ساد صمت جنائزي، قطعه دخول تلك المرأة الغامضة مجدداً. قدمت له كوب ماء دون أن ترفع بصرها، مخفية وجهها تحت رداء يبدو كأنه كفن أسود. شرب "عبد الهادي" رشفة مرتعشة، ثم سأل الطبيب عن جدوى هذه "الاعترافات"، فاكتفى الطبيب بابتسامة و إيماءة وعده فيها بشرح كل شيء قريباً.
جاء الدور على الشاب الثاني، "عمر". كان بصره معلقاً بالباب، جسده يتشنج مع كل حركة هواء. همست لي "رؤى" في نفس اللحظة: "هناك خطب ما في هذا المكان.. سأنهار يا حنين!"، ضغطتُ على يدها بقوة، آمرةً إياها بالتماسك، رغم أنني أنا أيضاً بدأت أسمع همسات وخطوات تقترب من خلف الباب، خطوات لا تنتمي لأقدام بشرية. تجاهل الطبيب توترنا وقال ببرود: "لا تستغربوا الأصوات، هم فقط يريدون لفت انتباهكم.. فالأرواح والسكان المحليون هنا يتشاركون ذات الحقد."
ابتلع "عمر" ريقه وبدأ يحكي قصة عائلته الملعونة: "قبل خمسة عشر عاماً، قتل والدي امرأة في حادث سير وفرّ هارباً. منذ ذلك اليوم، انقلب المنزل ضدنا: أصوات صراخ، أجهزة تعمل من تلقاء نفسها، وموت مفاجئ لكل حيوان ندخله بيتنا."
روى كيف استعانت أمه بـ "راقٍ" كشف لهم أن روح الضحية تطالب بالعدالة أو الفناء للعائلة كلها. فانهار الأب واعترف، لكن العقاب لم يكن السجن.. بل كان الموت حرقاً داخل مكتبه. اصفرّت وجوهنا، وارتجفنا كأوراق الشجر في مهب ريح عاتية. في تلك الأثناء، لمحتُ الفتاة ذات الشعر الأحمر التي رأيتها في المطعم الجامعي: كانت تجلس بيننا بشحوب الموتى. يبدو أننا جميعاً من ذات الجامعة، جمعنا القدر في هذا المذبح النفسي.
بعد " عمر"، تحدث الشاب الثالث، "أنس"، بنبرة مستفزة من الثقة والنشاط: "أنا أعشق هذه الأجواء! قولوا عني مجنوناً، لكنني صديق قديم للظلال." شرع يروي قصصاً عن قط أسود غامض نام معه واختفى، وعن بيوت مهجورة رشقها بالحجارة لترد عليه بصراخ مرعب. ثم وصل إلى قصته مع ابن خاله "هيثم": "دخلتُ المطبخ في بيت خالي، و وجدتُ زوجته تحضر شطائر بابتسامة صامتة. عندما عدتُ لـ 'هيثم'، أخبرني بصوت مرتجف أن أمه خرجت منذ ساعة ولن تعود إلا مساءا!"
ضحك "أنس" بخفة، بينما أكد "هيثم" الجالس بجواره القصة بهدوء، فأكمل متحدثًا عن دمى كانت تغني وحدها في منتصف الليل. قال إن الصوت لم يكن مرتفعًا، بل خافتًا ومتقطعًا، كأن بطارية قديمة تحاول أن تبث الحياة في لعبة منسية. أخبرنا أنه و عائلته في إحدى الليالي سمعوا الدمية تغني المقطع نفسه مرارًا، رغم أنها كانت موضوعة على رف عالٍ ولم يلمسها أحد. والأسوأ من ذلك، كما قال، أنهم حين دخلوا الغرفة ليتأكدوا، توقف الصوت فجأة… لكن الدمية كانت جالسة في وضع مختلف عمّا تركوها عليه، ورأسها مائل قليلًا نحو الباب، كأنها كانت تنظر إلى من يقف خارجه.
كان "أنس" يتكلم بنبرة هادئة على نحو غريب، كأن ما يرويه أمر عادي تمامًا، فيما كانت عيناه تتجولان بيننا ببطء، تراقبان ردود أفعالنا بصمت. وكانت على شفتيه ابتسامة خفيفة لا تكاد تتغير، ابتسامة ثابتة توحي بأنه يعرف شيئًا أكثر مما يقول، أو كأنه يستمتع بتركنا نتخيل ما لم يصرّح به.
شكره الطبيب، وبينما كان يهم بتدوين ملاحظاته، ارتجت أرجاء المستشفى فجأة بصوت فرقعة مفاجئة، لم نعرف مصدرها بالضبط. توقفنا جميعًا عن الحركة و أنصتنا. كان الصوت يكفي ليجعل القلوب تتسارع، وكأن المكان نفسه يراقبنا بصمت، و يخبرنا بأننا لسنا وحدنا.
هدّئ الطبيب "سعد الله" من روعنا و قال بنبرة وكأنه ينهي محاضرة أكاديمية: "دقت الساعة الثانية.. حصتنا لليوم انتهت. أشكر لكم شجاعة الحضور، وموعدنا غداً في ذات الوقت لنكمل ما بدأناه. انطلقوا الآن."
تنفستُ الصعداء مع البقية، وكأننا كنا محبوسين في زنزانة من الذكريات الملعونة. تبعناه في دهاليز المستشفى التي تشبه المتاهة، ولولا إرشاده لما وجدنا طريقنا للخارج أبداً. ما إن عبرنا الباب الحديدي حتى استنشقنا هواء الليل البارد، كان الصمت يلف الغابة إلا من سيمفونية صراصير الليل، والقمر يتوسط السماء كمصباح فضي شاحب ينير دربنا المظلم. اتفقنا على السير معاً، فالخوف وحّدنا رغم غربتنا. كنا نناقش ما سمعناه، نحلل قصص "عبد الهادي" و"عمر" وكأننا في حلقة دراسية، حتى اخترق سكون الليل صوت بكاء خافت.. صوت يمزق الروح ويعلو تدريجياً.
تجاهلنا الأمر بغريزة البقاء، لكن "أنس" بفضوله المتهور أصرّ على تتبع الصوت. انقسمنا: غادر "عبد الهادي" و"عمر" مع الفتاتين، وبقيتُ أنا و"رؤى" و"هيثم" نقتفي أثر "أنس" في طريق جانبي. وفجأة، ودون سابق إنذار، سقط جذع شجرة ضخم بجانب الفتى، كاد أن يسحقه لولا عناية الله. كانت تلك رسالة واضحة من الغابة: لا تتدخلوا فيما لا يعنيكم. عدنا أدراجنا مسرعين، وتسللنا إلى السكن الجامعي كما فعلنا أول مرة. في اليوم التالي، حاولتُ الانغماس في روتيني الدراسي من التاسعة صباحاً حتى الواحدة ظهراً، ثم تجولتُ مع "رؤى" في الأسواق، لكن طيف المستشفى كان يطاردني. "رؤى" حاولت بكل قواها إقناعي بعدم العودة، وأعترف أنني اقتنعت، لكن الأرق كان له رأي آخر. تقلبتُ في فراشي، قرأتُ صفحات من رواية "Reborn” لعلها تشتت ذهني، لكن الساعة تجاوزت منتصف الليل والفضول نهش رأسي.
نهضتُ بتأفف، لبستُ ثيابي، وراقبتُ الحارس الليلي من وراء الزجاج. ما إن دخل غرفته حتى قفزتُ فوق السور وقطعتُ الطريق جرياً. عند حافة الغابة، تملكني الخوف.. ماذا لو عرف والداي؟ هما لا يملكان أدنى فكرة عن هذا الجانب المظلم من حياتي، ولن يصدقا لو أخبرتهما. لكن الفرصة لمعرفة الحقيقة كانت أمام عيني. توكلتُ على الله وتوغلتُ بين الأشجار. حفيف الأوراق وخشخشة الأعشاب كانت تصيبني بالذعر، حتى سمعتُ شيئا مرعبا أكثر: خطوات خلفي. تسمرتُ في مكاني، وما إن شعرتُ بيده على كتفي حتى التفتُّ ولكمته بكل قوتي.
"يا مجنونة! ماذا دهاكِ؟" صاح "هيثم" متألماً.
"لقد أفزعتني! لماذا تتسلل خلفي كالأشباح؟"
"لم أكن أتسلل، ناديتكِ مراراً لكنكِ كنتِ غارقة في أفكارك!"
" و لمَِ أنت هنا أصلا؟"
"لديّ موعد ههه."
عندما لم أبتسم أخبرني بأن "أنس" مريض لذلك أتى وحده، و أخبرته أنا بأنّ "رؤى" أقسمت ألا تعود. فبدأنا المشي معاً، وكان يسبقني بخطوتين. تساءلتُ في نفسي: ماذا لو قتلني ودفنني هنا؟ استرقتُ النظر إليه، كان يتأمل السماء بهدوء مريب، ثم قال فجأة: "القمر جميل الليلة، أليس كذلك؟" توقفتُ للحظة. هل يقصد المعنى الظاهري لجمال القمر، أم المعنى الباطني العميق (كما في الأدب الياباني حيث تعني 'أنا معجب بك')؟ شعرتُ بالارتباك، فانحنيتُ أتظاهر بربط حذائي مهربةً نظري منه، بينما واصل هو المشي بإحراج واضح.
