الفصل الثالث : طفولة تحت سماء صامتة

الفصل الثالث : طفولة تحت سماء صامتة

16 0

الفصل الثالث :

طفولة تحت سماء صامتة

كان أليكساندر في الثانية عشرة حين بدأ يشعر أن الجفاف ليس مجرد نقص ماء…

بل نقص معنى.

القرية لم تعد تضحك كثيرًا.

الأحاديث حول الموقد لم تعد عن الحصاد، بل عن الرحيل.

الأطفال لم يعودوا يلعبون في الحقول، لأن الحقول صارت أرضًا متشققة تؤلم القدمين.

لكن أليكساندر لم يكن ينظر إلى الأرض مثل الآخرين.

كان ينظر دائمًا إلى الأعلى.

كان يقضي ساعات طويلة مستلقيًا على صخرة مرتفعة خلف القرية.

يراقب حركة الغيوم القليلة التي تمر سريعًا دون أن تمنح شيئًا.

يحاول أن يحفظ شكلها… سرعتها… اتجاه الرياح التي تدفعها.

لم يكن يعرف المصطلحات العلمية بعد،

لكنه بدأ يلاحظ أن الرياح الجنوبية حارة وجافة،

بينما الشمالية أبرد قليلًا.

لاحظ أن الأيام التي تسبق ظهور الضباب الخفيف تكون أكثر رطوبة عند الفجر.

صار يستيقظ قبل الشمس… فقط ليلمس الهواء.

كان يقف ساكنًا، يغمض عينيه، ويأخذ نفسًا عميقًا.

الهواء مختلف اليوم…

أثقل قليلًا.

في تلك اللحظات، لم يكن مجرد فتى فقير.

كان باحثًا صغيرًا يحاور الطبيعة.

لكن داخله كان هناك شيء آخر…

خوف.

خوف أن يكون مخطئًا.

أن تكون كل هذه الملاحظات مجرد أوهام طفل يرفض تقبل الواقع.

في إحدى الليالي، سأل والده:

"أبي… هل تؤمن أن البشر يمكن أن يغيروا ما يحدث في السماء؟"

صمت الرجل طويلًا، ثم قال:

"نحن بالكاد نغيّر ما يحدث في حياتنا يا بني."

تلك الجملة بقيت في داخله.

هل نحن ضعفاء فعلًا؟

أم أننا لم نحاول بما يكفي؟

في القصر، كانت أفروسيني تعيش نوعًا آخر من العطش.

لم يكن عطش الجسد…

بل عطش الإجابة.

رغم وفرة الماء داخل القصر، كانت تشعر بثقلٍ حين ترى القوافل القادمة من القرى تطلب المساعدة.

كانت تسمع أحيانًا همسات الخدم عن موت المزارعين.

وفي كل مرة، كان يتولد داخلها شعور بالذنب.

لم تختر أن تولد أميرة.

لكنها وُلدت كذلك.

وذات مساء، دخلت إلى غرفة والدها الملك.

كان يقف أمام خريطة كبيرة للمملكة، وعليها علامات تشير إلى المناطق الأكثر تضررًا.

قالت بهدوء:

"أبي… لماذا لا نستثمر في البحث العلمي بدل الصلاة فقط؟"

التفت إليها، نظر في عينيها طويلًا.

"لأن الناس تحتاج الأمل يا أفروسيني."

"والعلم ليس أملًا؟"

لم يجب فورًا.

كان يعلم أن في عينيها شيئًا يشبه التحدي…

لكن أيضًا يشبه الرحمة.

بدأت أفروسيني تعيش صراعًا داخليًا صامتًا.

جزء منها يريد أن تكون الابنة المطيعة.

والجزء الآخر يريد أن تكون عقلًا حرًا.

كانت تقضي ساعات في مختبر صغير خلف المكتبة، بعيدًا عن أعين المستشارين.

لكنها في هذه المرحلة لم تكن تجري تجارب كبيرة.

بل كانت تراقب.

تضع أوعية ماء في أماكن مختلفة من القصر:

واحد في الشمس.

واحد في الظل.

واحد قرب نافذة عالية.

وتسجل بدقة مقدار النقص في الماء كل يوم.

بدأت تفهم مفهوم التبخر بشكل عملي.

الماء لا يختفي…

بل يتحول.

هذه الفكرة أراحتها نفسيًا.

إذا كان الماء لا يفنى…

فهو موجود في مكان ما.

فقط علينا أن نعيده.

لكن سؤالًا أكثر عمقًا بدأ يطاردها:

هل يحق لنا إعادة توزيع ما توزعه الطبيعة؟

هل نحن جزء من النظام… أم متطفلون عليه؟

في القرية، حدث شيء صغير لكنه غيّر أليكساندر.

مات طفلٌ صغير من العطش والحمى.

لم يكن قريبًا له، لكنه كان يلعب معه أحيانًا.

وقف أليكساندر في الجنازة، وشعر بشيء ينكسر داخله.

لم يعد الأمر فضولًا علميًا.

صار مسؤولية.

في تلك الليلة، لم ينظر إلى السماء بتساؤل…

بل بتحدٍّ.

قال بصوت منخفض:

"لن أطلب منكِ المطر.

سأفهمكِ حتى تعطيني إياه."

كانت تلك أول مرة يشعر فيها أن حلمه ليس اختيارًا…

بل قدر.

وفي مكان آخر من أثينا، كانت أفروسيني تقرأ نصًا فلسفيًا يقول:

"الطبيعة ليست قاسية، بل غير مبالية."

أغلقت الكتاب.

غير مبالية.

إذن، إن كانت غير مبالية…

فنحن من يجب أن نهتم.

رفعت نظرها نحو السماء من نافذة القصر،

وللمرة الأولى لم ترَها بعين شاعرة…

بل بعين عالمة.

رأت طبقات هواء.

تيارات صاعدة.

ضغطًا يتغير مع الارتفاع.

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

"إن كنتِ نظامًا… فأنا سأفك شيفرتك."

وفي تلك المرحلة الهادئة، لم يكن أيٌّ منهما يعرف اسم الآخر.

لكن شيئًا خفيًا كان يحدث.

عقلان ينضجان في صمت.

طفولتان تتحولان إلى وعي.

فضول يتحول إلى التزام.

السماء ما زالت صامتة.

لكن تحت هذا الصمت…

كانت معركة بطيئة تبدأ.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

من سرق المطر

المؤلف li than
2026/04/04 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة