الفصل الثاني | عودة ساره

الفصل الثاني | عودة ساره

22 0

أجتاح الصبح سُحب ملبدة بالغيوم الرمادية لتحيل اللقاء بين الشمس والأرض، غردت العصافير بحزن لا يعم أحدً السبب. هل لتغيب الشمس؟ أم لركام البيت المحترق؟ ينبض المشهد أمام أعين الجميع بالغموض والتشويق، دخان الحريق يعلو متطاير بالهواء وتلوث به الأثاث الذي لم يطله الحريق والجدران غلفها غطاء من السواد. وسط المنزل نقبع جثة ملتوية، محروقة حتى أن الجلد تشقق ليتصاعد منه رائحة اللحم المتفحم لتخلتط بذرات الهواء في أرجاء ركام المنزل. أكتفى السكان بالمراقبة عن كثب النار وهي تلتهم كل ما حولها وسط تلك السحابة الرمادية التي غلفت المكان بالكامل. ومن بين ضباب الأدخنة عبرت سيارة الأسعاف تخترق اللحظة التي ملؤها الصمت والسكون تُنزل النقالة محدثة أصوات صرير يضيف للمشهد قاتمة، وعلى عجلة أنتشل فريق الأسعاف الجثة المتفحمة التي فقدت كل ملامح الحياة لتنقل للمشفى بخطى سريع برفقة ما تبقى من متعلقاته الشخصية التي لم تلتهما النيران. و بالرغم من كون سيارة الأسعاف ذات لون أبيض مع بعض الخطوط الحمراء إلا أن الأدخنة و الرماد غلفها بطبقة رمادية مقبضة توحي بأن الموت يحيط دوما بتلك السيارة التي من المفترض أنها تحفظ الأرواح و تسعفها. _________________ وصلت سيارة الأسعاف بهدوء مريب إلي مدخل المشفى حيث كانت الأجواء ملبدة بالحزن والغموض. كان للمشهدد أثر مهيب فأمام قسم الطوارئ بالمشفى مرآة تعكس الجانب المظلم للحياة. تقف سيارة الأسعاف ذات وصمة الموت، تقبع صامتة كالقبر الذي دائما يحتضن الموتى، تقف عند مدخل قسم الطوارئ، و فُتحت أبوابها المتثاقلة لتكشف عن مأساة مغلفة بروائح الدخان والرماد. هناك، مستقلية على الحمالة الطبية، كانت تلك الجثة المتفحمة، جثة رجل لا تُدرك ملامحه جرّاء لسعات النيران الشرسة التي أبتلعت كل ما هو مألوف وآمن في وجوده كانت الأجواء ملبدة بالحزن والغموض، و على الفور نُقل الرجل إلى قسم فحص الأموات، جثة محروقة ترقد بلا حراك على نقالة الأسعاف، وكأنها شاهدة على ليلة بأعماق الجحيم. اللسنة اللهب تلاعبت بجلدها فحنى لم يعد بلإمكان التعرف على معالم وجهها مما أضفى على المشهد طابعً مرعباً يتنبئ بواقع مروع. مزيج من المشاعر المختلطة، من الدهشة والشفقة ورهبة المجهول، بدا واضحً على وجوه كل من فى الغرفة. –———————— بينما كانت تجللس هي خلف مكتبعا بزواية قسم الطوارئ إلى أن جائها إستدعاء لقسم حفظ الموتى، همت عن مقعدها متجهه إلى الغرفة التي تقبع بأخر الممر. كانت كل خطوة قادتها للغرفة توحي أن هناك أمر ما يقبع كامن وراء هدوئها المريب والمرسوم على قسمات وجهها ، فبرغم من أعتياد العاملين بقسم الطوارئ على رؤيتهم شتى أنواع الآلم والدماء الملطخة وتناثر أشلاء أحيانا إلا أن جزءً من إنسانيتهم المفقودة تبرز أحيانا لتُظهر مشاعرهم المُخبه والحقيقة و مدى تفاعلهم الحسي. - مهلا، يا رئيسة القسم وصلت صفاء أمام الباب وقبل أن تدلف إلى الداخل أستوقفها نداء أحدى الممرضات، تراجعت بضع خطوات وألتفت إليها ترامقها بنظرات تعجب. صفاء: ما الأمر؟ زاغت عيانها بتوتر مفرط ترتجف قلقا وأعربت بتلعثم مربك. - صفاء، أعني يا رئيسة القسم، وصل قبل قليل جثة محروقة، وجميعنا لا نتحمل الأقتراب منها شبرً هيئتها مشوهة بالكامل و منظرها مروع. أرتسمت أبتسامة ساخرة على وجنتي صفاء و هتفت بأستهزاء. صفاء: هل هذا ما كنتم تتعلمونه بدراستكم بالمعهد الصحي؟ إلا توجد واحدة بينكن تتحلى بشجاعة، هل كلما جاءت جثة من فرع الحوادث سوف أضطر أنا ترك عملي الأساسي لأقوم بمعاينتها لأنكن تتقرفن وخائفات من النظر أو ملامسة الأموات؟ نكست الممرضة رأسها بخجل و تابعت الأنصات إلى توبيخ صفاء إليها دون أن تبدي ردة فعل. تنهدت صفاء معلنة إكتفائها من صب غضبها على الممرضة و صرحت بحسم وهي مشهره سبابتها بتوعد. صفاء: حسنا، لا بأس سوف أدخل أنا للمعاينة، لكن أقسم جميعكن سوف يخصم من رواتبكن لهذا الشهر خمسة أيام، وذلك لتعرفن ماهية مهام عملكن بالقسم جيداً. تركتها صفاء ودلفت من الباب الغرفة لكن ما أن جاوزت الباب و وقعت عيناها على الجثة المسجاة فوق الطاولة المعدنية، أقتربت بحذر لا يليق بخبيرة بمكانتها أو برفيقة الموتى كما لُقبت، كانت عيناها تسترق النظرات خاطفة من بين الدموع التي جمعت بمقلتيها تحاول أن تتمسك بها لتظل حافظة لهيبتها أمام البقية، الجسد محترق وأصبح متفحم مغطى بالرماد الأسود؛ كتلة من السواد تدل على أنها بقايا لرجل تشرح معالم هيئته محاوله تفسير القسوة التي يمكن أن يعانيها أنسان أحرق حيا وهو يستغيث إلى الرمق الأخير. سقطت دمعة تنساب على وجنتها رفضت أن تختبئ أكثر بمقلتيها ثم شعرت برجفة قوية تسري في أوصالها، لم يكن سبب رجفتها مطالعتها للجسد المحرق، فـقد أعتادت صفاء مواجهة الموت يومياً ختى أنها لقبت من قبل الجميع " برفيقة الموتى". أردات أن تتاكد صفاء مما وقعت عيناها عليه، مدت يدها بحذر ملتقطة ورقة من جانب الجثة التي كانت مواضعة بكيس الموتى الأسود المخصص لنقل الأشلاء والبقايا، ورقة صغيرة محترقة الأطراف، تلك الورقة التي نجت بأعجوبة من اللهب أو قد وضعت قصداً لغرض ما؟ جمدت نظرات صفاء و تملكتها القشعريرة تسري في أعماق روحها. كانت الورقة صغيرة وتحمل جملة قصيلاة خبرية مقتضبة لا تملك تفسير لدى أي منهم ، فما كان كُتب بخط منسق " قد عادت سارة" جملة في طياتها ألأف سؤال و سؤاال، تسألت صفاء بقلب حائر يعتصره الفضول... ما قصة هذا الرجل المحرق؟ ومن سارة التي عادت من المجهول؟ فربما كانت حبيبته، أو ربما كانت عدوته؟ وأن كانت عدوته، فالذي عادت لتفعله؟ _________________ صحفي الفضائح..عوده من الموت... في زوايا الممرات البيضاء الطويلة للمشفى حيث بدأت الحكاية وأقتربت للنهاية، حيث الهمسات تتناثر كأوراق الخريف الهاربة من شجرة الحياة. كان قسم الطوارئ كعادته يعج بالمرضى كعادته وعلى أثر الجلبة عاد رمش الحياة إلى عيناه عادل، رفع راسه عن وسادة الفراش الطبي وهو يتفقد وضعه، فأخر ما يتذكره بالأمس عندما فقد الوعي وهو يلقى أمام باب المشفى. تُرك لساعات حتى أفاق لمحيط يبدو غريبا غير الذي غادره قبل خروج ذاكرتع القصيره في إجازة قصيرة بفعل الضرب الذي تلقاه سالفا أثناء بحثه عن خبر جديد لجريدته. نزع المحاليل المتصلة بأوردته وبخطى متثاقلة، بأنعدام أتزان نفض فراشه بأحد عنابر قسم الطوارئ و تسلل إلى جنبات المشفى باحثا عن أغراضه التي كانت برفقته. لكن فاجئه مهاجم دوار و أنتابه آلم الغرزات الجراحية برأسه، تمسك بجدار المجاور له مستند عليه ثم جلس على كرسي من أحد الكراسي الأستراحة الرخامية. كان يتأمل جدران الأرواقة من حوله مطالع بنظرات صامتة الممرضات اللأتي ينتشرن لتأدية عملهن بتخفيف الآلام و أسكات أوجاع الجروح والأطباء الذين يدومو بوصف الأدواية للمرضى. كان ما يهون عليه أصاباته وآلمه هو ما ظهر به لينشر سبقاً صحفي. فمن أجله خاض معركة غير متكافئه مع حراس الذين أبرحوه ضربا لأكتشافهم أن يتجسس على أحد رجال الأعمال الفاسدين والذي كان يخطط لتصويره وهو يقضي أحد لياليه الساخنة بأحد الفنادق الوادي الجديد. عادت عيناه تلمع ببريق الأنتصار و شعر أن الكدمات التي تغطي وجهه هي بمثابة خريطة قادته إلى كنز خاض لأجله المعارك و توج بالنصر. تحامل على نفسه وعلى كل الآلم الذي يتخلل ذرات جسده و قام عن الكرسي مستكمل مشيه لأخر الممر وصولاً إلى بهو قسم الأستقبال حيث تقف موظفة القسم خلف مكتبها بالزواية. و بأنفاس محمله بالأوجاع وجسد مرهق لا يقوى على الحراك، لكنه لم يبالي إلى كل ما يعانيه و كان كل ما يشغله أن يطمئن على كنزه و السبق الذي ظفر به. ومن بين الأصوات الهادئة بالمكان تسللت الكلمات من بين شفتاه متسائلا. - المعذرة، هل عندما أتيت لقسم الطوارئ كان معي حقيبة إليس كذلك؟ رامقته الموظفة ببرود و أجابته بكلمات جافه. - ما أسمك؟ تحسس جبينه محاولً مسح الدماء الجافة ورتب ياقت قميصه كمحاولة تعديل هندامه ليظهرالتباهي ثم صرح قائلاً - أسمي عادل فؤاد، صحفي بجريدة الميثاق. حدقت لبعض الوقت به مظهره نوعا من الأهتمام الزائف ثم تفقدت بياناته على قاعدة البيانات الخاصة بالمشفى عبر الجهاز اللوحي الذي بين أناملها ثم أردفت برسمية. - أنتظر ثوانِ، سأعود. خرجت من خلف مكتبها الذي بالزواية ثم وتمشت بضع خطوات لتفتح باب مجاور للمكتب وتختفي بين ظلام الغرفة الذي أبلتعها لثوانِ ثم عادت لتخرج مسرعة وهي تقفل الباب و رجعت تتاخذ مكانها خلف المكتب بين يديها حقيبة متوسطة الحجم جلدية ذات لون أسود،وضعتها على المكتب ليسلتمها من بين يديها وعيناه تحمل بريق الأنتصار وفخر الإنجاز. تفقد عادل بدقة وتحري جميع الجيوب لكنه لم يجد ما كان يبحث عنه، فـتفاجئ بشئ مهم ينقصه، الشيئ الذي لأجله خاض كل هذا. غضب وأحباط إمتزج بعيناه ثم حاول أن يسترجع أخر ما يتذكره قبل أن ينقل محمولً بأيدي الحراس و يلقى أمام المشفى، لم تسعفه ذاكرته، لكنه على يقين أنه قام بدس الصور بأحكام بقاع الحقيبة فكيف لا يجدها؟ هل قام الحراس بتفتيش الحقيبة و سرقتهم؟ أبتلع غصة حلقة بمرارة ثم حاول أن ينفض تلك الفكرة نافيا وقوعه إلى قاع الفشل ثم عاد ليسأل الموظفة بيأس، متمني عكس ما يدور بخاطره. عادل: المعذرة أنستي، هل كان مع الحقيبة أغراض أخرى عندما نقلت إلى هنا؟ عادت تطالعه بنظرات فارغة تحمل أهتمام زجاجي فارغ ثم تفوهت بكلمات جافة مقتضبة. - كلا يا سيدي، لم يكن لدينا سوا تلك الحقيبة تحوي بضع أوراق فارغة و أقلام. تطايرت أمام عيناه عادل شرارة الغضب، تملكه الأحباط و غمغم بحنق. عادل: اللعنة، سرقو الصور!.. أعاد الحقيبة للموظفة ثم هاد أدراج مكلل بالهزائم محاط بالفشل يحمل على كتفيه الخزلان من الجميع. أنزوا ليجلس على أحد الكراسِ بمنتصف الممر قرب غرفة إستراحة الممرضات ثم أخرج هاتفه الذي أوشكت بطاريته على أن تفرغ الشحن،أختار رقم مدير التحرير لينقل إليه الأنباء المؤسفة، أجابه بعد عدت رنات و سرد له عادل الرؤية الكاملة للموقف العصيب وهو يقاوم غصة حلقة و الدموع التي جمعت بعيناه لا يدري هل من الظلم الذي لقاه أو من آلم غرزات رأسه. - ماذا؟ سرقوها كلها يا عادل؟ اجابه عادل بتلعثم بخوف عادل: نعم، مثلما أخبرتك سيدي فقدت الصور و هي الدليل الوحيد الذي منت سأرفقه بالمقال و.. قاطعه محتد بغضب مركز. - أسمعني جيداً يا عادل، لقد تحملت أهمالك و فشلك و مشاكلك التي لا تنتهي بما فيه الكافية أساسا، و أفعالك الهوجاء العشوائية تلك قد أكتفيت منها ولم يعد هذا مقبولً بعد الآن، أمامك إلى أخر الأسبوع، أي معياد نشر العدد لهذا الأسبوع أن لم يكن لديك مقال كامل ليضع على مكتبي فأعتبر نفسك مفصولً. لم ينتظر رداً من عادل بل أغلق الخط بعد أن لقنه وابل من التوبيخ و الأهانة. جلس عادل وهو يطالع فراغ الهواء الذي بات يشعر أنه يخنقه بأنفاسه، لم يكن عادل يومً يسعي ليكون لتلك المكانة الرثة، صحفي فضائح بجريدة محلية رذئية المستوى. يعمل دون هواده ليصل لسبق صحفي عن فساد الفسده و يزج بنفسه إلى أماكن مشبوة بحثاً عن خبر أو سبق صحفي وضيع المستوى. فهو ورث حبه للصحافة عن أبيه، فهو يعلم أنها ميثاق من الشفافية و عهد الكلمة التي توضع تاجً فوق رأس قائلها وصولجان بيدي الصحفي الماهر. لكن بعد وفاة أبيه فجاه بحادث و تخرجه من الجامعة سعى كثيراً ليعمل كمتدرب بأحد الجرائد ذات مكانة وأسم عريق، لكن كونه ليس من أؤلئك الذين لديهم واسطة أو محسوبية قُبل بالرفض والتهميش. فلم يجد أمامه ليفتح له أحضان الأهتمام و الرعاية إلا أحد الجرائد الرذئية الصفراء دون المستوى التي تعيش وتتنفس من وراء أخبار الفاضح لشخصيات السياسية و الفنانين و الوسط الأعلامي بشامله. صحيح أنه لم يجد بهذا المكان الطموح الذي يسعى ليناله لكنه كان الملاذ الوحيد له ولو بالمقابل سيتخلى عن بعض من معايره وقناعته وبداخله يحاول توجيه تلك الأداة للأنتقام من كل أؤلئك الذين حالو بينه وبين أن يكتب أسمه الصحفي بأحد الصحف المرموقة. "خرجت من ثلاجة الأموات حية، تلك المعجزة لا تتكرر كل يوم" تسللت الكلمات إلى مسامعه بوقوع شيئ غريب و تملكه شعور أنه على أعتاب سبق صحفي سيكشف عنه الرماد و يكتب له مسيرة ذهبية. أخرجه من حالة الشرود تمتمت تلك الممرضة وهي تدخل من باب غرفة الأستراحة وهي تتحدث إلى ممرضة أخرى بالداخل. بيدين ترتجفان وقلب ينبض بإيقاعات متسارعة أخرج من جيبه الهاتف ليبدأ بالتسجيل خلسة، يلتقط كل كلمة، كل نبرة وكل تفاصيل الحكاية التي تشبه الأساطير، تلك الفتاة التي كانت تعانق الموت في ثلاجة الموتى، ثم عادت إلى الحياة بمعجزة تتحدى كل المنطق، تلك المعجزة كفيلة لتسليط الضوء عليه. وبمهارة الصحفي المخترف بدأ بتسجيل كل ما يدور حوله بهاتفه الذي كان على وشك نفاذ البطارية. وهكذا تحول من صحفي الفضائح المصاب و المنكسر مهنياً إلى محقق يسعى لحل لغز وكشف حدث بصماته تحمل خفايا بأعماق الحقيقة على هامش بين الحياة والموت. ________________ في صمت الأرواقة الممتدة، وتحت ضوء النجوم الباهت الذي يتسلل من النافذة، تجلس صفاء ، الممرضة التي لطالما كانت شاهدة على الأرواح التي ترحل فهي رفيقة الموتى مثل ما يدعوها ويلقبنها الجميع، كانت تنقل بيانات الحالات الحرجة التي فارقت الحياة بقسم الطوارئ لتحفظ بأرشيف المشفى و الحالات التي تماثلت الشفاء و لتحفظ الملفات، يداها تعرف أين تضغط و بوتيرة متسارعة حيث أنها باتت حافظة لنظام وخانات التسجيل عبر الحاسوب، لم تكن تدرك أن القدر كان يحيط مخططاتها وفي لمحة من الذهول وتلك اللحظة الغريبة، أشار الحاسوب إلى تطابق غامض يشير إلى قدر مجهول. في تلك اللحظة راحت الأفكار تتلثم وتتلف حول عقل صفاء. على أثر ضغة غير مفتعلة أنفتح الأرشيف مشيراً لتطابق لا يُصدق، أرقام اليوم والشهر بدقة مع تلك الموجودة في ملف يحمل أسم سارة! و كأن هذا لم يكن كافيا وحسب فحتى رقم درج ثلاجة الموتى وأن لم يكن كافيا فالتصادف الأخير أكثر ريبة! باللون أحمر قاتم مكتوب سبب الوفاة حادث سير. هل كل هذا مجرد صدفة كبيرة مرعبة أم أن هناك رابط غامض بين رحيل سارة الغامض و عودة هالة من موت مؤكد ؟ وكأن القدر يُرسل رسالة مُبهمة ، وكأن سارة التي رحلت منذ عدة سنوات تحاول العودة من خلال الأرقام والتواريخ. كما لو أن الزمن مخطوف بين أيادي القدر، لكن إيحاءات الواقع كانت واضحة وصارمة تعلن عن فتح باب أمام ذوابع المعضلات المستحيلة " عودة سارة " تلك العبارة التي ترددت في أذهان الجميع، هل تسلل ليصبح هاجساً يطارد صفاء؟. هل سارة التي دونت بياناتها بالأرشيف هي ذاتها سارة التي كتبت تلك الرسالة على الورقة التي أتت برفقة الجثة المحرقة صباحاً؟ وأن كان الجواب أجل، كيف للموتى العودة وأن عادوا بأي ظالم سوف يبدأ الأنتقام!.. تعالت أنفاس صفاء وأختنقت توتراً، تُحاول نفي الفكرة، تحاول إقناع نفسها بأن الأمر برمته مجرد محض الصدف لا أكثر، ولا يمكن أن تكون تحقيقة. لكن الأرقام لا تكذب، والصدف لا تأتي من فراغ. فكيف يمكن للمجهول والغامض والمقدر، أن يلمس وجود سارة بين الأرقام و بيانات وبضع كلمات على قصصة ورقية؟ هل هذا دليل عن شيئ ما خفي؟ أم مجرد تشابك لحظات آتية وستمضي؟ لا تبحث عن إجابات، فأحيانا الأسئلة تترك بصمات أعمق من الحقائق، وكل ما علينا هو السباحة في بحر الغموض الذي يبهر ويفتن ويجذب بقوة لدرجة لا يمكن التصدي لها. تتساءل صفاء بين جنبات عقلها، هل يمكن أن تكون الأرواح تحاول التواصل معنا؟ هل من الممكن أن تكون سارة تُحاول إرسال إشارة عن وجودها؟ أم أن العقل أختلاق هذه الإحتمالات ليحُاول إيجاد معنى لهذه المعضلة؟ أغلقت صفاء الحاسوب، معلنه تخليها عن التفكير الآن، ثم أطفئت الأنوار وتركت الأرشيف. خرجت تتمشى بالرواق حيث يقبع مكتبها بأخر الممر. تحاول التخلي وكبح تلك الأفكار التي تُطاردها. عانق الليل الصمت الخالي من الكلمات أو الأصوات وكانت صفاء لا زالت غارقة ببحر الغموض وفي قلبها تعلم. أن الأسرار التي تحملها تلك الأرقام يجب أن تظل لغزا لا يحل أو يكشف... ___________________ تنفس الليل بحنق و أنفاس تحمل في طياتها الكثير من الأسرار، في زواية خافتة الإضاءة من غرفة هالة المظلمة، حيث تسكن الظلال الراقدة على جدرانها الباردة و الصمت مطبق على الأرجاء. كانت هالة تجلس وحيدة بعدما غادر والدها مصطفى ليذهب إلى عمله فلم يستطع أن يأخذ إجازة ليوم ثاني. جلست على الأرض الباردة، وحيدة ومنبوذة متروكة من الجميع متأملة في ثنايا العزلة المصطنعة. النافذة المشرعة تسمح لنسمات الهواء الباردة بالدخول، تعبث بأوراق مبعثرة هنا وهناك، كأنها تحاول إضفاء روح على المكان القاتم. كانت أناملها تمتد بتأني و رصانة نحو القلم الذي تمسكه بين يديها كعصى ساحرة تحي أو تميت. كل كلمة كانت تخطها على تلك الأوراق تحمل واقعً ذي ملامح تتشكل على بضع صفحات بيضاء. كل ورقة تحمل أسماً، وكل أسم يحمل قصة و القصة الأخيرة ربما تحمل حل الأسرار. جمعت الأوراق بترتيب دقيق وشديد الأحكام، بجانب أول أسم " عزت شاهين" وضعت علامة صح وباللون الأحمر وبخط متهدج صغير لكن حاسم كتبت "مات حرقاً " كانت هناك قوة في تلك الكلمات، قوة تنبع من قلب الحقيقة المظلمة التي تحيط بها. كان الأعلان مفجع و تصريح مؤلم لكنه متوقع وبديهي فالقدر محتوم ومسطور. القدر لا يرحم أو يبرح، والأنتقام بدأ ولن يوقفه شيئ إلى أن يصل للأسم الأخير. أمسكت بهدوء الورقة الأخيرة ثم وضعت سن القلم عند بداية السطر بحسم لا يليق بسنواتها العشر وسحبته لتكتب الأسم الأخير الذي سيكون متمم لدائرة الأنتقام. و بأحرف قليلة تشكل الأسم " صفاء تميم" وكأن الأسم لم يكن كافيً فالحقته بوصف يبرز الخوف لكل من سيتطلع عليه " الممرضة" قد خطته بين قوسين، وكأن هذه الكلمة وحدها تحمل من الأهمية ما تستحق أن تراه. في تلك الغرفة المليئة بالأفكار والأفعال الثقيلة، تلخصت مهام هالة وإنتقام سارو ببضع صفحات وكانت كل كلمة كتبت تعظم من شجنها و تزيد من حملها الذي يكاد يطحن عظامها وهنً. صمت يغلف الغرفة بكل حمولتها من الكلمات المنطوقة و الأحلام المتكسدة، إلا من همهمة قلمها الذي لا يكل ولا يمل من نسج وقائع تلك الأحداث المتوارية خلف ستار الواقع الأليم. الأوراق النثورة بجانبها على الأرض حولها تحمل حل لكل تلك اللألغاز كل واحدة تحمل جزءً، من الحكاية التي تقبع وراء إنتقام سارة، و هالة بحركاتها المدروسة كانت تجمع خيوط القصة. الغرفة بصمت جدرانها الرهيب كانت شاهدة على تلك اللحظات الحاسمة، حيث تتشكل نهاية فصل ملئ بالأسرار والغموض، فصل ينتظر الكشف عن خبايا في الصفحات القادمة... _____________.... يتبع ملحوظة: هيكون شيئ يسعدني و يفرحني أني أشوف توقعاتكم للفصول الجاية + رائيكم سواء هنا أو على حسابي في فيسبوك دمتم سالمين❤️🤲🏻 - عزيزي لقارئ- أقدر كونك تحب أن تكون غامضاً غير ملفت للأنتباه تتصفح و تسلل بين الفصول بصمت دون أن الأحظ لك وجود.. لكن فالحقيقة أسعد و يزيد من طاقتي الأيجابية عندما أري تصويتك و تعليقك عقب كل فصل ، فرجاء مثلما أسعدك بنسج عالماً من الخيال حاول أن تسعدني و تفاعل ولو بقدر بسيط... تم | الفصل الثاني | 25/5/2024

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الدقيقه ١٥

المؤلف ميمونة أحمد
2024/06/30 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة