أتشح الليل بسواد حالك ولملمت السماء عقد النجوم المنثور على أفاق السحب وكان بالزواية يقف القمر متطلع للأرض شاحب الوجه وباهت الضوء. وكعادة الناس فرو إلى بيتوهم ليلاً هروباً من قسوة الطقس و غرابة الأجواء. فهذا حال محافظة الوادي الجديد منذ أعمارها بالسكان و نقل إليها منشأت حيوية، لوهلة تشعر أنك دخيل يقف عالقا في زواية الزمان، بكل زقاق من بين الأبنية تشعر أن هناك أنفاس ساخنة بين ذرات الهواء البارد وكأنها تحمل في طياتها أسرار لوجود ما، وكأن يفصلها عم الولوج لعالمنا دقيقة من خمسة عشر دقيقة. خمسة عشر دقيقة، كانت تحمل في جوفها لغزاً عميقاً، لغز موت وحياة، لغز نهاية ومشارف البداية. على أحد الأرصفة بشارع الجلاء، أحد الشوارع الرئيسية للمدينة تقف فتاة لم تتجاوز العاشرة أسفل الأضاءة الخافتة لأعمدة الأنارى، ثم قفزت برجلها اليمنى و رافعة قدمها اليسرى لترتكز كل كتلتها صغيرة الوزن على القدم اليمنى، لتقفز فوق المربعات المرسومة بخطوط الطبشور محرزة هدفاً طفولي مشروع لأي طفل. ومع كل قفزة ينساب شلال خصلات شعرها الناعم الطويل و ترن أجراس ضحكاتها لتضئ عتمة أزقة المدينة ليعزف خطاها سيمفونية الحياة متكلمة الألحان. لكن وقف القدر مترصداً ولم يكتب من عمرها إلا بضع صفحات بدفتر الحياة. أخترق أضواء أعمدة الأنارة الباهتة كشافات متوهجة و أرتفع ضجيج محرك يدور بجنون مخترقاً سكون الليل المتخاذل، عبرت إطارات سيارة فاقدة الوجهة فوق أحجرة الرصيف المنخفضة. وقفت هالة بحالة من الزهول والصدمة فجمدت عن الكلام أو الحراك وجحظت عيناها من هول ما ترأه الصغيره في أخر دقائق لها بالحياة وهي تجد نفسها بمواجهة السيارة المسرعة نحوها دون منقذ أو مفر. ولم يرحم القدر براءة ضحكتها ولا نقاء روحها و أستباحة إطارات السيارة التي يدور محركها بغضب ليدهس جسد هالة الصغير ثم أستقرت السيارة مرتطمة بالحائط الموازي لرصيف و سقطت هالة تسبح ببركة من الدماء. السماء ينعكس ملامحها غضباً لم يرأ من قبل لذأ تصادمت السحب محدثة برقا شق السماء شقاً، والرعد عزف أنغاما تهز الأرجاء. مرت دقائق صامتة تصارع بها هالة الحياة وصرخات آلمها تخترق صمت الليل ودمائها البريئة ترسم لوحة حزينة على الأسفلت البارد. ومن بين الظلام كانت تقف بترقب و صمت على جانب الطريق يملئ عيناها فرحه تجمعت بمقلتيها وأرتسمت أبتسامة على جانب شفتيها المكسوه باللون أزرق قاتم وهي تراقب صعود روح الصغيرة إلى السماء تاركة خلفها جسدها على حافة الطريق، أشاحت ببصرها عن الصغيرة زمت شفتيها هامسة بصوت متحشرج " ما بعد الموت تخفق شارة البداية " ومثل ما ظهرت من بين الظلام ذابت لتختفي بين الظلام لتقبع الصغيرة التي لم تتجاوز العشر سنوات بعيون تعكس براءة العمر، تركد بلا حراك يعانقها الموت بضمة قاسية وتنظر إليه هالة الصغيرة شاخصة البصر. تحول الشارع من سكون و هدوء إلى جلبة و ضوضاء وعلى أثر الحادث أهتزت المدينة صخباً و تدافع المارة من أرجاء الشوارع ليروا الحادث عن كثب و يوثقوها بتصوير عبر الهواتف الذكية. بعد تدافع وجدال مضت دقائق ليست بطويلة، لكنها كانت تكفي لتفتح بوابة محدثة تمازج بين الزمان والمكان، وتتنسج حكاية لا تشبه سواهاو. حكاية بدايتها بعد الدقيقة خمسة عشر. في عالمنا الفاني ، حيث تتسلل أرواح خلف ستار الليل لتختفي الحدود بين الحياة والموت، لتولد حكاية أسطورية تعيد تشكيل معنى الوجود و مواضع المعاني. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ و مع تلاحق الأنفاس و تسارع الخطى محاولين أن يحاربوا عقارب الساعة وصلت الأسعاف ليتفرق الجمع وتحمل هالة المغرقة بالدماء على النقالة المعدنية لسيارة الأسعاف. لكن تسارع الخطى و الأنفاس ومحاربة السائق للوقت ليصل إلى المشفى كل ذلك لم يكن كافي لنجاة هالة الصغيرة التي كانت قبل دقائق مليئة بالحياة والضحكات. حُملت بأيدي المسعفين على النقالة المعدنية و وضع المسعف قناع ضخ الأكسجين على وجهها، لكن لم تعطي أي أشارة تعلن أنها مازلت بين الأحياء لذا أوصل بأوردتها مستشعر النبضات المتصل بجهاز نبضات القلب وأخذ يتابع شاشته بترقب و تأهب وبعد بضع ثواني دوى صوت صفيره معلن مغادرتها عن الحياة تحسس عنقها من الجانب الأيسر بأطراف أصابعه مستجدي أي نبض ضعيف ثم حاول المسعف الأخر كمحاولة أخيرة أنعاش قلبها الصغيرالكامن بالبرودة بالصدمات الكهربائية، ثلاث صدمات أنتفض جسدها بها صعقاً، لكن لا تأتيهم أي نتيجة، ليدوي صوت جهاز ضربات القلب بصفير مؤكد الوفاة. أزاح المسعف عن وجهها القناع ثم نزع المستشعرعن الأوردة وغطى وجهها بالغطاء القماش الأبيض و رامق زميله بنظرة يأس ذات أعتياد مفرط و تفحص البطاقة المدرسية التي كانت بحقيبتها و تمتم - الأسم هالة مصطفى تاريخ الوفاة 6/6 ساعة الوفاة 11:14 دُون الأخر توقيت الوفاة ثم أشار لسائق بالأنطلاق إلى المشفى. نجدها الآن راكدة على فراش معدني بداخل سيارة الأسعاف، ذات وجه شاحب و ملامح تخلو من أي دلاله عن وجود الروح التي فارقتها قبل دقائق وصعدت إلى السماء تعانقها الملائكة بحب ولطف وليبقى جسدها هو أخر ما تبقى من هالة بعد هذه الليلة! ________________ كان لدى المشفى خبر مسبق بوصول هالة الميته، لذا لم تنقل إللى قسم الطوارئ، أنما قسم الأستقبال لتسجيل البيانات لديهم ثم نقلوا جسدها حيث تُسجى في ثلاجة حفظ الأموات. قد يكون شكل المكان من الخارج عاديا و لا يشكل فارق، لكن بداخله الحوائط تحفظ الكثير من الأسرار، الجدران البيضاء تشهد على صمت مؤلم والبرودة تعانق جسها الصغير. غرفة واسعة الأبعاد، بها عشرات الرفوف، كل رف يحفظ ورائه إنسان كان لديه حياة و طموح ومئات الأفكار منها الجيدة ومنها السلبية. أناس كانوا لديهم أحباء يسعون لتمسك بالأمل المتسلل من بين يأس الحياة القاتم. ظلام دامس، فلا حاجة للأنوار والعيون قد أطفئ عنها نور الحياة. بروده قد جمدت بها كل المعاني وفارق بها كل ما كان يعانق الجسد من معاني للحياة. صمت يتنفس ويُسمع صداه ليخترق كل القلوب بثقل يغص بآلم الفراق. المكان يخلو من أي رموز تدل على وجود حياة، ومن بين الصمت كانت عقارب الساعة التي أعلى الباب يتردد صداها بالأرجاء. وبكل دقه تمر ثانية وكأنها تبدأ الزمان حيث غمرة الليل، حيث تسكن الأصوات وتحلق الأرواح الغاضبة بالظلام. هنا في هذا البرزخ البارد، حيث تصمت الحياة، وتغدو كل الأحلام سراباً. " هنا بدأ رحيلي و عودتي في آن واحد" و مع دقات الساعة المتممة لثانية عشر ليلاً، نفضت عني سقيع الموت لأشهق بأنفاس جديد، بروح ليست لي.. بروح تتوق للإنصاف. أهتزت جدران الرف الذي يحمل جسدها وتحركت يمين حركة خفيفة لضيق أفق المكان ، سكنت بضع ثواني لتدرك موقعها الحالي، ثم أخترق سمعها أمتزاج صوت مع دقات عقارب الساعة، دققت بالأنصات فكان صزت خطى خطوات تقترب من باب رف الثلاجة. لم تمر ثوانِ ليفتح باب ويسحب الرف للخارج، كانت رؤيتها متعثرة كون الظلام يخيم على المكان من حولها ، يتعجب عقلها وغير قادر علي أستعياب ما يحدث و كيف عادت من سكون الموت! ثم لحَ عليها سؤال لا تجد لا جواب و كأن الجواب عز نفسه عنها ، تتسأل ولا تجد مجيب ، أهي من أفاقتها من رقودها؟ أم هي مثلها من عالم الأموات. تقف أمامها بصمت مقبض و لا تحرك ساكناً ، لم تستطع أن تميز منها سوا أنها فتاة ذات فستان أبيض طويل وشعرها الأسود الطويل الذي ينساب على كتفيها وأنفاسها المتحشرجة بالآلم. لم تحرك شفتيها التي يكسوها زرقه قاتمة؛ أنما تسلل صوتها إلى عقل هالة بهمس يوخذ خلاليا المخ - أيتها الصغيرة هالة، أقرضيني جسدك الصغير، فـقد قادتني أليكِ أحقاد الأمس و بقلبك الطاهر سأكتب قصة أنتقام لن تنساها الأذهان والأرواح. تردد بخاطر هالة سؤال لم يجاوز شفتيها كونها عالقة بين عالمين، لكن كان يملئها الرهبة والخوف ممتزجين بالفضول. هالة: من أنتِ؟ و كيف صرتُ جسراً لتعبرين عليه من العدم إلى الوجود؟ - أنا ظلم طويل، وحكاية لم تُروَ بعد.. كنت أنتظر عالقة في عالم الأرواح باحثة عن فجر يخترق ظلمت قصتي، وإني الآن بكِ ومن خلالك سأتجاوز حدود الأثر إلى موطن الأنتصار. أجابتها هالة متسائلة بشجاعة متزايدة. هالة: ألا يعني أنتقامك هذا مزيداً من الأذى لأرواح بريئة؟ كيف ستجدين راحتكِ بيأذء آخرين؟ - الظلم يجُلب بحوراً من الدماء و الدمار ولا يترك خلفه إلا هلاك، والفاعل هو المذنب. أنزعجت هالة من جاوبها و تسائلت متذمرة. هالة: أين أنا؟ وماذا حدث؟ أنا لا أذكر شيئ! بدا يظهر على ملامحها الجامدة التي لا تحمل أي تعبيرات بعض من الحزن والمواساة ثم أردفت بصوت متهدج بالأسى - أنتِ الآن مثلي تماماً، عالقة بين الحياة و الموت، ولن نتجاوز السماوات إلا بتحقق أنتقام كلانا. تسألت هالة بتشكيك وتهجم. هالة: ما أسمكِ؟ أرتسم شبح أبتسامة مقبضة بين شفتيها المكسوة بالزرقه القاتمة تظهر من بين ظلام الغرفة . - أسمي سارة، سارة موافي. أردفت هالة بكلمات تملئها الأرتباك. هالة: ما معنى ذلك؟ وكيف سيتحقق أنتقامتا ونحن عالقتين أقتربت سارة بضع خطوات من هالة و أتسعت أبتسامتها التي تضمر غضب يتطاير من عينها وهمست بأذن هالة بصوت مهيب سارة: ستصبحين أداتي للأنتقام، ستقودينّا للعدالة والحقيقة و سيدفع الجميع ثمن أفعاله. تداخلت أصواتهن و أمتزجت نبراتهن إلى أن قاربت صوت فحيح الأفاعي و ردّوا بقوة أهتز لها المكان من حولهن. - لن نغفر، لن ننسى.. سأكون صوت الحق و أداة للعدالة. تلاشى الضوء الخافنت تدريجاً مع أبتسامة سارة التي تضمر الغضب المقبض ، ليعود المكان إلى حالته الأولى. الظلام و الهدوء.. ولا يسمع صوت إلا دقات عقارب الساعة بهدوء متواتر. –––––––––––––––––––– أشتد الليل ظلمه و أحتد المطر القاسي و كانت أروقة المشفى متكدسة بالمرضى. الأضواء الباهتة تلقي ظلالً من النور على الأرضيات المهملة مهمشة التنظيف. تجلس خلف طاولة بأخر الممر، وجهها ملتصف بشاشة هاتفها المضيئة، تبرز ملامحها مظاهر اللامبالاة لكل ما يدور بالجوار. من حين إلى آخر يرن هاتفها بشكل متواصل، فهي من تتلقى المعلومات عن حالات المرضى الجدد، بالأضافة إلى عملها بمشرحة الموتى. ترتدي معطفا طبي، أبيض بدرجة باهتة كإشارة على قدمها بالقسم، و يغلف وجهها حجاب أبيض يكسبها براءة مزيفة. تحمل بين يديها ملفً سميكاً، يحتوى على شتى تفاصيل الحالات قد دونت بدقة بالغه ناتجه عن خبرة ذات تمرس. تنظر بعيونها الناعسة متففه إلى عقارب الساعة وتتنهد بيأس؛ لأنها تعلم أن الليل لن يمر سريعاً. الأرجاء من حولها مزدحمه وكل المسعفين و طاقم التمريض يعمل بكافئه ويسارعوا لأستقبال الحالات من عربات الأسعاف. المشفى يعج بالمرضى، نظرا لسوء الطقس لذا صادف أندلاع عدت حوادث بين سير و حرائق، تعددت الأصابات و تتدافع الناس لبهو قسم الطوارئ؛ كونها المشفى الوحيدة بالمنطقة. ينتظرون بصبر بجانب الأسّرة التي تمتلئ بالمرضى المنهكين إلى أن يحين الوقت ويصبح أحدها شاغراً. الأصوات المكتومة تملئ الهواء, أنفاس متقطعة، شهقات وصرخات محملة بالآلام,الأمل واليأس يتناوبان في أعين المرضى و أهاليهم، بينما هي لا تبالي؛ كونها أعتادت أًصوات تآلمهم وأنين أوجاعهم والتي أصبحت مجرد مشاهد مكررة أمام عيناها، لا تلامس جدران قلبها أستعطاف أو أشفاق حتى عندما تلتقط الهاتف وتتصل بأحد من أهالي المتوفين لتنقل إليهم خبر الوفاة بصوت يغلفه الجمود و لا شعورية ثم يأتوا وتتركهم يبكون و يحتضنون جثة ميتهم في الزواية المظلمة. يغمر المكان مشاعر متنافرة فيبدو شرحه وأستعيابه مستحيل؛ فمن نفس المكان يخرج مريض معافى أو ميت على محفى. فالمشفى هو المكان الذي يعكس الحياة والموت، ويبقى مكانً مليئا بالتضحية والأمل، حيث يلقي البشر بآلمهم ويحاولون السعى إلى الشفاء و البقاء على قيد الحياة. ______________ إكتشاف مذهل في ثلاجة حفظ الموتى!..... أردات صفاء أستغلال الدقائق المتبقية قبل وصول أًسرة هالة الصغيرة التي توفت قبل دقائق خلال نقلها بالأسعاف، نحت الدفتر جانباً عل مكتبها و دست الهاتف بجيب معطفها و رتبت حجابها. قامت عن الكرسي متجهه إلى غرفة ثلاجة حفظ الموتى لتقوم بتغسيل جسد الصغيرة هالة. وبخطوات مترددة شقت صفاء طريقها في الممر المعتم حيث كان الضوء الخافت يكافح ليشق ظلام الغرفة، وبأصابع مرتعشة أمسكت مقبض الباب. فُتح ببطئ محدث صرير يبث الخوف بالأعماق، دلفت إلى داخل بخطوات ثقيلة فبرغم من جمودها الدائم لكن تجد بهذا المكان ثقل مهيب وكأنه بوابة تفصل بين عالمنا وعالم الأموات. الأجواء يخيم عليها التوتر من حولها، حيث يعزف الصمت لحن الوداع الأخير. تحركت صفاء من جمودها بخطوات ثابتة لتسحب مقبض باب الثلاجة. تناثرت ذرات الهواء البارد ليملئ رئتيها، ثوانِ من التردد قبل أن تمد يدها لتخرج الدرج الذي يحتضن جسد هالة النحيل الذي غمرته البرودة و لتتقلص أطرافها من السقيع. الهدوء الذي يعم المكان كان مخيفاً، الصمت يغلف المكان و البرودة قابعة بالأجواء، كان تنفسها الوحيد الذي يخرق حاجز الصمت بأصداء دافئة. أقتربت بحذر وبخطوات واثقة نحو جثة الصغيرة المسجاة لتضعها على الطاولة الباردة. الضوء الخافت يرسم ظلالاً طويلة منعكسة على الجدران وكأنها تهمس فيما بينها تحاول أخفاء سراً ما. رفعت صفاء طرفاً من الغطاء الأبيض عن وجهها ونصف جسدها العلوي، ثم أمسكت بإناء الماء الفاتر و بدأت برفق وحنان تُغسل جسد هالة النحيل، وكأنها تحاول إعادة الدفئ إلى قلبها الذي لم يعد ينبض. وبرغم من صلابة و جمود صفاء وعدم أكتراثها لآلالم المرضى وشكوهم إلا أنها تحمل قلب أم و أنزلقت الدموع عن مقلتيها لتختلط بالماء و رسم وجهها بملامح وإيماءات الأشفاق والحزن على الطفلة التي فاضت روحها وأنقضى أجلها بأولى سنين عمرها، كانت يديها ترتجف وهي تمرر القماشة على جبين هالة فبرغم إدراكها أنها بغرفة ثلاجة حفظ الموتى ويقينها بموت هالة إلا أن هناك شئ ما بداخلها يرفض أن يستجيب للحقيقة. وفي لحظه ، دون سابق إنذار شعرت صفاء بحركة خفيفة على جانب الطاولة الأيمين بقرب يد هالة، كانت أرتداده ضيئلة لدرجة أنها أعتقدت أنه مجرد تخيل أو إرتخاء بالأعصاب هكذا فسر عقلها ما حدث. أستمرت صفاء في غُسل الجسد بالماء الفاتر وصولاً لزراع اليمنى، أمسكت كف يدها و غمرته بالماء لتغسل ، وفجاه أستشعرت بضغطه خافته خفيفه على يدها. تجمد الزمن حول صفاء لثواني وقلبها كاد من الفزعة أن يتوقف، تركت يد هالة و توقفت وعينيها معلقتان محدقة بأصابع هالة. أنتظرت ثوانٍ كادت تكون دقائق تمر بتقل، وفجاه تجسد الوهم و تحول الخيال لحقيقة و عادت أصابعها تتحرك ببطئ و تكرر الأمر و أًصبح أوضح وبات إكتشاف مذهل. أستمرت يد هالة في تحرك ببطئ، تكاد تكون نبضة حياة تسري في عروق جامدة لجثة هامدة، صدمة أصابة صفاء وهي تراقب بعينين متسعتين . كيف ؟ أن هالة الطفلة التي كانت ميتة للتو!، تعود إلى الحياة؟ تسارعت أنفاس صفاء وهي تحاول إستعياب ما يحدث حولها، عودة للحياة! في لحظة الإكتشاف تفجرت المشاعر الجامدة بداخل صفاء كبركان الغضب. صدمة شديدة أعتصرت قلبها، فقد كانت تلك الحركة الخفيفة إعلانا عن معجزة و عودة للحياة من أعماق الموت. بينما تتسارع أنفاسها أستعدت بكل ما لديها من شجاعة لتكتشف حقيقة ما يحدث. ترددت قليلاً، لكن حسكت الأمر و وضعت يدها على صدر الصغيرة هالة. و اذا بالفعل تجسدت المعجزة وكان هناك دقات قلب ضعيفة، لكنها موجودة. رعب وفرحة و أمل أمتزجوا في قلب صفاء و الدموع بدأت تتجمع في مقلتيها. كلمات لم تكن تتوقع أن ترتط بمهنتها أبدا. ومع كل نفس يعود إلى صدر هالة كان الرعب يزداد تسلله إلى قلب صفاء. لم تكن تعلم ماذا يجب أن تفعل ؟وكيف تتصرف، هل تستغيث بالآخرين؟ أم تحتضن الطفلة التي عادت من بين الأموات صرخت صفاء وهي تنظر لهالة بعيون متسعة كونها بدأت رموشها تتحرك بثقل، لذا أدركت أن النبض يتسارع تحت أناملها ، سحبت يدها عن صدر هالة وهتفت بصوت متهدج بالقلق صفاء: هالة.. يا الله هي حيه. هتفت صفاء وهي غير مصدقة ؛ثم خرجت تركض لتنادي أحدهم للمساعدة بأقصى ما تستطيع من قوة، القلق يعتصرها وهي تحاول إنعاش هالة من جديد. تناست العالم من حولها و تركز فقط على إبقاء هذه الشرارة الصغيرة من الحياة. قبل ثوانِ الغرفة كانت تحمل رائحة الموت، الآن تعبق بأمل جديد. وصفاء التي كانت تعتبر نفسها مجرد مرافقة للأرواح الراحلة، وجدت نفسها فجأه حارسة لروح عادت لتنبض بالحياة وفي تلك اللحظة، أدركت أن المعجزات قد تحدث حتى في أكثر الأماكن ظلمه. في اللحظات التالية، تعلقت الأرواح بين السماء و الأرض ليغلف المشهد جوا من الغموض والأمل. كانت كل ثانية تمر كأنها دهر، حتى الطرق التي تقطعها النقالة الطبية مسرعة محاربة الهواء، تحمل هالة التي التف حولها الفريق الطبي مستعدين لخوض معركة مع المجهول في سبيل أستراجع هالة للحياة. ما يحدث خلف جدران الغرفة كان أشبه بعودة من الرحلة الأبدية إلى الواقع. معجزة في أتم معنى الكلمة، و كون صفاء شهدت هذه اللحظه، حيث الحد الفاصل بيت الحياة و الموت. لم يكن أبدا بمحض الصدفة، أنما لسر على بُعد خطوات من أن يُكشف.... نُقلت هالة إلى العناية المشددة حيث الفريق الطبي ليتم أنقاذها لتسجل كمعجزة عادت من بين الموتى لتممسك بالحياة. ولم يكن لدى أحدا منهم علم بأن من عادت ليست الصغيرة التي لقت حدفها على جانب الطريق، إنما روح من أعماق الجحيم... _____________ من المخطئ؟ ومن الضحية!.... أزدات الليلة قاتمة، وتسللت همسات الريح المضطربة وأنين الأشجار المتمايلة خارج الجدران الباردة للمشفى. في زواية مظلمة من قسم العناية المشددة، تجلس على كرسي معدني متحرك، مدثره رجليها المبتورة بمفرش أحيك من الصوف، تراقب أبنتها الوحيدة و هي مستلقيه على الفراش، يتملكها الشعور بالذنب. ينخر قلبها آلمً ، لم تكن تتوقع أن تعيش مثل هذه اللحظات الموجعه وأن أبنتها الصغيرة مرت وتحلمت كل هذه الآلالم. فجاه فُتح باب الغرفة بقوة معلنا وصول مصطفى والد هالة: يمشي بخطوات ثقيلة مهتزة ةعيناة زائغة النظرات. وقف أمام الفراش ، جهه يكسوه أثار السهر و قسماته مشدودة من الأرهاق والقلق. يرامق ندى بنظرة مبغضه ثم أتجه نحو فراش هالة بخطوات مضطربة ليلقي بجسده على الكرسي المجاور للفراش، أمسك برفق يد هالة المتصلة بجهاز قياس ضربات القلب و المحاليل بأوردتها. أقترب من أذن هالة بلطف وبصوت أبوي حاني همس يغمغم مصطفى: أنا آسف، آسف لأنني لم أكن هنا عندما كنتِ بحاجتي، آسف لأني لم أحميكِ بشكلٍ كافيٍ من الخطر. - لا تأسف يا مصطفى، هذه ليست مرتك الأولى ، قد تركتها بمفردها مراراً و تكراراً. كانت الكلمات تخرج من ندى بلوم و عتاب وقلب منكسر مخزول، فقد أعتادت مصطفى على إنعدام المسؤوليه و التخلي و من وجهة مصطفى كانت بذرة كل المشاحنات والخلافات المستمرة تذمرها وغضبها من أقل خطأ وتلك الأوضاع المتواترة أوصلتهم بالنهاية إلى الطلاق. بعد نزاع على حضانة هالة ، لكن وفقا للقانون هالة بحضانة أمها حتى تصل لسن القانوني. وما كان يجمعهم من بعد الأنفصال مكان أو كلام ولكن الآن وجدا نفسيهما مجبرين على مواجهة لحظة كهذه معاً وتحت سقف واحد من جديد، يحاوطهم الصمت، و صوت الأجهزة المتقطع المنذرة بالخطر وأنفاس هالة الضعيفة. تظاهر مصطفى بعدم سماعه ما تلفظت بها ندى و تجاهل ما قالته ثم قبل جبين هالة و أعاد يدها إلى جانبها و أفرد عليها طرف الغطاء الدافئ. ثم قام عن الكرسي يحاول أن يتظاهر بالتوزان وهمي أمام ندى ثم أردف بنبرة ترتجف من شدة الغضب المكتوم وأشهر سبابته بتهديد مصطفى: لا تلقي اللوم عليَّ، لن يكن ليصل الأمر بـ أبنتنا إلى هذه الحالة لولاا إهمالك! ، أين كنتِ حين وقع لها هذا الحادث؟ حركت ندى عجلات كرسيها لتكون أمام مصطفى وتناظره وعيناها تتقدان بنار الدفاع عن النفس والحزن الدفين في أعماق قلبها يُشعل نيران الكره إليه لتهتف بصوت مرتفع محمل بالعتاب. ندى: أتجرؤ على أتهامي!، و أنت الذي لم تكن بجراة الكافيه لتظهر إلا الآن؟ لطالما كانت هالة تبحث عنك و تسألني يا أمي أين أبي و لما أبتعد عنا، لما لا يرافقني إلى المدرسة؟ بينما أنت تائه في عالمك الخاص وتتصرف بصبانية وضيعة. رفع مصطفى حاجبه مظهر تعجبه من أتهامات ندى إليه و أجابها بصوت مجدد التوتر والغضب بالمكان. مصطفى: أنتِ أيضًا أخطاتِ، لماذا تركتي هالة لتخرج إلى الشارع و تلعب بالطرقات بهذه الليل المتاخر؟ لما لم تبقيها في المنزل أمانه؟ تعالت أنفاس ندى و زادت غصت حلقها مرار لتنفجر هاتفه بغضب وهي تشير إلى ساقيها المبتورة. ندى: لأنني كنت بجلسة العلاج الطبيعي، كنت اليوم أجرب الطرف الصناعي الذي سوف أضطر لتركيبه لأقف على قدامي من جديد، حتى ما حدث لي كان بسبب تهورك بالقيادة وإنعدام مسؤاليتك يا مصطفى. قاطعها بصوت محتد بغضب. مصطفى: كفى!، لا تلوميني على ما حدث، لن يكن بسببي لست المخطئ حاولت أن أوقف السيارة ولم تتوقف!... قاطعتهم أصوات الأجهزة المتواتر، مذكراً إياهم بواقع هالة المؤلم ، لكن لم يكن الغضب حلاً فكان من الصعب عليهما التوصل إلى أرضية مشتركة، كانت كل كلمة تخرج من أفواهم تزيد من الفجوه بينهم وكل منهما متمسك بروايته للقصة، متهما الآخر بالتقصير بحقه وحق هالة. وفي سهو من كلاهما ظهر من العدم بجوار هالة أمرآة ليست بغريبة، فقد سبق وظهر هذا الكيان الغامض بثلاجة الموتى وعقد صفقة مع روح هالة المعلقة مقابل جسدها لأحراز إنتقام مؤجل منذ سنين. لم تتمكن عيونهم ضيقة الأفاق و أحادية الرؤية من أن تدرك وجودها القريب والملاصق لهالة. مسحت بيدها على وجه هالة الملائكي الصغير و تحسست شعرها الناعم والأسود الطويل ثم أنحنت لتهمس إليها بصوت متحشرج أشبه بفحيح الأفاعي سارة: أرايتي يا صغيرتي؟، كلاهما يتخلى عن المسؤالية ويلوم الآخر بأهماله بحقك. أعتدلت لتقف قائمة ثم نظرت إليهم بغضب لكلاهما وهتفت سارة: كلاكما لا يستحق هالة، لو كانت أبنتي لما كنت تأخرت عنها أبدا، كنت أحميها بكل ما أملك ،كلاكما يستحق الموت ولكن ليس الآن سنأل منكما بالوقت المناسب.... تعالت أصوات الأجهزة وأختفت سارة عن الرؤية كليا. أنتاب مصطفى القلق كونه توهم أن هالة قد تسمع جدلدهم ولو بنسبة طفيفة لذأ في تلك اللحظة شهق ليأخذ نفس بعمق محاولاً تهدئة أنفاسه و كبح غضب ثم قال بهدوء مغاير و مفاجئ لكل ما سبقه بالقول. مصطفى: لا يهم الآن من المسؤول، ما يهم هو هالة وأن تتعافئ ، أنا الأحق برعايتها من بعد الآن، ليس لديكِ خيار آخر يا ندى. ضحكت ندى بهسترية ساخرة وصفقت بيديها. ندى: رائع، أصبحت الآن الأم السيئة ذات التصرفات الطائشة ، حسنا أيها الشهم، سوف أدعك تاخذها وأنا كوني سيئة بروايتك سوف أغادر الآن، لقد أهدرت من وقتي الكثير بالجدل معك. سحبت كرسيها لتعود للخلف بضع خطوات وأقتربت من سرير هالة، وأنحنت تقبل وجنتيها ثم جبينها وأختلطت دموعها بوجه هالة ، أعتدلت في جلستها و مسحت عن وجهها الدموع ونظرت إلأيها بعيون دامعة وتظهر فيها بريق الأم القلقة التي بدت عليه علامات الغضب الكامن الذي أنعكس عليها من هذا الجدل المؤلم لكنها مهزومة منكسرة ، تنهدت بصمت وعادت تسحب عجلات الكرسي لتقف أمامه و تتحدث إليه بنبرة خفيضة ذات عقلانية. ندى: سوف أبقى على تواصل مع قسم التمريض، شئت أم أبيت سوف أكون إلى جانبها رغما عنكِ. أبتسم مصطفى بشامته ساخراً أنعكست بقهقه لا أردايه مصطفى: على الرحب والسعى يا ندى لم أمنعكِ ليست من شيمي. غمغمت ساخرة بحنق ندى: أمثالك ليس لديهم شيم لتباهي بها ، سوف أطلبها منك لأخر مرة يا مصطفى، أرجوك تأكد من أن تكن سعادة هالة وصحتها من أولويتك القصوى. ترك الجدال بصماته على وجهي الأبوين، جلس مصطفى في صمت و خرجت مدى بواسطة جر عجلات كرسيها المتحرك هاربة من أن تكمل معركتها التي لم تعد تعن شيئا أمام مواجهة معاناة أبنتهما. طغى الصمت على الغرفة مرة أخرى، حتى تبادل الأخير كان يملؤه الحزن و الغضب المخزن من أثر الماضي و أيضا أدراك أن الواقع الذي حل بهم من آلم كلاهما طرف مشترك به. أمام غرفة العناية المشددة، في تلك اللحظات الحرجة، كانت التحديات الأسرية والخلافات التي طالما سيطرت عليها تتلاشى لتكتب نهاية جزئية وتاركه مساحة للقلق والخوف من فقدان أغلى ما يملكان. سادت رغبة قوية بداخلهما في أن يرجع الزمن، لتقديم مستقبل أفضل لهالة ولتغير مسار الأقدار التي رسمت لها من وراء أفعالهما، لكنها ستبقى رغبة عالقة في أذهانهما وحسب. ولن يجرؤ أن يحرضهما على التغير من أجل الوصول لهذا المستقبل معا، فلقد حكمت الأقدار وحرمتهم تلك الفرصة مرة أخرى كون كلاهما لن يسامح الأخر ولن يتقبل وجوده فيما بعد. فيكفي أن يكون أحدهما غائب حاضر لأجل هالو مع الأخر بأمان. لكن يا ليت عقدت هذه الأتفاقية قبل هذه الليلة وقبل مرور الدقيقة خمسة عشر.... _________________________ مضت ثلاثة أيام بترقب و صبر، ثلاثة أيام كانت هالة بغيبوبة دماغية تصارع بعالم آخر كيان يسعى للأستحواذ على جسدها لأجل تحقيق أنتقام لم تكن ركن منه ولا يربطه به جزءً. ثلاثة أيام؛ لا يعرف أحد عن ما تعانيه أو توجه طفلة دون العاشرة. ثلاثة أيام يجلس إلى جانبها مصطفى لا يعرف ما تخوضه هالة أو ما تكبح بين طيات عقلها. ومع مشرق صبح اليوم الرابع أنقضى النزاع و هُزم الخير لتحرز سارة أولى أهدافها بالأستحواذ على جسد يومً ما سكنته روح طيبة لطفلة لم تقترف بحياتها سوء. أنما كانت هي الضحية؛ بين الأهمال الأسُري ونتاج الشتات الأجتماعي بين أبويها. لم يكن ما جرا سوا عرضً تمهيدي ومبدئ، فبعد ما تسللت سارة للولوج إلى عالم الأحياء تغير كل الأشياء. لتتجسد بملامح وشكل مختلف، حتى نظرات البراءه وقسمات الطيبة محيت و أختفت عن وجه هالة فحتى أذا كان الجسد و الملامح لم تتغير فستبقى العيون مرآة الروح وتعكس الحقيقة التي قد لا تلاحظ من الجميع. فالأقدار أحيانا تكون ظالمة لأصحابها لكن قبولها والرضاء عنها يكون له حكمة تثقل الميزان و ينشئ توزان يحسن من بشاعة المصير، وأحيانا يكون الموت مرير يفرقنا عن من نحب ويترك قلوبنا تتأكل من الآلم وأحيانا يكون شرارة نار أنتقام تنتظر ملامسة فتيل ليحرق سائر الهشيم. ليست كل القبور تكون من تراب الأرض الذي يواري أجساد خالية من الأرواح، فبعض القلوب تكون ذكرى أو أناس كانوا جزءًا من ضغفنا و أوجاعناً. فبداخل كل واحد قبر دفن به ذكراه و أوجاعه ليغُلفه بجدار قلب غاوي وبئر ملئ بدموع الشوق والندم. تنفس الصبح مسترجع شغف البقاء لسارة التي عادت من بين الأموات سعياً لتحقيق أنتقام مؤجل من عدت سنين. بعد ما تاكد الطاقم الطبي من تعافي الجسد من الأصابات التي نتجت عن الحادث وكُتب تقرير يبرر به الأطباء تغيبها عن الوعي ثلاثة أيام والذي بُرر على أنه غيبوبة جزئية. وبعد الحاح و أصرار من مصطفى وَقع على أقرار لنقل هالة للمنزل لأستكمال علاجها تخوفً من عُودة ندى لتطالب برعاية هالة. لم يكن الطريق طويل فالمشفى على مقربة من بيت مصطفى كونه بمنتصف المدينة. كان كل ما يشغل عقل مصطفى هو أنتصاره على ندى و أنه ظفر بهالة؛ ليس كونه أب حنون يرغب في رعاية أبنته الوحيدة، أنما قهر و أزلال لندى وحسب، و أبراز نصر لذكورته التي لا يقبل بها أي مساس أو زعزعه بمواجة أي أنثى. فقط أما أنا أو أنا لا أقبل مُنتصر غيري هنا.. أوقف مصطفى سيارته أمام المنزل و ترجل منها ثم تبعته سارة المتجسدة بجسد الصغيرة هالة. بدت هالة لا تتفوه بكلمة منذ بداية المشوار، لم يهتم مصطفى كعادته ظناً منه أنها مازالت مريضة أو تعاني من صداع لذا لم يعر الأمر أهتمام. فتح مصطفى الباب بالمفتاح ودلف بين الظلام ليضئ لمبات الأضاءة. بدت أنوار الأضاءة خافتة وضعيفة برغم من أن الصالة لم تكن واسعة المساحة بالأضاة لوجود نافذة على الطرف اليمين من الصالة لكن كان يكسوها أطنان من التراب الذي يتسلل من بين أضلاعها الخشبية بصيص ضوء خافت هارب من الشارع؛ مخلفً اجواء ذات مزيج بين الحزن والحنين، كان الضوء يتسلل بشعاع رفيع وخافت خجولاً ينلوى برقة بين الغبار. دلف مصطفى من الباب وتبعته هالة ثم أوصد الباب بالمفاح والقاه على الطاولة التي تتوسط الصالة بأهمال، ثم الفى بجسده على الأريكة المتهالكة في الزواية و ما أن قفز عليها حتى تصاعدت ذرات الغبار متراقصة مع ذرات الهواء والتي تعكس عدد الأسابيع التي بقيت فيها أركان هذا المنزل وحيدة و متسخة. فمنذ أنفصالهما عكف على المبيت بمكان عمله ولا يأتي للمنزل إلا مرة كل أسبوعين. تمشت هالة بخطوات ثقيلة تتفصح أرجاء المنزل وتمسح الصالة بعيناها سريعا مدققة. الأجواء تعكس صمت السنين المتراكمة من الهجر. الجدران التي كانت تحمل شقوقا وذكريات باهتة الأثر تشهد على الحياة التي ملئت و عج بها أركان هذا البيت يومً. الأثاث المتناثر هنا و هناك، وكأنه يصرخ مستغيث عن حاجته للعناية والأهتمام. الغبار يحاوط كل شيئ ليطمس ويخفي معالمه الراسخه بذاكرة هالة الضعيفة والتي تحاول سارة فرزها سريعا لتعرف أكثر عن المكان. نظرت أسفل قدميها فكانت الأرضية التي لم تعد تعرف دعسة قدم ويغطيها طبقات من التراب المتراكم. تمشت هالة بأقدام ثقيلة لتدلف إلى المطبخ من جهة اليسار، كان مسرحاً للأطباق المتروكة متكدسة في الحوض و توجتها بقايا الطعام وباتت تغزوها الرطوبة وطبقة من العفن. كان كل ركن من أركان البيت ينطق بحكايات العُزلة والتقاعس والمتخازل الذي ختم بها مصطفى. وفي تلك الفوضى مترامية الأطراف، كانت ثمة دلائل متناثرة على تجذر روح مصطفى التي أصبحت باهتة واضحا بين تلك الجدران الصامتة. أطارات الصور القليلة المعلقة على الحائط والتي يجوارها السواد المحيط ببياض والتي لم تفشل في سرد قصة رجل منساق وراء تسلط سموم عقله و أنعدام منطقية تفكيره. بعد ما درات هالة بالمنزل في جولة سريعة جلست على كرسي مجاور للأريكة، لتلقي ببصرها على الطاولة التي تتوسط الصالة بجانب الأريكة ؛ كونها ذات منظر ملفت فكانت مكدسة بأكوام من الجرائد القديمة المصفرة و الفواتير غير المتفوحة. كل تلك الأشياء الجامدة تشهد على نظام الحياة الذي تخلى عنه صاحب البيت لفترة طويلة هاربا من المسؤاليه ومن حياته ومن ماضيه و من كل شيئ ذي قيود. ______________________ خيم التعب و الأرهاق على مصطفى لذا غفى نائماً متسطحً على الأريكة، جلست هالة تتأمله بحنق وضيق ثم همست وهي تزم شفتيها بحقد مخزن. - أكرهك. أبتلعت غصة حلقها بآلم وتنهدت لتقوم عن الكرسي بحسم معلنة بدء حملة التنظيف. بدأت بنفض الوسائد من الغبار بحذر حتى لا يستقيظ أبيها، وبينما كانت تجمع الأوراق والفواتير المبعثرة بعبثية على الطاولة و تكنس التراب الذي يكسو الأرض برمادية مقبضة طرق ذاكرتها يوما. عندما كانت تنام على نفس الأريكة و والدتها غطتها بالغطاء الصوفي الدفاء وطبعت قبلة حنونة على وجنتيها ثم لملمت أوراق دفترالمنثورة الرسم من على الطاولة لتعيدها بدرج مكتبها الصغير بالغرفة. تملك قلبها وخذه كانت أنعكاس لهامش الذكرى، غلفت عيناها طبقة من الدموع المخزنة لتنهال على وجنتيها بهدوء، أزفرت أنفاس ساخنة مليئة بصمت لتعكس الوحدة التي تضغط على صدرها ثم همت لتمسح دمعتها بطرف أكمام كنزتها وهمت تكمل التنظيف. كلما أنتقلت من زواية إلى أخرى كانت تهاجم عقلها ذكرياتها المعلقة بالحوائط و أرجاء البيت. ومن بعد الغرف أنتهت من جلي الأواني و تنظيف المطبخ، فهي قد نظفت كل شبر، كل زواية وكل شق. لم تترك شيئا إلا و أعادته إلى مكانه الصحيح أو هيئته الأصلية. بعد ساعات من العمل المتواصل و الأرهاق الذي خيم على جسدها وقفت في وسط الصالة تنظر إلى المكان بتعمق و كأنه عاد مماثل إلى تلك الصورة التي بقيت عالقة برأسها، تنهدت بعمق ليظهر شبح أبتسامة رضا على وجنتيها. أستيقظ مصطفى على رائحة النظافة المنبعثة من كل ركن، مسح المكان بعيناه متفاجئ؛ ظنا أنه متوهم. فرك رأسه لينفض شعره محاولا إستعياب المكان بعد أنتغيرت ملامحه المهملة العشوائية ثم حدق بهالة بدهشة مصطفى: هالة! ما الذي حدث هنا؟ هل جاءت أمكِ؟ أقتربت هالة منه بضع خطوات ثم ناظرته بثبات و نبرة ذات رزانة ممزوجه بأبتسامة ساخرة. هالة: ولما ستأتي هل دعوتها للعشاء؟ ، قررت أن أستغل فرصة غفوتك و أنظف البيت، يبدو أفضل أليس كذلك؟ أجابها وهو يحاول كبح دهشته المتزايدة ملتعثم الكلمات. مصطفى: أجل أرى يا أبنتي، لكن كيف فعلتِ كل ذلك وحدك؟ كان بأمكانكِ إيقاظي لمساعدتكِ.. حاول مصطفى أن يعبرعن أهتمامه متجاهلاً البرود الذي أستقر بـ ردها و قسمات وجهها التي تعكس اللامبالاة. لكن لم ينعكس لكلمات هذه أي تأثير على هالة فأجابته بصوت منزوع من الين و الود مغمور بالكره. هالة: أنا لا أحتاجك ولا أحتاج لمساعدتك، أن كنت تفلح لكنت فعلتها سابقاً. طالما كنت أقوم بكل شيئ وحدي من دونك. كان كلام يحمل مزيجً من اللوم والعتاب التي حاولت أن توجهه لمصطفى ليرى نتيجة أفعاله. فتح مصطفى عيناه ببطئ ورفع نصف جسده العلوي بثقل عن الأريكة و حاول ترطب جفاف حلقه مبتلع الغصة التي أصاباته على أثِر كلمات أبنته الوحيدة. تابع بحيرة لا يجد من الكلمات ثم نبس بنبرة متهدجة بتعب. مصطفى: هالة، أبنتي، أنا اعلم أن الأمور بيننا لم تكن على ما يرام منذ مدة وأعلم أنني أبتعد عنكِ كثيراً. حمحم متنهد بحنق ثم أردف مستكملاً. مصطفى: لكني أريد أن أحسن الوضع و أعيد تصحيحه.. قاطعت هالة متسائلة هالة: تحسن الوضع! أنفجرت بسخرية مريرة ضاحكة بأستهزاء ثم أردفت بدهشة و كلمات محملة بالغضب. هالة: بعد كل هذه السنوات؟ لقد قمت بتقيد حياة أمي وكنت متحكم متسلط و منعدم للمسؤالية وكنت من تسبب لها بحادث حرمها حتى بأن تقف مستقيمة على رجليها و بالأخير طلقتها، هل حقا الآن تريد تحسين الوضع؟ كان مصطفى ينظر إليها مصدومً، لم يكن متوقعً بـأن تجرؤ هالة التي دون العاشرة على واجهته بتلك الحقائق و تلقي بوجهه الأتهامات تبعً. لكن هذا لا يعني أنها هخطئه بأي مما قالت من كلامها؛ لذا حمحم مصطفى و أجاب بصوت أكثر نعومة ونبرة ذات لين محاولً تهدئة الأجواء. مصطفى: نعم أنتِ محقة أبنتي، ويحق لكِ الغضب مني والحزن على الحال التي وصلت إليه والدتكِ. أعلم أنني لم أكن الأب الذي تستحقينه، وأن لدي أغلاط كثيرة وأنني من تسبب في فقدان والدتكِ قدميها. تنهد ناكس راسه للأسفل و تمتم بيأس بالغ. مصطفى: لكني أريد أن أصلح الأمور، و أريد أن أكون الدعم الذي تحتاجيً إليه. تجمعت الدموع مغلفة مقلتيها وبصوت متحشرج باكيً نابع عن قلب طفلة منفطر و مخزول تنهدت معربة. هالة: أريد أن أصدقك يا أبي، لكن الآلم عميق، والجراح لا تزال تنزف. زمجر معلناً بدا أظهار غضبه وهتف بحدة. مصطفى: هالة، كفى فهذا ليس عدلاً، أمكِ أيضاً لديها أخطاء وكان الأمور معقدة و... قاطعته هالة بحدة تهتف بدموع هالة: كلا، لم تكن معقدة! ، كانت واضح. لقد أحبطت أمي وأحزنتها بأهمالك و أنعدام مسؤاليتك و آلمت قلبها بتكرار أكاذبيك. ازدادت حدت صوتها و أسترتسلت هالة: و أنا لن أسمح أن يحدث ذلك معي ولن أصدق أكاذبيك يا أبتي. أختمت هالة حديثها ولم تدع له الفرصة بأن يرد دافعً عن نفسه الظالمة لينفي الأتهامات و أنسحبت بين دموعها إلي غرفتها مغادرة تاركه وراءها الصمت يغلف مصطفى و أفكاره المضطربة. وقف وسط الصالة يتمعن بما قالته هالة، فهو بأعماقه وداخل خلجات نفسه يعلم أنها محقة تماماً و أنه اخطئ بحقهن مراراً و من المستحيل أن تعود أي منهما ليثقوا بكلامه أو أفعاله بسهولة. مسح الصالة بنظرة متفحصة، كل شيئ منظم و اللمعان لذي أضافته هالة بمجهودها رغم كونها طفلة. أنتباه شعور بأن كل جزء نظيف من البيت يلومه على أنعدام مسؤاليته؛ فهو لم يبذل سابقا أي جهد لإصلاح الفجوة التي خلقها إنما أكتفى بإعطاء وعود زائفة؛ لذا من الطبيعي أن يفقد ثقة الجميع كالراعي الكذاب. نكس رأسه ناظر للأسفل ثم أنسحب خائب الأمال و فارغ الوفاض إلى غرفته لينام متناسي حدت كلمات هالة التي تؤخذ بأعماق قلبه القاسي و تنخر عقله الأمنطقي. __________________ في ظلمة الليل الدامس، وبعد أن حي الصمت على أرجاء المنزل، وبعد ما أن أستسلم مصطفى لأحضان النونم غافلاً عن عاصفة الغضب التي تجتاح قلب أبنته هالة. تسللت هالة خارج غرفتها بخطى حذرة، تحمل بين طيات قلبها ثقل الظلم التي لقاته. كانت الساعة تشير إلى ما بعد منتصف الليل، طالعت النافذة التي تطل على الشارع بأعين خالية من المعاني ولكن إنعكاس الروح ينبض بالأسرار و الذكريات المبعثرة الضائعة بين الأرواح. تسللت هالة بخطى حذرة خارجة من غرفتها تاركة وراءها أثر ذلك النقاش الذي أحرق أخر أطراف روحها. كان الليل قد تعمق في سكونه، خرجت من المنزل بخطوات هادئة ومتسللة إلى الشارع المظلم. كانت الليلة باردة و هادئة تماما كقلب هالة الذي بات ينبض ظاهرا وحسب فكان هناك قلباً آخر قد أعتصره الآلم والغضب و وجد بقلب هالة ملاذ ليحقق أنتقامه. ومع الصمت الذي يخترق الجو وجدت هالة نفسها قد ساقتها قدميها نحو ذلك البيت القديم المجهور الذي يقبع بزواية الشارع المظلم والذي كان يوماً مليئاً بالحياة والضحكات والآن لا يسكنه سوى الصمت وأشباح الذكريات. وقفت هالة أمام باب الموصد حيث يخفي وراءه قصص منسية، ثم أتجهت لتدخل من الباب الخلفي حيث كانت تعلم أنه لن يكون هناك من يراقب خطواتها. دلفت إلى الداخل بحذر وكانت همسات خطوها هي الوحيدة التي تكسر صمت الليل المخيم على الأرجاء. بدأت هالة تتجول في البيت وكأنها تبحث عن شيئ ما، دخلت إلى تلك الغرفة التي كانت تعج بالحياة والآن لا تحوى سوى ظلال من الماضي. جلست هالة في ركن الغرفة الباردة على الأرضية يكسوها طبقات من الرماد، ليس رماد ذكريات سارة التي كانت يوماً مليئة بالحياة والأمل قبل أن يغتال الظلم براءتها؛ إنما رماد حريق محى كل معالم المكان. تمعنت النظر بأركان الغرفة وجذب أنتباها شيئ صغير يقبع بالزواية، همت من مجلسها لتلقطه بين يديها بتفحص، كان دب من الفرو أشهب اللون لكن غلفه الرماد والذي على أثر الحريق أحترقت أجزاء منه فلم يكن سليم الهيئة إنما كان مسخ مشوه كـ روح هالة. كانت الذكريات تعود إليها بقوة، فلم تع قدميها قادرة على الأستقامة فخرت قواها لتجلس على الأرض، تنفست العتمة و أغمضت عينيها تسترجع ذكريات لا تُحتمل. سارة، تلك الروح الطاهرة التي ظُلمت و أُهنيت، والتي رحلت تاركه وراءها جرحاً لم يندمل. سارة، التي عانت من الظلم الشديد، ظلم جعلها تعود من بين الأموات لتبحث عن العدالة التي حرمت منها. والآن بعد أن أستحوذت على جسد هالة أصحبت مستعدة لتنفيذ مهمتها الأخيرة. ها هي الآن عادت من بين الأموات، لا لتطلب العدالة؛ إنما لتطبقها بتحقيق الأنتقام. وفي تلك اللحظة، شعرت هالة بروح سارة تسرى في عروقها، تملأها بقوة غير مألوفة، قوة تدفعها لتنفيذ ما لم تكن لتجرؤ عليه في يوم من الأيام. قامت هالة لتقف وفي عينيها برق من العزم ولمعة الأنتقام، كانت عينيا تشتعلان بالغضب بنار الأنتقام التى الهبت قلبها راغبتً به. _________________________ بدأت الرحلة... غادرت هالة المنزل لتبدأ مسيرتها بين الشوارع المظلمة،تحمل في قلبها روح سارة الثائرة قاصدين أولى خطوات رحلة الأنتقام. رحلة لن تنتهي إلا بتحقيق السلام لروح سارة، ولكل الأرواح التي عانت من الظلم والقهر. لم يكن هناك صوت يخترق الليل إلا صوت خُطى قدميها الذي ملئت أصدائه المكان. بخطوات ثابتة لا رجعه لها بدأت تقترب ببطئ متنقلة بين الظلمات لتصل أمام منزل ليس ببعيد، منزل يسكنه أخد أؤلئك الذين حرموا سارة البسمة، الشخص الذي كان من ضمن أسباب عودتها من بين الأموات. أغمضت هالة عينيها للحظة فتداخل بين ظلام رؤيتها طيفً من الرؤى. لترى طفلاً صغير يعانق الدب الأشهب الصغير خائفا و تحاصره النيران. فتحت هالة عينيها وأثقل قلبها بيقين أكثر ثم رفعت يديها بحزم لترن جرس الباب. مرت ثوانِ حاسمة من الصمت الذي شقه صوت رنين جرس الباب و أنفاس هالة المعبئه بالتوتر. فُتح الباب ببطئ معلنً وصول الجلاد و تحقق أولى حلقة من مسلسل بدأته الروح الغاضبة. هذه الليلة هي البداية، بداية مسار الأنتقام الذي لن يتوقف حتى تكتمل دائرة الأنتقام. وقف لثوانِ يحاول إستعياب لما قد تبقى طفلة في الشارع بعد منتصف الليل. رامقته هالة بنظرات باردة وأبتسمت بخبث أكتسبته من الظلام الذي تسلل لروحها. لم تهمله وقتً أطول لتفكير أو السؤال، وضعت هالة بين يديه الدب الأشهب المشوه. ألتقطه بين يديه و أمعن النظر به مسترجعاً تلك الليلة التي لا ينساها أبدا، جحظت عيناه و أختنقت أنفاسه و تعرقت جبينه محاولا نفي ما طرق تفكيره و همس بتحشرج. - من أين حصلتِ على تلك اللعبه يا صغيرة. أجابته بصوت هامس كالفحيح. هالة: من بين نيران جنهم. ——————————....... يتبع - عزيزي لقارئ- أقدر كونك تحب أن تكون غامضاً غير ملفت للأنتباه تتصفح و تسلل بين الفصول بصمت دون أن الأحظ لك وجود.. لكن فالحقيقة أسعد و يزيد من طاقتي الأيجابية عندما أري تصويتك و تعليقك عقب كل فصل ، فرجاء مثلما أسعدك بنسج عالماً من الخيال حاول أن تسعدني و تفاعل ولو بقدر بسيط... تم | الفصل الأول | 17/5/2024