لا زلتُ أذكرُ الحكايةَ بكل تفاصيلها، وكأنها نُقشت بإزميلٍ على جدار الذاكرة ...
وسط ضجيجِ الجامعةِ؛ كنتُ أرأُسُ فريقي وأحملُ على عاتقي ثقلَ غدٍ مرتقب؛ حيث العرضُ التقديميُّ الذي سيحددُ مصيرَ جهودنا.
كنتُ تلك الفتاة التي تطاردُ طيفَ المثالية، تُرهقُها التفاصيلُ، وتستنزفُ روحها ملاحقةُ الدقة، وزاد من رهبة الأمر حضور رتب عسكرية وقامات لها هيبة الصمت.
في صُبيحة العرض كان من المفترض أن أكون مرافئَ الأمانِ لفريقي؛ لكنني كُنتُ أبحرُ في محيطٍ من التوتر، وشعرتُ بنظراتٍ تخترقُ صمتي ...نظراتٍ لا تبتعد، قُلت لنفسي بازدراءٍ مخفٍ :-
_ "ما بالُ هذا السخيف؟ أريد التركيز على عرضي".
مضى العرضُ بسلام وتكللَ بالنجاح، وغمرتني فرحةٌ مع فريقي الذي عشتُ معهُ أيامًا مفعمة بالضحك والغضب، أيامًا وسمتُها في قلبي بأنها {عصيّةٌ على النسيان}.
في طريقِ عودتي، عاد طيفُ صاحبِ النظراتِ يُطاردني، سخرتُ من نفسي قائلةً :-
_"يا للحماقة! إنه يشيحُ بنظرهِ نحو الجميع فهو يحب اللهو مع جميع الفتيات، فلم لازلت أتذكر نظراته"
لكن، تلك النظراتِ كانت مفاتيحًا فتحت أبوابَ حيرةٍ وحب. بحثتُ عنه في العالم الافتراضي وغرقتُ في إعجابٍ هش؛ حتى أيقظتني صديقتي ورفيقة دربي أسمى بقولها الذي صار دستورًا لقلبي:-
"ربما هو مجرد انجذاب، فـ نحن الفتيات ننجذب لمن يمنحنا وهج تركيزه"
كانت كلماتها حبلَ نجاةٍ أخرجني من حيرةٍ ليقذفني بعدها في دوامةٍ لم أعلم بها.
حاولتُ الخروج من إعجابه وكان سهلًا لأنه لم يتعدَّ كونه إعجابًا؛ لكنَّ عقلي اللاواعي كان ينسج في الخفاء فخًّا لشخصيةٍ أكثرَ تعقيدًا، وأبعدَ غورًا، وأشدَّ غموضًا.
وفي سكونِ الإجازة؛ وبينما كنتُ أبحثُ عن شغفٍ جديد في مجالٍ أعشقه، وقعت عيناي على مركزٍ يقدم دورة تدريبية بسعرٍ رمزيّ، هناك التقيته ...صاحبَ المركز والروح التي تحرّك المكان، الرجل الذي كان الجميع ينادونه بهيبةٍ وتقدير: (مؤنس).
لم يكن مجرد اسمٍ عابر؛ بل كان وعدًا بسكينةٍ آنست وحشة قلبي رغم كل الغموض العسكري الذي يحيط به؛ فقد كان اسمه على مسمّى، رقيقًا في حضوره، جبارًا في غيابه، وكأنه خُلق ليكون الألفة التي تطردُ شتات روحي (ذو القوات الخاصة)، كان يشرفُ على الدورة بنفسه، وفي اليوم الأخير من تلك الدورة الذي عشقتها، شعرتُ بغصةِ الوداع تمزقني، ودخل عقلي الباطن في دوامةٍ لم أخرج منها لشهور ولا زال أثرها فيّ حتى اللحظة.
تلقى قلبي الغضُّ شعورًا أثقلَ بكثير من كوني مجرد فتاة جامعية تلهو؛ كانت "طلقةً طائشة" من قواتٍ خاصة تعرِفُ جيدًا ماذا تفعل وتركيزها يفوقُ العسكري العادي.
إحتوى قلبي (ظلَّ بزةٍ عسكرية) ضمتني إليها بحريةٍ وحنان، وكأنني أرى مستقبلي معه، كتابًا مفتوحًا؛ أهواه، وأهوى روحه، وشخصيته بكل تناقضاتها الصارخة.
أرى فيه الرجل الحنون الطيب، وأرى الشخص المعقد الذي عانى تحت وطأة الخدمة العسكرية، أراه ذلك الذي لا يطيقُ التحكم وشديد الغضب كالإعصار؛ ومع ذلك يمتلكُ مرونةً مدهشة؛ لكنَّ الجانب الذي آلمني بشدة كان ظلهُ الذي يختبئُ فيه خلف الفتيات، يتعاملُ ويبتسمُ بلهوٍ وحريةٍ كانت أكثر ما يحزنني؛ ورغم ذلك، يظلُّ أجمل ما رأيتُه فيه هو جانبه المكسور الذي يختبئ تحت ظلي أنا ... جانبهُ الذي يشتكي لي ويحكي لي، موقنًا أنني لن أخبر أحدًا وأنني لستُ كغيرهنّ.
لا أعرف كيف لا يدركُ أن قلبي يمتلكه بالكامل، يتقبله ويفهمه أشد الفهم، وبمعنىً أفصح ...
«أنا أعشقک..!!»
لم يكن مجرد معلمٍ في دورةٍ عابرة؛ بل كان درسًا قاسيًا في فنون الوجع.
وفي تلك الليلة؛ وبينما كان يضعُ نقطة النهاية في آخر محاضرةٍ ويودعنا، ألقى جملةً ضيقت عليّ فضاء صدري، وحبست أنفاس مشاعري.
قالها بتلك الثقة التي تطحنُ قلب الأرض، وبذات الهيبة التي يهزُّ بها العساكرُ الميادين؛ فاهتز قلبي مع كل نبرةٍ من صوته الرخيم.
قال بنبرته الواثقة :-
"أنا معكم، وفي ظلكم أترقب.. منكم من أعتبرهم إخوتي الكبار، ومنكم إخوتي الصغار، وجميعنا نعين بعض."
كانت جملةً تسكنها براءةٌ ظاهرية؛ أو ربما خبثٌ عسكريٌّ لم أستطع فك شفرتها؛ لكنني حينها لفظتُ بكلمةٍ أيقنتُ معها ضياعي في عشقه، وبحّة صوته، وكسرة زجاج قلبي الهش.
قلتُ بصوتٍ خافتٍ منكسر :-
"أنا لا أريد أن أكون مجرد أختٍ لک ..."
قلتها لنفسي خلف صمت 'الميكروفون' المغلق؛ ولكن، لو قُدّر لصوتي أن يصل، هل كان سيغير من واقع الأمر شيئًا؟ أم أن القدر كُتب منذ البداية؟
بدأت فصول قصتي في تموز (شهر 7)، وانطوت صفحاتها في نيسان (شهر 4)؛ وها أنا الآن أكتبُ بقاياها المزروعة في أعماقي، أحاولُ عبثًا نزع جذور حُبي بكل ما أوتيتُ من خيبة.
قررتُ المغامرة، كان عشقُ روحه هو المحرك الخفيّ الذي دفعني دفعًا للإشتراك في المركز؛ وكانت الخطوة الأولى هي الانضمام لفريق "الزيارات" الذي يضمّه هو تحت جناح حنكته وذكائه العسكري.
دخلتُ الجروب وأنا أترقبُ مواعيد حضوره كما تترقبُ طفلةٌ قدوم لعبتها المفضلة، تركضُ نحوها بلهفةٍ لتستكين بين يديها.
كانت الزيارة الأولى هي اللقاء الأول، المكان الذي اختاره القدر ليضمّ عشقي الذي فاضت به روحي ولم أعد أقوى على كتمانه. كان مكانًا أثريًا مميزًا، حقيقيًا كوجعي، ومنكسرًا كخيبتي ...كلما تذكرته الآن أشيحُ بنظري نحو الأرض، وكأن قلبي يواسي نفسه قائلًا :-
"لستِ وحدكِ من كُسرتِ هنا".
استمتعتُ بالزيارة في بدايتها، كنتُ كطفلةٍ بلهاء تائهة في جمال الآثار، ألتقط صورًا لكل شيءٍ تقع عليه عيناي؛ حتى غصّ هاتفي بمئات الصور؛ لكنني –ويا للسخرية– لم أجد صورةً واحدةً تجمعني به.
أذكرُ حين خرجتُ من المترو، كنتُ أبحثُ عنه بعينيّ وسط الزحام، وفجأة ...بَزغَ نورٌ كاد يفطرُ مقلتيّ.
رأيتهُ واقفًا ينتظرُ الفريق بقميصه الأبيض الناصع كفجرٍ كاذب، وهيبته التي تكادُ تبتلعُ كل من حوله، ونظارته الشمسية التي رسمت لملامحه بروازًا مذهلًا.
شُلّت حركتي من الدهشة حتى أنني لم أستطع تصويره، اكتفيتُ بحفر صورته في ذاكرتي.
توقعتُ أن يعرفني، فقد كنتُ طالبةً متميزةً واجتماعية أثناء الدورة؛ لكنه لم يتذكرني ...كان يجهلُ ملامحي تمامًا.
اكتفيتُ بمراقبته وهو يشرح الآثار، ولم ينفذ إلى عقلي أيّ شرحٍ سوى صوته هو.
وعندما سألتُ المشرف عن أمرٍ ما، شعرتُ بنظراته (ذات القوات الخاصة) تترقبني، تراقبُ انتباهي، شعرتُ بقلبي يُضمُّ بين كفي نظراته.
كنتُ في قمة توتري، وكأن وشاحًا من القلق يلتفُّ حول عنقي ليخنقني؛ ولكن حين مرّ بجانبي فجأة، واحتكّ كتفي بكتفه ...اهتزت روحي زلزالًا كأنها الأرضُ تحت أقدام العساكر.
في تلك اللحظة، تبدل وشاح التوتر بوشاحٍ من السكينة؛ فـ حضوره بجانبي، ولو بمسافةٍ ضئيلة، كان كافيًا لترميم انكساراتي.
لكنَّ الفرحة لم تكتمل؛ فجأةً إختفى، وكأن مأموريةً عاجلةً صدرت إليه بأمرٍ من "المشير" نفسه.
بدأتُ أبحث عنه في كل زاوية بلهفة الطفلة التي أضاعت أباها في زحام العيد، ولم أجد له أثرًا.
سألتُ عنه، فقال أحدهم ببرود :-
"القائد لديه عملٌ؛ لذلك غادر قبلنا".
"القائد"... هكذا كانوا يلقبونه في المركز، لسطوته وحضوره.
رحيله أطفأ نور الزيارة في عيني، حاولتُ ألا أفسد يومي؛ لكنني كنتُ أكذبُ على نفسي؛ فقد رحل المعنى وبقي الأثر.
حين عدتُ، بدأتُ أحضّر رسالة شكرٍ ظاهرها الامتنان للدورة والزيارة، وباطنها استجداءٌ ليعرف من أنا، ليربط ذلك الاسم "المتميز" في الدورة بهذا الوجه الذي رآه اليوم.
كانت تلك الرسالة هي خطئي الأول والأكبر؛ فقد فتحتُ على نفسي بابًا لم أستطع إغلاقه.
أصبح مراسلته طقسًا يوميًا لا يقبل التأجيل، كان عقلي يختلقُ الأعذار ليطمئن عليه، برسائل "كيف حالك" التي لم تكن منطقية أبدًا؛ حتى تدخلت صديقتي المقربة أسمى (حبل نجاتي) لتنتشلني من هذه الدوامة، وقررتُ أخيرًا التوقف عن مطاردة طيفه في الرسائل.
ومضى أسبوعان، ليطلَّ علينا قدرٌ جديد في ثيابِ زيارةٍ إلى مكانٍ أعشقه، مكانٍ تضربُ جذوره في أعماق التاريخ تمامًا كما يفعلُ هو في أعماقي ..."الأهرامات".
كان ذلك في آب (أغسطس)؛ حيث الشمسُ لا ترحم، والحرارةُ تلتهمُ الوجوه بضراوة؛ ورغم تحذيرات عائلتي، أصررتُ على الذهاب، وكأنَّ قلبي كان يشمُّ رائحة لقاءٍ قريب.
ولحسن حظي، تأجلت الزيارةُ لسبتمبر، ليمنحنا الهواءُ قليلًا من الرأفة.
أنشأ (العسكريُّ) –أقصد مؤنس– مجموعةً رقمية للمنضمين للرحلة.
وهناك، حدث ما لم أتوقعه؛ وسط الجميع، وأثناء مُزاحي، وجّه لي مزحةً لطيفةً كانت كالغيث لصحراء قلبي:-
"إياكِ وأن تفتعلي أية مشاكل، فأنا أحفظكِ عن ظهر قلب!".
كانت كلماته تلك بمثابة اعترافٍ ضمني بأنه يلاحظني، يراقبني، ويدونُ تفاصيلي في سجلات ذاكرته ...فتلينُ قسوة صمته وتخفُّ حدة توتري.
أتت اللحظةُ الحاسمة، صعدنا جميعًا إلى "ميكروباص" صغير، ضيقٍ بمساحته واسعٍ بتوقعاتي.
كنتُ أتمنى؛ بل أدعو، أن يجلس بجانبي لنتبادل أطراف الحديث؛ لكنه حين أطلَّ بهيبته، ذهب ليجلس بجانب فتاةٍ أخرى؟!
فتاةٍ غريبةٍ لم أفهم وجودها.
رنَّ صوتُ صديقتي المقربة أسمى في أذني كجرس إنذار:-
"لا تجعليه يفسد عليكِ الرحلة، ابحثي عن المتعة بعيدًا عنه".
حاولتُ جاهدةً أن أشيح بوجهي، لأحتمي بزميلاتِ الجامعةِ اللواتي جمعتني بهنَّ الصدفةُ في تلك الزيارة؛ سارة وهدى.
لم تكن علاقتي بهنَّ تتعدى حدود الزمالة السطحية في أروقة الجامعة؛ لكنَّ قدرنا الذي جَمعنا في ذلك الميكروباص الضيق جعلنا نقتربُ أكثر، لنصبحَ منذ تلك اللحظة رفيقاتِ دربٍ بعد أن كنا مجرد عابراتٍ في حياةِ بعضنا البعض.
جلستُ معهنَّ في المقعد الخلفي، أحاولُ عبثًا الانخراط في أحاديثهنَّ؛ بينما قلبي لا يزالُ معلقًا بالأمام؛ تظاهرتُ بالضحك واللامبالاة؛ لكنني كنتُ أمارسُ أكبر كذبةٍ في حياتي؛ فـ عيناي كانت تلاحقُ طيفه بجانبها في كل لحظة.
ثم ...حانت ساعةُ الصفر، وشنَّ هجومًا مباغتًا زلزلَ كلَّ تحصينات كياني.
في لحظةٍ توقف فيها الزمن، التفتَ القائدُ بجسده كاملًا ناحيتي، مائلًا نحو المقعد الخلفي؛ حيث أجلسُ أنا وسارة وهدى.
أشاح بـ لؤلؤة عينيه نحوي، وبصوته الذي يمتلكُ نبرة الآمر الواثق، سأل:-
"إذًا ...من هي الفتاة التي تُدعى (ليلى) ...تلك التي تتحدثُ كثيييرًا؟!".
في تلك الثانية، أطلقت القواتُ المسلحةُ في قلبي مدافع الفرح، شعرتُ بنبضي يُحاصرُني من كل جانب، وتلاشى كل توتري ليحلَّ محله ابتهاجٌ طفوليٌّ لم أستطع لجمه.
رفعتُ يديَّ للأعلى بعفويةٍ صارخة، وبضحكةٍ خبأتُ خلفها كل سنوات انتظاري، قلتُ بصوتٍ يملأه الشغف:-
"أنا...".
•يُتبـ~ـع•
flowers123