فتح مروان عينيه ببطء، وكأنما خرج لتوه من سبات عميق. الهواء الذي يلامس بشرته لم يكن يحمل رائبة تراب الواحة المعتادة، بل مزيجًا غريبًا من المعدن المحترق، ورذاذ الماء النقي، وعطر زهور لم يعرفها من قبل. رفع رأسه الثقيل ليجد نفسه يقف على أرضية لامعة، أشبه بالزجاج المصقول، تعكس الأضواء المتلألئة من حوله. فوق رأسه، لم تكن السماء الزرقاء الصافية أو نجوم الواحة اللامعة، بل قبة ضخمة، نصف شفافة، تتراقص فيها أضواء بألوان لم يرها مروان في حياته قط. كانت الواحة قد اختفت تمامًا خلفه، وكأنها لم تكن موجودة.
نظر مروان حوله باندهاش لم يسبق له مثيل. كان يقف في ساحة واسعة، تحيط بها مبانٍ شاهقة الارتفاع، ذات تصميمات هندسية جريئة، مصنوعة من مواد تبدو كالمعادن البراقة والبلورات المتلألئة. كانت المباني تتشابك في ما بينها بجسور علوية ضخمة تسبح في الهواء، وعربات طائرة صامتة تنزلق بينها بسرعة مذهلة. لم يكن هناك أثر للبشر العاديين الذين يعرفهم، بل كانت الحشود التي تملأ الساحة تتحرك بنشاط غير عادي، أشبه بخلية نحل عملاقة. كانوا يرتدون ملابس موحدة براقة، وكل منهم يرتدي سوارًا فضيًا لامعًا حول معصمه.
أصوات خفيضة وهمهمات غير مفهومة تملأ الأجواء، لم يتمكن مروان من تمييز كلمة واحدة من اللغة التي يتحدثون بها، ولكن كان هناك شيء غريب، أصوات أشبه بـ"طنين" منتظم يصدر من كل مكان. استدار مروان ليجد مصدر الطنين: شاشات عرض عملاقة، بلورية وشفافة، تطفو في الهواء بين المباني، تعرض أرقامًا ورموزًا تتغير باستمرار. كانت الشاشات تستعرض أسماءً وأرقامًا بجانبها، ثم تختفي بعض الأسماء لتظهر أخرى. لم يفهم مروان شيئًا، لكن قلبه كان يدق بعنف. هذا هو عالم "أثرا" الذي تحدثت عنه المخطوطة!
بدأ مروان يتحرك ببطء، يحاول استيعاب الصدمة. اقترب من إحدى الشاشات العملاقة. كانت تعرض قائمة طويلة من الأسماء، وبجانب كل اسم رقم يتوهج بلون معين، أخضر، أزرق، أو أحمر خافت. أسفل القائمة، كان هناك نص يتغير بسرعة، لم يفهم منه سوى كلمة واحدة تكررت: "المهارة".
اقترب من رجل كان يقف أمام إحدى الشاشات وهو ينظر إليها بتركيز. لاحظ الرجل نظرات مروان المتفحصة وابتسم ببرود. "أنت جديد هنا، أليس كذلك؟" قالها الرجل بلكنة غريبة، لكن مروان فهمها بوضوح مفاجئ، وكأن لغة أثرا قد زُرعت في ذهنه فجأة.
"نعم..." تمتم مروان، "أنا من الواحة."
ضحك الرجل ضحكة قصيرة لا تحمل أي دفء. "الواحة؟ لا وجود لشيء كهذا هنا يا غريب. هذه هي أثرا، مدينة الأثر. وهنا، لا تُقاس قيمة البشر بالذهب ولا بالفضة، ولا حتى بالوراثة أو النسب. هنا، كل شيء يُقاس بـ وحدات المهارة."
شعر مروان بضربة باردة في معدته. "وحدات المهارة؟" سأل.
"أجل، يا جاهل،" قال الرجل بلهجة استعلائية. "كل ما تراه حولك، هذه المباني الشاهقة، تلك العربات الطائرة، وحتى هذا الهواء النقي الذي تتنفسه، كله نتاج المهارة. وكل فرد في أثرا يولد برصيد معين من وحدات المهارة، تزداد كلما أضاف قيمة للمجتمع بمهاراته، وتُخصم منه كلما أخطأ أو أهدر. هذه الشاشات التي تراها، تعرض رصيد مهارة كل مواطن. الأخضر يعني الازدهار، الأزرق يعني الاعتدال، أما الأحمر الخافت... فإنه نذير شؤم."
"ماذا يعني الأحمر الخافت؟" سأل مروان، وقلبه ينقبض.
تلاشت ابتسامة الرجل، وحلت محلها نظرة قاتمة. "إنه يعني أن رصيد المهارة قد أوشك على النفاذ. وعندما يصل إلى الصفر... يصبح صاحبه 'عديم الأثر'."
وقبل أن يتمكن مروان من طرح سؤال آخر، أشار الرجل نحو مجموعة من الحراس الذين كانوا يدفعون بشخصين، رجل وامرأة، نحو عربة طائرة بيضاء صامتة. كانت أرقام رصيدهما على الشاشة حمراء فاتحة جدًا، تقترب من الصفر. كانت عيناهما فارغتين، لا تحملان سوى استسلام بارد.
"هؤلاء 'عديمو الأثر'." قال الرجل بنبرة خالية من أي تعاطف. "اليوم هو 'عيد المهارة' السنوي. اليوم الذي يتطهر فيه مجتمع أثرا من كل من لا يُحدث أثرًا حقيقيًا. هؤلاء... سيقدمون كقرابين للحفاظ على التوازن، أو يُنفون إلى 'الأراضي المجهولة' حيث لا وجود للحياة."
شعر مروان بالدوار. "عيد المهارة"؟ "قرابين"؟ "نفي"؟ كان هذا أسوأ بكثير مما تخيله. تذكر فجأة هدفه: أسماء. كيف سينقذ أسماء في عالم كهذا؟ عليه أن يكسب وحدات المهارة، وبسرعة. ولكن كيف؟ لم يكن يمتلك أي مهارة مُصنفة هنا. أخرج مروان سواره الفضي الذي ظهر على معصمه فور دخوله، والذي كان مُلصقًا به بإحكام. كان السوار يعرض رقمًا واحدًا: "0".
"أنت غريب تمامًا، أليس كذلك؟" قال الرجل، ملاحظًا سوار مروان. "رصيدك صفر؟ ستُطرد من المدينة قبل أن تغيب الشمس إن لم تُحدث أثرًا."
ترك الرجل مروان ورحل تاركًا إياه وحيدًا وسط الحشود التي لم يُلقِ أحد منها بالًا إليه. بدأ مروان يتحرك ببطء، يحاول استيعاب صدمته. رأى شاشات أخرى تعرض "مهام" معروضة: "تصميم دائرة طاقة متقدمة – 500 وحدة مهارة"، "معايرة نظام الجذب المغناطيسي – 800 وحدة مهارة"، "تحليل بيانات النجوم – 1200 وحدة مهارة". كانت جميعها تتطلب مهارات معقدة لا يمتلكها مروان بأي شكل من الأشكال.
شعر مروان باليأس يتسرب إلى عظامه. كيف له أن يكتسب وحدات مهارة وهو لا يفقه شيئًا في هذا العالم؟ كل ما يمتلكه هو مهارته الفطرية في "حل الألغاز"، وهي مهارة لا تُصنف ضمن أي من المهام المعلنة. اقترب من مجموعة من الناس يتبادلون الحديث حول "سوق المهارات" حيث يمكن تبادل الخدمات والمهارات بين الأفراد، و"أكاديميات المهارة" التي تُعلّم وتزيد رصيد الفرد. ولكن حتى هذه الأماكن تتطلب بعض وحدات المهارة للدخول أو للتعلم.
مرت الساعات ثقيلة كأنها دهور. شاهد مروان المزيد من "عديمي الأثر" يتم اقتيادهم بعيدًا. كانت القسوة في أعين الحراس، والبرود في وجوه المواطنين، تزيد من رعب مروان. بدأت الشمس في أثرا تتخذ لونًا برتقاليًا غريبًا، تعلن عن قرب الغروب، وقرب انتهاء مهلة مروان التي لا يعلمها أحد سواه. شعر بالجوع والعطش، لكنه لم يجد أي مكان يبيع الطعام أو الشراب بالمال، ولا يمتلك أي وحدات مهارة ليدفع بها.
في لحظة يأس شديدة، جلس مروان على حافة أحد الأرصفة، يرتجف خوفًا وبردًا، يفكر في أسماء، في الواحة. هل كان مخطئًا بمجيئه إلى هنا؟ هل حكم على نفسه بالموت، وعلى أسماء باليأس الأبدي؟ تذكر وعده لها، عزم على ألا يستسلم. عليه أن يجد طريقة، أي طريقة. نظر حوله بيأس مرة أخرى، محاولًا العثور على أي بصيص أمل في هذا العالم القاسي. لم يكن يعلم أن بضع لحظات فقط تفصله عن لقاء قد يغير مجرى قدره في أثرا
مروان المصري