وصلنا للمستشفى فاستقبلنا الطبيب بذات الابتسامة. وفي الممر، لمحتُ بطرف عيني ظلاً يمر بسرعة، وخُيّل إليّ أنني أسمع صوت "رؤى" يناديني، رغم يقيني أنها في غرفتها. بدأت الحصة، وجاء دور "هيثم". حكى قصصاً عن أظافر بشرية سقطت فوق ذراعه من العدم، وعن أنفاس شعر بها في أذنه وهو يغط في نومه، وعن ظلال رآها في المرآة أثناء استحمامه بالمنزل. قصص "هيثم" كانت بسيطة لكنها تحمل ثقلاً نفسياً مرعباً.
شعرتُ بالنعاس يداهمني و أنا أنصت إليه، فاستأذنتُ للذهاب للحمام. رافقتني المرأة الغامضة دون أن تنبس بحرف. وفي الممر الطويل، انطفأت الأضواء فجأة ليظهر شخص في نهايته يمشي بترنح. تعوذتُ من الشيطان ثلاثاً فاختفى، لكنني شعرتُ باختناق مفاجئ ووجع حاد في بطني. تحاملتُ على نفسي وعدتُ للغرفة والارتباك يكسو وجهي. و بينما أنا كذلك إذ أشار لي الطبيب أن أبدأ حكايتي.
قلتُ بصوت هادئ:
"أنا حنين، طالبة لغات. لم أرَ كوابيس تفقدني صوابي، ولم يحدث قط أن تحرّكت ألعابي أو تحدّثت. في الحقيقة، لا أخاف من الظواهر الخارقة والغموض، فأنا أؤمن أن الأرواح و الجن موجودين حولنا، وما دمنا لا نؤذيهم فلن يؤذونا. لكن… سأحكي لكم حكاية جدّتي، قصة حدثت منذ خمسة وثلاثين عامًا."
سكتُّ قليلًا أسترجع كلمات جدّتي، ثم واصلتُ حديثي. "كانت قد أخبرتني بأنّها بَقيَتْ مستيقظة في ليلةٍ شتوية باردة تصنع مفرش مائدة من الكروشيه و تنتظر جدّي ليعود من عمله. كانت جالسة في غرفة المعيشة، بجانبها أمّي و خالاتي نيام. و ما هي إلاّ لحظاتٌ حتى سمِعَتْ طرقاً على الباب. نهضتْ ببطء و فتحت لكنّها لم تجد أحدا. فعادت إلى مكانها باستغراب، غير أنّ الباب طُرق من جديد. و عندما فتحت هذه المرة، وجدت أمامها مكنسة، ظلت واقفة لثانية ثمّ سقطت.
تجمّد الدم في عروق جدتي فأقفلت الباب بسرعة و عادت إلى غرفة المعيشة وأطفأت الأنوار، ثم شرعت في قراءة المعوذتين وآية الكرسي.
بعد ربع ساعة تقريبا، كانت بين الحلم و اليقظة عندما سمعتْ مفاتيح جدّي تفتح الباب، و رأت ظلّه يمرّ من غرفة المعيشة ليدخل إلى غرفة النوم. في تلك اللحظة، أيقظتْ أمي و أخبرتها بأن تذهب و تتفقد أباها الذي قدم للتو، ففعلت أمي لكنّها لم تجد أحدا في الغرفة، عندها تأكّدت جدّتي بأنّ المنزل مسكون بالجن و قررت المغادرة في اليوم التالي."
بينما كنتُ أروي تفاصيل تلك الليلة البعيدة، شعرتُ أن القصة لم تعد كلماتي وحدي… بل صارت شيئًا ينساب في الغرفة ويأسر من فيها. كان الجميع قد اندمجوا تمامًا: اتسعت أعينهم، وتعلّقت نظراتهم بي كأنهم يرون المشهد أمامهم لا يسمعونه فقط. أحدهم شبك أصابعه بتوتر، و أخرى مالت بجسدها قليلًا إلى الأمام دون أن تشعر، كأن كل كلمة تقرّبهم أكثر من سرّ الحكاية. عندها التفتُّ بطرف عيني إلى الطبيب، فرأيته يراقبنا باهتمام، ثم أومأ لي إيماءة خفيفة برأسه… إيماءة فهمتُ منها أن أواصل، فابتسمت ابتسامة صغيرة وعدتُ أغوص في القصة من جديد
" أمّا حكاية جدّي فكانت أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع. ذات مساء، سهر حتى ساعة متأخرة يلعب الدومينو والورق مع أصدقائه، ثم قرّر العودة إلى البيت فجراً. كان الشارع خالياً تماماً، والبرد يلفّ المكان بصمتٍ ثقيل. وبينما هو يمشي وحده، سمع فجأة أصواتاً نسائية خافتة قادمة من المقبرة المجاورة. تجاهلها في البداية وواصل سيره، لكنّه لم يكد يبتعد قليلاً حتى ظهرت أمامه ثلاث نساء، ممسكاتٍ بأيدي بعضهن و يمشين ببطءٍ غريب… رؤوسهن مائلة نحو اليمين، كأن رقابهن قد انكسرت.