همس الواحة ونبوءة الاثر

همس الواحة ونبوءة الاثر

16 1

كانت الواحة، تلك البقعة الخضراء المتناثرة وسط بحر من الرمال الذهبية، تنبض بحياة هادئة وبسيطة. بيوتها الطينية، التي تشبه صناديق الكبريت المتلاصقة، كانت تحتضن أسرار أجيال لا تُحصى، وحكايات تُروى تحت ضوء القمر الخافت. أشجار النخيل، بأغصانها الباسقة التي تراقص الريح، كانت تلقي بظلالها الوارفة على دروب القرية الترابية، توفر ظلاً خجولًا من شمس الصحراء الحارقة. في قلب هذه البساطة، كان مروان يعيش أيامه، شابًا في منتصف العشرينات، لم تعرف يداه بعد قسوة الحياة الكبيرة، لكن روحه كانت تحمل شغفًا غامضًا يدعوه دائمًا للبحث عن ما وراء المألوف. لم يكن ثريًا يُشار إليه بالبنان، ولا ذا نفوذ يفتح له الأبواب، ولا حتى متميزًا بمهارة محددة تُذكر في عُرف أهل الواحة الذين يقدرون الزراعة والرعي أكثر من أي شيء آخر. سوى ربما قدرته الفطرية على "فك الشفرات" المعقدة أو "ربط الخيوط المبعثرة" للوصول إلى حلول، وهي مهارة لم تُختبر بعد بجدية خارج نطاق ألغاز الجدات وحكايات الشيوخ.

كانت حياته كلها تدور حول محور واحد لا يتغير: أسماء. حبيبة طفولته ونجمة سمائه التي لا تغيب. أسماء، بضحكتها الرقراقة التي كانت تُضيء حتى أحلك الأيام، وعينيها اللامعتين كنجوم الليل في سماء الصحراء الصافية، كانت تمثل له كل شيء. كانت يدها الدافئة تمسك بيده في كل مسير، وكانت أحاديثهما الهامسة على ضفاف النهر الصغير الذي يشق القرية هي ملاذه من قلق الدنيا، ومخزنه لكل أحلامه البسيطة عن مستقبلٍ يجمعهما. كانا يتخيلان سويًا بناء بيتهما الصغير تحت شجرة النخيل التي اعتادا الجلوس تحتها، وتربية أطفال يلعبون في دروب الواحة. هذه الأحلام البسيطة كانت هي وقوده، هي معنى وجوده.

لكن هذه السكينة لم تدم طويلًا. ذات صباح، استيقظت أسماء على غير عادتها. لم تكن ضحكتها تملأ الفضاء، ولم تكن عيناها تشعان بالحياة. جسدها كان خائرًا، ووجها شاحبًا، وعيناها اللامعتان تحولتا إلى فراغ مبهم، كأنهما غائبتان عن الوعي. وقعت أسماء في "سبات عميق"، سبات لم يشف منه أحد من قبل في الواحة. الأطباء المحليون، الذين اعتادوا على أمراض الواحة البسيطة ووصفاتها العشبية المتوارثة، وقفوا عاجزين أمام هذا الداء الغامض. حاولوا كل ما لديهم، من الأعشاب النادرة إلى التعويذات القديمة التي يُقال إنها تُطرد الأرواح الشريرة، لكن لا شيء نجح. كانت أسماء تتلاشى أمامه يومًا بعد يوم، كانت حياتها تنطفئ ببطء، ومعها كانت حياة مروان كلها تتلاشى، ليحل محلها شعور باليأس لم يعرفه من قبل. كان يراقبها وهي تتنفس بصعوبة، يتأمل وجهها الملائكي الذي بدأ يذبل، ويشعر بعجز قاتل يخنقه.

في غمرة هذا العصف، حين بلغ اليأس ذروته، تذكر مروان همسات جدته العجوز، التي كانت تحكي عن "أرض الأثر". لم تكن مجرد حكايات تُسرد على الأطفال قبل النوم، بل كانت تحمل في طياتها نبوءة شبه منسية. أرض الأثر، مدينة أسطورية يُقال إن سكانها لا يمرضون، وأن العلاج لكل داء، حتى المستعصي، يوجد فيها. كانت الجدة تتحدث عنها كجنة مفقودة، لا يطأها إلا "من اختاره القدر". بدا الأمر خرافة لا تصدق، لكن اليأس، كما يقولون، يدفع المرء للتشبث بأي خيط أمل، مهما كان رفيعًا.

قاده حدسه المضطرب نحو مكتبة جده المهجورة، المتخمة بكتب عتيقة ومخطوطات صفراء أكلها الدهر. كانت المكتبة مكانًا مهيبًا، يفوح منه عبق التاريخ والمعرفة المنسية. قبع مروان بين أرفف الغبار، تنفس رائحة الورق القديم، قلب الصفحات بحذر خشية أن تتفتت بين أصابعه. لساعات طوال، بحث دون جدوى، حتى كاد الأمل أن يخذله. ثم، في ركن قصي، تحت كومة من اللفائف البالية، عثر على مخطوطة ضئيلة الحجم، متهالكة، مكتوبة بلغة شبه مجهولة ومزينة برسومات غريبة. بمهارته الكامنة في "فك الشفرات"، والتي لم يدرك قيمتها الحقيقية إلا الآن، بدأ مروان يجمع رموزًا متفرقة، كلمات متناثرة، حتى بدأت الصورة تتضح.

نجح في قراءة سطور قليلة لكنها كانت كافية لإشعال شعلة الأمل في قلبه: "حين ينتصف القمر في سماء الأزل، وحين يشتد اليأس في قلب المستكشف، تظهر بوابة الأثر، لا يدخلها إلا من كان قلبه طاهرًا وعزيمته لا تلين، ومن أراد لغيره لا لنفسه... عملة الأثر ليست ذهبًا ولا فضة، بل ما تُقدمه يدك وفكرك من فائدة، ففيها تُقاس القيمة بما تُحدثه من أثر".

تلك الكلمات كانت كالصاعقة. "أرض الأثر" ليست للاثرياء، بل لأصحاب العزيمة الصادقة. العملة هناك ليست المال، بل "المهارة" و"الفائدة". هذا بالضبط ما كان يبحث عنه: طريقة لإنقاذ أسماء دون الحاجة لثروة لا يملكها. أدرك أن هذه هي فرصته الأخيرة، الأمل الأخير في شفاء أسماء. كانت المخطوطة تصف مكانًا محددًا لظهور البوابة: كهف مهجور على أطراف الواحة، لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه بسبب القصص المرعبة التي تُروى عنه.

كانت ليلة اكتمال القمر وشيكة، تفصلهم عنها ساعات قليلة. اتخذ مروان قراره، قرارًا عنيدًا مدفوعًا بحب أسماء الذي تخطى كل منطق وكل خوف. ودع أسماء في سباتها الأبدي، قبل جبينها الشاحب، بقلبٍ يعتصره الألم ووعدٍ خفي بالعودة، مهما كلفه الأمر. تسلل في جنح الظلام، بعد أن نامت الواحة، نحو الكهف المهجور. لم يحمل معه سوى حقيبة صغيرة لا تحوي شيئًا ذا قيمة مادية؛ لا مال، لا طعام، فقط بعض الملابس القديمة، ومخطوطة جده الثمينة، وقلبًا يشتعل أملًا وعزيمة.

عندما وصل إلى الكهف، كانت الأجواء موحشة. أصوات الرياح تتراقص بين الصخور كأصوات الأشباح. لكنه لم يلتفت. عثر على الفجوة الموصوفة في المخطوطة، وهي تجويف صخري قديم كان مخبأ خلف كتل صخرية ضخمة. فجأة، بدأت الفجوة تتوهج بضوء أزرق باهت، يتراقص ويتسع، ليُشكل دوامة من النور والألوان المتداخلة. كانت "بوابة الأثر" تنفتح أمامه.

تردد للحظة، للحظة واحدة فقط، تذكر فيها كل ما قد يخسره. لكن صورة أسماء المريضة، وجهها الشاحب، وصوت أنفاسها المتعبة كانت تحثه وتدفعه بقوة لا تقاوم. خطا نحو الضوء، نحو المجهول، نحو أمله الأخير. شعر بدوخة عنيفة، ودوار هائل اجتاح جسده، كأن روحه تُنزع منه. تلاها شعور بالعدم، كأنه يغرق في بئر لا نهاية له من الفراغ. ثم، بلحظة عودة مفاجئة للوعي، وجد مروان نفسه يقف على أرض صلبة. لكنها لم تكن أرض الواحة المألوفة. لقد وصل. لقد بدأ رحلته الحقيقية

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

اثرا الهمس

المؤلف مروان المصري
2026/03/16 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة