حين يتحول السؤال إلى هوس

حين يتحول السؤال إلى هوس

19 0

حين يتحوّل السؤال إلى هوس

لم يعد السؤال عند أليكساندر مجرد فكرة عابرة.

لقد أصبح ظلًا يمشي معه، يجلس معه، وينام بجانبه.

في الصباح، حين كان يساعد والده في قلب التراب المتحجر، كان يراقب الهواء بدل الأرض.

كان يلاحظ أن النسيم الذي يهب قبل الفجر أكثر برودة.

وكان يرى خيوط ضباب خفيفة تتشكل فوق أطراف الحقول… ثم تختفي فور أن تشرق الشمس.

لم يكن يملك كتبًا.

لكن الطبيعة كانت كتابه.

في أحد الأيام، أخذ جرة فخارية قديمة وملأها بالماء، ثم دفن نصفها في التراب الحار وترك نصفها مكشوفًا للهواء.

بعد ساعات، لمس سطحها الخارجي.

كان باردًا.

وعلى سطحها… قطرات صغيرة.

لم يفهم كل شيء، لكنه فهم هذا:

الهواء ليس فارغًا.

الهواء يحمل ماءً خفيًا.

في تلك الليلة، لم يستطع النوم.

جلس خارج الكوخ، يحدق في السماء.

"إذا كان الهواء يحمل ماءً… فلماذا لا نسحبه منه؟

وإذا كان البخار يصعد… فلماذا لا نعيده إلى الأرض؟"

بدأ يرسم على التراب بأصبعه:

نار → بخار → صعود → برودة → قطرات.

كان يفتقد شيئًا واحدًا:

العلو.

في القصر، كانت أفروسيني تعيش السؤال ذاته، لكن بوسائل مختلفة.

دخلت إلى مكتبة القصر الكبرى، حيث تصطف المخطوطات في خزائن خشبية شاهقة.

بحثت عن كل ما كُتب عن المطر.

وجدت نصًا قديمًا يتحدث عن "تكاثف البخار حين يبرد إلى نقطة معينة تُسمى نقطة الندى".

أعادت قراءة الجملة مرارًا.

نقطة الندى.

كم هي جميلة الفكرة…

أن لكل هواء لحظة ضعف…

لحظة لا يستطيع فيها حمل المزيد من البخار.

إذا استطعنا أن نجبر الهواء على بلوغ تلك اللحظة…

فسيمطر.

بدأت تجربتها الأولى بوعي علمي أكبر من أليكساندر، لكن بعاطفة لا تقل اشتعالًا.

أمرت بصنع أنبوب زجاجي طويل.

وضعت في أسفله ماءً يغلي، وفي أعلاه صفائح معدنية باردة يتم تبريدها بالثلج القادم من الجبال.

راقبت البخار وهو يصعد داخل الأنبوب…

ثم يتحول إلى قطرات تتجمع وتسقط.

كانت العملية تعمل.

لكنها صغيرة.

محدودة.

مغلقة داخل زجاج.

همست لنفسها:

"كيف نكرر هذا… لكن في السماء؟"

بدأ الجفاف يشتد.

الآبار انخفض منسوبها.

الأشجار فقدت أوراقها قبل أوانها.

حتى الطيور بدأت تهاجر مبكرًا.

وفي القرية، مات حصان أليكساندر من العطش.

لم يبكِ أمام الناس.

لكنه في الليل جلس بجانبه، ولمس عنقه البارد.

قال بصوت خافت:

"لن أترك السماء تنتصر."

في اليوم التالي، بدأ ببناء أول نموذج حقيقي.

جمع ألواحًا معدنية مهملة، وثبّتها فوق هيكل خشبي مرتفع.

صنع ما يشبه البرج الصغير.

فكرته كانت بسيطة:

إذا صعد الهواء الحار للأعلى، فسيمر عبر ألواح معدنية أبرد… فيتكاثف.

وقف ينتظر.

مرت ساعة.

ساعتان.

تكوّنت قطرات قليلة…

ثم تبخرت.

ضحك بعض أهل القرية.

قال أحدهم:

"هل تظن نفسك إله المطر؟"

لم يرد.

لكنه تلك الليلة أعاد الحساب في ذهنه:

الهواء الحار يصعد… نعم.

لكنه يحتاج فرق حرارة أكبر.

ويحتاج ارتفاعًا أعلى.

احتاج… طاقة.

أما أفروسيني، فقد بدأت تصطدم بجدارٍ آخر.

السياسة.

دخل عليها أحد مستشاري الملك وقال ببرود:

"الأميرات لا يعملن في المختبرات. هذا يليق بالحرفيين."

نظرت إليه بثبات.

قالت:

"حين يعطش الشعب، لا معنى للألقاب."

لكنها بدأت تفهم أن معركتها ليست علمية فقط…

بل اجتماعية.

في تلك الليلة، جلست على شرفتها مرة أخرى.

أغمضت عينيها وتخيلت السماء كمعادلة ضخمة:

حرارة الأرض + تبخر + صعود هواء + تبريد علوي + جسيمات دقيقة يتكاثف حولها البخار.

فتحت عينيها فجأة.

الجسيمات.

تذكرت شيئًا قرأته:

أن البخار لا يتحول إلى قطرات إلا إذا وجد نواة صغيرة يلتف حولها — غبار، ملح، ذرة دقيقة.

وقفت فورًا.

"نحن لا نحتاج فقط لتبريد الهواء…

نحتاج أن نعطيه شيئًا يتشبث به."

في القرية، كان أليكساندر يراقب البحر البعيد من فوق تلة صخرية.

رأى شيئًا غريبًا.

فوق سطح البحر، الغيوم تتشكل أسرع من فوق اليابسة.

لماذا؟

اقترب من الماء.

تذوقه.

ملح.

عاد إلى كوخه وهو يفكر:

هل يمكن أن يكون للملح دور؟

في اليوم التالي، ألقى حفنة ملح في وعاء ماء يغلي.

صعد البخار.

لاحظ أن القطرات تتشكل أسرع قليلًا على السطح البارد.

لم يكن متأكدًا بعد…

لكن عقله بدأ يقترب من عقلٍ آخر في مكان بعيد.

وفي القصر، كانت أفروسيني تسحق بلورات ملحية دقيقة جدًا، وتخلطها ببخار متصاعد داخل أنبوبها الزجاجي.

تكونت قطرات أسرع.

نظرت إلى النتيجة…

ثم همست:

"إذا نشرنا هذا في الهواء…"

وتوقفت.

الفكرة كانت خطيرة.

أن تُطلق جسيمات في السماء…

أن تتدخل في نظام الطبيعة.

هل يحق للبشر ذلك؟

في الليلة نفسها، كان أليكساندر يحدق في النجوم.

قال لنفسه:

"نحن لا نصنع المطر…

نحن نسرّع ما تريد السماء فعله."

وفي مكان آخر، قالت أفروسيني:

"العلم ليس تحديًا للآلهة… بل فهمٌ لما وضعته."

دون أن يعرفا…

كانا قد وصلا إلى الفكرة ذاتها:

تحفيز التكاثف.

بذر السحب.

لكن كليهما كان يفتقر إلى شيء أساسي:

الآخر

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

من سرق المطر

المؤلف li than
2026/04/04 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة