساً مباغتاً ينبئان بدنوّها. وحتى إن تلاشت تلك اللحظات أو انكسرت حدتها، فلا بدّ أن ينبت من أنقاضها قدرٌ جديد.. وكان ذاك النادي هو المبتدأ لكل الفواجع و الصدمات، والشرارة التي أطلقت سراح الظلام ليتمدد في كل ركن. بعد عطلة نهاية الأسبوع، انتظرنا انا و "رؤى" الحافلة كعادتنا ثم اجتمعنا برفاق النادي مرة أخرى. و بينما كنا نجتاز بوابة الجامعة، لم يكن حديث المدرجات أو رتابة المحاضرات هو ما يشغلنا، بل تلك الحكاية الغريبة التي بدأت تتناقلها الألسن بهمسٍ مشوب بالذهول. جلسنا تحت شجرة صغيرة، والوجوه يكسوها شحوب الحيرة، حيث راح كل واحد يقصُّ نسخته من الفجيعة التي حدثت: «أقسمُ أنني وضعتها بيدي فوق المكتب.. أغلقتُ عيني وهي هناك، وفتحتها لأجد الفراغ!».

تكررت الجملة ذاتها كترجيع صدى مريب، والكل يؤكد أن قواريرهم اختفت، بل 'اختطفت' في غسق الليل وبظروفٍ لا يفسرها منطق. في تلك اللحظات، كنتُ أصغي إليهم بصمتٍ ثقيل، وأنا أسترجع صورة قارورتي التي استنزفتها عطشاً قبل يومين، وكأنني كنتُ، دون قصد، الناجية الوحيدة التي أطفأت ظمأها قبل أن تسرق الأقدارُ مياه البقية.

قررنا أن نراسل "سعد الله" ونخبره بما جرى، ففتحت رابط الإشعار الذي وصلني منه قبلًا ووجدتُ خيارًا يتيح لي الرد عليه. وما هي إلا دقائق حتى أجابنا: "..الماءُ الذي يُقرأ عليه يكتسبُ روحًا، والماءُ الذي يُسرق في جنح الليل يتركُ خلفه عطشًا لا يُروى. احذروا يا أبنائي... فما فُقد الليلة الماضية ليس مجرد بلاستيك ومذيبات، بل شيءٌ سُحب من سكينة هذا المكان.. سأرسل لكم قوارير جديدة، أمّا أنتم الآن فركّزوا على ما كلّفتكم به."

بعد أيّام، كان وقت غداء، عندما جاء إعلان صاعق من مدير الجامعة: اختفاء حافلة بالكامل! كان على متنها عشرة طلاب متفوقين و معهم الأستاذ "مالك" خبير في الظواهر الخارقة، تلاشت آثارهم وهم في رحلة ميدانية لقصر "الكورنيجروم" .

ساد الصمت طاولتنا لثوانٍ طويلة، كأن الكلمات هربت من أفواهنا. تبادلنا النظرات في ذهول، بينما وضع "عمر" الملعقة ببطء وهمس: «حافلة كاملة... كيف تختفي هكذا؟».

أضاف " أنس" بنبرة خافتة: «قصر الكورنيجروم؟... ألم يزعموا من قبل أنّ ذلك المكان ليس عاديًا؟».

"ليلى" و "لين" بدتا شاحبتين، تحدقان في الفراغ وكأنهما تحاولان استيعاب الخبر.

أمّا أنا شعرتُ بقشعريرة تسري في كامل جسدي، ولم يعد الطعام أمامي يعني شيئًا. فجأة بدا ضجيج قاعة الطعام بعيدًا عنا، وكأننا جلسنا بمفردنا في دائرة صغيرة من القلق والأسئلة التي لا جواب لها.

بعد انتهاء الدروس، وصلتني رسالة من الطبيب تقول: "هذه فرصتكم.. اذهبوا إلى القصر."

ضحكتُ لجرأته، لكن رغم الخوف الذي كان يشل الأطراف، اقترحتُ الفكرة على الفريق، واتفقنا بالفعل على التوجه نحوه بدل العودة إلى مبيتاتنا. حيث بلغت بنا الرتابةُ الجامعيةُ مبلغاً جعل من جدران القاعات سجوناً خانقة، حتى باتت أرواحنا الظامئة للتجديد ترى في عتمة ذلك القصر الموحش ملاذاً يكسر روتين الأيام الباهتة، وقِبلةً لمغامرةٍ تضخ الدماء في عروقنا المتعبة.

لم يكن من الصعب معرفة موقعه. فمع تكرار اسمه في الأحاديث و مواقع التواصل، ومع بحثنا قليلًا في الخرائط على هواتفنا، عرفنا الطريق المؤدي إليه. وهكذا، شيئًا فشيئًا، أصبح وجهتنا الوحيدة ذلك المساء.

مضينا نقطع الطريق بالحافلة تارة وبالأقدام تارة أخرى، بينما كان إحساسنا بأن هناك عيوناً غير مرئية تراقبنا يزداد مع كل خطوة نخطوها.

و أخيرا، لاح لنا قصر "الكورنيجروم" من بين أغصان الأشجار كعملاقٍ حجري كئيب، يرتفع في عزلةٍ تامة خلف طريق ترابي وعر. تبادلنا نظراتٍ قلقة كأننا نودع الحياة، فكسر "أنس" حاجز الخوف بمرحه المعتاد: "لا تراجع الآن يا رفاق! فلتكن مغامرة مجانية للتاريخ.."

توكلنا على الله وتسللنا للداخل. في البداية، بدا الطابق الأرضي خاوياً إلا من أثاثٍ غطّاه الغبار كأنه أكفان خشبية. انقسمنا لمجموعات لنغطّي مساحة أكبر في وقت قصير: "ليلى" و"عمر" للمطبخ، "لين" و"عبد الهادي" للغرف الأولى، بينما استلمتُ أنا و"رؤى" و"هيثم" و"أنس" الجزء العميق في الطابق الثاني.. بينما كنا نبحث، لمحتُ طفلاً يركض بين الغرف بصمت تام. لم يبدُ على البقية أنّهم رأوه أيضا، فانسحبتُ بهدوء، يشدني فضولي نحو الغرفة التي اختفى داخلها. استقبلتني رائحة عفنٍ قوية وسريرٌ ضخم يبعث على الانقباض. وبينما كنتُ أهم بالتراجع، همسٌ خافتٌ بلغ مسمعي: "افتحي الخزانة."

تسمرت أطرافي، و أوهمتُ نفسي بأنني تخيّلتُ ذلك، لكن الهمس تكرر. التفتُّ نحو الخزانة، كانت قديمة و غريبة، عليها نقوشٍ غائرة لا تُرى إلا بالتدقيق. بصعوبةٍ بالغة، زحزحتُ بابها العالق لأجد خلفه سلالم حجرية تنحدر نحو قبوٍ معتم. لحظتها ناديتُ الرفاق، ونزلنا جميعاً بأضواء هواتفنا بينما بقيت "رؤى" مع "لين" تحرسان المدخل بقلق. تحت الأرض، وجدنا ما تشيب له الولدان: صورة جماعية لرجال يلبسون لباسا رسميّا يتوسطهم كائن طويل برأس ماعز، آلاف الصور المعلقة لأناس و أجزاء من أجسادهم بأسماءٍ مشطوبة باللون الأحمر، شموعٌ مبعثرة حول نجمة خماسية ضخمة، و دمى مرمية هنا و هناك.. محرابٌ للشيطان بامتياز. بدأ بعضنا في تسجيل كل شيء على الهواتف والتقاط الصور، بينما تفحص الباقون زوايا المكان و ألقوا نظرة على الأشخاص و أسمائهم. على ما يبدو أنهم كانوا ضحايا مجزرة حدثت في المدينة منذ سنوات عديدة. على الاقل هذا ما أخبرتنا به صحيفة معلقة على الحائط هي الأخرى.

-يا رفاق! أليس هذا اسم جامعتنا؟

صاح "عمر" مشيرا إلى عنوان على الصحيفة.

-انه هو! و هذا اسم سكن البنات! مالذي يحدث؟

قالت " ليلى".

على حين غرّة، صرخت "رؤى" من الأعلى قائلة بأنّ هناك حركة غير عادية في القصر.

فاستعددنا للرحيل، لكن عيني توقفت عند طوبةٍ غير منتظمة في جدار القبو، كأنها ترفض الانصهار مع الزمن. اقتربتُ منها ببطء و تحسّستها، فانزلقت إلى الخارج كأنها كانت تنتظر هذا اللمس منذ قرون. وخلفها، في الظلمة الضيقة، كان يختبئ كتابٌ عتيق، يغلفه غبار السنين وثقل الأسرار. مددتُ يدي إليه، وفجأة ارتجّ القصر ككيان حي، وانطلقت صرخات الفتيات من كل زاوية: «الباب يُغلق! اخرجوا!»

شعرتُ بالهواء يضغط على صدري، وبالظلال تتراقص حولنا، كأن المكان نفسه يحبس أنفاسه ويهمس بأن ما بدأناه قد أصبح الآن أكبر من قدراتنا.

لدى صعود زملائي للدرج، انطلقت أغنيةٌ مرعبة من العدم، صوت امرأة يغني ببرود:

«الفضول قتل القطة... ما كان يجب أن تأتوا... والآن ستدفعون الثمن...»

اهتزت الأرض تحت أقدامنا تزامنا معها، وتشقق الجدار أمام أعيننا، كأن القبو يئنّ ويستعد للانهيار. تشبثتُ بالكتاب، كنتُ مصرّة على أخذه معنا و بداخلي شعور قويّ بأنّه مُهم جدا، غير أنّ يداً خفية من داخل الحائط حاولت انتزاعه مني. بعد ذلك سقط جزء من السقف بجانبي، ثم آخر، وارتفعت سحابة غبار كثيفة عاتية، جعلت الرؤية مستحيلة.

لم أستطع الصمود أكثر فسقطتُ أرضًا، أقاوم امتصاص الفراغ ليدي، و اعترفتُ في تلك اللحظة بأعلى صوتي أن كلّ قرار اتخذته مع انضمامي للنادي كان غبيًا، وأن الفضول الذي جلبني إلى هنا سيكلفني الثمن الأكبر.

فجأة، شعرتُ بيدٍ قوية تمسك بي، تساعدني على إخراج الكتاب و تدفعني بعيدًا، قبل أن يغيب العالم عن عيني في سحابة من الغبار الأسود، تاركًا خلفه صمتًا يقرص الدم في عروقي. استيقظتُ في المستشفى، يداي ورأسي محاطان بالضمادات، و"رؤى" تبتسم لي بدموع الفرح. أخبرني "أنس" أن "هيثم" هو من أنقذني: لقد حملني إلى الخارج مغشياً عليّ قبل أن ينهار المكان بالكامل. التفتُّ لـ "هيثم"، فرأيتُ الضمادات تغطي كفيه هو الآخر، فشكرته بابتسامةٍ كسيرة. و في الليل، بينما عاد الجميع إلى مبيتاتهم، أخرجتُ الكتاب الذي خبّأته "لين" تحت وسادتي. كانت صفحاته الصفراء تنضح بكتابات لاتينية و صور مخلوقات غريبة الشكل. بدأتُ بترجمة بعض الصفحات عبر هاتفي، فآلمتني معدتي وأنا أقرأ فحواها، جمل يستعملها السحرة و المشعوذين لاستدعاء الجن و الشياطين و العمل معهم: "قلوب قلب النان، ومؤمن مثل هذا الحب والعشق والإغراء.. عزمتُ عليكم يا معشر الجن والشياطين و یا أصحاب السحر والوسواس الخناس من الجنة والناس من جنود إبلیس بحق هذه الرؤساء، ساطين الجن والشياطين، ويا خناطف ويا ذو بعة و ياد نهش الدناهش ویا مستقر نطقش، عجلوا بحق ربعه و زوبعة وياد نهش الدناهش و یا مستقر نطقش، عجلوا بحق ابو مرة ابليس وبحق زهرة میدوک.."

أوصدتُ دفتيْ الكتاب بفزع، وحاولتُ الاستسلام لسلطان النوم، لكنّ الأحلام كانت فخاخاً: إذ رأيتُ في منامي يداً شاحبة، غريبة الأطوار، تزحف من تحت وسادتي كأفعى لتبتر صلة الوصل بيني وبين ذاك الكتاب. انتفضتُ من هول المشهد وأنفاسي تتلاحق في صدري، لتستقبلني برودة الغرفة الموحشة..

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إعترافات

المؤلف Omry. Hedyl
2026/05/09 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة